تسجيل الدخول

التعليق على كتاب الاتِّجاهات الوطنيَّة في الأدب المعاصر | برنامج رياض الجنة | المجلس الخامس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا رب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا، وأن يصوب نياتنا، ويغفر ذنوبنا وتقصيرنا. نسأل ابتداءً عن جودة الصوت قبل أن نشرع في هذا الطريق، حياكم الله.

إذاً، نقول: بسم الله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصل وسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم نجِّ المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، ونجِّهم في غزة خاصة. اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية. اللهم عليك باليهود ومن أعانهم على قتل المسلمين، اللهم عليك باليهود والمنافقين. اللهم من جوّع أهل غزة فجوّعه، اللهم من أتعبهم فاتعبه، اللهم من سامهم سوء العذاب فانزل بهم سوء العذاب يا أرحم الراحمين، ومكِّن المجاهدين من رقاب الكافرين، إنك نعم المولى ونعم النصير.

حياكم الله في صبيحة يوم السبت وفي المجلس المتكرر في دراسة أو التعليق على كتاب الاتجاهات الوطنية للشيخ محمد حسين بدراسة حقبة من التاريخ المعاصر، التي نهدف من خلالها إلى رفع كفاءة طلبة العلم والدعاة والمصلحين بالنظر في فهم التاريخ وكيفية السياسة، وكيف تطبخ الأمور؛ سواء كيف يطبخ الغرب والاستعمار من خلال صناعة الألاعب والاحابيل في بلاد المسلمين، وكيف كان يحاول البعض الوقوف في المنتصف بين الاستعمار وبين الإسلام، وكيف البعض يميل إلى الإسلام، وكيف يتفاوت حال الناس وحال النظار من المفكرين والمثقفين والمشايخ والعلماء في أوقات الهرج والمرج كما يقولون، وفي أوقات الجذب والرد، كيف يختلف الناس في مواقفهم وأحوالهم، وننظر مآلات هذه المواقف حتى يكون الإنسان صاحب خبرة يعني ونظرة وتجربة ويعرف كيف كان العلماء يفكرون وكيف كان الغرب يستطيع استماله بعض العلماء وشراء ذممهم. وهذا يعيننا على أولاً أن نعرف كيف نحكم على المواقف، وأن نعرف ألا نقع في الفخاخ التي وقع فيها بعض الدعاة والمصلحين في العقود الماضية، وأن نعرف أنه حينما تشوه صورة الإسلام ولا يؤخذ الإسلام بالكلية، أو لا يؤخذ طبعا مفهومه وشموليته وكليته، فإن إنصاف الحلول لا تنتج، فإن إنصاف الحلول لا تنتج، إلى غير ذلك من الأفكار الكثيرة التي من خلالها نهدف إلى قراءة مثل هذه المذكرات والكتب، خاصة عندما يكون الكاتب يجنح إلى شيء كبير من الإنصاف والتحليل للمشهد.

وصلنا إلى الفصل الرابع أظن وهو قوله: تيارات سياسية. بسم الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين، وانصر عبادك المستضعفين. قال رحمه الله: الفصل الرابع: تيارات سياسية. كانت الثورة العرابية بداية تحول خطير في الوعي السياسي المصري، فقد كثر فيها الكلام عن حقوق المصريين، وعن الحياة النيابية، وعن الحد من سلطان الحاكم ومراقبه تصرفاته.

الثورة العرابية يعني هي أصلاً هذا الكتاب بدايته من توثيق الثورة العرابية كما قلنا 1878. الثورة العرابية 1878 تقريباً للعرابي ومن تبعه من الذين كما قلنا سابقاً لم يريدوا الخروج عن الخلافة العثمانية، لكنهم طالبوا بحقوق المصريين وأنه يعطى لهم المنزلة والمكانة، لأنها حقوقهم كانت مهضومة، على كانت الامتيازات تعطى عادة للشركس الذين كانوا هم أصحاب المناصب وما شابه ذلك. طيب.

قال: وكان اخطر ما تنطوي عليه من دلالة أنها مظهر لثقة المصريين بأنفسهم، وبقدرتهم على فرض إرادتهم، وبجيشهم وبقدرته على الصمود في وجه الأجنبي. والواقع أن ثورة الأفكار والتطلع إلى الحرية والنظم النيابيه كانت قد بدأت منذ أواخر عهد إسماعيل الخديوي اسماعيل. الخديوي إسماعيل أحد ملوك الخديويين عائلة الباشا نعم. قال: واتسع مداها في أوائل عهد توفيق الخديوي توفيق نعم.

فاخذت مصر تتطلع إلى نظام جديد يضع حد للإسراف وللنفوذ الأجنبي، ويوطد أركان العدل والحرية والدستور. وبدأت مظاهر هذه الثورة الكامنة التي تريد أن تعبر عن نفسها في صور مختلفه، فقد بلغت جرأة الصحف في معارضة الحكومة حدا لم يألفه الناس ولم يعرفه الحاكمون من قبل، واصبحنا نسمع للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث عن تعطيل الصحف واضطهاد رجال الصحافه، وكثر حديث الناس عن الظلم والظالمين، وجهر الثوار بارائهم الجريئة التي صادفت هوا في النفوس.

وانطلق جمال الدين الأفغاني يشحن قلوب تلاميذه ومريديه بالثوره على الأوضاع السائدة ويوقظ فيهم روح الحمية والأنفة بما يلقي إليهم من مثل قوله: إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم بحجر الاستبداد، وتولت عليكم قرون منذ زمن الملوك الرعاه حتى اليوم، انتم تحملون عيب أنير الفاتحين. قال: وتعنون لوطأة الغزاه الظالمين، تسومكم حكوماتهم الحيف والجور، وتنزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون راضون، وتنتزف قوام حياتكم ومواد غذائكم المجموعه بما يتحلب من عرق جباهكم بالمقرعة والسوط. مواد غذائكم المجموعة أظن هي الفاصلة غلط مكانها نعم. يعني يحلبون عرق جباهكم نعم.

قال: بالمقرعة والسوط وانتم في غفلة معرضون. فلو كان في عروقكم دم فيه كريات حياة، وفي رؤوسكم أعصاب تتأثر فتثير النخوة والحمية، لما رضيتم بهذا الذل والمسكنة، ولما صبرتم على هذه الضعة والخمول، ولما قعدتم على الرمضاء وأنتم ضاحكون. تناوبتكم أيدي الرعاة، ثم اليوناني والروماني والفرسي ثم الرعاة مر معنا تاريخياً كأنهم حكموا مصر قديماً، حكموا لكني ما أعرف تاريخهم، حكموا مصر قديماً في مع الفراعنة وقبل الفراعنة نعم.

قال: ثم العربي والأكراد والمماليك، ثم الفرنسي والمماليك والعلويين، وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه، ويهيض عظامكم بأداة عصف. مبضع يعني هي زي المقص نعم. قال: وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس ولا صوت. انظروا أهتمام مصر وهياكل منفيس وآثار طيبة ومشاهد سيوه وحصون دمياط، شاهده بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم. وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم، إن التشبه بالرشيد فلاح. هبوا من غفلتكم، اصحوا من سكرتكم، انفضوا عنكم غبار الغباوة والخمول، عيشوا كباقي الأمم أحراراً سعداء، أو موتوا مأجورين شهداء.

قال: وغمر البلاد سيل من المنشورات السرية التي تصور سوء الحال وانتشار الظلم، مطالبة بوضع حد لما تعانيه مصر والمصريون. ثم أسفرت جماعة الثوار من الساخنين عن وجهها وجهرت بوجودها، فكونوا حزبا سياسياً للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث، سموه الحزب الوطني. هذا الحزب الوطني اللي حكينا عليه أجاء بعدين أخذتها مصطفى كامل وصار هو يعني هو من أول حزب وطني هيك يقول في مصر الحديثة نعم.

قال: ونشر الحزب برنامجه الرسمي في جريده التايمز في اول يناير سنة 1882 وهو يدل على وعي وطني من نوع جديد يقوم على أساس القومية المصرية وحدها دون تفريق بين الأديان، فقد جاء فيه: الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني، فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، واغلبيته مسلمون لأن تسعة أعشار المصريين من المسلمين، وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه، لأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع إخوان، وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية.

هذا يعطيك مدى الجهل الموجود حتى عند الإسلاميين إذا صح يعني إذا صح تسميتهم إسلاميين. هنا من هنا تبدأ الهزيمة إخواني عندما تحاول أن تتحاشى الأحكام الشرعية من أجل يعني تغليب الجوانب القومية والوطنية، فهؤلاء مثلاً لما يقولون: ونعلم أن الجميع إخوان وأن يعني الإخوان مسلمين يهود نصارى وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية، هذا يخالف شرع الله سبحانه وتعالى، كيف أن حقوقهم والشرائع والسياسة متساوية؟

تمام. الآن، شوف، لو كنا نتكلم عن ليس دولة مسلمة، وإنما دولة تحاول أن تصل يعني ضمن المؤامرات العالمية للإسلام، كما يحصل الآن في الشام وسوريا، قضية أننا نريد في النهاية الآن أن نصل إلى السقف ممكن حتى نستطيع أن نصل للنظام الإسلامي، يعني أنت الآن تعترف أنه أنا لا أمثل النظام الإسلامي، أنا أمثل الحزب الفضول نحقق عدالة عامة، لكن أقول لا أستطيع أن أقوم بنظام إسلامي. لو كان الحال من باب التوطئة والتمهيد فالإسلام يسع التدرج. تمام، لكن أن تكون أنت في الأصل، الأصل مصر في تلك الفترة ما كانت تحتاج لمثل هذا الكلام، ما كان العالم بهذه الأحكام وهذه القبضة المهوله التي توجد في واقعنا المعاصر، حتى أنت تبدأ تتنازل، لكن هذا يعطيك مدى التشوه الفكري الذي كان عند حتى من يسمون بالإسلاميين الذين يقودون هذه المرحلة وهذه التجربة نعم.

قال: وظهر من مشكلة مع الفارغ آخر شيء لأنه بعد ذلك البريطانيين ضربوا ثورة العرابي وأذلوها، وجاء الانتداب الرسمي، الانتداب الرسمي حصل بعد ذلك، فهم لم يستفيدوا أصلاً من كل هذه المجاملات. إن كان يقصد مجاملات كنت استبعد يعني.

قال: وظهر من الشعراء من يستطيع أن يقول عن إسماعيل أيام كان الجبروت في عنفوانه: رمى بلادكم في قعر هاوية من الديون على مرغوب جسيار. وانفق... هذا جسيار قالوا في الحاشية يعني شخص كأنه كان من البريطانيين مسؤول نعم. وأنفق المال لا بخلاً ولا كرماً على بغي وقواد وأشرار، والمرء يقنع في الدنيا بواحده من النساء، وهو لم يقنع بملياري. شوف نازل في إسماعيل الخديوي، الخديوي إسماعيل، أنه أنت شغل نساء وتصرف المال على البغايا والقوادين، ويكتفي ببناء واحد وله 90 قسراً بأخشاب وأحجار. يعني الإنسان الطبيعي يبني قصر، وهذا الزلمة باني 90 قصر نعم. فاستيقظوا لا أقال الله عثرتكم من غفلة البستكم ملبس العاري.

قال: وصالح مجدي صاحب هذه الأبيات هو الذي يقول نادماً على ما أنفق من جهد وما سوّد من صحف مدح طائفة من الملوك والرؤساء والوجهاء هم أحق الناس بالذم والهجاء. هذا كان يمدح الملوك بعدين قلب قال: أنا الظاهر أنني أخطأت في مدحي لهؤلاء الملوك المصريين نعم.

قال: استغفر الله من نظم القريض ومن واسم البغيض بما يعزى لربالي. ومن واسم البغيض: أن اسم الإنسان البغيض يقصد الحاكم بما يعزى لربال، ربال أسد كأنه شيء من ذلك، يقول: أنا كنت أصفهم بصفات الأسود، واستغفر الله من هذا الوصف نعم. ومن مديح غداً ذمي به أبداً فرضاً على مؤمن عدل وتنبالي. قال: يجب هذا الشعر أن تذموني عليه، المسلم العدل وتنبالي المغفل نعم.

ومن أكاذيب ألفاظ بها انتشرت صحائف طيها قد كان أُولالي. ومن ثناء مجازي حقيقته تهكم عند تفصيل وإجمالي. ومن حماس خيالي قد اندرجت به ذوو الجبن في تعداد أبطالي. صورت به الجبناء أبطالاً نعم. ومن زخارف أوزان نظمت بها ركن الخنا والعنا في سلك أقيالي. يسب ركن الخنا الملك، جعلت ركن الخنا والعان جعلتهم في سلك أقيال، أي أي في نظم الملوك الأقيال، جمع قيل والقيل هو الملك. والسلك قال للاسف أنني جعلتهم في مصفي وفي سلك الملوك وهم أركان للخنا والبغى وما شابه ذلك نعم.

قال: وهذا الشاعر الذي توفي قبل قيام الثورة العرابية بشهور في نوفمبر سنة 1881، هو الذي يقول مستثيراً همم المصريين لمقاومة النفوذ الأجنبي الذي استفحل في مصر حتى غدت مرتعاً لكل أفاق خليل: ما للفضل والعلم قيمة مع الجهل في دار العنا والمغالم، وما صاحب العرفان فيها كجاهل آتاها ذليلاً من بلاد الأعاجم. فلو كان فينا نخوة عربية لمُلنا على أعدائنا بالصوارم، فإن نحن متنا قبل أن نبلغ المنى عذرنا ورحنا بالثنا والمكارم، وإن نحن أنقذنا من الجور أهلنا ظفرنا وفزنا بالثنا والمغارم والمغانيم. أاما فيكم يا أهل مصر كغيركم نصيراً يرجى للقنا والعزائم؟ فلو أن لي جيشاً به ألتقيهم لأفنيت أقصاهم بربح وصارمي، وطهرت أرض الله منهم بقتلهم، وأحيت دين المصطفى خير هاشمي، وأمسيت كالليث بن أيوب مغرماً مغرماً بضرب رقاب من هم ومعاصمي. ابن أيوب يقصد صلاح الدين الأيوبي نعم.

فيا آل مصر، فيا آل مصر لا تناموا ودافعوا عن الدين والوطن أهل المحارم. فأموالكم أضحت لديهم غنيمة، وأبنائكم ما بين عبد وخادم. ومن بعد ما كنتم شموس معارف كُسِفتم وأصبحتم شبيه البهائم، وعشتم بذل بعد جاه وعزة ودارت عليكم دائرات المظالم. فلا تغفلوا عن قطع دابر نسلهم فقد ملأوا بالفسق كل الملاحم.

قال: وبدأ هذا الشعور الغامض بالسخط يتبلور، وبدأت الآراء المختلطة تنضج وتأخذ أشكالا محددة واضحة المعالم والأهداف والمناهج. فهذا هو محمد شريف يؤلف وزارته الأولى سنة 1879 في أوائل أيام إسماعيل على أساس مسؤولية الوزارة أمام مجلس شورى النواب، ويعود فيؤكد ذلك عندما دعاه توفيق بعد عزل أبيه إلى إعادة تأليف الوزارة، ويصدر بعد تشكيلها أمراً سامياً يوضح فيه برنامج الحكم، وفيه يقرر مسؤولية الوزارة كما يقرر العمل على حل المشكلات المالية والحد من نفوذ الأجانب، وذلك بهيمنة مجلس النواب على الميزانية وبعدم إشراك الأجانب في الوزارة.

وهذا هو محمد عبده يكتب مقالين في سنة 1881 يؤيد فيهما النظام النيابي ويدلل على وجوبه ولزومه للحاكم والمحكوم، كما يتكلم عن قيمة الرأي العام في تقويم الحاكم ومراقبة تصرفاته، وفي لمِّ الشتيت المتفرق من الآراء والمصالح بما يصون مصالح الوطن ويحقق السعادة والرفاهية للمواطنين جميعاً. يقول محمد عبده في وجوب الشورى على الحاكم: خلق الإنسان محاطاً بالشهوات، مكتنفاً بالأميال، مقيداً بالأغراض. الأميال جمع ميل، والميل هي الرغبات، يعني مكتنفاً يعني تحيط به ميولاته ورغباته الشخصية نعم. قال: فهو أسيرها تدفعه إلى مقتضياتها وتجذبه إلى لوازمها بحيث تكون جميع قواه آلات لها تحركها بما يناسبها وتستعملها فيما يلائمها.

فإن... مش واضحة والله هي مش واضحة. فيصور حسناً إلا ما تستحزب فلا يتصور، فلا يصور حسناً إلا ما إلا ما فلا تصور حسناً إلا ما إلا ما تستحسن النفس يعني نعم. ولا يتخيل جميلا إلا ما تستجمل، وهذا أمر

يكاد أن يكون طبيعيا فطريا، لا يمكن الإنسان أن يغالبه ولا أن يتخلص منه. وإن أمكن في بعض الأحيان تقليل سطوته وتهديد سلطته، على أن هذا أيضا ليس في وسع كل أحد ولا في طاقة كل شخص، فلا يستطيعه إلا من كبرت همته، ولا يقدر عليه إلا من ذكت فطنته، حتى يتمكن من ردع تلك الدوافع وكبح تلك الجواذب، مما يتخذه من الوسائل المختلفة حسب اختلاف المقاصد، والذرائع المتنوعة حسب تنوع الغايات.

وحيث كانت هذه الدوافع والجواذب قوية لدى أولي الأمر لاقتدارهم على مقتضياتها وتمكنهم من لوازمها، كانوا مضطرين إلى مغالبتها ومقاومتها بما يتيسر من الوسائل المؤدية إلى ذلك. أن يقول: أي حاكم مكتنف بمجموعة من الشهوات والميولات والرغبات الشخصية، هي التي تكون المحرك الحقيقي لأفكاره وتصوراته وقراراته، خاصة إذا كان حاكما يستطيع أن ينفذ قراراته كما يشاء. طبعا هو يريد أن يصل؛ مادام الحاكم هو عرضة للشهوات والميول الشخصي، فالأصل في الحاكم أن يستقل برأيه، فلا بد أن تجعل للملك مجلسا من الشورى يضبطك ويضبط ميولاتك ورغباتك. نعم.

قال: حتى يتمكن من النهوض بما وُسد إليه من رعاية مصالح العباد. وليس من وسيلة إلى ذلك إلا مشاوره العارفين العالمين بطرقها؛ فإن للرأي العام في مغالبة الأهواء ما لا يخفى من القوة، ولذلك ترى أن الإنسان ربما مال إلى شيء ولكن يمنعه من معاطاته علمه بأن رأي العَلم يستحسنه. وأيضا فالإنسان الواحد قاصر، وإن بلغ ما بلغ من اتساع نطاق الفكر عن أن يحيط علما بالمصالح عامة، خصوصا إذا كانت مصالح أمة كبيرة؛ فإنها حينئذ تكون بمنزلة الفنون المتنوعة المختلفة التي يعجز الإنسان الواحد أن يستوعبها ويستوفيها اطلاعا.

ويقول في وجوب الشورى على المحكوم: قد علمت أن الواحد وإن بلغ من علو الفكر ورفعة الذكاء مكانا عليا، قاصر عن الإحاطة بمصالح الأمة. وحينئذ يلزمها إذا ألقت إليه مقاليد مصالحها أن تمده من آرائها بما يقتدر به على النهوض بواجباتها والقيام بحقوقها؛ فليس من الإنصاف أن تلقي على كاهله أعباء هذه المصالح الجمة وتتخلى عنه، ثم إذا رات ما لا بد منه من التقصير وجهت إليه سهام اللوم! بل يجب عليها مساعدته بما تراه موافقا لوجه الصواب، ثم إذا وجدت منه تقصيرا فيما اختص به كان لها حينئذ أن تلوم.

ويقول في نشأة الرأي العام ولزومه: إن القانون الصادر عن الرأي العام هو الحقيق باسم القانون المقصود بالبيان ليس إلا. وبيانه أن الاجتماع بين أمة من الناس من مبدأ أمره لا يكون له داعية سوى الصدفة، أو أسباب أخرى قهرية لا تخرج عن الطوارق التي تلم بالإنسان، فتلجئه إلى ملجأ من نوعه يستعين به على دفعها.

فإذا استتب الاجتماع وسكن الأمن في قلوب المجتمعين وانقطع كل منهم في الأسباب التي توصله إلى لوازم المعيشة، نزع فيهم حب المسابقه في كل ما يتنافس فيه كل حي وتولد، ما من التجارة والمال والتنافس على الدنيا. نعم.

وتولد من ذلك حب الطمع والشح، وجرى الأمر إلى الحسد والبغض والبطر؛ فأصبحوا وهم في مكان واحد متباعدي المقاصد، أشتات القلوب، لا يبالي أحدهم بإفناء مصلحته بمصلحة الآخر بأي طريق سلك، ونسي رابطة الاجتماع وواجب الاشتراك في الوطن. يريد أن يقول إن للأسف أن الناس عاده تشترك عند الملمات والمصائب والأمور القاهرة، فإذا عاد الأمن والاستقرار عاد كل منهم إلى تحقيق مصالحه الشخصية، ونسوا الألفة وضرورة الاجتماع والتألف، وهذا يولد الشراسة والتحاسد والتباغط، فتعود المفاسد من جديد.

