تسجيل الدخول

التعليق على كتاب الاتِّجاهات الوطنيَّة في الأدب المعاصر | برنامج رياض الجنة | المجلس الأول

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تتراى، وعلى آله وصحبه ومن النهج اقتفى. حياكم الله أيها الإخوة في مجلس جديد من مجالس رياض الجنة، رياض العلم التي نجتمع فيها صبيحة السبت لقراءة كتاب من كتب أهل العلم، وإن كان جل اهتمامنا عادة فيما مضى كان في كتب الأقدمين، لكننا أحيانًا نحب أن نتجه نحو اتجاهات أخرى جديدة، ونطرق أبوابًا من الفكر والعلم النافع الذي ينبغي لطالب العلم في واقعه المعاصر أن يكون ملمًا به. ومن هنا كان اختيارنا لكتاب جديد من كتب هذا البرنامج، كتاب فكري سياسي واقعي يوقف طالب العلم على حقبة من حقب الأمة في زمنها المعاصر تقريبًا، ويجعل طالب العلم يفهم طبيعة العالم الذي يعيش فيه، وحجم التعقيدات والمؤامرات والإشكالات التي تحيط به.

فإننا يا طلبة العلم لا نحتاج إلى إخراج طلبة علم فقط هم مهتمون بتحرير المتون وترصيف الكلام، وأن يكونوا على دراية بكتب القرن الثامن والسابع والسادس، فإذا جاء طالب العلم إلى واقعه المعاصر وما فيه من التحديات والإشكالات الفكرية والسياسية يكون كالأبله الأحمق الذي لا يعرف شيئًا عن أهل زمانه وما يواجهه الواقع من تحديات. من رأى سير العلماء الأقدمين رأى أن العلماء الأقدمين كانوا على قمة الدراية بواقع الزمان الذي يعيشون فيه، وعلى دراية بالإشكالات والتوجهات والطوائف والجماعات والنزاعات والحروب الدائرة. ذكرنا في أمسية مضت عن حال ابن تيمية رحمه الله عليه في معاركه مع التتار، وكيف كان على سعة اطلاعه ودرايته بحال عصره وتواصله مع الحكام والأمراء ومعرفته بالمؤامرات التي تحاك، وكذلك كل عالم كالعز بن عبد السلام والغزالي وغيرهم، كل العلماء وكل الناس النجباء في تاريخ الأمة كانوا يعيشون زمانهم حقًا، ويعرفون ما في هذا الزمان من التحديات والصعوبات والإشكالات التي تقتضي وجود العالم ووجود طالب العلم لينصح الناس وليكون هو الذكي الفطن وليس الأحمق المستغفَل.

ولذلك عندما تغافل وتكاسل كثير من طلاب العلم عن معرفة تاريخ هذه الحقبة المعاصرة التي يعيشونها واكتفوا فقط بقراءة كتب التراث، أنشأنا ربما طلبة علم لديهم معلومات علمية شرعية لكنهم لا يحسنون إنزالها على واقع زمانهم، ويأخذون الفتاوى حفظًا ونقلًا من كتب التراث، فإذا جاؤوا ليحققوا مناطها في واقع الأمة اليوم فشلوا تمام الفشل في هذا الإسقاط؛ السبب ضعف القراءة والاطلاع على الواقع المعاصر وحجم الألاعيب والمكر الذي يدار فيه.