فأصبحوا وهم في مكان واحد متباعدين مقاصد، أشتات القلوب، لا يبالي أحدهم بإفناء مصلحته بمصلحة الآخر، يعني الشاطر اللي بيفوز بينهب غيره. نعم.

قال: وتناول أشدهم عضضا مقاليد الحكم عليهم، وبث فيهم أعوانه وأنصاره بدون قاعدة تربط الأعمال وتبين الحدود. فحينئذ لا ترى لاثنين منهم رأيين متوافقين ولا قصدين متطابقين، بل لا ترى إلا نفوسا شريدة وأغراضا متباينه تسوقهم عصى الظلم وتجمعهم دائره الغرم، فهم في هذه الحاله ليس لهم وجهة تربط أعمالهم وتوحد مقاصدهم، بحيث تكون محورا لدائرة أفكارهم وغاية تنتهي إليها حركاتهم في كافة أمورهم.

إذا ما نزل بهم من دواعي الاضطراب وأسباب تبلبل الألباب، ما جعل لكل منهم شأنا خاصا به، فلا يفكر يوما ما في حقوق الاجتماع ونسب الارتباط، فكأنه أمة وحده مقطوع العلائق بغيره، فلا يتصور أن يكون لهم حينئذ رأي عام يجمعهم. فإذا توالت عليهم الحوادث وعلمتهم أسفار الأخبار طرفا من سير الأمم، تذكروا أنه قد كان من حقوق الاجتماع ما يسوقهم إلى العيش الرغد، ويصون عناصرهم الشريفة من لوث الخسة ودناسة الاتضاع، فتحركت نفوسهم بتقويم دعائم الاجتماع على أصولها التي تطالبهم بها طبيعته.

فتمانعهم تلك الأخلاق التي نشأوا بها ممانعة تضعف منهم قوة العمل. يعني أخلاقهم التي نشأوا عليها من الشح والكسل والوحدة والتفرد تمنعهم من الوصول إلى فضيلة الاجتماع. نعم.

قال: فكلما قويت فيهم دواعي الاجتماع اشتدت كراهتهم للتقاعد عن الأخذ بالوسائل، وطفقت نفوسهم تنفض عنها درن الملكات الفاسدة، وتوفرت فيهم بواعث الأعمال المختلفة، واصبحت المقاصد متجهة إلى غاية واحدة، وهي المعاضدة على حفظ الهيئة الاجتماعية. فعند ذلك ترى من لم تهزه الشفقة منهم على المنافع العامة ولم يفقه حقيقتها يوما، يفضلها على غاياته الخاصة ويعلمها حق العلم بدون أن يتلقى درسها من معلم؛ فإن الحاجة هي الاستاذ الذي لا يضيع تعليمه ولا الحاجة الاختراع مش هيك بقول لك نعم.

ولا يخيب إرشاده، ومن هنا ينشا بين الناس ما يعبر عنه بالرأي العام، وهو الأساس الذي بدونه لا يمكن أن توجه الكلمة في أمر ما يراد التداول فيه، ونقطة الالتقاء التي تجتمع بها أطراف الأفكار المتشعبة وتنمحي فيها الأغراض المتعددة.

فإذا بلغت أمة من الناس هذه الدرجة من التنور وأصبحوا جميعا على رأي واحد في وجوب ضبط المصالح وتقييد الأعمال بحدود مقدسه تصان ولا تهان، اندفعوا جميعا إلى طلب هذه الحقوق الشريفة بدون أن يخشوا لومة لائم، ولا يكتفون دون أن يروا بين أيديهم قانونا عادلا لائقا بحالهم، منطبقا على أخلاقهم وعوائدهم، كافلا بمصالحهم، يرجعون إليه في أمر المساواة والأمن على البلاد والعباد.

قال: وهذا عرابي وصاحبه يناقشون أنواع الحكومات وأساليب الحكم، فيفضلون النظام الجمهوري ويهمهم تنفيذه كصر إلى الآن ملكية، النظام الذي فيها ملكي العرابي وجماعتهم أصحاب الثورة العرابية كانوا يريدون تحويلها من نظام ملكي إلى نظام جمهوري، أن الحاكم ينتخب انتخابا على طريقة الدول الجمهورية اليوم. نعم.

قال: فلا يحول بينه وبين ذلك إلا ما يخشون من مفاجأة الرأي العام بنظام لم يستعدوا له. وفي ذلك يقول عرابي في خطاب إلى بلنت، بلنت هذا البريطاني على مصر. نعم: ثم خلع إسماعيل فزال عنا عبء ثقيل، ولكن لو كنا نحن قد فعلنا ذلك بأنفسنا لكنا تخلصنا من أسرة محمد علي بأجمعها.

يعني محمد علي باشا اللي هو رئيس الملكية المصرية الحديثة تمام. فهو بيقول له بلينت يعني: أنتم ماشي خالعتوا الخديوي إسماعيل بس لو كان ماشي وزال عبء ثقيل، لكن لو كان الأمر في أيدينا ونحن من خلعناه المصريين -أنه واضح أن البريطانيين هم اللي شالوا الخديوي إسماعيل- لو قلنا نحن المصريون الذين خلعنا أزلنا كل شجيرة أحفاد محمد علي باشا وأزلنا الملكية عن مصر وحولناها إلى نظام جمهوري هكذا يقول عرابي نعم بلنت.

قال: لكنا تخلصنا من أسرة محمد علي بأجمعها، ولم يكن فيها أحد جدير بالحكم سوى سعيد، سوى الخديوي سعيد. نعم. وكنا عندئذ أعلنا الجمهورية.

ويقول البارودي: كنا نرمي منذ بداية حركتنا إلى قلب مصر جمهورية مثل سويسرا، ولكن وجدنا العلماء لم يستعدوا لهذه الدعوة لأنهم كانوا متأخرين عن زمنهم.

لاحظ هذا البارودي الشاعر البارودي، البارودي كان شاعر وكان في نفس الوقت سياسي كبير في مصر فورجي يعني كما يقولون، هو يقول لك إن العلماء في مصر لم يكونوا مستعدين لتحويل النظام الجمهوري، وأنا أعتقد أن هذه أيضا إحدى الإشكالات؛ يعني هل هو تحويل النظام الجمهوري هو الذي كان سيحل المشكلة؟ يعني هذه أمور تحتاج نظر، لأنه بالنهاية النظام الجمهوري أيضا هو نظام غير مستقر بالنسبة للحكم.

أنت مشكلتك أن نوعية الحاكمة التي تأتي هي الفاسدة، نوعية الحاكم. لكن الـ يعني ما كان يظنه البارودي والعرابي من أن تحويل مصر إلى جمهورية سيؤدي إلى استقرارها، المشكلة أن نظام الجمهورية لا يؤدي إلى الاستقرار بل يؤدي أحيانا أيضا إلى تفشي أي يعني أشكال من الرشاوي وأشكال من الاستبداد والظلم، وهذا نحن نراه في الدول الجمهورية المعاصرة.

هنا نحن نرى الجمهورية المعاصرة ملوكهم في الحقيقه يعني ومن يفوزون دائما بالانتخابات ويبقون على عروشهم أكثر مما يبقى الملوك، يبقون على عروشهم أكثر مما يبقى الملوك، فأنت لست في يعني نظام انتخابي بل بالعكس، يصبح الحاكم في النظام الجمهوري فيحاول أن يزور الانتخابات ويعبث بها ويشكل حاشية ليبقي في أطول فترة ممكنة في الحكم.

فيعني هم كانوا يتصورون على الأقل، لعل مصر لأنها لم تجر فيما بعد، أي لكن هي الآن جربت الجمهورية وعرفوا ما هو النظام الجمهوري الحقيقي؛ يعني عرفوا ما هو النظام الجمهوري، ٣٠ سنة يجلس الحاكم في النظام الجمهوري! وهذا النظام الجمهوري هذا، لذلك القضية أعتقد أنه لم يكن قد تعذرهم أحيانا شوف قد تعذرهم أحيانا لعدم وجود تصور حقيقي ماذا سيحدث، إنسان يحب شيء ويطمح أنه يجب أن نصبح سويسرا، بقول لك: لا يعرف يعني تلك أمم لها طريقتها في إدارة مصالحها سويسرا وغيرها، لكن بني يعرب من هنا مصالحهم وأهوائهم وحبهم للاستبداد والظلم يغلب على النظام الجمهوري الواقع في سويسرا. نعم.

قال: ومع ذلك فسنجتهد في جعل مصر جمهورية قبل أن نموت. وانتهت الثورة العرابية بسجن زعمائها وتشريدهم، واستولى اليأس على الناس وفشا فيهم روح... هذا الذي عرابية تم ضربها، وأخر شيء حصلت معركة التل الكبير، التل التي انتصرت فيها بريطانيا، وقاموا بتهجير النفي، نفي كجل العرابيين نفيهم إلى بعضهم في أطراف مصر وبعضهم خارج مصر، وحصل الانتداب الرسمي الآن من بريطانيا على مصر، حصل الانتداب الرسمي الآن، وبريطانيا أمالكت مقاليد الحكم كاملة. نعم.

قال: وفشا فيهم روح التخاذل، ودب دبيب السعايات، وفقد الصديق ثقته في صديقه بعد الذي كان من شهادة بعضهم على بعض، وإيقاع الواحد منهم بجاره وصديقه تحت ضغط المحقِّقين وهول الإرهاب. وكره الناس السياسة وتشاموا باسمها واستعاذوا بالله من شرها، فانطووا على أنفسهم لا يطمعون إلا في سلامة ولا يطمعون إلا في حياة هادئة لا ينغصها الهم والفزع. وقد ظافر عليهم الفقر والمرض، فاجتاحت الكوليرا أو الشوطة كما كانوا يسمونها مصر في السنة التالية للاحتلال، وراح ضحيتها أكثر من 60 ألف من المصريين.

شوف هي الأرقام، كان دائما أحد العلماء يقول: بعض الناس يظن أن الحروب تقتل أكثر مما يقتل غيرها، لكن لو أردت أن تنظر في أشكال أخرى من أنواع الموت ستجد أن أشكال الموت الأخرى ربما تحصل أكثر من الحروب. يعني أنت متخيل كوليرا في سنة واحدة قتلت 60 ألف مصري، أكثر من 60 ألف مصري تمام!

يعني عندما ينظر الإنسان في بعض الحروب وما يحصل فيها من القتل يظن أن الحروب دائما هي التي تحصد أكثر الأرواح، لكن هذا بمجموعه ليس بصحيح، أحيانا بعض الأمراض والأوبئه قد تحصد مئات الآلاف وأنت مش منتبه على الرقم، لأنه يحصل رويدا رويدا بطريقه لا تشاهدها العيون. نعم.

قال: وأخذ الاحتلال في غمرة من ياس الناس، وموت الهمم، وارتماء الخديوي في أحضان أولياء نعمته الذين يدين لهم بكيانه وسلطانه يثبت أقدامه ويدعم كيانه؛ فتسلط على الجيش بعد أن حله وأعاد تكوينه طائلا هزيلا أعزل. فهنا بريطانيا تسلطت على الجيش المصري، حلته وأعادة تكوينه بصوره هزيلة لا يستطيع أن يقاوم فشكة. نعم.

قال: لا يتجاوز عدده 6000، 6000 يعني هذول مركز أمن يعني بس تمام. في قبضه سردار خاصة بمصر، ده مصر العظيمة بمساحتها شو 6000؟ ولا يسوون كتيبة يعني. نعم.

قال: في قبضه سردار إنجليزي يعاونه ويهيمن نفر من كبار الضباط من بني جنسه. وأغلقت جميع مصانع الأسلحة بعد أن بيعت أدواتها بأبخس الأثمان، وبيعت السفن الحربية أو حطمت وبيعت أجزاؤها. وصارت مهمات الجيش وادواته تشترى من إنجلترا، ولا يحملها الجنود المصريون إلا وقت التمرين. نعم.

صارت الأسلحة بريطانيا تشريها للمصريين من عندها، والجندي المصري ما بيحمل الفشكة تاعته إلا يوم التمرين بعدين بنسحبها منك.

قال: وتسلط الاحتلال الإنجليزي كذلك على الشرطة بوضع رجل إنجليزي على رأسها وتعيين وكيل إنجليزي لوزارة الداخلية، بلغ من غطاسته أن حضر يوما تمثيل إحدى الروايات لمسرح زيزينيا في الإسكندرية فجلس في مقصورة الخديوي الخاصة. تخيل يعني البريطاني بيجلس في مكان الملك المصري؛ يعني الخديوي المصري هو أصبح فقط زينة يعني ديكور، ولا النفوذ البريطاني أقوى من ضابط شرطة بريطاني في مصر، نفوذه أقوى من الخديوي بحاله. نعم.

قال: وتسلط على الحياة الاقتصادية بإلغاء المراقبة الثنائية وتعيين مستشار إنجليزي للمالية، وألغى الحياة النيابية وأغرق مصر وارهقها بتعويضات الأجانب عما ناله من ضرر مزعوم. بعدين خلى المصريين يدفعوا ديون وغرامات أنه أنتم أرهقتم ألحقتم الضرر بالأجانب البريطاني، ودفعهم 4 ملايين جنيهات. نعم.

قال: وبتكاليف جيش الاحتلال والموظفين الإنجليز، وقد بلغت سنة 83 و800 ما يقرب من نصف مليون جنيه.

يعني تكاليف الجيش اللي عرفت، يعني كيف هسه ترامب لما بيتكلم مع دول العالم العربي ولا غيره قال نحن أوكرانيا، مش نحن بنحميكم بدكم تعوضونا؟ هيك البريطانيين جايين يحتلوا مصر، والمصريين كانوا مسؤولين يعوضوا ويدفعوا الرواتب من جيوبهم وعرق جبينهم للجيش البريطاني وللاستعمار. نعم، قال: وتكاليف حرب المهدي في السودان، هذه الثورة المهدوية اللي طلعت في السودان وحاربها الإنجليز بده يدفعوا المصريين برضه تكاليف محاربة المصريين للثورة المهدوية في السودان. نعم.

قال: وتوالت الوزارات المستسلمة للإنجليزي المرتمية في أحضانهم؛ نوبار، ثم رياض، ثم مصطفى، وزارات كانت تابعة للإنجليز. نعم، قال: وأُخمِدت أنفاس الصحافة لأدنى شبهة يتوهم فيها التعريض بالاحتلال أو الخديوي، فمنعت العروة الوثقى التي كان يصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس من دخول مصر، وألغي صحيفة الوطن، وصحيفة مرآة الشرق، وصحيفة... تفهم شغله؛ فرنسا كانت يعني باختصار تستضيف المعارضين المصريين؛ لأنه هي كانت في تنافس استعماري مع بريطانيا، لذلك أنت بتقول لك جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وين كانوا؟ في باريس، قبل ما للاسف يعني يدخلوا في مع المخابرات البريطانية ويتفقوا على إسقاط الخلافة العثمانية والإشكالات التي حصلت للأسف.

لكن عموماً، كانوا في باريس؛ لماذا؟ لأنه فرنسا كانت تحتضن المعارضة المصرية وكانت تؤازرها وتمولها وتسمح لصحفها بالانتشار من باب المناكفة لمنافستها الاستعمارية بريطانيا. نعم، قال وصحيفة الش... وصحيفة... نعم، شهراً، كل ذلك والناس أشباه أشباه أموات، لا تسمع لهم نامة ولا يرتفع صوت بمعارضة أو شكوى أو تذمر.

وكان أول صوت ارتفع باسم الوطن والوطنية بعد الاحتلال هو صوت صحيفة المؤيد، التي ظهر العدد الأول منها في أول ديسمبر سنة 1889م، اللي رجع للواجهة الآن. ظلت مصر تحت سطوة وتوغل الإنجليز بشكل شرس بعد أن انتهت الثورة العرابية عام، حكينا، 1882م. عام 1889م كانت هناك سطوة شديدة جداً، قال: أول جريدة رجعت أحيت نفس المقاومة جريدة المؤيد أو صحيفة المؤيد عام 1889م. نعم.

قال: وقد جاء في فاتحتها: وما لنا إلا أن نقوم بشعائر تطالبنا بها الأحساسات الطبيعية والحاجات الوطنية ودواعي الحياة الدينية والأدبية وكمال التحقق بحقيقة الوحدة الجامعة الجنسية، فنسألك اللهم أن ترشدنا إلى خير ما أردنا وأحسن ما نريد، وأن تؤيدنا بعنايتك الصمدانية، فإنك الفعال لما تريد. ثم يقول: خدمة الأوطان أوجب الواجبات وألزم الفرائض، من أضاعها قضت عليه شريعة الطبيعة بالحرمان الأبدي والشقاء الدائم.

فمقصدنا من نشر المؤيد هو تأدية الفرض عن طهارة طوية وإخلاص نية، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ومهما جَدَّ سوانا في خدمتنا واجتهد أو هجرت عينه الغمض فلا تقوم النافلة مقام الفرض، وليس من المروءة أن نُشْرِكَ من جاد علينا بخدمة الوطن وندع نواظِرنا لفتور الوسم. قال: فما الناس إلا يقظى، فإذا غفت عيونهم داستهم حُمُر النَّاسِ؛ فبالعين يكفى المرء صدمة عاثر، وفي العين يهوي من تغافله الناس.

وارتفع صوت المؤيد للمرة الأولى منذ الاحتلال بإثارة مسألة الجلاء، فأخذ يتساءل: أحق ما تقولون من أنكم ستتركون مصر عند إصلاحها، وما هو الصلاح الذي تعلقون عليه أمر جلاؤكم، وهل بدأتم فيه أو تم؟ وارتفع صوته للمرة الأولى منذ الاحتلال ينشد المصريين الاتحاد ويذكرهم بمجدهم القديم، وينبههم إلى خطر الاستعمار الاقتصادي.

وإن أنا أعجبتني فكرة فبالعين يكفى المرء صدمة عاثر، وفي العين يهوي من تغافله الناس، إنه العين الأولى ما هي؟ البصر، العين الثانية يغسل بها البئر. بقول لك الآن: فبالعين أي ببصرك تكفى صدمة عاثر لما تكون أنت مصحصح تنتبه، لكن إذا أنت متغافل فإنك في العين تهوي، ما المراد بالعين الثانية؟ البئر تمام عيون الماء. وكلمة العين مش لفظ مشترك يطلق على الماء فعل يطلق، فهذا حتى فقط تفهم البيت الشعري، إن أطلق العين أولاً وأراد بها البصر وفي البيت الثاني أطلق العين وأراد بها البئر. نعم.

قال: وارتفع صوته للمرة الأولى منذ الاحتلال ينشد المصريين الاتحاد ويذكرهم بمجدهم القديم وينبههم إلى خطر الاستعمار الاقتصادي، إذ يقول: أي بنيَّ الوطني الأعزاء عليه، الأصدقاء إليه، أي أفراد العائلة المصرية وأجزاء هيئتها المدنية، علمتم ولا أخالكم تجهلون حالة بلادنا في الأزمان الغابرة والقرون المتوسطة، وما جناه اللاحق على السابق. وها هي الحالة الحاضرة تطالبكم بأداء الواجب عليكم مما يجعلكم رجالاً تبارون الرجال، وأن تيار هذا التمددن الحديث لا يجاريه إلا من عرف وجهة مجاريه ذو القوة ممن هَذَّبَتْهُم التجارب.

حافظوا على الأوقات وانتهزوا الفرصات، اعلموا بني أبينا أن هذا التمدن قد حمل إلى بلادنا على أكف أقوام أقوياء حرصاء، لم يرضيهم في ثمنه القليل ولم تكفيهم في مقابلته القيمة، يودون أن يضربوا بايديهم على التجارة والصناعة ومصدر الثروة، ونحن ننظر إليهم بعين المتعجب الباهت، مرسلة أيدينا إلى الجوانب كأننا لسنا جميعاً أبناء أب واحد وأم واحدة، إن هذا لشيء عجاب!

وراح يُصَنِّط الهمم ويوقظ النوام بمثل قوله: ألا قل لمن يظن أن مجد الأمة بالمال والحرية، أن المال لا ينهال من السماء والحرية لا تنبعث من الينابيع والجداول، وكلاهما لا يأتي إلا من طريق العزم والحزم، ولا... يعني المال والحرية لا تأتي بالسهل، لابد تعب من أجل تحصيلها. نعم.

ولا يغرس في الأمة إلا بأيدي كبار رجالها الذين يحبون أن يروا شعبهم متجلبباً بجلباب السعادة والرفاهية في أعين الشعوب، ولا يخفى أنه لا يشخص الأمة في عيون غيرها إلا حال القابضين على أزمة أمورها؛ فإن كانوا أشدَّاء حرصاء على المنفعة عالمين بما يجب أن يكون، لا تلجئهم مشيرة إلى التزلف واللين إلى التفريط، ظهرت الأمة هكذا فعظمتها القلوب وأكبرتها الأعين.

ولكن إذا كانوا ضعافاً أذلاء تلعب بأعطافهم الكبرياء على الضعفاء، وياخذهم الصغار لدى الأقوياء، وقعت الأمة في بحران الفساد وظهرت على وجهها غبار الذل منكسرة القلب، لا تكاد تتحرك أو تخطو خطوة إلى مقصد. وأخذ يستثير الحمية ويضرب للناس... أخذ اللي هي كل هذا جريدة المؤيد، أخذ يقصد جريدة المؤيد. نعم.

قال: ويضرب للناس الأمثال بمثل قوله: قالت الحكماء: إن الحياة هي مجموع الوظائف التي تقوم بها أعضاء الجسم، والموت هو بطلان تلك الوظائف، وهو أقرب التعاريف وأسلمها من التكلف. عليه فلا باس من إطلاق الحياة على الأمة، فيقال هذا... ما هي الحياة في الإنسان؟ يعني لو سألتك وعد ما مفهوم الحياة فيك؟ الحياة هي عبارة عن مجموعة الوظائف التي تقوم بها أعضاء الجسم؛ القلب ضخ الشرايين والأول تبعث الدماء في الجسم، هذه هكذا تكون الحياة في الإنسان. فيقول كذلك الحياة في الأمم والشعوب، يعني يريد أن يقول لك قال: وهو أقرب التعاريف وأسلمها، وعليه فلا باس إذاً من إطلاق الحياة على الأمة فيقال هذه أمة حية إذا كانت الوظائف فيها تعمل، القلب يعمل. نعم.

قال: إذا كان أفرادها الذين هم بمنزلة الأعضاء لجسمها قائمين بوظائفهم. أما إذا كانت الأعضاء نائمة في إنسان بيعيش قلبه لا يضخ وكبده لا يشتغل، بنكرياس في عالم آخر، كذلك الأمة إذا كان حاكمها غافل ووزيرها نائم وجنودها في سبات، هذه كيف تنهض وكيف تقوى؟ نعم.

ويقال تلك الأمة ميتة إذا أخلد أفرادها إلى النوم والكسل، لم يقوموا بواجباتهم التي يفرضها عليهم قانون البقاء في عالم الوجود. هل كان يظن أن عرب البوادي تقوم منهم أمة يتحرك فيها سبعون فارس لمراء صختها معتصماه، أو أن الإنجليز يصلحون شعباً يقوم منه 12 ألف مقاتل للأخذ بثأر رجل منهم قتله بعض المتوحشين، ويقوم منه رجال يجعلون لفظة بريطانيا لا تذكر إلا وعلى أثرها إلا وعلى أثرها العظمى وتحرق... بريطانيا العظمى، مين اللي خاها كلمة بريطانيا العظمى؟ لولا أن هناك رجال مقاتلين من الصليبيين قاتلوا من أجل ذلك. نعم.

قال: وتحرق فئة منهم 3000 مجلد من كتاب فرانساوي ذكر فيه جلادستون ذكر فيه جلادستون بغير ما يليق من التعظيم، هذا كأنه أحد زعماءهم أو شيء طيب. بل من كان يظن أن الأمة الفرنساوية التي كانت بيوت أهلها مبنية من قبل على هيئة الحصون والقلاع لما كان متسلطاً، لما كان متسلطاً عليه من الفشل والانحلال، تدرج منهم أمة تطير أفادتها عند ذكر الألزاسي واللورين؛ مديريتان أخذتهما من الألمان في الحرب الأخيرة، ويأبى الواحد من أفرادها أن يدخل خاناً ألمانياً أو يشتري بضاعة من ألمانيا متى أمكنه أن يشتريها من فرنساوي.

هي المقاطعة، شوف كيف حتى الفرنسيين قاطعوا البضائع الألمانية ورأوا أن من النخوة هو مقاطعة هذه البضائع، شوف مفهوم المقاطعة ليس فقط عندنا نحن لما نقاطع بضائع اليهود، أن الشعوب القوية صاحبة النفوس الأبية لما يكون كشعب أذلها مثل الألمان لما أذلوا الفرنسيين في بعض الفترات، بتشعر في نوع من ال... يعني أدبياً هي قضية أحياناً أدبية أخلاقية، أن البضاعة التي تاتيني من العدو أنا لا أريدها، البضاعة التي تأتي من العدو واستطيع أن استغني عنها بصناعتي الوطنية كما يسمى يعني أنا لا أريد النوع من المروءة هذه. نعم.

قال: بل من كان يخطر في على فكرة أن البرتغال على قلة عددهم وعددهم تتوقف عن عملتهم، أي عمالهم، عملتهم عن شحن المراكب الإنجليزية وتفريغها، ويكتب تجارهم إلى وكلائهم أن لا يشتروا البضائع الإنجليزية ولا يشحنوا ما لديهم من مراكب إنجليزية، ويطرحوا عن رؤوسهم البرانيط التي صنعها الإنجليز، كل ذلك لأن الإنجليز عرضوا حكومتهم في بعض مستعمراتها... لخلاف في بعض المستعمرات بين بريطانيا إسبانيا وبرتغال. نعم.

قال: والأمثال على ذلك كثيرة، لا يبعد على الأديب أن يأخذ مما بين طرفي حالة كل أمة وأطوارها العديدة ويزن بذلك قوة حياتها. قال: ولقد قال بعض الحكماء: أنك إذا رايت الغلام في المكتب يسمع سب أبيه ولا يتميز غيضاً، فبشر الأمة التي سيكون عضواً منها بالانحلال والدبور، ولقد راينا مصداق... يعني اللي بيسمع سب أبوه وما بينتفض يعرف أن هذا الشاب بس يكبر راح يكون ورطة الأمة لأنه رضع من الذل وهو صغير. نعم.

ولقد راينا مصداق ذلك في بلادنا هذه، فقد نقل إلينا في بعض التواريخ أنه كان يسب المصري بلفظة فلاح، فيقول قطع فلاح ونهاره، وإذ ذاك كانت مصر على ما لا يخفى من الانحلال والبوار، وأخذ يحذر من كل ما يمس كيان الوطن أو يضعف شعوره بالقومية المصرية، فهو يوجه الانظار إلى ما... إلى ما ينطوي عليه... وكلمة فلاح يعني ربما كان المقصود بها الإهانة، أنه المصريين ما يفهموا إلا كذا، هكذا كانوا يهينون. نعم.

قال: فهو يوجه الأنظار إلى ما ينطوي عليه انتشار المدارس الأجنبية من أخطار، إذ يقول: ما طمحت الدول الأوروبية إلى الاستلاء على بلد وأقليم من قارة أفريقية، أو بعبارة أخرى من الشرق عموماً، إلا وسَبَقَتْ إِلَيْهِ بأفتح المدارس بمرسليه الدينيين ومن تخلق بأخلاقهم. اللي هو دائماً بريطانيا والاستعمار لابد يُرسِل الغزو الفكري، هنا يقول لك في غزو فكري من خلال المبشرين والمستشرقين وفتح مدارس لهم في بلاد العرب. نعم.

قال: ليمهدوا لها طريق الافتتاح أو الاستعمار، علماً منهم بأن مامورية هؤلاء المعلمين ليست إلا عبارة عن بث أخلاق وعوائد وتعاليم دينية كانت أو فنية. شوف الاستعمار كيف يفكر؛ الاستعمار يمهد للسيطرة على البلد عسكرياً بالسيطرة عليه ايش؟ فكرياً أو التهوين الفكري. ولذلك يعني خليني أقول: لا أدري مدى دقة التوصيف الذي أصفه الآن، لكن هذا التشوه في فكر الإسلاميين المصريين، سواء العرابيين ولا محمد عبده ولا غيرهم، أنا أعتقد أنه نتاج للحركة الصهيونية العالمية من خلال من قبل 1750م فصاعداً، من التلاعب بالتركيبة المدرسين والمدارس في مصر.

أنت لما تصبح من 60 سنة، 70 سنة، كلمة مصر، أخ مصر، المصريين، الحرية، المال، العدالة، يعني هي الألفاظ هي التي تُبَث أكيد في المدارس، في الجامعات، في الأوساط العامة، يتغير بشكل عام الدافع لمقاتلة الأجنبي، يصير دافع قومي، دافع وطني، دافع كذا، بيصير حتى أنت مش عارف شو ما الذي تريده، يعني هل تريد إسلام ولا تريد وطنيات وقوميات؟ فهذا الكلام، التوصيف دقيق، أنا بقول لك هنا: هذا التوصيف من جديد المؤيد؛ أن الاستعمار لا يأتي مباشرة يطب على البلد حتى يستعمرها، بل قبل ذلك يفتتح مدارسه ويرسل مبشريه ويرسل طاقم من المعلمين الذين يبثون في هذا البلد الذي يراد لاحقاً استعماره بالقوة، يبث فيه أفكاره التي تؤدي إلى صناعة جيل هش، جيل تربى على أفكار وغذي على أفكار، يراد له أن يتربى لأفكار لا تجعله قادراً حقيقة على أن يقوم على مواجهه العدو، لأنه متشتت متبعثر، تغزوه أفكار وطنية وقومية ومش أفكار إسلامية تقوم من لا إله إلا محمد رسول الله.

فهنا لما بيقول لك إلا وسَبَقَتْ يعني لم تطمح على الاستعمار أو الاستيلاء على بلد إلا سبقت ذلك بافتتاح المدارس. هذه المدارس هي التي تمهد طريق الاستعمار، علماً منهم بأن مامورية هؤلاء المعلمين... يعني هؤلاء المعلمين الذين بتُرسِلْهُم شو أقصى ما يمكن فعله؟ ماموريتهم لا تتجاوز إلا ايش؟ بث أخلاق وعوائد وتعاليم دينية كانت أو فنية. هي وظيفة المعلمين الذين كانت ترسلهم بريطانيا، إعادة صناعة العقل المصري أو الأردني أو الشامي أو العراقي أو أي بلد تنزل بالطريقة التي تريدها، يريدها الاستعمار، حتى إذا ما جاء الاستعمار ليحتل تلك البقعة، مهيأة خصبة لأن تحتل، ولا يتخوف كثيراً من عقول رجالاتها؛ لأنه هو اللي رباها، هو اللي علمها قبل 40، 50 سنة، فيعرف طبيعة المخرجات. نعم.

قال: وهم إذا دخلوا قرية وظهروا بهذا

المظهر لا يلاقون معارضة أو ممانعة؛ لأن حجتهم نشر العلم والتهذيب ورفع لواء التمدن، ومن لا يرضى بذلك فليس له من اسم الإنسانية نصيب. تقوم عليه قائمة حرب التعنيف والتنديد بلسان كل خطيب وقلم كل كاتب، فلا مناص من أن تقبل هذه الأقاليم الشرقية الوافدين إليها من المرسلين الذين هم نصراء الهداية والمعارف والتمدن في مظهر العين، وسفراء الاستعمار والاستيلاء في الحقيقة.

أحسنت، هم سفراء الاستعمار في الحقيقة نعم. وهل يتصور أن قوماً جازوا البحار وتجشموا الأخطار لمحض منفعة، لمحض منفعة من وفدوا لديهم خدمة للإنسانية كما يقولون؟ كلا، فالإنسان لا يتحرك حركة ولا يعمل عملاً إلا وله غرض ذاتي فيه، لكن قد لا يكون الغرض الذاتي محض البعث ولا مضراً في النتيجة، وقد يكون كذلك. وقد قيل: كلما عظم العمل كان البعث أعظم، فلا ريب أن البواعث التي دعت الأجنبيين إلى مفارقة ديارهم والنهوض إلينا هي جليلة، ولا يمكننا أن نقول هي محض التكسب واستجلاب الدرهم والدينار؛ فإن بعض تلك المدارس يأخذ على التعليم ما لا يكاد يفي بنفقات التلميذ.

أحسنت، يعني هذه المدارس هذا مش مشروع تجاري استثماري لبريطانيا في مصر؛ لأنه بعض المدارس كانت رمزية، يعني دينار ولا جنيه ولا هذا، أكيد مش مشروع ربحي. أنت لما تكون المدرسة رمزية والطالب لا يدفع شيء، معناتها أنت مشروع استعماري فكري، مشروع تجاري ربحي نعم.

قال: والبعض يقبل الفقراء مجاناً، بل إننا نعلم حق العلم أنه ما من مدرسة من هذه المدارس إلا ولها جمعية من الجمعيات الخيرية في مملكتها تنفق عليها النفقات الطائلة ولا يكون ذلك عبثاً. ونرى بأعيننا من جهة أخرى أن كل مدرسة غربية ما وضعت يدها على أمة أو قبيلة تملكاً أو حماية إلا وقد جعلت مقدمة ذلك هذه المدارس، فبان أن المقصد العظيم والبعثة القوية هو سياسي ملي في آن واحد كما قدمناه. كان صوت المؤيد هو البشير بأن مصر لم يزل فيها بقية من حياة وإحساس، ولم يمضِ على صدوره أقل من ثلاث سنوات حتى ظهر العدد الأول في مجلة الأستاذ في أغسطس سنة.

طلعت بعدين مجلة الأستاذ بعد مجلة مصر نعم.

قال سنة 92 و800، فحمل فيها عبد الله النديم على الاستعمار وأعوانه في عنف لهودت فيه مستأنفاً جهاده الذي بدأه مع عرابي، رغم ما ذاق في سني اختفائه العشر من ألم. ولم يمضِ على.

هذا كأنه هذا كأنه مع الثورة العرابية تم نفيه أو سجنه يعني لا أدري، فتخيل عشر سنوات يعني وهو يتجرع الآلام، ثم لما يعني جاءت انفساحة رجع مرة ثانية يقاوم يعني في قوة. رجع بعد تلك السنوات الطويلة، رجع يقاوم مرة أخرى بقلمه ولسانه.

قال: ولم يمضِ على ظهور الأستاذ خمسة شهور حتى أعلن الحرب الصريحة على الاستعمار وأذنبه، واستهلها بمقال عنيف سافر لا غموض فيه ولا التواء، جعل عنوانه العبارة التي كان يرددها الإنجليز كلما أظهر المصريون ضيقاً بمشاريعهم الاستعمارية: لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا. وكان هذا المقال العنيف رداً على إنذار كرومر لعباس حين أقال وزارة مصطفى فهمي باشا صديق الإنجليز في الخامس عشر من يناير سنة 93 و800. يقول عبد الله النديم في مقاله هذا عن أثر سر الاستعمار في الاقتصاد: قالت أوروبا إنكم متوحشون لكونكم لا تحسنون صنع الأثاث واللباس، وإنكم في حاجة إلى مصنوعاتنا ولا تصلون إليه إلا بعقد المعاهدات التجارية، وبذا تمكنت من إدخال مصنوعها في الشرق لتحول الثروة إليها، فأماتت ما كان يصنعه الشرقيون وحجرت على ما لا بد منه من صناعة الشرق الهندية وغيرها، فما يصنع في الهند والصين والعجم والأناضول وغيره إنما ينفق ويباع على أيد الأوروبي كما ينفق ويباع مصنوع بلاده. فالشرقيون أجراء يزرعون ويحصدون ويصنعون ليروجوا تجارة أوروبا ويعظموا ثروتها ويؤيدوا قوتها الملكية بالإيرادات المالية؛ فلا حظ لهم من الوجود ولا رغبة لهم في الملك، وكأنهم أمام أوروبا جنس خلق لخدمتها.

نعم، جنس خلق لخدمتها لتقاعدهم عن مجاراة أهلها. ثم أشار إلى إفساد الإنجليز أخلاق المصريين وتقاليدهم مما أدى إلى انحلال الشخصية وموت الكرامة، فقال: قالت أوروبا إن وقوفكم على عادتكم الشرقية وتخلقكم بأخلاق آبائكم بقاء على الهمجية والتوحش، فلا بد من مجاراتنا في حركاتنا المدنية لتساوونا في الرتبة.

طيب شو الأخلاق اللي برضه أوروبا ساعدت لتغييرها في مصر؟ شوف شو الأخلاق التي تدعو إليه، قال: وفتحت لنا البيرة والخمارات والمقامر.

هي الأخلاق قالتها أولاً لازم تشربوا بيرة وخمرة حتى تصيروا مدنيين وراقين مثلنا. ثانياً: وأباحت الزنا والقمار.

الزنا والقمار نعم.

ووسعت دائرة اللهو والخسران؛ فغفل الشرقيون عما وراء ذلك من ضياع الدين والملك والمجد والشرف. وانكب الأغبياء والمغفلون على الخمور فساءت أخلاقهم وضعفت عقولهم وفسدت عقائدهم، وتحولوا إلى المومسات فارتكبوا الإثم بارتكاب المحرم، والعرب اتخاذهم الوطنية آلة للفحش وجعلها عرضة للأجنبي بعدم غيرتهم عليها، فهم في رتبة القواد، بل هم ومال فريق إلى القمار فباع الغيط والدار.

القواد يعني يقصد ايش عديم الشرف نعم.

قال: فباع الغيط والدار واضطر لبيع حلي زوجته برضاها أو بسرقته منها، والكل عطف على المرابين يقترض ويصرف في الملاذ ومتلفات العقل والجسم والملك حتى أسكن الأوروبي مكانه، وصار له خادماً بعد أن كان عظيماً محترماً.

صار الأوروبي هو الذي يسكن في بلده، والمصري خادم له نعم.

قال: وكلما تهالك الشرقيون على الخمور والملاهي واصلت أوروبا بإرسال الخمر وارتحل إليهم المومسات وأرباب الملاهي تحويلاً للثروة وإزهاقاً لروح الدين، حتى أصبح المتلبسون بهذه القبائح والفضائح لا شرقيين ولا غربيين، واتخذتهم أوروبا وسائل لتنفيذ آرائها ووصولها إلى مقاصدها من الشرق وهي تحثهم على المثابرة على عملهم باسم المدنية، وما هي إلا التوحش والرجوع إلى الحيوانية المحضة، إذ لو كان الانغماس في الملاهي ومفسدة العقل والدين من المدنية لما تحاشتها أوروبا.

سمو تحضر اليوم، حتى إذا اليوم مازال بعض الناس يظن أنه الذهاب للمراقص والملاهي وش نوع من المدنية والتحضر، وهذا هو الذي أراد الغرب أن يقنع به هؤلاء المغفلين والحمقى. وإسقاطهم في الرذائل حتى يبقوا لا هم في أخلاق الشرقيين ولا هم وصلوا إلى تطور الغربيين، هذا معنى لا شرقيين يعني لا هم من أخلاق الشرقيين من مروءات المسلمين وأخلاقهم، ولا أنت أصبحت غربياً في تفكيرك، أصبحت تشرب خمر أو تكون المرأة عارية، تصبح تظن أنها أصبحت على نمط النساء الأوروبيات، أنت فقدتي أخلاقك وقيمك الشرقية، وبالنسبة إلى الغرب أنت تعتبرين أداة وخدمة فقط لهم لملاذهم نعم.

قال: إذ لو كان الانغماس في الملاهي ومفسدة العقل والدين من المدنية لما تحاشتها أوروبا وعدت مرتكبه همجياً جاهلاً مجنوناً، ولما وضعت القوانين الشديدة للمسكرات ومنع التلاميذ منها، ولما كتبت الرسائل العديدة في ذم الخمر والفسوق وحرمان ضعفاء العقيدة والمتقاعدين عن العبادة وحضور الكنائس. وإنما هذه أشراك وفخاخ تنصب في طريق الشرقي حتى لا يخطو خطوة إلا وقع في حبال أوروبا. ولما رأت أوروبا أن الشرقيين لا ينتبهون من غفلتهم ولا يعقلون مقاصد الدول ولا يدركون مكايد الملوك ولا يسعون في صلاح بلادهم ولا يحافظون على دينهم ولا يعرفون شرف لغاتهم ولا يحفظون كراسي ملوكهم ولا يهمهم ضياع أوطانهم، اتخذتهم كرة تلعب بهم كيف تشاء وهي تقول لهم لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا. ثم قال مشيراً إلى أذناب الاستعمار من المصريين الذين يرتكب الاستعمار كل ما يرتكب من جرائم وآثام باسمهم وبأيديهم: كفت إنجلترا يدها عن الأعمال عند دخولها مصر إلى المصريين ظاهراً لتقيم الأدلة لأوروبا أنها ما دخلت إلا لتراقب المصريين وتشير عليهم بما فيه التوفيق بين مصالحهم وصالح الدول.

يعني بريطانيا لم تحكم ابتداءً بيدها، لا دخلت مصر وجعلت الحكم من المصريين لكن المصريين يتبعونها؛ حتى تحكي للقارة الأوروبية إنه نحن مش جايين نحتل. بريطانيا كانت في تنافس استعماري فبريطانيا قالت لفرنسا ولألمانيا إحنا ما خليناش مصر، إحنا فقط جايين نساعدهم، هم ولا هي شايفين أي الحاكم مصري والجيش مصري، إحنا فقط نقدم خدمات لوجستية نعم.

قال: ولما لم تجد أمامها من يجعل هذا الظاهر باطناً بحصر السلطة في الذات الخديوية الفخيمة والإدارات في الوطنيين أخذت تقول وهم يفعلون، حتى أصبحت تفعل وهم لا ينطقون.

أخذت هي تقول يعني تأمر وهم يفعلون، حتى أصبحت تفعل وهم لا ينطقون، يعني أول شيء كانت هي تقول هم يفعلون الآن شو صارت، لا صارت هي التي تفعل بيدها وهم لا ينطقون، هذا انتهى الأمر إلى ذلك نعم.

قال: وكانت تتقي باسمهم المطاعن الأوروبية حتى خلا الجو وأمن الاعتراض، فأخذ.