أيها الإخوة، أعداء الأمة يمكرون لها منذ سالف الأزمان، وعلى رأسهم اليهود الذين حذرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من مكرهم وخداعهم ولعبهم وعبثهم أيَّما تحذير، فأصبحت حربنا مع بني إسرائيل حربًا إلى قيام الساعة، إلى أن يقول الحجر والشجر: يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلى أن نكون نحن على شرقي النهر وهم على غربيه. سنة الله سبحانه وتعالى في الصراع بين الحق والباطل سنة افترضها علينا ليرى كيف نعمل. فلذلك الصراع مع بني إسرائيل ومع مشاريعهم صراع قديم، لكن في الحقبة الأخيرة في آخر مئة سنة في القرن الأخير، حجم الدهاء والذكاء وتطور أدوات الصراع أصبح هائلًا مذهلًا. يعني لو أردت أن تأخذ حجم المؤامرات التي كانت تحاك في زمن النبوة وفي زمن الدولة الأموية والعباسية وأدوات المكر، ربما نستطيع أن نقول بعد التطور الصناعي والتكنولوجي وأصبح هناك تدفق قوة هائلة لعدوك في المكر، لربما لم تمر في تاريخ الأمة. أنا لا أقول إنه لم يكن هناك مكر في تاريخ الأمة، بل هم ليل ونهار يمكرون مَكْرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، لكن أقول الأدوات والوسائل والأساليب والتفطن لحبال جديدة أصبحت أكثر وأكثر. وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه. وهذه الشرِّيّة كيف تحصل؟ بزيادة قدرات الدهاء وزيادة قدرات المكر، وضعفنا نحن عن التقدم والمواجهة والاطلاع والفهم، فيكثر أهل الشر ويكثر مكرهم وتكثر خدعهم وحبالهم وشباكهم، ونضعف نحن عن الاطلاع والتفطن والانتباه لمواطن ذلك، فهذا ما يحصل به زيادة الشر وانحسار الخير.

لذلك انجُ بنفسك، انجُ بنفسك، هذا هو القدر الأقل، أليس كذلك؟ أن كل شخص منا يبحث عن نجاة نفسه من الفتن، من المؤامرات، من المواقف الخاطئة، من الاصطفافات غير المقبولة، من اختيارات سياسية وفكرية لا تمثل المنهج الإسلامي الأصيل. إذا أردت أن تنجو بنفسك ثم تنجو بأهلك وإخوانك في الله فيجب عليك أن تقرأ وأن تتعلم أيضًا واقعك، والسياسات التي ترسم، والخطوات التي تحاك، والمؤامرات التي تدار. أنا لا أقول إننا سنصبح من الساسة المشغولين أربعًا وعشرين ساعة في النظر في دهاليزها، فهذا صعب بل شبه معقد مستحيل، لكن على الأقل أن يكون لدينا حظ وافر من الفهم لنعرف كيف تلعب السياسة في واقعنا المعاصر، وكيف تُحاك الأفكار، وكيف تطبخ المؤامرات من خلال دراسة ما مضى من تاريخ هذه الأمة المعاصر خلال الحقبة الماضية، أن نعرف ما الذي استحدثه اليهود وأتباعهم، ما الذي استحدثه الاستعمار الفرنسي والبريطاني في بلاد المسلمين.

كثير من الحقائق اليوم بالنسبة لنا مزورة، وكثير من طلبة العلم اليوم إنما يعرف من الأمور قشورًا ظاهرة، فإذا دخل إلى كلام المحققين من العلماء المعاصرين الذين رصدوا هذه الحقبة وكتبوا ودونوا في مذكراتهم وأقلامهم ما عاشوه ولاحظوه، يكتشف أن كثيرًا من الأمور التي ربما أخذها من التلفاز أو وجّهه الإعلام إليها أو تلقاها من مناهج المدرسة أو شيء أنها كلها كانت ألاعيب، وأن المراد بها صياغة فكره وتوجيهه لأمور معينة وتزوير للحقائق والواقع الذي يعيشه، فتبقى أنت تعيش في واقع تظنه بصورة، فإذا هو بصورة أخرى، تظن أنك فاهم له على الحقيقة، فإذا أنت لا تملك الحقيقة أبدا. طيب، كيف سنصل إلى حقيقة الواقع الذي نعيشه؟ عليك أن تتعمق يا طالب العلم في الدخول إلى مذكرات العقلاء وكلام الأدباء الذين عاشوا تلك الحقبة أو عاشوا بعدها ورصدوا ما فيها من الدقائق، عندئذ ستعرف أن كثيرًا من الأمور التي يراد حشوها في عقلك وإقناعك أنها امور شريفة، إذا بها تكون مؤامرة ومخادعة، وأن كثيرًا من الأمور التي تزين على أنها لمصلحة الإسلام، إذا هي خيانة للإسلام والمسلمين. كيف سأعرف ذلك ولا أكون واقعًا في حبال الغرب ومؤامراتهم وسطوتهم وأفكارهم؟ بالقراءة والاطلاع والمعرفة، المعرفة اليوم سلاح لطالب العلم بها يكتشف ويعرف وينتبه ويتيقظ، فلا يُغرَّر به ولا يُوقَع ولا يقع فريسة لأفكار الآخرين، لأنك اليوم إذا وقعت فريسة لأفكار الآخرين ستصطف اصطفافًا خاطئًا، وستدافع عن امور تراها شرعًا ودينًا وإذا أنت مغفل واقع.