نعم، فهي بريطانيا كانت تخشى من يعني مشاكل مع أوروبا إنه كيف أنت تحتلين مصر باعتبار أن مصر دولة مهمة على الشرق على البحر الأبيض، فكانت كل ما قيل لها قالت لا أنا مش حاكمة لمصر، أنا مش مستعمرة لها، مصر تحكم بأيدي أهلها، فكانت هي إذاً بهذه اللعبة تتقي باسمهم، باسم الخديوي وباسم الوزراء العرب تتقي باسمهم المطاعن الأوروبية التي تطعن في بريطانيا لماذا احتليتِ مصر واستأثرتِ بها؟ قال: حتى خلا الجو وأمنت بريطانيا الاعتراض الأوروبي فعند إذاً طالت يدها في مصر نعم.

قال: فأخذوا يذمونها ويرمونها بخلف الوعد ونكث العهد وعدم الصدق وطول الباع في الخداع وهم غير محقين؛ فإنها ما دخلت إلا لتعمل عملاً أمام أوروبا، فلما فوضوا إليها الأعمال استلمتها بهمة ونشاط، ومثلها ومثلهم كمثل لص دخل دار قوم، وقال لهم حملوني ما عندكم من أثاث وحلي وآنية، فأخذوا يحملونه ما يريد من غير معارضة. فهل إذا دخل عليهم البوليس وأهل الدار يحملونه بأيديهم يقول هذا اللص كلا، بل يقول إنه صاحب الدار. وهؤلاء خدموا، أيرون أن الإنجليز هم الذين نشروا منشور المومسات ورخصوا للنساء أن يخرجن للبغاء تحت حماية القانون، أم هم الذين سنوا كشف الأطباء على البغايا وإعطاءهن شهادات بأنهن صالحات للزنا فهتكوا حرمة القرآن والإنجيل والتوراة بتحليل ما حرمه الله تعالى في كل كتاب؟ أم هل قالوا للمصريين سننفق ملايين في المقاولات والأعمال الهندسية من غير أن نسأل عما نفعل فيها، فإياكم والسؤال عن مبالغ ستكونون عبيداً مكلفين بسدادها لروتشيلد وغيره؟ أم هم الذين أعطوا الالتزامات الوابورية والأرضية ووسعوا نطاق المعاهدات إلى أن ضيقوا كل عمل مصري؟ أم هم الذين منعوا المصريين من زراعة الدخان والحشيش لتروج مزارع أوروبا بخراب بيوت هؤلاء الضعفاء؟ أم هو هم الذين باعوا مهماتهم وآلاتهم بغير ثمن، وربما أعطوا من أخذها شيئاً يستعين به على نقلها حتى تركوا البلاد محتاجة لمن يحرسها بالعصا أو بالنبوت؟ أم هم الذين أبعدوا المصريين عن الخدمة وحشروا الغرباء في المصالح حتى أصبح ألوف من المصريين لا يجدون القوت ولا يعرفون لاستخدامهم مرة ثانية سبيلاً؟ أم هم الذين قللوا من تلاميذة المصريين في مدارسهم أكثر من استخدام الأجانب فيها وتدرجوا لإماتة لغتهم الوطنية بفرض المكافآت لمن ينبغ في الإنجليزية لتنسى لغة القرآن فينسى بها الدين الواقف عقبة أمام أوروبا كما يصرحون بذلك في مجالسهم وأندية شراهم؟ لا والله ما نالوا أملاً ولا قرفوا عملاً ولا أذلوا رجلاً ولا خربوا بيتاً ولا هتكوا حرمة إلا بالمصريين.

يعني هم وضعوا أذناب لهم، هم الذين ما أقول لك يعني إنه ما تريد كل هي التساؤلات إنه هل بريطانيا هي بذاتها بشكل مباشر مارست هذه الأمور ولا بأذنابها، وهذا واقعنا في البلاد العربية اليوم، نبكي على حالنا إنه من الذي يحارب ومن الذي يضيق ومن الذي يغير ومن الذي يسن ومن الذي... لا تأتي أمريكا بذاتها تفعل ذلك وتغرمنا وترغمنا على ذلك، وإنما تفعل ذلك بيد أبناء جلدتنا، ما فعلت ذلك قال: إلا بأيد المصريين، إلا بأيدي بني يعرب. تشتري ذمم ورؤوس وأصحاب أموال، هم ينفذون كل هذه المشاريع لتظهر بريطانيا في النهاية إنه أنا ما سويت شيء، أنتم الذين سننتم، أنتم الذين فعلتم، هذا مجالسكم النيابية، هي قراراتكم الشخصية، وتبقى الأمور تسير بهذا الاتجاه.

قال: وأخذ يلقي تبعة ما صارت إليه مصر من سوء الحال على أمراء المصريين وزعمائهم، حيث يقول: لماذا نتألم من أعمالها وأمراؤنا اقتصروا على القعود في القصور وركوب العربيات؟ نعم، لماذا نتألم بريطانيا وأعمالها في مصر وتشوفوا حال حكامنا؟ هكذا يقول في الجريدة نعم.

قال: وعقلاؤنا صامتون لا ينطقون بكلمة رجاء أو استصراخ، وضعفاؤنا حيارى ينتظرون هؤلاء وهم عنهم لاهون، ونبهاؤنا في المحافل يتحاورون ويتناظرون بما لا يفيد الوطن والملك شيئاً. وتعرُّ قنواتنا الإعلامية بيجي مثقفين إذا الله يسولف عن الحكم وأنظمته والسياسة والاجتماع، يس من هنا لـ 20 سنة يتكلم على الفارغ ما في شيء، يعني تسمع جعجعة ولا ترى طحيناً، هو صاحب البدلة والكرافتة الذي يجلس أمام قنواتنا الإعلامية تتكلم عن أسس إصلاح التعليم وأسس الثقافة والاجتماع وكله كلام فارغ، يعني ما حدا مهتم بشيء وكل واحد فقط ديكورات حتى يقال لك إنه في حياة.

فعلاً اجتماعية أو تعليمية، وإنما ما كله يعني ضحك على الناس وعلى السذج، ليبقى الناس في غفلتهم وفي سباتهم. نعم.

قال متعللين بأن محافلهم لا تتعرض للسياسة ولا للدين، فإذا انصرف النبهاء عن وجهتي السياسة والدين، فبما تقوم الأعمال؟ ويتقوم أود الحكومة؟ ويبقى عمود الدين قائماً كبقية الأديان؟ أبي الإخاء الذي ربطناه مع الأجنبي نتخلى له عن مرجع المجد وأصل الشرف؟ وهل تريد أوروبا أن تنتصر علينا في حرب عوان بأكثر من صرف نبهاء البلاد عن النظر في الملك والدين، ليخلو لها الجو فتفعل ما تشاء وتغير ما تشاء؟ مع أن النبهاء يمكنهم أن يستخدموا محافلهم في مصالح بلادهم، فيتمكنوا بقواهم العقلية مما لا يمكنهم منه سيف ولا مدفع من غير إثارة فتنة أو إراقة قطرة دم، ويصلحون ما أفسده الاغترار والانخداع، ويحدثون في البلاد عصبية وطنية لا تردها أعظم أمة عن مشربها المصري، وسعيها المؤيد بربط القلوب على عزيمة واحدة صادقة.

يقولون الدول لا تقوم بالكثرة وإنما تقوم بالقلة الواعية. الدول القوية لا تقوم بالكثرة الغوغائية، هي يعني لن تقوم أنت بمجرد وجود كثرة من الناس تحمل السيف والبندقية إذا لم يكن هناك على الأقل قلة واعية. القلة الواعية اللي سماهم هنا النبهاء، الذين يعرفون كيف تدار الأمور وكيف يتم اتخاذ قرار السلم والحرب والانتقال؛ هؤلاء هم الذين فعلاً تقوم عليهم الدول، وما الأكثرية هي فقط تنفيذ. هكذا هي؛ فإذا كانت النبهاء في غفلتهم وقليلون جداً ولا يملكون أي نفوذ، إذاً ما عادت هناك دولة حتى ولو كانت بمئات الملايين، إذا لم يكن هناك قلة واعية يديرون الحكم بدهاء وانتباه ويوجهون بوصلة الأكثرية تنتهي الدولة. نعم.

قال وراح يذكر المصريين بما كان من تخلفهم عن عرابي وحسن استقبالهم للإنجليز، مغترين بما أذاعه عليهم الخديوي توفيق وأعوانهم من أنهم لم يدخلوا مصر إلا مصلحين منجدين. فقال: لأنه الخديوي كان يصور أن بريطانيا لم تدخل مصر إلا لإنجازكم، لما بريطانيا فرضت الاحتلال وضربوا ثورة العرابي، نفس حاكم مصر هو الذي روج لبريطانيا ولدخولهم، وكان هدفه البقاء على كرسي الحكم، لذلك رضي الخديوي توفيق أن يتعاون مع البريطانيين في ضرب الثورة العرابية. نعم.

قال مضت السنون العشر التي قابلتم غرتها بالأفراح والزينة، وطرتم فيها حول الأوهام طرباً وسروراً، وعميتم عن سوء العاقبة، فأنشد شعراؤكم القصائد الطنانة الرنانة مدحاً وثناءً، وشربتم الخمور جهاراً باسم من استعديتموه على بلادكم، ونصرتموه بتثبيط إخوانكم، وبذلتم أموالكم وأرواحكم في دخولهم البلاد، وتخليتم لهم عما بأيديكم من الأعمال. ولطالما طأطأتم الرؤوس وحنيتم الظهور وركعتم أمامه تعظيماً وتسليماً، وبصقتم على وجوه إخوانكم ولبستم أجمل ثيابكم، تنتظرون يوماً يقتل فيه مئة ألف مصري؛ فهذه الأيام تريكم كيف تدور الدوائر، وكيف تتقلب الأحوال بالأهوال على من لم يقرأ العواقب. قال: ومن يلقي نفسه بين نيوب السل خوفاً من العضاية (السحلية)، نعم، فقد أبدلت المصائب الولائم الأجنبية بالمآتم الفقيرة.

قالوا من يلقي نفسه بين نيوب السل، يعني كان الأصل معه السل، أو جبن هذا حية، فقد أبدلت المصائب الولائم الأجنبية بالمآتم الفقيرة، {وَهَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. ثم أخذ يعرض بالمقطم؛ صحيفة الاستعمار، متوقعاً ما ستهاجمه به وما سوف تدعيه من أنه يدعو إلى ثورة كالثورة العرابية، فقال: وكأني بدخيل يوسوس إلى الأجانب قائلاً: إن الأستاذ يدعو إلى ثورة مصرية! بهذه العبارة، فقد تعودنا سماع الأراجيف من الدخلاء، وتسليط الأوروبيين على كل بلد نودي فيه بالمحافظة على وطنيته. ونوب السل نوع من الأفاعي القوية. نعم.

قال ونحن نضع حجراً في فم هذا الدخيل قبل أن يحرك شفتيه بكلمة إغراء: إن المصريين قد جربوا أنفسهم في التظاهر بالقوة، فوقف شقاقهم بينهم وبين الظفر بالمقصود، وهم شاكّو السلاح كثيرو العدد والعدد. شاكّو السلاح يعني حاملون للسلاح. نعم.

قال والآن لا قوة بأيديهم ولا سلاح، وقادة الجند من الأجانب، ولا يحمل العسكري إلا بندقية فارغة حكمها حكم عصا الراعي، ولا موجب لحركة الأهالي حركة عدوانية بعد خضوعهم لأميرهم وانقيادهم إليه في السر والعلن، وقد تأدبوا وعلموا دسائس أوروبا وتنبهوا لمقاصد الدول وسعيهم في اتخاذهم آلة لبلوغ مآربهم لا لمصلحة المصريين -معاذ الله- ولا لمنفعة المسلمين. استغفروا الله، فما من مصري إلا وهو يعلم الآن أن أوروبا لا تصدق في قول، ولا تفي بوعد، ولا تحب شرقياً، ولا تسعى في خير مصري، وإنما هي ملاعب سياسية يقدمونها بين أعين الجهلاء الذين لا خبرة لهم بدهاء الدول ومطامعها، يستميلونهم بها استمالة الطفل بقطعة حلوى أو ثوب منقوش. ومن انتهى بهم الأمر إلى الوقوف على الغايات والمقاصد السيئة، مع فراغه من المعدات الآلية وعدم حاجته إليها، يستحيل عليهم أن يكدروا صفو الراحة بشغب أصوات فضلاً عن قعقعة سلاح. وما يدعوهم الأستاذ إلا لمجاراة الأوروبيين فيما هم فيه من معرفة قدر نفوسهم، والمحافظة على حقوقهم ولغاتهم وأديانهم وعوائدهم، والدأب خلف الاستقلال بأعمال بلادهم. ثم قال بعد أن تكلم عن وحدة عنصري الأمة بين مسلمين ومسيحيين: فيا بني مصر، ليعود المسلم منكم إلى أخيه المسلم تألفاً للعصبية الدينية، وليرجع الاثنان إلى القبطي والإسرائيلي تأييداً للجامعة الوطنية، وليكن المجموع رجلاً واحداً يسعى خلف شيء واحد؛ حفظ مصر للمصريين، ويهاجم ذلك النفر الذي خوت قلوبه من الوطنية ممن يلتمسون الجاه بالتزلف إلى المحتل الغاصب.

الإسرائيلي في ذلك الوقت، يعني اليهودي بشكل عام، يعني صهيونية، ماسونية عالمية. نعم، أنا أقصد أنه يعني يمكن يفهم الكلام أنه لسه ما كانت قائمة دولة إسرائيل. نعم أنا فاهم، لذلك قلت لك يعني مش إسرائيل، لسه لم تقم في تلك الفترة، لكن كانت ماسونيتها وصهيونيتها العالمية بدأت تظهر في بريطانيا والدول ومن خلال رؤوس الأموال، فكان يظهر وجودهم. نعم.

قال ويهاجم ذلك النفر الذين خوت قلوبهم من الوطنية ممن يلتمسون الجاه بالتزلف إلى المحتل الغاصب قائلاً: نرى كثيراً من الشرقيين بل المصريين حول حمى الأجنبي لياذاً به وطلباً لمعروفه، فهل تناول منه إلا لقمة لو لم يجده لطرحها للكلب لكونها فضلة طعامه وفتاة خوانه؟ وهل جلس -الخوان هو المائدة نعم- وهل جلس في حضرته إلا مهيناً مزدراً، منظوراً إليه بعين الاحتقار بل الاستعباد؟ وهل مكنه من أضعاف الأعمال إلا ليستعمله آلة في تنفيذ آماله وتحقيق أمانيه؟

نعم هذا المصري أو الشرقي الذي يدور في فلك الأجنبي، هل الأجنبي إلا أعطاك فتاة ما لديه وجعلك آلة يستسخرك لخدمته؟ وهل بش في وجهه مرة إلا ليدخل عليه غفلة الرحمة والحنان ليصرف أنظاره عما يراه من سلب الحقوق؟ قال: كان هذا المقال الجريء العنيف بداية لسلسلة من المعارك تالبت عليه فيها الصحف الإنجليزية تؤيدها صحيفة المقطم، واتهمته بإثارة -صحيفة المقطم اللي هي الصحيفة المصرية اللي كانت في تلك الفترة عميلة للبريطان- واتهمته بإثارة الفتنة، حتى انتهى أمره إلى خضوع الخديوي عباس لما أملاه عليه كرومر من إبعاده عن مصر منفياً، فودع قراءه وداعاً مؤثراً في العدد الأخير من الأستاذ. النديم عبد الله النديم رجع، نفوه من مصر. نعم.

قال في كلمة عنوانها تحية وسلام ختمها بقوله: وما خلقت الرجال إلا لمصابرة الأهوال ومصادمة النوائب، والعاقل يتلذذ بما يراه من فصول تاريخه في العظم والجلالة، وإن كان المبدأ صعوبة وكدراً في أعين الواقفين عند الظواهر، وعلى هذا فإني أودع إخواني قائلاً: أودعكم والله يعلم أنني أحب لقاءكم والخلود إليكم، وما عنّ لنا كان الرحيل، وإنما دواعٍ تبدو، فالسلام عليكم. وبذلك طوي صحيفة الأستاذ ولما يحل الحول على صدور العدد الأول منها. يعني لسه ما صارلهاش سنة على صدور أول عدد منها تم حلها مباشرة، لأنها وقفت في وجه الإنجليز. نعم.

قال وتلقف الراية من يد النديم مصطفى كامل -مصطفى كامل الآن صاحبنا اللي تكلمنا عنه اللي تولى رئاسة الحزب الوطني- الذي تلقى دروسه الأولى في الوطنية وفي السياسة على يديه، فقد اتصل به منذ عودته من منفاه وعرف منه كثيراً من أسرار الثورة العرابية ودسائس السياسة الإنجليزية، مما جعله يتجنب -منذ عودة النديم، مش حكينا النديم شارك بثورة العرابية نُفي ورجع في ٨٩ فتح الجريدة المصرية وبعدين رجعوا إيش؟ نفوه مرة ثانية- فبقول لك مصطفى كامل أصلاً هو تربى على يد عبد الله النديم لما عاد من منفاه الأول. نعم.

قال مما جعله يتجنب الخلاف مع الخديوي، ويحاول قدر استطاعته أن يجعل من الشعب والقصر قوة واحدة تواجه الاستعمار. وخطا مصطفى كامل خطوة جديدة إلى الأمام حين جاهر بطلب الجلاء في أول حديث له نشر في صحيفة الأهرام، وتابع بعد ذلك نشر المقالات الوطنية في صحيفتي الأهرام والمؤيد، ثم في الصحف الأوروبية منذ بدأ رحلاته السنوية إلى أوروبا في مايو سنة ٩٥ و٨٠٠، حتى ظهرت صحيفة اللواء اليومية في الثاني من يناير سنة ٩٠٠، فكان يكتب مقالتها الافتتاحية في أكثر الأحيان. وقد اختار قرن ظهور الحركة الوطنية بعد الثورة العرابية بظهور الخديوي عباس على مسرح السياسة، حين جلس على عرش مصر في الثامن من يناير سنة ٩٢ و٨٠٠، بعد وفاة أبيه الذي كان سبباً في نكبتها بالاحتلال الإنجليزي. الخديوي توفيق، وإذا الخديوي العباس الخديوي توفيق نكبنا تماماً، أنه هو الذي أتى بالاحتلال من أجل ضرب الثورة العرابية وأعطاهم كل شيء. بعد الخديوي توفيق اجا ابنه الخديوي عباس حلمي اللي حكينا عنه، والذي كان في بداية أمره على يعني صلاح خلينا نحكي على خير، وكان يقف في وجه الاستعمار الإنجليزي إلى أن يعني قهر كثيراً، فتبدل حاله في آخر سنواته وأصبح مع الاستعمار، لكن في بداية أمره كان جيداً طيباً.

قال والواقع أن عباس كان محور الحياة السياسية والوطنية في ذلك الوقت، فقد تولى الحكم وهو شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. كان عمره ١٨ سنة عباس حلمي لما تولى حكم مصر. نعم.

قال وكان جريئاً واسع الأمل، يريد أن يكون ملكاً حقيقياً لا دمية في يد الإنجليز، هيك كانت آماله الأولى. نعم.

قال وكان مصرياً بحتاً حكم عليه كرومر منذ لقائهما الأول، فنفخ في مصر -يعني ما كانش عميل كان مصرياً بحتاً ينتمي لمصر- فنفخ في مصر روحاً جديدة من الوطنية والشجاعة جرت الأمة على مناهضة الاحتلال، وقوت الآمال بالاستقلال. وكان ينعى على أبيه ضعفه واستسلامه للإنجليز، ولذلك كان أول ما فكر فيه عند تولي الحكم أن يغير رجال حاشيته الذين ورثهم عن أبيه، والذين ألفوا أن يذلوا أنفسهم ويمتهنوا كرامتهم أمام الإنجليز. إذاً شيء جيد خطوات إصلاحية جيدة، أول شيء غير بطانته. نعم.

قال بدأ عباس حكمه كأحسن ما يبدأه ملك، فهو جديد الرغبة في التودد إلى الشعب، يستقبل طوائفه المختلفة مرتين كل شهر، ويصدر عفوه عن عدد كبير ممن اشتركوا في الثورة العرابية في السنة الأولى لحكمه، ويرد إليهم رتبهم وشاراتهم ويعيدهم للخدمة، وهو يعرض الجيش المصري مرتين في ذلك العام، ويحيي شهر رمضان بتلاوة القرآن والاستماع إلى تفسيره مع رجال حاشيته، وهو يطالب بخروج الجيش الإنجليزي من القلعة، ويتصل بالمديرين مباشرة دون الرجوع إلى كرومر كما جرت عادة والده من قبله. وقد نجح نجاحاً مؤكداً في بث شعور الكراهية للإنجليز في قلوب المصريين، كما نجح في إخراجهم عما ركنوا إليه من فتور واستسلام يشبه الموت، ورسم لهم طريق المقاومة بجرأته في تحديهم، فكان كسيال من الكهرباء طُبق جو مصر وكهرب جميع أهلها، فشعروا بأنهم أمة يجب أن يستقلوا بأمورهم، زي كأن هلاً تيار كهربائي لسع المصريين، استيقظوا لأنفسهم انتبهوا. نعم.