وهذا ما سنقرأه في هذا الكتاب، أن كثيرًا ممن يُنسب إلى أهل العلم والفكر في نهاية الدولة العثمانية وما بعد سقوطها ربما كان فيه صلاح لكنه كان مغفلًا، كان فيه صلاح ديانة لكنه كان مغفلًا، فاستطاعت الصهيونية العالمية والماسونية العالمية أن تغرقه في الأوحال، واستطاعوا أن يعبثوا به، وأن يوقع على أمور لا يريدها، وأن يظن في خيرٍ خيرًا، فإذا هو من أكثر الأمور شرًا. تقرأ أمورًا والله تنصدم مما ستقرأ، وتقول: معقول هؤلاء الذين نمدحهم ونرفعهم ونثني عليهم سقطوا في مثل هذه الغفلات؟ الواقع معقد والسياسة شرسة، وليست الأمور كما أقول لك دوما مجرد كتاب يقرأ، بل عليك أن تفهم دهاء العدو وقدرته على المراوغة واللعب والعبث، ولا تستقل إمكانيات عدوك؛ من استقل بعدوه هلك.

نعم، لا ترفع العدو فوق منزلته، هم ليسوا آلهة، لكن أيضًا استصغار العدو والاستهانة بقدراته يجعلك دومًا أنت الضعيف المفترَس. تعلم أن عدوك يخطط ويفكر، والواقع المعاصر يشهد. أتريد أن أعمي نفسي وأعمي عقلي وأقول لا، العدو لا يفعل ولا يفعل؟ العدو يفعل لأنه يخطط ويأخذ بأدوات التمكين بالنسبة له، وأنت لا تبقى تدرس ولا تتعلم وتظن أن القضية بمجرد أنني أيها الشيخ أحضر دروس العلم النافع وأزكي نفسي فإن الأمة ستنتصر بهذا! كلا، الله سبحانه وتعالى يقول: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ، ومن القوة المطلوبة القوة السياسية، ومن القوة المطلوبة الدهاء والفطنة، ومن القوة المطلوبة أن تعرف مكر الأعداء وألاعيبهم حتى أنت تلعب على هذا الوتر. لما قرأنا في المحاسن اليوسفية رأينا أن صلاح الدين لم يلعب فقط على وتر الحرب، بل كان يحسن السياسة، كان يعرف كيف ريتشارد قلب الأسد يعبث، ويعرف كيف يفاوضه، وكيف نَفَس المفاوضات، كان يعرف من يريد الخير ومن يريد الشر، ومن يقرب ومن يبعد. من لا يعرف كيف يتعامل مع زمانه أعود فأقول: سيصطف في المكان الخاطئ.