قال ولذلك لم يكن عجيباً أن يلتف المصريون حوله، أن يحبوه، وقد بلغ من حماستهم في استقباله أن يتقدم الشباب لجر عربته بعد أن نحوا عنها الجياد حين ذهب -صار الشباب هم اللي يجروا عربته بدل الخيل، تخيل قدش بحبوا، أنه قالوا نحن بنجر عربتك مش الخيول- نعم، حين ذهب لصلاة الجمعة في مسجد الحسين رضي الله عنه. وقد أقر كرومر بنفوذ عباس حين قال إن الصعوبة الكبرى التي واجهت الإنجليز حين استهدفوا رفع مستوى الفلاح هي أن يصلوا إلى ذلك دون الاصطدام بالقصر، الذي أثبت على توالي العصور رغم ما آل إليه من فساد، قدرته على جمع الشعب المصري وتكتيله، واعترف بزعامته حين قال إن المبادئ العرابية قد بدأت في الظهور تحت اسم جديد وهو لقب خديوية، وإن الحالة أصبحت كثيرة الشبه بالتي كانت عليه عند بدء الثورة العرابية، غير أن الفرق الوحيد هو أن الخديوي نفسه في هذه المرة كان هو قائد الحركة. يعني في الثورة العرابية كان العرابي أما الآن اللي يريد أن ينهض بمصر هو نفس الخديوي عباس. نعم.

قال وحين قرر أن أنصار المبادئ الديمقراطية الحديثة ومن سماهم الغوغاء الذين لا يملون من التغني بها كانوا جميعاً في جانب الخديوي، وإلى ذلك أشار السيد محمد رشيد رضا في تاريخ الأستاذ الإمام حين قال، ومن إنصاف محمد رشيد رضا لما كتب تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده، هو الذي يسمى الأستاذ الإمام. نعم.

قال ومن إنصاف تاريخي أن أذكر هنا أفضل محاسن هذا الأمير الكبير، وقد ذكرت مساوئه حتى لا تكون المساوئ هي التي تستقر وحدها في نفس قارئ هذا الكتاب، وهو ظلم. فأقول: أول ما عرف الناس من محاسنه ما يسمى في عرف هذا العصر بالوطنية. وقد كان من آيات هذه الوطنية احتضانه مصطفى كامل منذ ألقى أمامه خطة يرحب فيها بمقدمه حين زار مدرسة الحقوق، فتشجعه على السفر إلى فرنسا لإتمام دراسته وقربه إليه بعد عودته. فكان يجتمع به سراً في مسجد قريب من سراي القبة، يدبر معه الخطط للتخلص من الاستعمار وأمده به.

هنا بيحكوا أنه عباس حلمي، زي ما عندكم في الحادثة رقم أربعة، عباس حلمي اتفق مع مصطفى كامل أنه يعملوا جمعية سرية من الشباب الوطنيين، ويبدأوا العمل لايش؟ لإسقاط الاستعمار. تخيل الخديوي عباس واصل لهي الدرجة أنه بده ينشئ تنظيم سري مع مصطفى كامل لإسقاط الاستعمار. نعم.

قال وأمده بالنفوذ وبالمال، فشجعه على تأسيس الحزب الوطني وأعانه على إصدار صحفه المختلفة. قال: وكان عباس إلى جانب تشجيعه لمصطفى كامل يحاول أن يجمع حوله ضباط الجيش، وأن يحثهم على عدم الاستسلام والخضوع لرؤسائهم من الإنجليز. وكان يحض الموظفين على الاحتفاظ بكرامتهم والتمسك بحقوقهم واختصاصاتهم إزاء رؤسائهم من ممثلي الاحتلال. فظهرت روح المقاومة بين الموظفين، واستحكم الخلاف في دواوين الحكومة ومصالحها بينهم وبين الإنجليز، حتى قال كرومر إن الموظفين جميعاً، من أكبر كبير إلى أصغر صغير، كانوا تابعين لعصابة الحركة ضد الإنجليز التي يقودها عباس. وكان يعرض عن الذين يتوددون إلى الإنجليز، ويبدي عداءً صريحاً واضحاً لكل من يلوذ به من الأعيان والعمد والمشايخ، ويسيء استقبالهم في القصر وفي مختلف المناسبات. من أجل ذلك كله لم يكن هناك مفر من الصدام عباس بكرومر ممثل.

كرومر اللي هو ممثل الإنجليز كان، نعم. قال ولم يكن هناك وسيلة لتجنب هذا الصدام المتوقع، وظل كرومر يتصيد الفرصة المناسبة ليضرب ضربته دون أن يكون هو البادئ، حتى يقطع السبيل على كل احتجاج، وحتى لا يبدو أمام الرأي العالمي العام معتدياً. وسرعان ما وجد الفرصة المناسبة عندما انتهز، وهذا جيد أن تفهموه، بعض الشباب في السياسة يجب أن تفهم القضية، بعض الناس يظن، طيب يعني لماذا بريطانيا من أول ما أنهت عباس، يعني ما دام هو فعلاً كرومر متضايق منه؟ نعم.

الذريعة، أحسنت، الذريعة وهذا مهم جداً يجب أن تفهمه في السياسة المعاصرة. بعض الناس مثلاً يرى مثل حال الحكومة السورية وشيء من ذلك، ويكون دائماً يقول لك: طب ليش ما ينهوه مباشرة؟ أو حال الإخوة في غزة من المقاومة، أنه لماذا ما أنهوها من زمان؟ أو أي حالة إسلامية تقوم بشكل عام. بعض الشباب يظن القضية بهذه السهولة، يعني أنه خلص وقفوا ضد أمريكا ليش ما قتلتهم؟ أكيد ما قتلتهم أنهم عملاء، لا هو السياسة ليست كذا. يعني هو ليس من السهل دائماً على العدو أن يأتي، خلص شخص لا يعجبه مباشرة يقتله، لا هم لا يفعلون هكذا بكل سهولة. حتى في تعاملهم مع إيران، مع حزب إيران أيضاً في لبنان، إلى غير ذلك كيف يتعاملون؟ ما ليست القضية أنك تستطيع تقتل أي شخص في أي وقت، أنه في النهاية العدو يدرس أيضاً ردود الأفعال التي ستنتج.

ويدرس الفوضى التي ستحدث، واختلاف الآراء تجاه قضيتهم. فالعدو لا يقتل الذي يعاديه، يغتاله، إلا لما يشعر أن هناك فرصة مناسبة حقيقية لاغتياله دون إحداث فوضى بعد ذلك. في النهاية هناك شعوب وهناك دول وهناك نفوس بشرية وأشياء كثيرة يمكن أن تحصل والعدو لا يحسب لها حساب. بالتالي لا تظن أنه من السهل القضاء على أي عدو، حتى الغرب يدرك ذلك، وأن عملية اغتيال شخص معين أو القضاء على أي حالة إسلامية يحتاج إلى دراسة؛ لأن لا يتسبب القضاء عليها لفوضى أكبر تستنزف العدو في حروب طويلة المدى. ولاحظ هذا النموذج، يعني كيف كرومر نفسه ما استطاع ابتداءً أن يواجه عباس حلمي، مع أنه واضح أنه كان في البداية ضدهم.

يعني إيش بدك أفضل من أنك تقتله مباشرة؟ لكن لا أستطيع أن أقتله مباشرة، في النهاية هذا الرجل له نفوذ شعبوي، له نفوذ نفسي داخل هذا المجتمع، لا أستطيع أن أقضي عليه إلا بثمن باهظ سأدفعه بعد ذلك. فلذلك هو ينتظر الفرصة المناسبة للقضاء عليه، كما قال حتى لا يبدو أمام الرأي العالمي معتدياً، نعم.

قال وسرعان ما وجد الفرصة المناسبة عندما انتهز عباس مرض مصطفى فهمي فتخلص منه بإقالته في 15 من يناير سنة 93 و800. عباس حلمي أنهى وزارة مصطفى فهمي، طبعاً مصطفى فهمي هي وزارة كانت تابعة فعلياً لبريطانيا. عباس حلمي حاول يعمل حركة ذكية، أنه شاف أن مصطفى فهمي مرض، فإيش قال: خلصنا ننهي حكومة مصطفى فهمي. هنا كرومر شاف أن عباس حلمي طلع عن، أنه هي وزارة لنا، يعني هسا هم مسامحين لعباس حلمي شوي، يعني يأخذ راحته مع الشعب، بس الوزارة تلعب فيها؟ وزارة اللي هي أداة التنفيذ هذه لبريطانيا، عباس حلمي استغل فرصة مرض فهمي وأقال الوزارة، أراد يضع وزير ينتمي إليه مش للبريطانيين، وكرومر انزعج. نعم.

قال وأصدر أمره إلى حسين فخري بتشكيل الوزارة، مكتفياً في كل ذلك بإبلاغ كرومر بما تم. شو اللي صار؟ عباس حلمي قال مصطفى فهمي: يعطيك العافية أنت مريض خلص، شكراً، حلينا الوزارة، وكلف رجل من أتباعه اسمه حسين فخري بتشكيل الوزارة دون أن يراجع كرومر فيه. نعم.

قال وأبرق كرومر إلى وزير الخارجية البريطانية يقول: إن وقوع. كرومر اللي هو المخابرات البريطانية فعلياً، كان يمثل، أرسل مباشر رسالة لوين؟ لوزارة الخارجية البريطانية، أنه كيف يجب نتعامل مع توغل أي عباس حلمي. نعم.

قال: إن وقوع صدام شديد مع الخديوي، كما قدرتم منذ وقت طويل، أمر لا بد منه، ولا أرى من الصواب تأخيره. خلص بلغ وزارة الخارجية، لازم تصطدموا الآن مع عباس حلمي، لأنه الرجال عم يتوسع، وهذا نحن أجلنا الاصطدام به لوقت، لكن أنا متوقع أنه سيأتي والآن يجب أن نصطدم فيه. نعم.

قال وإني أرى وجوب انتهاز هذه الفرصة لوضع حد لهذه الأمور، وإني أرى أن لا فائدة من اقتصاد فخامتكم على نصحه، بل أقترح أن ترسلوا إليَّ برقية أستطيع أن أريها لسموه، تذكرون فيها بكل جلاء أن حكومة جلالة الملكة التي تنتظر أن يؤخذ رأيها في المسائل الهامة مثل مسألة تغيير النظار.

تغيير النظار الوزراء، أنه الملكة البريطانية تنتظر أنه أنت تأخذ رأيها في تغيير الوزراء، أنه كيف أنت تعمل هذا على مزاجك؟ نعم. كذلك أقترح إعطائي السلطة بأن أتخذ الوسائل اللازمة التي أرى وجوب اتخاذها لمنع هذا التغيير إلى الآخر. قال وأصدر كرومر أمره في الوقت نفسه إلى الموظفين البريطانيين بأن لا يعترفوا بالوزارة الجديدة حتى يتلقوا أوامره. وجد الخديوي الشاب نفسه وحيداً أمام السياسي العجوز؛ فالكتلة الشعبية لا تتجاوز قوتها كلاماً يقال أو مظاهرات تجتمع ثم تنفض.

أمام السياسي العجوز يقصد بريطانيا، يعني هذا شاب صغير وبريطانيا ختيارة في السياسة، يعني أنت مين عباس حلمي؟ شاب عمرك 20، 22، 25 سنة تقف في وجهنا؟ نعم. قال وقنصلا فرنسا وروسيا اللذان كانا يشجعانه على مقاومة الإنجليز قد تخليا. شوف كيف يعني ماشي فرنسا وروسيا بتشتغل من تحت الطاولة أنها ضد استعمار بريطانيا، لأنه في تنافس بينهم استعماري، فهم كانوا يشدوا حيل عباس حلمي، إحنا معك، إحنا في ظهرك، لكن الذي يشد ظهره بالعدو عمره ما بصعد. عباس حلمي إذا أنت بتشد ظهرك بفرنسا وروسيا، هذه لها أطماع، هذه ما بتشتغل من أجل الله ولا من أجلك. نعم.

قال ورأى كرومر أن من الأفضل أن لا يسرف في إذلاله، وأن يدع الباب مفتوحاً للتفاهم. زي ما بتعمل الآن ترامب أو أمريكا مع إخواننا في غزة، اللي هي مقاومة، وتحاول أن، طبعاً هي بدها اجتثاث لكن بتضلها تخلي بعض الدول العربية إيش؟ وسطاء، أنه ما بدنا نسكر باب التفاهم تماماً، خلي في حبل هيك. السياسة، سياسة الاستعمار، سياسة الصليبيين مع العالم الإسلامي أنها مجرمة، سفاكة، لكنها في نفس الوقت تبقي باباً للتفاهم، تبقي بوابة من خلال وسطاء، من خلال مفاوضات مباشرة ولا غير مباشرة، لأنها تعرف أنني في النهاية لا أستطيع أن أقضي على هذا إلا بفساد أكبر يحصل منه، نعم.

قال وأن يدع الباب مفتوحاً للتفاهم لعله يستطيع من بعد أن يتألفه، فحل المسألة حلاً وسطياً؛ وذلك بأن لا يعود مصطفى فهمي إلى رئاسة الوزارة، وبأن يعزل فخري في نفس الوقت. طيب فالآن شو الاتفاق صار عباس حلمي والجماعة؟ عباس حلمي يعني ماشي مندفع ومتحمس الشاب، ولكن في النهاية عرف أنه حجمه أقل من حجم بريطانيا ومقاومتها، فكرومر استطاع أن يصل مع عباس حلمي لحل، ما هو أن مصطفى فهمي خلص مش أنت عزلته ما رح نكسر كلمتك أمام المصريين، لكن هذا فخري اللي جبت لنا إياه برضه مش رح نقبله، بدك تشوف لك واحد ثاني. فاتفقوا على تولية مين؟

قال ويعهد في تأليف الوزارة إلى مصطفى رياض ولكنه. حطوا شخص اسمه إيش؟ مصطفى رياض، قالوا هذا حل وسط نتفق عليه مع بعض، نعم. ولكنه أصر على أن يتقدم عباس إليه بخطاب أملى هو صورته، يقول فيه أنه يرغب رغبة شديدة في أن يوجه عنايته إلى إيجاد أصدق العلاقات الودية مع إنجلترا، وأنه يسير بكل رضاء بموجب نصيحة حكومة جلالة الملكة في كل المسائل المهمة في المستقبل.

آه، شوف كيف كرومر قديش نفوذه قوي، وقال لعباس حلمي: شوف نحن ماشي نتفق أنا وإياك على مصطفى رياض، لكن بدي إياك تكتب رسالة إلى بريطانيا، وأنا سأملي عليك نص الرسالة. شوف كرومر شو بيعمل؟ لكنه كرومر أصر على أنه عباس حلمي يكتب خطاب، وشو نص الخطاب؟ مين اللي أملى عليه نص الخطاب؟ نفس كرومر. قال له: هيك بتكتب لبريطانيا، أنه هو سموه بده يكسر هيبته. شوف أراد يكسر هيبة عباس حلمي من خلال هذا الخطاب، أنه أي عباس حلمي يرغب رغبة شديدة في أن يوجه عنايته إلى إيجاد أصدق العلاقات الودية مع إنجلترا، وأنه يسير بكل رضاء بموجب نصيحته، ها أنت تابع لنا، أنت مش حر. شوف هذا كرومر قديش قوي ويعرف كيف يكسر النفوس، أنت مش حر يا عباس حلمي، بدك تركع أمامنا وأنك تعمل بموجب نصيحة حكومة جلالة الملكة البريطانية في كل المسائل في المستقبل. تمام، فهذا بحد ذاته تصالح كرومر، أنا خليته يركع ويقر أنه تابع لنا، نعم.

قال وظن كرومر أنه قد لقن الخديوية الشابة درساً لن ينساه، وكان يتوقع أن يجد في رياض، نعم مصطفى رياض نعم، اللي عنده المبادئ العربية القديمة، عوناً على ترويض عباس وكسر حدته، ولكن الذي حدث هو أن رياض قد انقلب إلى مؤازرة عباس وظاهره في موقفه العدائي من إنجلترا.

آه جيد، يعني هو كرومر ظن أن مصطفى رياض رح يكون في صفه ولذلك هو رشحه، لكن سبحان الله تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، وأحياناً مصطفى رياض بالعكس وقف مع عباس حلمي ضد الاستعمار وكان نفسه معه مش مع بريطانيا، نعم.

قال فمنع الموظفين الإنجليز ممن جرت العادة بأن يحضروا مجلس الوزراء من حضوره، وقرر أن تكون اللغة العربية هي لغة التعليم في المدارس الأميرية بعد أن كانت معظم الدروس تلقى باللغة الإنجليزية، وكثر الصدام في عهده بين الموظفين المصريين والإنجليز، وتشجعت الصحف الوطنية على مهاجمة سلطات الاحتلال حتى اضطر إزاء إلحاح كرومر إلى إيقاف صحيفة الأستاذ وإبعاد صاحبها عن وطنه. ومضى عباس لوجهه لا يتراجع يؤيده رياض، وقد تأثر بما رأى من إجماع الشعب على تأييد الخديوي، فقد ظلت الجموع من مختلف الطبقات تتوالى على القصر طوال اليوم الأول لتوليه الوزارة، تهتف داعية للخديوي مشيدة بوطنيته وجرأته. وهاجم فريق من الشباب على رأسه مصطفى كامل، وكان وقت ذاك طالباً في الحقوق، صحيفة المقطم التي كانت تؤيد الإنجليز وتهاجم الخديوي، وتجلى حماس الشعب في استقبال عباس حين ذهب إلى مسرح الأوبرا لمشاهدة رواية عايدة بعد الأزمة بأربعة أيام. لذلك لم يمضِ على أزمة.

طبعاً المسارح في مصر في تلك الفترة كانت مظهر من المظاهر الثقافية، يعني سينما مسارح وما شابه ذلك، أنت بتتعجب تقول شباب وقاعدين هناك، لكن كانت صرعة جديدة، يعني كيف اليوم أول ما دخل الفيس أول ما نزل إذا صرعة جديدة، فكان المصريين بالنسبة لهم صرعة. نعم.

قال لذلك لم يمضِ على أزمة مصطفى فهمي عام حتى تصيد كرومر فرصة لتوجيه لطمة جديدة قوية إلى عباس، حين وجد الفرصة مواتية في حادثة تافهة احتك فيها الخديوي بكتشنر سردار الإنجليز وقت ذاك، فبادر كرومر إلى الاتصال برياض وطلب تقديم اعتذار رسمياً من الخديوي عباس ينشر في الصحيفة الرسمية، مهدداً بخلعه. وأسرع رياض إلى مقابلة عباس في جورجا قبل عودته إلى القاهرة وقد ملأ الرعب قلبه، وأقنعه بقبول شروط كرومر، فلم يجد الخديوي، وقد وجد نفسه وحيداً للمرة الثانية، بدّاً من قبولها، ونشرت البرقية التي اعتذر فيها عباس إلى كتشنر، هي شو طبعاً هذه عندكم في الحادثة رقم اثنين عم بيعطيك شو هذه الاحتكاك.

اللي صار إنه الخديوي سافر في رحلة إلى الحدود المصرية، ولما بلغ وادي حلفا، عرض الجيش، يعني بتعرف مجلس الحاكم، تم عرض فرق الجيش عليه، بتعمل عرض عسكري. الخديوي عباس أبدى انتقاده لهذا لكتشنر، يعني على بعض عدم رضاه عن مستوى تدريب الفرق؛ إنه أنت مش عم بتدرب الجيش المصري تدريب جيد. فيعني كأنه كتشنر شاف إنه هذه عيبة في حقي إنه عباس حلمي ينتقد تدريباتنا للجيش المصري، فوصل القضية لكرومر. فكرومر يعني بده يعمل منها قصة، إنه أنت إيش علاقتك عباس حلمي يتكلم على كتشنر هذا الواضعينه على الجيش المصري.

نعم، قال ونُشرت ونُشرت بقية التي اعتذر فيها عباس إلى كتشنر في الصحف العربية، كما نُشرت ترجمتها الفرنسية في الصحف الأوروبية. وكانت هذه الحادثة ضربة قاضية لنفوذ عباس في الجيش، فقد انتهى الأمر فيه إلى ما توقعته صحيفة الأهرام في تعليقها على الحادث واستنكارها لموقف رياض من الخديوي بمساعدته الإنجليز على إملاء شروطهم وإذلال عباس؛ حين قالت إن الضباط والعساكر المصريين سينتهي بهم الأمر إلى أن لا يعرفوا رئيساً عسكرياً سوى كتشنر باشا، ولا رئيساً سياسياً سوى لورد كرومر.

كان الصدام الخديوي بالإنجليز يزيد يزيد عطف المصريين عليه وحبهم له. وكان هو من فاظ مش كذا؟ أنت في النهاية كشعب ما دعمتني، يعني أنت في النهاية بتتعاطف معي بس في النهاية أنت ما دعمتني. وهذه المشكلة إنه أنت كحاكم ما بينفع تضلك تعتمد على تعاطف الشعب، وهذه من أكبر الأخطاء اللي ممكن يقع فيها بعض الحاكمين، بعض الجماعات الإسلامية التي تريد التصدر للحكم، إنه يعتمد على ماذا؟ على الشعب، هذا خطأ، أكبر خطأ تاريخي يمكن أنت كحاكم مسلم أو كجماعة إسلامية تريد الوصول للحكم أو أي شيء، إنك تعتمد على عاطفة الشعوب.