كثير اليوم عندنا جماعات إسلامية وأحزاب وتيارات، كثير من هذه الجماعات اصطفافاتها خاطئة وأفكارها مغلوطة وأناس مشوهون في الفكر والمنطق، السبب في ذلك أنهم لم يبنوا مسيرتهم بهذه الأمة على علم رشيد، علم شرعي رشيد، ودراية بالسياسة حقيقية. فإما أن تجد أحدهم مقصرًا في العلم مطلعًا على شيء من السياسة فلا تجد كلامه موزونًا؛ ليس لضعفه في السياسة، بل لضعفه في مقاصد الشريعة، وإما رجل مطلع في الشريعة لكنه مغفل في السياسة، فتكون فتاواه أيضًا غير دقيقة، لماذا؟ لأنه لم يسبرها بميزان الواقع المعاصر وإشكالاته وتحدياته. في كل زمن هناك تحديات، هناك إشكالات، هناك واقع يحاول العدو أن يرسمه، عليك أن تفهمه وتدرسه لتكون على استيقاظ وتنبه. فأنعم بطالب العلم الذكي الفطن! أنعم بطالب العلم أيها المثقف الذي يعرف الزمان والحقبة التي يعيشها، وبالتالي أطروحاته وأفكاره متلائمة مع الناس! أما أن تبقى تعيد لإشكالية كانت في القرن الثاني الهجري، نبقى نتناقش في الخلاف بين سيدنا علي وسيدنا معاوية، يا عمي تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ، أنا إيش علاقتي بتلك الحقبة؟ فتنة كَفَّ الله عنها سيوفنا فنكف عنها ألسنتنا، لن تؤثر على حياتك أنت، ولكن تجد ما شاء الله الطالب مطلعًا على تلك الحقب، ولما تأتي إلى واقعه لا يعرف شيئًا! طيب، أنا احتاجك لزماني، أنت لست مسؤولًا عن حقبة مضت ولا عن حقبة تأتي، وإنما مسؤول عن الحقبة التي أنت فيها، والعمر الذي منحك الله إياه. فمن المهم المهم على طالب العلم أن يفهم الواقع وأن يدرسه، وأن يطلع عليه إطلاعًا جيدًا من العلماء المعاصرين والأدباء الكبار.

طبعًا هو عالم في اللغة أديب في اللغة، ولكن أستطيع أن أقول أيضًا إنه عالم في الفكر، عالم في النظر والاستيعاب والفهم؛ الأستاذ المرحوم -أستاذ محمد حسين، المرحوم بإذن الله الأستاذ محمد حسين- هذا الأستاذ المعلم الكبير الذي كان له دور في مصر حقيقةً، توفاه الله عام 1982، كان له دور في مصر في رصد الحالة الإسلامية والفكرية والقومية والوطنية التي كانت تسود في مصر منذ قبيل سقوط الخلافة العثمانية في آخر القرن الـ... وإلى ما بعد ذلك، إلى ما بعد سقوط الخلافة العثمانية وبداية الحرب العالمية الأولى ثم الحرب العالمية الثانية. الأستاذ محمد حسين رجل مفكر وأديب ناقد وإنسان متضلع ونبيه، حاول أن يرصد كيف كان صراع الأفكار وصراع المناهج وصراع التيارات في مصر.

كيف كانت الأفكار تتحارب وتتصاول بين علماء مصر ومفكريها ومثقفيها في نهاية الخلافة العثمانية ما بين الولاء للسلطان العثماني وما بين طلب الانفكاك عنها وإنتاج دولة قومية وطنية. دائمًا يقولون أيها الكرام: إذا أردت أن تعرف حال حقبة معينة فانظر في كلام خطبائها وشعرائها. إذا أردت أن تعرف الحالة الفكرية السائدة في حقبة معينة فانظر في كلام إيش؟ خطبائها وشعرائها. هذا ما فعله محمد حسين. محمد حسين ما كان عايشًا في تلك الحقبة، يعني قلنا 1982 يعني هو في الستينات والسبعينات، لكنه درس تلك الحقبة من مذكراتها واستوعب ما فيها، فحاول محمد حسين رحمه الله عليه أن يرصد لك الصراع الفكري في مصر، والصراع الفكري في مصر هو يعبر عن الصراع الفكري في العالم الإسلامي عمومًا، يعني أنت تقيس عليه الصراع الفكري في العالم، إنما في تلك الحقبة يعني العالم العربي كان يمثل فعليًا الشام ومصر؛ يعني هي موطن الرحى. ولأن كلامه في مصر أيضًا سيتكلم عن الحجاز والإشكالات التي صارت في جزيرة العرب، فالكلام سيستوعب بإذن الله. لكن ما أريد أن أقوله أنك إذا أردت أن تعرف الصراعات الفكرية والتوجهات السائدة في حقبة، عليك أن تنظر في كلام خطبائها وشعرائها: ماذا خطبوا؟ ماذا شعروا؟ ماذا كتبوا في مذكراتهم وأفكارهم ومنثوراتهم؟ هذا سيعكس لك ما طبيعة الصراع وبالتالي تفهم كيف كانت الأمور تسير.