الشعوب تخذُلك، الشعوب ما شاء الله عليك، رائعين ممتازين، ممكن تشاركك في مهرجان إنشادي، ممكن تصفق لك وأنت قاعد بتحكي، لكن الشعوب إياك أنك تعتمد عليها في إقامة دولة قوية. الدولة القوية تقوم على الدولة العميقة؛ عندي جيشي، أجهزتي الأمنية، أجهزتي الخاصة، استخباراتي، هكذا تقوم الدول. أما الذي يعتمد على الشعوب يكون مغفلاً. أحمد بن حنبل إخواني وهو إمام أهل بغداد، لما حُمل إلى المأمون، في حدا فزع له؟ الناس دعت له، الناس كانت تنتظره على أبواب القصر، بس في النهاية ما حدا فزع له، حتى الناس التي تحبه.

وكم كان يحضر مجلس أحمد بن حنبل في بغداد؟ فوق الثلاثين أربعين ألفاً. وينهم هؤلاء لما أحمد جاء أمر اعتقاله وحمله إلى المأمون في الرقة وبعد ذلك وجلده في قصر الواثق؟ أين كانوا؟ الشعوب شيخ لا يمكن المراهنة عليها، ومسكين ومغفل من يراهن على الشعوب، تمام؟ الشعوب أصلاً تسير بالفوضى أكثر ما تسير بالزمام، ولا يمكن أن تبني عليها حركة منتظمة، إنما تقوم الدول من خلال جيوشها وقوتها العسكرية وتنظيمها لأنفسها.

هذه أعتقد أنها كانت إحدى نقاط الضعف في عباس حلمي، إنه هو شاب صغير اغتر بماذا؟ بأنه الشعب الشعب معي. الشعب، أنت الشعب معك يا عم بس أنت بريطانيا جاثمة، بكل بريطانيا بالمئة ضابط اللي واضعيتهم في مصر عم تحكم ثلاثين مليون مصري، اللي أنت مركن عليهم! فهذه غفلة تكون في بعض الناس، الاعتماد على الشعوب، الشعوب لا يعتمد عليها في أي انتصار. نعم الشعوب ممكن تأتي في الطابور الثاني أو الثالث، ماشي، ممكن تجيبها زخم، زخم، تعملها مظاهرة، تعملها كذا، لكن لا يمكن أبداً الاعتماد عليه.

لذلك بعض الناس يغامر بالثورة معتمداً على ماذا؟ نحن رح نعبي الميادين، يا أخي لو عبيت كل الميادين أنت لا تملك دولة عميقة، لا تملك نفوذ، لا تملك يعني الشعوب هل تعرف التخطيط؟ الشعوب هل تعرف ماذا ستتصرف؟ هي حركة فوضوية، الفوضى لا تصنع انتصاراً إذا لم يكن هناك رؤية ما بعد الثورة، إذا لم يكن هناك عمق وتخطيط، تمام؟ فهذا يفهم جيداً، وإياك أنك تغامر المغامرات الفاشلة وتقحم نفسك بكرة في أمور بحجة هي الشعب معنا، الشعب لا يراهن عليه.

نعم، قال وكان هو من جانبه لا يدع فرصة للاتصال بالشعب إلا اقتنصها، لذلك لم يكن عجيباً أن يُقبل عليه شعراء مادحين، وأن يمجدوا فيه وطنيته وصداقته وميوله المصرية، التي كانت شيئاً جديداً من هذه الأسرة التركية التي عاملت الشعب من قبل بكثير من الترفع والاحتقار. ومن الإنصاف لهؤلاء الشعراء الذين مدحوه في هذه الفترة من حياتهم، وهم كثرة كبيرة لا يكاد يشذ عنها شاعر من شعراء هذا العصر، أنهم كانوا مدفوعين إلى ذلك بشعور وطني خالص، لا تشوبه شائبة من التزلف أو الملق، فقد جمع عباس في هذه الفترة الأولى من حكمه بين الزعامة والملك.

وهذا هو عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية، الذي لم يحد عن مبادئها حتى مات غريباً في تركيا، لا يني عن الإشارة به في كل مكان من صحيفة الأستاذ، محاولاً أن يجمع المصريين حوله، وأن يجعله قطب الحركة الوطنية في ذلك الوقت. وهذا هو مصطفى كامل قائد الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، يقول في خطبة له بالإسكندرية سنة ستة وتسعين وثمانمئة وألف: قال والحمد لله، فقد أصبحت مصر عارفة بحقوقها، وأصبح أبناؤها عارفين واجباتهم نحوها، مستظلين جميعاً على خلاف ما يشتهي الدخلاء، براية الوطنية الشريفة، الحامل لوائها عزيز مصر وأميرها الجليل العباس حلمي باشا. أراكم أيها الوطنيون الأوفياء والمستوطنون الأعزاء، صفقتم وهللتم وبدت عليكم علامات البشر والسرور عندما ذكرت اسم عزيزنا المحبوب، فاسمحوا لي أن أحمدكم من صميم فؤادي، وأشكركم على المكانة السامية لأميرنا الكريم في نفوسكم، الدالة على أن الشعب المصري كله قد قدّر هذا السيد حق قدره، وعرف أنه حقيق بأن يحب ويخدم بصدق وإخلاص، جدير بأن يساعد في خدمة الوطن العزيز.

وهذا كله برجع يقول لك كل هذا الكلام لا ينفع. يعني الآن بعض يعني الحالة الإسلامية في الشام ولا في غيرها، قضية أن الناس تحمدك، أن الناس تحبك لأنك خلصتها من ضيقك، إذا لم يتم تحويل هذا الانتصار في الثورة الشامية إلى حالة حكم مستتب حقيقي، وتقوية دولة عميقة حقيقية، كل هذا التصفيق والتهليل والمحبة في الشوارع والطرقات تذهب. إذا لم يتم تحويلها لدولة عميقة حقيقية، تمسك مفاصل الدولة بشكل علمي وفق ما تقتضيه الدول المعاصرة، فإن ما أسرع أن يتم سحب كل هذه الهالة الشعبية منك واستبدالها، ولن تجد يعني بعد ذلك أحداً يصفق، هذا مهم جداً، واللي هو ماذا حصل مع عباس حلمي بعد كل هذا التمجيد والتصفيق والشعب والذين يتعاطفون. الشباب عم بتجر على روايات عباس حلمي، في النهاية عباس حلمي لما كان يتورط أمام أمريكا ولا عفواً أمام بريطانيا، ما في حدا فزع له من الشعب، بل بالعكس بتلاقي الناس قاعدة على مجموعات التليجرام تنتقد وكذا، لا ما هو كان المفروض يعمل طيب تفضل، يعني أعطيني حلولكم يعني بدل ما أنتم جالسين في بيوتكم وعلى موائدكم تنظرون.

الذي يقف أمام الغرب أمام الصليبيين ومخططات الصهيونية العالمية، هذا يحتاج إلى دهاء ويحتاج إلى طبقة عميقة ودولة عميقة تقف معه وتسنده وتوجهه، أما أن يكون هو وحده أو معه اثنين ثلاثة أربعة بده يقف أمام الصهيونية العالمية التي هي متنفذة في العالم العربي بشكل مرعب. لذلك أنا حتى أجد بعض الناس الذين يعلقون على الأحداث والوقائع ولا يفهم شيئاً ويظن أنك تقف أمام الصهيونية العالمية هو شيء سهل، أنت تقف أمام أخطبوط ضخم، يعني أنيابه في كل مكان موجودة ومتشبثة بالعالم العربي، وبالنسبة له أصالة الشام محطة صراعات لا يمكن أن يتخلى عنها أصالة.

فلذلك أعود فأقول يجب أن تفقهك، وتقوي ما يمكن تقويته، ولا تبقى تعتمد على الأناشيد والشعوب والإخواننا المشايخ الأفاضل اللي يخطبوا يطلبوا لك ويحمدون بحمدك، إذا ما كنت واعي أنها كيف تصنع الدول وكيف تبنى التحالفات، بدك تعمل تحالفات قوية وعميقة، وتعرف من العدو من الصديق، وتلعب لعبة الذئاب في السياسة، لأنه السياسة هي لعبة الذئاب، بدك تعرف كيف تضرب هذا بهذا وتقرب هذا وتبعد هذا، بعد طبعاً كله يحتاج إلى توفيق من الله وإعانة من الله وإلهام من الله، وتدعو الله عز وجل ألا تزل الأقدام في أي خطوة، أي خطوة تزل فيها الأقدام بتضيع، وأن يكون مقصدك في النهاية هو صدقاً وحقاً أن توصل شريعة رب العالمين، وأن تحقق للمسلمين دولة حقيقية منتمية إلى دينها وإسلامها، وأكون هذا هو المقصد، ولو كنت الآن لا تستطيع أعذرك، لكن في مآله يجب أن تكون هذه كلها مفاهيم حاضرة.

وإلا هي الشعراء مدحوا عباس، ألم يقرأ؟ ماذا عباس؟ قال إن هذا الأمير أرسل ليسترد لمصر حقوقها ويعيد لها أملاكها المفقودة، فليكن منا رجال أوفياء يساعدونه، مساكين انقلب عليهم يعني صار مع الإنجليز، هذا هو الأمير اللي كانوا يتغنون به لأنه هان ما يعني صعب أقول لك إنه كان من البداية عفواً تعبان، بس هو في النهاية وقف وحده، وهو وقد يكون هو ليس في قمة الذكاء ليعرف كيف يشكل من هذا التأييد الشعبي حالة مستتبة، يعني حالة تخدم فعلاً الحكم، هل استطاع عباس حلمي يحول التأييد الشعبي إلى حالة يستتب فيها الحكم لصالحه ولا فقط كان يستعمل الـ يعني فقط الشعبوية؟ نعم.

قال فليكن منا رجال أوفياء يساعدونه على هذا العمل الخطير، وينسون أشخاصهم في جانب خدمة البلاد، فإن الوطن يستغيث بكل ذي شعور حي، والأمة تستنجد بكل ذي إحساس شريف. ولا يجب أن ننسى أن أميرنا المحبوب سهّل علينا كثيراً، سهل علينا كثيراً خدمة الوطن الشريف، فإنه هو الذي أسمع أوروبا أن مصر ترغب بـ ترغب بغيره وتشوف نوال حريتها التامة، وهو الذي أزال الخلاف القديم بين مصر والدولة العثمانية وأيد العلائق الحسنة وأحبط مساعي دخلاء مريد التفريق، فلنساعده جميعاً فإن في مساعدته خدمة لمصر وأهلها.

قال والذي يقرأ مدائح الشعراء لعباس في ذلك الوقت، يستطيع أن يدرك بسهولة أن كثيراً منهم يدخل في صميم الشعر الوطني، بما اشتمل عليه من تصوير لذلك الكفاح المرير الذي كان يخوضه الخديوي ضد الاستعمار. وطبيعي أن يكون شوقي في مقدمة هؤلاء الشعراء الذين مدحوا عباس، ولسنا نزعم أنه كان مدفوعاً في كل مدائحه بشعور وطني، فقد كان شوقي وقت ذاك شاعر القصر، وقد تضطره وظيفته إلى مدح أميره بالحق والباطل، ولكننا نقول إن هذا الشعر طابق الحق في هذه الفترة على ما كان فيه من تحوط واحتراس وتجنب لمهاجمة الاحتلال مهاجمة صريحة في أغلب الـ، يعني أغلب شوقي باختصار يعني كان يعني واضح أن عباس حلمي جايبه لجانبه، يعني أقول لك يعني أنا صعب أقول لك إن أحمد شوقي كان منصفاً في كل أشعاره، لا كان يمدح عباس بالحق والباطل في النهاية باعتبار شاعر القصر الملكي. نعم.

قال ومن أحسن ما قال في هذه الفترة مما يتصل بشعر الوطنية قوله: بصوتك حاججنا الممالك والعصر، وقلنا فباتت مصر في مجدها مصراً، وباسمك أسمعنا نري زماننا كبيراً كعهد العالمين به حراً، ونطلب حقاً عند هذا الورى لنا يوضح يُزري في توضحه الفجرُ، فُتّ الملوك لي في حب ذا الملك سيرة، فقل لي وإني من يرى أمرك الأمرُ، بأي فؤاد جئتها في مكانها من الدهر، لم تخطئ عزائمك الدهرَ، ولا هبت فيها البأس والراي والحجى، خصوماً وذاك الملك وذاك الملك والبر والبحر، فما ذقت في هذا المقام مودة لقوم يذوق الناس ودهم قسراً، إذا حمت النيل المؤمل راحة، فقد حمت الشمس الكريمة والبدر، وإنا لنعطي النيل في الله خلقه، ونخشاه فيه أن يُباع ويُشرى، فما سأنا إن غالنا الدهر شطرنا، ولكنما نرعى لأبنائنا الشطرا، بعثنا وعيداً من زئير وطالما بعثنا السكون الجم والنظر الشزرا، عرفنا خطوب الدهر والصبر عندنا، فلم نعرف الخطب الذي غلب الصبرا، وما نلت يا عباس ما نلته سدى، ولكن أصاب الصابرون بك الأجرا، سندعو بني الدنيا إلى النيل، إلى النيل دعوةً، يلبون منها الجاه والنائل الغمرا، وملكاً كما تهوى الأحاديث عالياً، كأن الخديوي فيه قيصر أو كسرى، تضيء به شور المراء التي زكت، وتشرق أركان القضاء الذي بَرى، وتمرح في أيامه النفس حرة، تناولها قَشَباً وتلبسها خضرا.

وهو يشير في قصيدة أخرى إلى شدة إقبال الشعب على عباس والتفافه حوله كلما اشتدت الأزمات وكلما أسرف الإنجليز في التضييق عليه، فيقول: بعباس عشنا حين للعيش هين، وحين بنوه لا جميل ولا حَمْد، تحبك يا خير الملوك رعية، لها منك ما يخفى وللحال ما يبدو، ولاء مع الأيام تنمو صروفه، فينمو وتشتد الخطوب فيشتد. ويشير إلى قيادة عباس للحركة الوطنية وكفاحه للاستعمار في قصيدة ثالثة، حيث يقول: هذه مصر جاءها النيل يسعى، وهو يا طالما جفاها وصد، النيل في البرية أيهن، حرر النيل لبرية وردا، ارفع الصوت إن عصرك حُر، لن يرى من سماع صوتك بدا، إنما الملك أن تكون بلاد، وتصيب البلاد بالملك مجداً، فتولى الذي سننت ونجح لرعاياك في المعارف قصداً، مُر العلم أن يزور بلاداً، عهدتها لها الخلائق مهداً. وهو يشير في هذه القصيدة إلى ما كان من احتجاج الإنجليزي على تقريب الخديوي له ونصحهم إياه بإقصائه عنه، فيقول: كل راجٍ أن يسترق يراعي، يراعي قلمي. نعم، يعني الإنجليز اعترضوا عليه، خديوي ليش أنت بتقرب أحمد شوقي؟ نعم، أنا لا أشتري بذا التاج قيداً، لا يراعي ولا.

ليراعي وللأحاديث شأن أرتجي أن يكون مسكًا.

ونومة السيف قد تكون حياة، ورأيت اليراع. إذ أنام أرى خلق الله ذاك ص... يعني لازم القلم الشاعر يبقى يكتب. نعم، نومة السيف قد تكون فيها حياة أحيانًا؛ لأنه قد يكف عن الظلم، لكن إذا نام القلم هلك الناس. لا بد أن يبقى من يبث الخير ويتكلم به. خلق الله ذاك صاحب غمد، وبرا ذاك لا يعرف الدهر غمدًا. جميل هذا الكلام. السيف خلق الله له غمدًا، فإذا السيف في النهاية له مكان سيأوي فيه، وأما اللسان والقلم خلقه الله بدون غمد؛ لا بد دائمًا يبقى من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر باللسان. نعم.

قال ويشير إلى حيرة المصريين وما صاروا إليه من سوء الحال، مشيدًا بجهاد عباس الذي لا يعرف قلبه اليأس، حيث يقول: أبا الحيارى ألا رأي فيعصمهم، فليس إلا ركاك الهرب. باتوا يرجون لما طال بؤسهم، والنفس عند اشتداد الخطب ترتقب. لن يعرف اليأس قوم أنت حصنهم، أنت حصنهم وأنت رايتهم. فِق عودتهم أن يبينوا في خلائقهم، وأنت عانٍ بما عودتهم تعبوا. والصدق أرفع ما اهتز الملوك له، وخير ما عود ابنًا في الحياة أبو. وَإِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا.

ويشيد حافظ بقيادة عباس للحركة الوطنية في قصيدة مدحه بها سنة 1900، حيث يقول: رددت ما سلبت أيدي الزمان لنا، وما تقلص من ظل وسلطان. فكن بملكك بناء الرجال، ولا تجعل بناءك إلا كل معانِ. وانظر إلى أمة لولاك ما طلبت حقًا، ولا شعرت حب لأوطان.

ويقول إسماعيل صبري في قصيدة مدحه بها سنة 1893: عباس قد سست البلاد سياسة، سيحدث التاريخ عنها الأعصرا. أنفذت حكمك بادئًا بمسائل، دقت على الحكماء أن تتصورا. وبنيت سدًا من ذكائك دونهم، فأريتنا يأجوج والإسكندرا. يا صاحب النيل الذي جرت به مصر على البلدان ذيلًا أخضرا. حققت آمال البلاد وجزتها شأوًا، وما جست الشباب الأنظرا. رامتك شبلًا كي تعز عرينها، فأبيت إلا أن تكون غضنفرا. يعني كانوا بدهم إياك بس تكون شبل، فطلعت غضنفر، مش بس شبل. نعم.

ويقول محرم في قصيدة مدحه بها في إحدى رحلاته الكبرى التي كان يطوف بها بالأقاليم وينزل في ضيافة أعيانها: أهلا برب النيل يلقى شعبه، فرحًا يضج مهللاً ومكبرا. فرعون ينظر من خلال عصوره خزيان، يرفع كفه مستغفرا. سست الرعية عادلاً تبغي لها عز الحياة، وساسها متجبرا. وجحد الإله... يعني أنت فرعون عم بيستحي منك، بتقول له فرعون عم ينظر من خلال عصوره خزيان لما أنت صرت حاكم، لأنه أنت الحاكم الصحيح وليس فرعون. سست الرعية عادلاً تبغي لها عز الحياة، ولكن فرعون كيف ساسها في زمن موسى؟ متجبرا. وجحد الإله وفي يديك كتابه، أنت هو جحد الإله وأنت بيديك القرآن تقضي به، تقضي به وتعيده متدبرا. الملك إصلاح وعدل شائع، يحمي الضعيف ويقمع المتكبرا. ورعاية تهب النفوس حياتها، وترد جيش البؤس عنها مدبرا. مولاي أحييت الرجاء لأمة، شهدت بطلعتك الرجاء الأكبرا. صدق الولاء أمانة لك في دمي، يأبى لها الإيمان أن تتغيرا. لست الذي يرضى العقوق سجية، ويرى التقلب في المذاهب مجرى. أنا مش إنسان بتقلبني المناصب، أنا ولائي لك يا خديوي، يعني للموت، لو كنت طالب حاجة، أنا مش شاعر تاجر، أنا أمدحك صادقًا من قلبي. لو كنت طالب حاجة لوجدتني أسعى إليها في ذراك مشمرا. ولو أنني ممن يتوق إلى الغنى، لوجدته بيدي يديك ميسرا. ما في الحياة على تعاظم شأنها، ما يستخف العاقل المتبصرا. لو كان لي قصر يزار جعلته لوفادة العباس بدعًا في الورى. لو كان لي قصر سيزورني فيه العباس علمي، لجعلت هذا القصر بدعًا، بدعًا يعني لم يصنع مثله في التاريخ. نعم.

قال ويقول الكاشف من قصيدة مدحه بها سنة 1900: مر بالنيل قبل عهدك شهر، كان فيه لا يرتوي الرواد. وبواديه وهو أجدب محل، يشتكي عنده الطوى الرواد. فيك آمالنا... الطوى الجوع يعني. نعم. فيك آمالنا الكبر، وفينا لك حب وذمة وانقياد. ولديك النجاة من كل عاد، وإليك السكون والأخلاد. أنا أخاف العدا وأنت محيط بالذي دبر الدها وكاد. وجدوا ما نووه ما دمت في مصر، رموا حالًا فاستسلموا أو كادوا. واكتسوا شيمة الصدق فيما يظهر منهم، إلا الرضا والوداد. ويقول من قصيدة مدحوا بها سنة 1903: إن الذي أحيا البلاد بنيلها لك مرجع، بك مجدها المغصوبا. وهبتك عالي عرشها ووهبتها عدلاً، فكنت الواهب الموهوبا. لا يبلغ الأقوام منها مأربًا، ما دمت فيهم ناقدًا وحسيبا. وسينجلون كما جلت من قبلهم أمم، أشد وقائعًا وحروبا. سعياً لتنسينا بموعود الرضا، أثمن جناه من مضوا وذنوبا. أنا لنرجو بعد أهبتك التي، بهرت حسودك صيحة فوثوبا.

ويقول عبد المطلب من قصيدة مدحه بها حين عاد إلى الحج سنة 1910، يدعو لمصر بأن يراها أحرزت في دولة العلياء كل نصاب: بلد عرفناه يهيم بحبه، منذ الشباب وقبل عصر شبابي. وهو الغياث لمصر إن عبثت بها، أيدي ثعالب في الورى وذئابي. وهو الذي وقف المواقف كلها، في نصر مصر وقوف ليث الغاب. يدعو ويرجو نصرها متبتلاً لله، بين القبر والمحراب. فعلى بنيها أن يحل ولاؤه، منهم مع الأرواح والألباب.