هذا ما فعله محمد حسين؛ أنه أتى إلى كلام الخطباء والكتّاب والشعراء في فترة نهاية الخلافة العثمانية وما بعد الحرب العالمية إلى ما بعد ذلك، من خلال تتبعه لمذكراتهم وخطبهم وبرامج الأحزاب التي نشأت وما قالوه في جرائدهم، لأنه اعتمد على الكتب وعلى الجرائد وعلى المذكرات وعلى الشعراء، فهم طبيعة الصراع الدائر في تلك الحقب والتوجهات المختلفة. وحاول بالتالي أن يرصد ما هو الإشكال الذي كان يسود في نهاية الخلافة العثمانية حتى أوردنا إلى سقوطها، ثم كيف نشأت الأفكار بعد ذلك والصراعات ما بين إنسان يريد أن يتمسك بالأصيل وما بين إنسان يدعو إلى الوطنية، ثم كيف حتى مفهوم الوطنية تطور ما بين وطنية لها علاقة بالإسلام إلى وطنية علمانية بعيدة عن الإسلام تمام البعد، يراد منها فصل الدين عن الدولة وإحياء النعرات القومية والعروبية بدلاً من الرابطة الإسلامية ما يسمى الجامعة الإسلامية، ما يسمى الخلافة التي تربط جميع الدول. حاول محمد حسين أن يرصد كيف تطورت الأمور والنزاعات من إسقاط روح الجامعة الإسلامية التي تجمع الأمم والشعوب إلى نشوء النزاعات الوطنية والقومية والعلمانية، كيف رصد هذا النمو وهذا الصراع.

أعود فأقول: من خلال الأدب الذي سجل في تلك الفترة، لذلك سمى كتابه "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر". كما قلنا قبل قليل عنوان الكتاب ربما ظلمه؛ لأنه بعض الناس لما تشوف "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر" بتفكر أنها رسالة دكتوراه كاتبها طارق في الجامعة هون، وبيحكي فيها عن الوطنية وعن ويسفق ويصفق، لا! هذا كتاب أقول ربما لو اختار الشيخ محمد حسين اسمًا آخر رحمه الله عليه لكان أدعى لانتشار الكتاب أكثر. الكتاب أعتقد أنه من أهم وأخطر الكتب التي رصدت الحالة الفكرية السائدة في هذه الحقبة؛ نهاية الخلافة العثمانية وما بعدها، والرصد فيه على كامل الدقة وكامل الإنصاف في الجملة يعني، لأنه في النهاية بشر محمد حسين، ممكن يكون له يعني اتجاهات، لكنه يعني محسوب الشيخ محمد حسين على تيار السلف، على التيار الأصيل، التيار الذي يدعو للتمسك بعقيدة الأمة وإسلامها. وطبعًا من يعرف كتب محمد حسين المصري رحمه الله عليه يعرف أنه رجل منتمٍ لأمته ولعقيدته ولشريعة رب العالمين، لذلك ألف رسالته الأخرى الشهيرة "حصوننا مهددة من الداخل"، وأظن له كتاب في "الإسلام والحضارة الغربية" أو شيء من ذلك، نعم كتاب "الإسلام والحضارة الغربية" رصد فيه كيف الاستعمار حاول أن يغير بنية المجتمعات المسلمة. حقيقةً كل كتاب يقع في يديك لمحمد محمد حسين اقرأه، رجل عقلية، منتمٍ، يعني أصيل، منتبه، ذكي، يعرف الأمور ويرصدها رصدًا هادئًا. والجميل أقول الرصد الهادئ المتوازن، يعني لا تشعر أنه يعني هدفه الانتقاد بقدر ما هدفه الرصد وتسجيل الواقع كما هو.