ويقول عبد الحليم المصري في قصيدة مدحه بها سنة 1906 وكان وقت ذاك تلميذًا بالمدرسة الحربية: لك اللواءان فوق الإنس والجانِ، فاخذل عداتك من قاص ومن دانِ. الأسود التي يوم الكريهة لا، يرون إخوانهم فيها بإخوانِ. لبثت في أمة السكسون تقرضها، عدلاً بعدل وعدوانًا بعدوانِ. وكنت كالدهر لو أغفت لواحظه، له على الناس قلب غير واسنانِ. هممت بالمدح والدنيا تثبطني، وكان مدحك مقرونًا بإيماني. فإن ظفرت بآمالي سأخذلها، وإن خذلت فإني ذلك الجاني. قال هكذا أحب الناس عباسًا في صدر حكمه، وكذلك مدحه الشعراء مخلصين غير منافقين.

ولكن الحال لم يدم على هذا المنوال، فقد تضعضع عباس وخار عزمه أمام اللطمتين القاسيتين اللتين تلقاهما من كرومر، ولم يدرِ ماذا يصنع. هذه هي فرنسا وروسيا تشجعانه على مقاومة النفوذ الإنجليزي، ثم تتخليان عنه في المأزق. وهذا هو الشعب من ورائه قصار جهده أن يصفق وأن يهتف بحياته أو بسقوط الظلم. شايف يعني محمد حسين راصد أنه الشعب في النهاية هو بس بصفق له، وما شاء الله ويهتف له في الميادين، لكن في حزها ولزها الشعب ما بيحضر. نعم.

قال فجهده جهد المقل، وحبه حب الضعيف الذي لا يضر ولا ينفع هذا الشعب. نعم. وهؤلاء هم الذين اصطفاهم وقربهم إليه مصطفى كامل وعلي يوسف، لا تتجاوز وسائلهم الخطب والمقالات. وهؤلاء هم أعيانهم المصريين وكبراؤهم، يسرعون إلى موكب الظافر يرتمون تحت أقدامه ابتغاء النفع، والجيش على ضالته وضعفه، وشرطته والأداة الحكومية بعد ذلك كله في ذكر. فكيف يصنع إذا في النهاية؟ هذا هو الدولة العميقة هنا؛ الجيش والشرطة والوزارة هي ذكر. هذه إذا من أي دولة تريد أن تنهض بده يكون هذا في يدها، مش في يد عدوها. أنت تخدع نفسك لما تسلم هذه الوزارات السيادية، كما يقولون، وزارة الدفاع، وزارة الداخلية. ليش دائمًا الدول تركز على الوزارات السيادية؟ هي التي تمثل عمق الدولة. أنت لو معك كل وزارة الرياضة والأوقاف والشباب والتعليم وكذا والإعلام، بس معكش الوزارات السيادية، أنت ما فعلت شيء، تضحك على نفسك. نعم، هيك بعض التجارب الإسلامية القديمة كانوا يضحكوا على أنفسهم، يظن نفسه أنه ماسك الحكم وكذا، لكن لا بيده الجيش ولا الأجهزة الأمنية ولا الوزارات السيادية. شوف ماذا استفدت؟ نعم.

قال بدا لعباس بصيص ضئيل من الأمل يشع من باب الخليفة في تركيا، فتتبعه وطرق باب السلطان. الآن عباس حلمي هو أدرك الحقيقة؛ أنه كل من حواليه من الشعب الذي يصفق له الفاضي، وأنه لما يقع في حزها ولزها لا فرنسا ولا روسيا تفزع له. فوجدنا الملجأ الأخير الذي يمكن أن يفزع له، من أن يعيد علاقته مع الخلافة العثمانية على ضعفها في الآستانة. بيظل عبد الحميد الثاني أحسن من أن يبقى هكذا وحده. طيب.

قال وطرق باب السلطان عبد الحميد يرجو أن يجد عنده الملجأ من كرومر، وارتمى بين أحضانه كما يرتمي الطفل بين يدي أبيه طلبًا للحماية من كلب ضار، وخُيِّل إليه أن السلطان سينصفه، فبالغ في إذلال نفسه له والتأدب بين يديه. ولكن عبد الحميد كان غارقًا في متاعبه الخاصة، وكان هو نفسه عاجزًا عن مقاومة الدول الأوروبية والتخلص من نفوذها وفي مقدمتها إنجلترا، فكيف يدفع الضر عن غيره من لا يستطيع دفعه عن نفسه؟ وكيف يعين عبد المعين؟ وكيف يعين عبد المعين وهو أحوج لمن يعينه، كما يقول المثل المصريين. نعم، جئت لعبد المعين مشان يعيني، لقيت عبد المعين بده واحد يعينه، هيك المثل في مصر بقول لك.

قال وأخذ كرومر يرقب رحلات عباس إلى الآستانة وعلى فمه ابتسامة ساخرة. وهذا هو السفير البريطاني في الآستانة يقول: إن السلطان نصح للخدوي بطريقة أبوية أن يفوض أمره إلى الله ويرضى بما قسم له. عبد الحميد: الخديوي توكل على الله، إن شاء الله أمورك طيبة، روح صلي لك ركعتين إن شاء الله بتنحل أمورك. تمام يعني، شوف سلطان عبد الحميد شو بده يسوي؟ هو خالص من حزب تركيا الفتاة ولا هو بده يلاحق مشاكله مع روسيا؟ ولا بده يلاحق... يعني شو أسوي؟ أنت جاييني في الوقت بدل الضائع، يعني باختصار. فقال له: أنت إن شاء الله بتوكل أمرك لله، والأمور طيبة، إن شاء الله، وترضى بما قسم له، وتثق بفعل الزمن، إن شاء الله الدنيا بتغير، يعني ما تخاف. محافظًا دائمًا على العلاقات الحسنة مع الإنجليز. نعم.

ويقول كرومر عن وفد عباس إلى تركيا، وعن العريضة التي رفعوه إلى الخليفة، في عبارة ملؤها شماتة والاستخفاف: ومهما تكن البواعث التي جعلت السلطان يعاملهم هذه المعاملة فلا ريب أنهم نالوا ما يستحقون. فإن هذه العريضة كانت ألطف هزلي في رواية الحركة ضد الإنجليز. هذه هي النتيجة الوحيدة من زيارة الخديوي للآستانة، فإنه اقتنع بأن لا ينتظر أي مساعدة من هذه الجهة. ذهب شاهراً للحرب وعاد خصمًا مؤدبًا ذليلاً. واضطرب تفكير عباس وراح يتخبط في تصرفاته؛ فهو تارة يفر من الإنجليز إلى تركيا، وهو تارة أخرى ينصرف عن السلطان محتميًا منه بالإنجليز. هذه النتيجة المصرية المسكينة، ما عرف يقود الأمور؛ يعني أنت باختصار عملت ثورة، عملت لكن ما عرفت كيف تتوجها، ما عرف كيف يوصل للنهاية. فصار مش عارف، وأنا أظني مع الآستانة، طب السلطان ما فزع لي، طب أرجع للإنجليز أتفاهم معهم، طب هذول خوان ويريدون، فأصبح الرجل مضطربًا. نعم.

قال وهو كاره لكليهما في الحالين، لا تطمئن نفسه إلى هذا ولا ذاك. ولكن صلاته بتركيا تقوى وتضعف تبعًا لحسن صلاته بالإنجليز، وصلاته بالإنجليز تزيد وتقل تبعًا لإقبال السلطان عليه أو انصرافه عنه. وبينما كان عباس يشجع أعضاء تركيا الفتاة الفارين إلى مصر من مطاردة السلطان عبد الحميد، إذا به ينقلب إلى محاربتهم تقربًا للسلطان. عباس حلمي استقبل تركيا الفتاة اللي كانوا محاربين للسلطان عبد الحميد، استقبلهم ودعمهم، بعدين فترة معينة لما أراد يقترب من سلطان عبد الحميد صار يضطهدهم. نعم.

قال وبينما هو مقبل على الشعب يحتضن مطالبه، ويشجعه على تقديم العرائض للمطالبة بدستور التماسًا للحد من نفوذ كرومر، إذا به يتنكر للشعب وزعمائه ويعرض عن مطالبه حين يرى إقبال جورست خليفة كرومر عليه، فيحارب الحرية والصحافة ويغضي عن الزج بأصدقاء الأمس في السجون. ارضاءً... فإذا مات جورست وحل محله كتشنر. نعم. عدوه القديم في حادثة الحدود، مش قلنا هو اللي في حادثة الحدود لما قال له ليش مش عارف تدير الجيش؟ طيب. قال عاد يلتمس عون الزعماء الذين زج بهم أمس في... طلع اللي سجنهم عباس حلمي، قالهم اطلعوا ساعدونا ضد كتشنر هذا. نعم.

كان هذا التذبذب والتخبط داعيًا لاختلاف آراء الناس في عباس؛ أكان مخلصًا لمبادئه ولكنه غلب على أمره؟ أكان صادق النية ولكنه غلب التيار فغلبه؟ أكانت آماله أكبر من همته فلم يصبر للكفاح؟ أم أن حبه للملك وتعلقه بما يحيطه من أباهة وجاه كان أكبر من حبه لقومه ووطنه؟ إذا هذا الحكم، أو هذا النقاش سيدور بين الناس في أي حاكم يقف في وجه الاستعمار والظلم، ثم بعد ذلك تختلف.

مذاهبه، هل صار الناس بتشكك هو كان صادق، بس كانت الأمور أصعب منه، ولا كان هو أصلاً من البداية بس بده حكم؟ هذا نقاش طبيعي يعني. نعم، أم أنه كان يسعى إلى زيادة نفوذه وإطلاق يديه من كل قيد، فهو يلتمس الوصول إلى هذه الغاية من كل سبيل، وهو إذا لا يكره الاحتلال الإنجليزي نفسه، ولكنه ينافس ممثله وينازعه السلطان؟ مهما يكن من دخيلة أمره، فقد انتهى إلى نهاية لا يختلف عليها اثنان، انتهى إلى اليأس والاستسلام. فشهد هذه النتيجة النهائية؛ انتهى إلى اليأس والاستسلام إلى البريطانيين.

قال: فشهد العرض العسكري الذي كان يقيمه جيش الاحتلال في ميدان عابدين بمناسبة عيد ميلاد الملكة فيكتوريا، ثم الملك إدوارد السابع من بعدها، ووقف للمرة الأولى تحت العلم البريطاني بجوار اللورد كرومر في سنة 1904، مرتدياً بدلة التشريفة الكبرى، يحيط به حرسه الخاص. صار باختصار ركع، ركع يعني لهم. نعم، ثم قبل تعيين ياور إنجليزي له في سنة 1905. ياور بجوز المساعد كأنه لقب هذا، مش مش شخص. نعم.

قال: ثم نشرت له صحيفة الديلي تيليغراف حديثاً في سنة 1907، بعد تعيين جورست، ينفي فيه عن نفسه تهمة العمل ضد الاحتلال، مطرياً اللورد كرومر، مصرحاً بأنه لا فائدة للمصريين من استبدال احتلال باحتلال، وبأن الاحتلال الإنجليزي أفضل من أي احتلال آخر. للأسف نعم. وانصرف عباس في غمرة يأسه إلى المال يجمعه في شره. فأصبح في آخر عمره منشغلاً بالدنيا، قالوا أقبل على دنياه وعلى جمع المال وبناء القصور. نعم.

قال: ويكدسه في نهم ولا يبالي شيئاً غير تحقيق منفعته، معتذراً عن مسلكه بأنه يعادي دولة قوية قاهرة يحتاج في حربها إلى المال، وبأنه لا يدري هل ينتهي الأمر بظفره فينجح في إجلائها، أم تظفر هي فتطرده خارج مصر، فهو يحتاط لنفسه بأن يدخر ما يمكنه من العيش إذا دارت عليه الدائرة. أنا بجمع المال لأنه إذا نفوني بدي أعرف من وين أجيب مصاري. والأمثلة على هذا الشره كثيرة، منها جزيرة طاشوز وشركة الزبرجد والنحاس، ومنها بيع الرتب والنياشين وما استتبعه من فضائح.

خلاصة المسألة، الخديوي اتفق مع أحد الأجانب السويسريين على إنشاء معصرة زيت بهذه الجزيرة سنة 1903، وهي وقف، هذه الجزيرة وقف لأسرة محمد علي، وهذا أهداه السلطان عبد الحميد مكافأة على حملته الوهابية، ضرب الدولة السعودية، هو اللي ضرب الدولة السعودية. وثار سكان الجزيرة حين فرض عباس ضريبة عالية على المعز التي كانت تأكل كثيراً من شجرات الزيتون. طيب، وشكوا للسلطان، فأصدر أمره باحتلال الجزيرة حفظاً للأمن. تمام، وقد ساءت علاقة عباس بالسلطان، السلطان رجع منع عباس من أنه يتصرف في الجزيرة، أما عباس فرض ضرائب على المعزات اللي بياكلوا من الشجرات. إذا صار عباس حلمي يفكر في المعزات، معناته أكبر على مصر السلام؛ إذا باله في المعزات اللي بتأكل الزيتونات في الجزيرة هي، وأنها مأثرة على الزيتون اللي عنده، معناتها الحاكم ما عاد يسأل لا في دولة ولا في شعب ولا في شيء، أصبح يعني ذهنه في ماله وشراه. طيب.

قال: ومنه حرصه على وضع يده على إدارة الأوقاف وإطلاق يده فيها دون مراقبة، مما أدى إلى اصطدامه بحسن عاصم وبمحمد عبده وبقاضي القضاة التركي وبغيرهم في تفتيش مشتهر سنة 1904، وفي تفتيش المطاعنة سنة 1903. وكان الذي يعني الإنجليز من الأمر إلى جانب تشويه سمعة عباس، والتودد إلى الشعب، شايف تشويه سمعة عباس؟ هذا اللي بتفعله، شو هم باختصار؟ أوقعوه، هذا اللي بيفعلوا الاستعمار، واللي الكثير من الإسلاميين بيغفل عنه، أنه بوقعك في ورطات مالية هو اللي وقعك، بعدين بيفضحك. بوقعك بعدين بيفضحك، فالإنجليز أطلقوا إيدين عباس حلمي في أشياء كثيرة، وأعطوه مساحة للشره المالي، بعدين سلطوا عليه مين؟ مخالفينه، سربوا معلومات أنه ترى هو غشاش هون ونصاب هون، وإحنا أوقعناه هون، فأصبح أعداؤه يعرفون؛ هكذا لعبة في إسقاط الحكام، لذلك دائماً احذر أن تضع يدك في يد عدوك، عندما يمنيك عدوك بعض الناس يظن أنه هيني خلص أعطوني المال، هذا المال سيفضحونك، لكن أنت فقط طعم، إلقاء طعم حتى تقع في الفخ، إذا وقعت في الفخ وظهر فسادك انتهيت أخلاقياً كحاكم. نعم.

قال: هو ألا يتركوا في يد عباس مصادر للمال لا تخضع للرقابة يمكن أن يستغلها في مناواتهم، ولذلك كان الشيخ محمد عبده، صديق كرومر، أكثر الناس اصطداماً بعباس في ديوان الأوقاف. وهذا الذي قلت لك المتعب في محمد عبده، أنه أنت ما تعرف قبل شوي يتغنى بقضية الدولة والشورى والحكم وأسس الحكم، ثم بعد ذلك صداقات قوية مع الإنجليز، طيب. قال: وقد بلغ من كره عباس لمحمد عبده أن سخط على كل من اشترك في رثائه أو تشييع جنازته، لما مات محمد عبده عباس حلمي سخط على كل من اشترك في رثاء محمد عبده. نعم.

قال: ومن الأمثلة على هذا الشره في جمع المال مساومته لإيطاليا على شراء سكة حديد ماريوط التي كان قد أنشأها لإصلاح أراضيه الزراعية بغرب الإسكندرية، وهو بيشتغل بس بمزارعه وبالجزيرة هذيك والمعزات. نعم. قال: وذلك في مقابل سعيه عند السنوسيين لوقف مقاومتهم للاستعمار الإيطالي سنة 1912. شوف شوف الخيار، يعني هو حكى لإيطاليا أنا بشتري سكة الحديد تبعتكم بس مقابل ذلك أنا بقنع لكم السنوسيين، عمر المختار ومن حوله، أن يكفوا عن مقاومتكم، شوف الخيانة الكبيرة، أنت تريد تقنع الليبيين أنه ما يقاوموا الاستعمار الإيطالي من أجل أنك تحصل سكة حديد مشان مزارعك في الإسكندرية، معناته الرجل سقط أخلاقياً، تم اغتيال الشخصية، ما يسمى تم اغتيال هذه الشخصية أخلاقياً. نعم.

قال: ثم إقالته لوزارة محمد سعيد سنة 1914، حين اشترت الحكومة هذا الخط بمبلغ لم يرضِ شره. وقد تدنى عباس في شجره إلى سفاسف الأمور، حتى لقد فصل موظفاً بسراي رأس التين لأنه رفض أن يرسل حشايا مراتب وكراسي إلى تكية المنتزه، معتذراً بأن المراتب يمكن أن يقال إنها استهلكت وأدخل قطنها في التنجيد، أما الكراسي فهي عهدة ثابتة ولا يمكن إرسال شيء منها. ولم يكن شره عباس إلى السلطة بأقل من شره إلى المال، فلم يكد كرومر يرحل عن مصر ويحل محله جورست، فيرضي شره إلى السلطة والمال ويطلق يده في كل ما تشتهيه نفسه منها، حتى تنكر للحركة الوطنية وحارب رجالها، وعدل عن تحمسه للمطالبين بالحياة النيابية لأنها أصبحت تقيد إرادته، بعد أن كانت تقيد إرادة ممثل الاحتلال، وهذا هو مصطفى فهمي الذي تلقى بسببه أول صفعة من الاحتلال، لا يكاد يحتفي بعيد جلوس عباس فيقيم، فهم مين هو اللي أقاله عباس حلمي من الوزارة على أساس أنه مصطفى فهمي وزير الاحتلال وجاب مكانه فخري، وبعدين اتفق مع كرومر أنه نجيب واحد ثالث، فبيقول لك إيش هنا وهذا هو مصطفى فهمي اللي كان سبب أول كف أكله عباس حلمي من الاحتلال، أول صفعة يعني أول كف أكله عباس حلمي من الاحتلال كان بسبب مصطفى فهمي.

قال: لا يكاد يحتفي بعيد جلوس عباس فيقيم الزينات الفخمة أمام بيته حتى يرضى عنه، ويقبل عليه، ويستشاره في كل صغيرة وكبيرة. ويروي أحمد شفيق عن استبداده قصصاً عجيبة، فهو يكلف أحد الموظفين حين يغضب عليه بالعمل في نقل الفحم، فإذا هرب والتحق بإحدى الشركات أمر بإعادته إلى القصر، وهو دائم السب وشتم لموظفيه، بل لقد يبلغ في ذلك أن يضربهم بالسوط بيده.

قال: كان انحراف عباس سبباً في تحول الشعب عنه ثم سخطه عليه ومهاجمته له، مما دعاه إلى زج معارضيه في السجون. وأخذ مصطفى كامل يهاجم الحكومة وينتقد تصرفاتها واستسلامها للإنجليز منذ سنتي 1904 و1905، مما أغضب الخديوية، وانتهى بإعلان مصطفى كامل انفصاله عن القصر. ولكن مصطفى كامل كان يتفادى الاصطدام بعباس حلمي ومهاجمته رغم ما جرى بينه من خلاف، حتى لا يتيح للإنجليز فرصة للتدخل، وكان يتخذ القصر وسيلة لتوحيد سياسة الأمة المصرية على مقاومة الاحتلال، وهذا هو معناه شوقي حين قال في الذكرى السابعة عشرة لوفاته: جمعت الناس حول العرش، علماً بأن لمصر في العرش اعتصاماً، هو العلم الذي تفديه مصر، ونحن الجند في العلم انتظاماً. وكان عباس في الوقت نفسه يحس أنه محتاج إلى مصطفى كامل، لا يستطيع أن يجمع على نفسه بين عداوته وعداوة كرومر ممثل الاحتلال، ولذلك سلمت علاقة مصطفى كامل بعباس رغم انفصاله عنه. فلما خلفه محمد فريد شعر عباس بأنه يستطيع الاستغناء عنه، بعد أن ساد الوفاق بينه وبين جورست ممثل الاحتلال، ورأى محمد فريد أن عباس لم يعد مستعداً للمضي مع الشعب في كفاح المحتل الغاصب، بل لقد رآه يتساهل في حقوق مصر حرصاً على صلات الود الجديدة، أو على سياسة الوفاق كما كانوا يسمونها في ذلك الوقت، عند ذاك هاجم محمد فريد عباس، ورد عباس هذا الهجوم، فأمعن في اضطهاد الحركة الوطنية، واستعان على ذلك ببعث قانون المطبوعات في سنة 1909، وهو قانون كان قد صدر في أيام الثورة العرابية، سنر معنا قانون المطبوعات المجلس الماضي، القانون الذي يعطي الحكومة سلطة في إغلاق أي صحيفة تهاجم الخديوي أو الاحتلال. نعم.

قال: وسن قانون النفي الإداري الذي يخول للحكومة حق نفي المصري لمجرد الشبهة بحجة أنه خطر على الأمن العام. وبذلك نجح ذلك الداهية الإنجليزي جورست في صرف جهود الشعب إلى محاربة الخديوي بدلاً من محاربة المحتل. قف، عرفنا جورست كيف يضحك على عباس حلمي؟ نعم. ووقف الإنجليز موقف المتفرج، يتدخلون للتوسط ويحل النزاع حينما يحلو لهم ذلك، لأنه يا جماعة ديروا بالكم على الخديوي، صار الإنجليز هسا هم الفزعات اللي بيفزعوا بين الشعب وبين الخديوي، بدل ما تكون المعركة ضد الإنجليز صارت المعركة بين الشعب والخديوي، والإنجليز هم الوسطاء، أنت العاقل يا فلان، لا أنت كذا، وبيصير يروحوا وجاهة للشيخ الفلاني وكذا، هكذا هو الاستعمار لما يكون ذكي ويكون الإسلاميون والقوميون ما يسمى في غفلة. نعم.

قال: وتحقق بذلك ما أوصى به اللورد دوفرين في تقريره الذي وضعه في السنة الأولى للاحتلال، حين نصح بأن لا يتولى الإنجليز حكم مصر المباشر وإدارتها، مقترحاً أن تحكم بأيدٍ مصرية موالية للاحتلال، حتى تقع أخطاء الحكم على رؤوس المصريين. إذاً لماذا الاستعمار أصبح لا يفضل أن يحكم بنفسه؟ حتى إذا صارت أخطاء واضطهاد وتعذيب وكل شيء، ينفذ بأوامر الاحتلال، لكن يقع الطابق على مين؟ على العربي الذي نفذ ذلك. ثم يأتي بعد ذلك، يعني كيف أمريكا اليوم بتيجي تعمل دور العاقل بين غزة بين إخواننا المقاومة واليهود، أنه لا نحن بدنا نهدي الأمور بينكم، أمريكا هي اللي بتمول الحرب وهي اللي بتدعم بالسلاح وبكل قذارة. لذلك شفتوا مبارح في المفاوضات الأخيرة لما شافوا لا، تشبعناهم، أمريكا انسحبت، خلص يعني الطموح اللي ما كان طموحهم من التنازلات، السقف المطلوب حتى تضغط أكثر أكثر لتحصل ما تشتهيه، فهي لا تقاتل بنفسها، لكن تقاتل بوكلائها في العالم العربي والإسلامي. نعم.

قال: وكان تصرف جورست صورة من المأساة التي كررها الإنجليز في كل مستعمراتهم على مر السنين، في كل مكان استعمرني، هي تصرفات متكررة في مصر في الشام في العراق. نعم. قال: يغرون الزعيم من الزعماء بالمال وبالجاه، ثم يميلون له حتى يتورط في أخطاء تفقده ثقة الرأي العام، فإذا قضوا عليه نبذوه، وظهروا أمام الشعب بمظهر الغيورين على العدالة، الذين يتدخلون للحد من جشعه واستغلاله، وذلك هو ما حدث مع عباس، أملوا له حتى تخلى عنه شعبه وأصبح حي، ثم تنمروا عليه، وبعثوا لمصر بعدو لدود، كيتشنر، ممثل للاحتلال، يسومه الخسف ويذيقه الذل ويضيق عليه، حتى لقد لزم قصره مفكراً في التنازل عن العرش. ومنذ ذلك الوقت أصبح الوطنيون يحاربون على جبهتين، يحاربون الاحتلال ويحاربون في الوقت نفسه الخديوي وأذناب الاستعمار.

وعرفت مصر مظاهرات الطلبة منذ سنة 1905، وبلغ من تحدي الطلبة للخديوي وكرههم إياه أن مر بنفر منهم في قهوة الشيشة وهو في طريقه لتوديع ولي عهد إنجلترا الذي كان في زيارة مصر سنة 1906، فظلوا جلوساً وقد وضع كل منهم ساقاً على ساق ينظرون إليه دون اكتراث، وأثر هذا الموقف الكاشف وأثر الموقف. فقال يخاطب الطلبة، وقد هز عليه أن يرى الخديوي محوطاً بالحراس خشية اغتياله، وهو الذي كان يتزعم الحركة الوطنية في الأمس القريب: أرايتم الحراس دون ركابه سداً فما يرن إليهم مسلم؟ قد يصبح الإنسان شيطاناً ولا يقع الذي ظنوا بهم وتوهموا. هل نحن أمة قيصر أو جارة كسرى فيخشى أن يحيط به الدم؟ أم بعدما أمن الأعادي ليلة يأبى على الخلصاء أن يتكلموا؟ فلو انضم ثم الأزهر للحركة الوطنية يندد مع المنددين بحكم الخديوي الاستبدادي، وبحكم من يشد أزره من أعوان الاستبداد والاستعباد. وظهرت المنشورات الثورية التي تدعو إلى تأسيس جماعات سرية للاغتيال، ثم عرفت مصر أول حادثة اغتيال سياسي سنة 1910 حين قتل الورداني بطرس غالي، رئيس الوزراء، قتل بطرس غالي. نعم.

وجهر المعارضون للخديوي بعدائه وتجرأوا عليه، فاستطاع سعد زغلول في سنة ألف وتسعمائة وتسعة أن يضرب بيده المنضدة -يعني الطاولة- في إحدى جلسات مجلس الوزراء، وهو يقول موجهًا الخطاب لعباس حينئذ: لا يستطيع الإنسان أن يتكلم هنا. فكما استطاع أن يكسب إلى جانبه أغلبية المجلس ضد عباس في مشروع مدرسة القضاء الشرعي الذي كان يعارضه وقت ذاك، ورفض محمد فريد أن يقف عندما عزف السلام الخديوي في حفلة لرعاية الأطفال أقيمت في دار الأوبرا سنة ألف وتسعمائة وتسعة، وكان يشهدها مندوب الخديوي. ونشر محمد عبده مقالًا عنيفًا في صحيفة المنار سنة ألف وتسعمائة وتسعة يهاجم فيه محمد علي، وذلك بمناسبة الاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس الأسرة العلوية، محمد علي باشا نعم، اللي هو أصل العائلة الملكية نعم.

وقد صور في هذا المقال الجريء كيف وصل محمد علي للحكم ثم كيف احتفظ به، فقال: ما الذي صنع محمد علي؟ لم يستطع أن يحيي، ولكن استطاع أن يميت. كان معظم قوة الجيش معه، وكان صاحب حيلة بمقتضى الفطرة؛ فأخذ يستعين بالجيش وبمن يستميله من الأحزاب على إعدام كل رأس من خصومه، كان أقصى بعيلة يعني كان ماكرًا من فطرته وطبيعته ماكر نعم. ثم يعود بقوة الجيش وبحزب آخر على من كان معه أولًا وأعانه على الخصم الزائل فيمحقه، وهكذا حتى إذا سحق الأحزاب القوية توجه عنايته إلى رؤساء البيوت الرافعة فلم يدع منهم رأسًا يستتر فيه ضمير أنا، واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلًا لجمع السلاح من الأهلين، وتكرر ذلك منهم مرارًا حتى فسد بأس الأهالي وزالت ملكة الشجاعة منهم، وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أنفس بعض أفرادها، فلم يبق في البلاد رأسًا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه أو نفاه مع بقية ولده إلى السودان فهلك فيه.

أخذ يرفع الأسافل ويعليهم في الولايات والقرى، كأنه كان يحن لشبه فيه لورثه عن أصله الكريم؛ حتى انحط الكرام وسادوا، ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأي طريقة وعلى أي وجه، فمحى بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي، ليصير البلاد المصرية جميعًا إقطاعًا واحدًا له ولأولاده على إثر إقطاعات كثيرة كانت لأمراء عدة. ثم يقول محمد عبده إن محمد علي قد ملأ مصر بالأجانب والدخلاء يستعين بهم على إقرار نفوذه، وأذل المصريين بإطلاق يد هؤلاء الدخلاء فيهم يحكمون على أهوائهم، لا هدف لهم إلا مرضاة الأمير صاحب الإقطاع الكبير. ثم ينفي عنه ما ينسب إليه من إصلاح، بل ينسب إليه قتل كل روح للشهامة أو النخوة في مصر مما ظهر أثره عند غزو الإنجليزي لها؛ فيقول: حمل الأهالي على الزراعة ولكن ليأخذ الغلات، ولذلك كانوا يهربون من ملك الأطيان كما يهرب غيره من الهواء الأصفر والموت الأحمر، وقوانين الحكومة لذلك العهد تشهد بذلك.

يقولون إنه أنشأ المعامل والمصانع، ولكن هل حبب إلى المصريين العمل والصنعة حتى يستبقوا تلك المعامل من أنفسهم؟ وهل أوجد أساتذة يحفظون علوم الصنعة وينشرونها في البلاد؟ أين هم؟ ومن كانوا؟ وأين آثارهم؟ لا بل بغض إلى المصريين العمل والصنعة بتسخيرهم في العمل والاستئثار لثمرته، فكانوا يتربصون يومًا لا يعاقبون فيه على هجر المعمل والمصنع لينصرفوا عنه ساخطين عليه، لاعنين الساعة التي جاءت بهم إليه. ويقولون إنه أنشأ جيشًا كبيرًا فتح به الممالك ودوخ به الملوك، وأنشأ أسطولًا ضخمًا تثقل به ظهور البحار وتفتخر به مصر على سائر الأمصار، فهل علم المصريين حب التجند وأنشأ فيهم رغبة في الفتح والغلب، وحبب إليهم الخدمة في الجندية وعلمهم الافتخار بها؟ لا بل علمهم الهرب منها، وعلم آباء الشبان وأمهاتهم أن ينوحوا عليهم معتقدين أنهم يساقون إلى الموت، بعد أن كانوا ينتظمون في أحزاب الأمراء ويحاربون ولا يبالون بالموت أيام حكم المماليك.

هل شعر مصري بعظمة أسطوله أو بقوة جيشه؟ وهل خطر ببال أحد منهم أن يضيف ذلك إليه بأن يقول هذا جيشي وأسطولي أو جيش بلادي وأسطوله؟ كلا لم يكن شيء من ذلك، فقد كان المصري يعد ذلك الجيش وتلك القوة عونًا لظالمه، فهي قوة خصمه. ظهر الأثر العظيم عندما كان يعني محمد علي يسلطها على المصريين أنفسهم، فهو بالنسبة للمصري متبرئ من هذا الجيش الذي يقتله هو نعم. ظهر الأثر العظيم عندما جاء الإنجليز لإخماد ثورة عرابي، ودخل الإنجليز مصر بأسهل ما يدخل به دامر على قوم، ثم استقروا، ولم توجد في البلاد نخوة في رأس تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن استقلالها، وهو ضد ما رأيناه عند دخول الفرنساويين في مصر، وبهذا رأينا الفرق بين الحياة الأولى والموت الأخير. وجهلة الأحداث، فهم لا يسألون أنفسهم عنه ولا يهتدون إليه.

وعند ذلك يبلغ محمد عبده قمة العنف والهياج، وقد أوشك أن يختم مقاله فيقول: لا يستحي بعض الأحداث من أن يقولوا إن محمد علي جعل من جدران سلطانه بنية من الدين! أي دين؟ أي دين كان دعا مثل محمد علي؟ محمد علي كان سائلًا في الدين هو نعم؟ دين التحصيل، دين الكرباج، دين من لا دين له إلا ما يهواه ويريده، وإلا فليقل لنا أحد من الناس: أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة للدين الإسلامي الجليل؟ قال: وظهر أثر هذا الانحراف عن عباس واضحًا في الشعر، فأصبحنا نرى الشعراء الذين كانوا يمدحون بالأمس ينتقدون سياسته، منهم من يبلغ في ذلك حد الهجاء العنيف الذي يعرض صاحبه للسجن، ومنهم من يرفق في ذلك إشفاقًا على وحدة الأمة أو خوفًا من الاضطهاد، فلا يتجاوز فيما يقول العتاب الرقيق.

هذا هو علي الغاياتي شاعر الحزب الوطني يعرض بالخديوي الذي يحارب الأحرار والذي يعارض إرادة الشعب المطالب بالدستور، وذلك في مقدمة ديوانه وطنيته؛ منتهزًا الفرصة المناسبة في كلامه عن لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت فيقول: وكان ملك فرنسا في ذلك الحين لويس السادس عشر مستسلمًا لإرادة حاشيته الظالمة. طبعًا هذه فكرة جيد، حاشية رقم اثنين، يعني إيش علاقة هذا شو اسمه علي الغاياتي باللويس السادس عشر تبع فرنسا؟ شو علاقته فيه يمدحه؟ فيقول هنا: وكذلك كان أكثر الناس ولا يزالون يتمثلون بالثورة الفرنسية وبأقوال رجالها لأنهم يجهلون أصابع اليهودية العالمية الخفية التي اشتركت فيها والتي حركتها وأثارتها عن طريق الحركة الماسونية. يعني بعض يعني حتى تعرف كيف كانت مصر داخلة في بعضها، حتى هؤلاء الوطنيين أعضاء الحزب الوطني كانوا يتغنون بأقوال الفرنسيين باعتقاد أنهم هم مفكرون، هم أصحاب الدهاء وكذا.

فهذا مثلًا علي الغاياتي اللي يتكلم في مقدمته وانتهز الفرصة المناسبة في كلامه عن لويس السادس عشر ملك فرنسا وزوجته، فيقول: وكان ملك فرنسا في ذلك الوقت لويس السادس عشر مستسلمًا لإرادة حاشيته الظالمة، وزوجته المستبدة المسرفة ماري أنطوانيت، وقد كانت حمقاء عدوة للإصلاح والإنصاف، وكانت تحتقر الشعب الفرنسي الكريم، وتعامله معاملة يأباها الحر وتعافها النفس الشريفة، وهي التي دفعت زوجها إلى مصادرة الأحرار والوقوف في وجوههم، فلما اشتدت الأزمة وحمي وطيس الثورة كتبت إلى أبيها مستنجدة مستجيرة، فلم تغنها تلك الجيوش الأجنبية والجنود الجرارة المنتصرة للملوكية، بل كان التغلب للأمة والنصر العزيز لفرنسا الحرة لما صارت الثورة الفرنسية يعني ودالت دولة الطغيان، وكذلك عاقبة الظالمين.

لم تتدبر هذه الملكة الظالمة في أمرها وسارت في الأمة سيرة الملوك المطلقين والحكام المستبدين، تقابلت إحسان الرعية بالكفران، مستعزة بسلطان الملك، مضللة بشياطين الملوك، نعم. وكانت ترى أنها مالكة الرقاب ومقدرة الأرزاق كما يرى بعض الحكام في هذه العصور، فاستحقت غضب الشعب، ويا ويل حكومة من غضب الشعب، نعم. وكانت عاقبة أمرها الهلاك والدمار. ثم يعقب الغاياتي في مقدمة ديوانه على نشيد المارسيلييز بقوله: إلا أنه مما لا ريب فيه أن الحكومة كلما انتهجت منهج الجور وسلكت سبيل العسف فتحت من حيث لا تدري للأمة أبواب الحرية الواسعة، وهدتها طرق السعادة المنشودة، والضغط لا محالة محدث للانفجار؛ فطوبى لأمة تقوضت في ديارها دعائم العدل، ووقف حكامها لها بكل سبيل وقفة الذئاب أمام الشياه.

فنظرت ذات اليمين وذات شمال مستجيرة مستعدة، فبرأت غير ظالم وظلام، يأخذ أموالها الحاكم المستبد بإحدى يديه، ويسومها سوء العذاب باليد الأخرى، فهو يجيعها ليشبع، ويفقرها ليغنى، ويذلها ليعتز، ثم يسد في وجهها مناهل العلم لتنفسح أمامه مناهل الظلم، حتى إذا ما رفعت رأسًا أثقلته المظالم، أو فتحت عينًا أغمضتها رؤية الظالم، أو شكت وبكت ثم استرحمت واستنصفت؛ كانت الطامة الكبرى عليها والويل الأعظم لها. ولا يزال هذا حالها مع حكامها حتى تفيض الكأس، ولا تجد النفس طاقة لها على ما احتملت، ويرتفع بين الأمة صوت الإباء مرددًا قول أبي العلاء: مَلَّ المقامَ فكم أعاشرُ أُمَّةً، أُمِرَتْ بِغَيْرِ صَلاحِها أُمراؤها، ظَلَموا الرَّعِيَّةَ واسْتَباحوا كَيْدَها، فَعَدَوْا مَصالِحَها وهُمْ أُجَراؤها.

هنالك تشرق شمس الانتقام، وتأخذ الشعب نشوة الانتصار، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن يوم الظالمين يوم عصيب؛ فهنالك يغير الله حالًا بعد حال، وتستوي الأمة على عرشها تدير دفة الحكم بيدها وتسير قضاء العدل بإرادتها، هنالك ينادي منادي الحكومة الأهلية الدستورية العادلة بصوت مدو في أرجاء البلاد: ألا لا ظلم اليوم، لا ظلم اليوم. ويختم مقدمة ديوانه بهذه الكلمات الثائرة: إن الحرية ليست منحة ولا هبة من ملك أو أمير، بل هي حق طبيعي للشعوب، متى دبت فيه روح الإباء والاستقلال أخذته بالقوة الظاهرة من أيدي مغتصبيه وقدمت في سبيله النفس والنفيس.

قال: فهؤلاء الذين يحاربون أعداء الحرية بالوسائل النافعة، وينتقمون للوطن منهم ثم ينالون الموت من يد ظالمة وهم في سبيل جهادهم سائرون، أولئك الذين رضي الله والشعب عنهم، ووجبت لهم الكرامة الدائمة والذكرى الخالدة. وها هو ذا يتحدث عن خضوع الخديوي وحكومته لإرادة المحتلين، ويستحث الشعب على الجهاد لاستخلاص حقوقه فيقول: ووُلاةٌ ملكوا الأمر ولم يحفظوا للشعب في حق ذِماما، وُلاةٌ أقسموا أن يسجدوا كلما رام العدا منهم مراما، ربي ماذا يصنع المصري إن جاوز الصبر مدى الصدر فقام؟ طال يوم الظلم في مصر ولم ندرِ بعد اليوم للعدل مقاما، هل يرى المحتل أن أمةً مذ عرفنا السلم لا ندرِ الخصاما؟ أو يرى الظالم فينا أننا نحمل الخسف ولا نبغي انتقاما؟

وها هو ذا يهاجم شوقي شاعر عباس حين نشر له المؤيد في سنة حديثًا يعتذر فيه عن إصدار الدستور بأن عباس لا يستطيع أن يمنحه بغير رضاء الإنجليزي، ويقول إن الأمة لم تبلغ من النضج ما يؤهلها للحياة النيابية، يقول الغاياتي: يا شاعر الأمراء ويحك هل ترى، في النثر ما في النظم من خطراتي؟ إني رأيتك في حديثك شاعرًا، لكن خيالك زائغ النظرات. يا شاعر النيل العظيم أما ترى، للنيل إلا أسوأ الحالات؟ ما كنت أحسب أن مثلك وهو في، شعراء مصر صاحب الآيات، يجني على الشعب الكريم جناية، ويود أن يبقى مع الأموات، أو أنت تروي عن سواك حديثه، كي نرى الدستور ليس بآتي؟ والله يعلم أننا لا ننثني، يومًا ولا نلهُ عن الطلبات، حتى نفوز بنيله رغم العدا، وننبه العزمات للهجمات.

وتصل مهاجمة الغاياتي لعباس إلى قمة العنف عند صدور قانون المطبوعات؛ إذ يقول مشيرًا إلى ما لقيت الأمة على يدي عباس من نكال بعد أن تحول إلى مهاداة الإنجليزي، منزلقًا إلى ما سماه سياسة الوفاق: أعباس هذا آخر العهد بيننا، فلا تخشَ منا بعد ذاك عتابا، أيرضيك فينا أن نكون أذلةً، ننال إذا رمنا الحياة عقابا؟ وأرضيت أعداء البلاد وأهلها، وأصليتنا بعد الوفاق عذابا، رويدك يا عباس لا تبلغ المدى، ولا تستمع للظالمين خطابا، فما يبتغي جورست إلا مكيدةً، تحول أقلام السلام حرابا.

ثم يتجه إلى مهاجمة بطرس غالي الذي ولي الوزارة بأمر المحتلين، ويذكره بماضيه في دنشواي، مهددًا بأنه لن يبلغ ما يريد حتى يلقى جزاءه: ألا مطر الله الوزارة دارت نقمة، ولا بلغت مما تروم مراما، تحاول أن تقضي علينا بإثمها، ولكن ستلقى دون ذاك آثاما، وزارة خداع أقامتها بيننا يد، الحاكمين الآثمين فقاما، جنى ما جنى في دنشواي وغيرها، ولم يكفه حتى استحل حراما، فقيد أقلام الصحافة علها، إذا أبصرت سوءاته تتعامى. بني مصر أبشروا فالرجاء محقق، ومن عدم الأقوال رام فعالا، فإني لمحت النصر بين صفوفكم، وأبصرت عقب الظالمين وبالا. وانتهينا بعون الله إلى هذا القدر، صل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. إن شاء الله.