لا أريد أن أطيل في المقدمة، لكن كان هدفي أولاً أن أنبه لماذا اتجهنا -يعني اختيار هذا الكتاب- إلى نوع جديد وإلى نافذة جديدة من فوائد المعرفة حتى يكون الطرح في "غراس" طرحًا متنوعًا، لا نقتصر فقط على... يقول لك بعض الناس: أنتم تعيشون مع القرن الثالث والرابع ولا تعيشون مع واقعكم المعاصر. ثانياً: أردت لفت انتباه طلبة العلم إلى مثل هذه الأنواع من الكتب النافعة والتي تجعل الإنسان يفهم التاريخ والواقع المعاصر الذي يعيشه. وفي نفس الوقت الفائدة الشخصية لك التي هي زيادة الوعي والنضوج، حتى تكون طالب علم ناضجًا عارفًا. وإن شاء الله سنجد فوائد كثيرة ودراية بالتاريخ. يعني جيد طالب العلم لما يجلس مع مثقفين وصحفيين ويتكلموا بأسماء محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، يعني تكون عارفًا شوي؛ يعني أسماء هذه إيش كان دورها؟ ماذا كانت تفعل؟ أدواتها وسائلا؟ طيب هي مناح ولا مش مناح يا شيخ؟ إلى الآن الناس بتفكر إنه هذول كلهم مناح، جمال الدين الأفغاني يروّج لك أنه مثقف إسلامي يراد له بعض الأشياء الجيدة، لكن نكتشف في النهاية أنه كان يجلس مع بريطانيا، مع الجواسيس! جمال الدين الأفغاني! نعم جمال الدين الأفغاني الذي امتدحه العقاد، يعني تجد بعض الناس يمتدحه ويذكر أنه صاحب تغيير فكري وصاحب نهضة للإسلام، لكن الحقيقة أن لي علامات استفهام على جمال الدين الأفغاني، علامات استفهام كبيرة جدًا على علاقته بالماسونية العالمية وعلاقته بالاستخبارات البريطانية. وكان للسلطان عبد الحميد -سياتي معنا أو سأعلق- أن السلطان عبد الحميد في مذكراته كتب أنه هو كان أحد المهرجين الذين سعوا في إسقاط الخلافة العثمانية.

هذا الذي يصدَّر في بعض الناس أو بعض الكُتّاب أنه رائد الفكر الإسلامي الحديث وصانع النهضة مع محمد عبده مثلاً، ستنصدم ببعض الحقائق. هذه فائدة هذا الكتاب؛ أنك ستسمع حقائق ربما أول مرة تسمعها، وتنصدم ببعض الأمور التي سجلها محمد حسين ورصدها من المذكرات تقول: معقول كانت الأمور لهذه الدرجة؟ معقول فلان الذي يزكى ويطرى على أنه كذا كان يجلس مع المخابرات الفرنسية يتآمر ضد الدولة العثمانية وضد... يعني بغض النظر طبعًا، أنا أحيانًا في مساحات معينة سأتوقف عن الحكم على الشخص بنيته، وإنما سأحكم على فعله، يعني نيته ذهبوا إلى ربهم، صحيح، هو متأول مش متأول، في بعض الأمور اترك النوايا، لكن سأحكم على الأفعال بقدر ما فيها من بيع الأمة والتخلي عنها أو البعد تمامًا عن السياسة الشرعية وللأسف بيع الأمة للمستعمر وما شابه ذلك من الأمور التي فعلاً توقظ الإنسان إلى أن السياسة صعبة، وأن الأمور التي تراها اليوم في المشهد السياسي على الشاشة ليس سهلاً لطالب العلم أن يحكم ببادئ الرأي، الأمور معقدة والمشهد صعب، والذي يصنع في الأروقة ليس الذي تراه على قناة الجزيرة. تمام؟ بدك تفهم هي القضية، يعني بدك تفهم أن كثيرًا ممن يظهر لك الخير قد يخفي لك الشر، وأن كثيرًا ممن قد تراه سيئًا لا، قد يكون أراد الإحسان، هي هكذا الحياة. كيف يزداد وعي الإنسان بهذه النقاط؟ من خلال أن يعوّد نفسه القراءة في الكتب التي توجه الأنظار إلى هذه الزوايا.

لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، أريد اليوم أن أبتدئ بالقراءة. هذه عادتي، يعني بعض الناس يقول: طيب يا شيخ لو أخذنا الكتاب للمجلس القادم؟ لا، عادتي أنني الحال المرتحل، أننا دائمًا إذا معك ساعة من الوقت ابدأ ولو نصف ساعة، الكتاب الذي تؤخره إلى الغد لن تقرأه، علمتنا الحياة اقرأ من اليوم وابدأ وافتح الصفحات الأولى حتى إذا جاء الدرس القادم ما تروح كمان ساعة في التقديمة والتوطئة ولا في رأي أو في النظر في الصفحات الأولى، تكون مجهزًا نفسك لمثل هذه الكتب والقراءة فيها. سنبدأ من قراءة مقدمة الطبعة الثانية، عفواً مقدمة الطبعة الأولى للكتاب. طيب، سنبدأ بقراءة مقدمة الطبعة الأولى لأن فيها لخص الشيخ محمد حسين رحمه الله أي فصول هذا الكتاب وطبيعة المسير فيه بإذن الله. أقرأ مستعينًا بالله: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: مقدمة الطبعة الأولى: كان اتجاهي أول الأمر إلى أن أكتب عن الوطنية في شعر شوقي، ولما اجتمعت لي مادة البحث رأيت أحمد شوقي الشاعر الشهير كان يعيش في هذه الحقبة؛ حقبة نهاية الدولة العثمانية، تمام؟ أحمد شوقي الشاعر المصري المشهور كان، فـمحمد حسين قال: أردت أن أدرس أحمد شوقي وحده كنموذج على نماذج الأدب في تلك الفترة.

فماذا اختار بعد ذلك؟ نعم، ولما اجتمعت لي مادة البحث رأيت أن الذين كتبوا عن هذا الشاعر قد ظلموه ظلمًا بينًا في وطنيته، ونظرت فإذا شوقي ليس وحده هو الذي مدح السلطان عبد الحميد، فقد كان ذلك اتجاه شعراء العصر جميعًا. نعم، البعض كان يشكك في وطنية أحمد شوقي، طبعًا مين هم؟ التيار القومي المصري. أحمد شوقي كثيرًا ما كان يمدح الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني رحمه الله عليه جميعًا، تمام؟ فبعض المصريين لما انتشرت التيارات القومية في مصر بعد ذلك كانوا يقولون: أحمد شوقي ليس منتميًا لمصر القومية. ليه؟ لأنه كان يمدح الخليفة العثماني كثيرًا، فيقول: حقيقةً الفترة التي عاش فيها أحمد شوقي كانت تتطلب منه أن يمدح الخليفة العثماني، وليس هذا حال أحمد شوقي فقط، بل كثير من الشعراء الذين كانوا في نفس الحقبة كانوا يمدحون الخليفة العثماني، لأن صالح المسلمين بقاء الجامعة الإسلامية بقاء دولة الخلافة، وإن كانت مصر أرادت أن تنأى بنفسها وتكون دولة مستقلة، لكن هذا لا يعني أنك تنفرد عن الخلافة العثمانية. أكمل.

ونظرت فإذا شوقي لم يكن وحده الموالي لتركيا، فقد كانت مغاضبة تركيا وقتذاك لا تعني إلا موالاة أعدائهم وأعداء مصر الانجليز. قال: نظرت، شوقي -يعني ماذا يقول محمد حسين؟- مغاضبة تركيا في تلك الحقبة... شوف، هذا الكلام شيء بدنا نفهم، بدنا نحكي سياسي إخوان هون يعني، فهمتم علي؟ فبدكم تحملوني. يقول لك: ماشي، تركيا في تلك الفترة ماشي حزب الاتحاد والترقي كان موجودًا صح، وتركيا الفتاة كانت موجودة، لكن في النهاية وقوفك ضد تركيا في تلك الفترة ومغاضبة تركيا ماذا كان يعني؟ الولاء للإنجليز. فأنا لا أنا كشاعر أو كأديب أو كمثقف أعيش في حقبة معينة حتى لو كانت الجهة التي أنا أنتمي إليها عندها أخطاء وتقصيرات ومكرات، لكن الوقوف معها أخف الضررين، لأنه أنا سأصطف يا مع هؤلاء على ما فيهم من العور، يا مع المستعمر. فيقول محمد حسين: مغاضبة تركيا في تلك الفترة ورفضها ماذا تعني؟ كانت لا تعني إلا موالاة أعداء تركيا، ومين أعداؤها؟ الإنجليز والفرنسيون المستعمر. نعم. ونظرت فإذا الرجل لم يكن وحده هو الذي مدح عباسًا، وإن تكن صناعته... عباس هذا الخديوي عباس، الملك المصري الخديوي عباس حلمي، أظن اسمه عباس حلمي، هذا الذي حكم من 1892 لـ 1913، هذا طبعًا أنتم بتعرفوا مصر كانت ملكية بعدين انتقلت إلى النظام الجمهوري بعد ذلك، فكان عندك الخديوي توفيق بعدين الخديوي عباس. الخديوي عباس حلمي هو عاش يعني ملك، عفواً كان حاكم مصر من 1891 إلى تقريبًا بداية الحرب العالمية الأولى 1914. هذا الخديوي عباس ملك مصر كان في بداية أمره واقفًا مع الانتماء للخليفة العثماني وعلاقتهم طيبة، وبالتالي أحمد شوقي كان يمدح الخديوي عباس حاكم مصر كما كان يمدح الخليفة العثماني، لكن المشكلة أن الخديوي عباس انقلب على الخلافة العثمانية، وبعد ذلك أصبح معاندًا لها مواليًا للإنجليز، وبالتالي بعض الناس صاروا يذمون شوقي أنه أنت كيف تمدح الخديوي عباس حلمي؟

فيقول لك: يعني أنا كنت أمدحه لما كان مواليًا للدولة العثمانية، يعني بعض الناس يريدك أن تنظر في المقامات، يعني أكنت أعرف أن الخديوي عباس سينقلب على الخلافة العثمانية ويوالي الإنجليز؟ فلا تلوموه. هذا برضه مهم جداً، هذا الذي يفعله محمد حسين؛ أنه يدرس هذه الحقبة في الأدب ليبرئ بعض الشعراء مما نُسب إليهم. يعني لما تجد شعرًا لأحمد شوقي يمدح فيه الخديوي عباس حلمي، وأنت إيش صورة الخديوي عباس حلمي في ذهنك؟ أن الذي انقلب على الدولة العثمانية في آخر عمره. أنت ما بتعرف أو بعدم رصدك التاريخي بتصير تظن أن أحمد شوقي كان واقفًا ضد الخلافة العثمانية لأنه امتدح الخديوي عباس، لكن لما تعرف التاريخ، لا، هو الخديوي عباس في أول أمره كان مواليًا للعثمانيين، فأحمد شوقي امتدحه في تلك الفترة قبل ما هو ينقلب عليهم. فأنا هنا بنصف أحمد شوقي وبعرف أنه لما امتدح، امتدح في الفترة الصحيحة من حياة الخديوي عباس مش في الفترة التي ربما الخديوي عباس انقلب فيها وغيّر مبادئه، هذا من الإنصاف أيضًا للحكم على الناس أو الشعراء والأدباء. أكمل.

قال: وإن تكن صناعته ووظيفته قد اقتضته ذلك، فقد كان عباس في الفترة الأولى من حياته موضع مدح كل الشعراء، بل موضع حب المصريين جميعًا وآمالهم. شايف، مش كلام، ها هو محمد حسين يقول لك: عباس حلمي في بداية أمره كان المصريون كلهم معه، لأنه كان معلنًا ولاءه للخليفة العثماني. نعم. ورجعت إلى كتابات العصر وصحفه وتاريخه فإذا كل ذلك يوحي بأن وطنية هذه الفترة لم تكن هي وطنيتنا، وأن قيمها لم تكن هي قيمنا. الآن محمد حسين عم يرصد شغلة، يقول لك: مفهوم الوطنية في أدبيات أحمد شوقي وشعراء تلك الحقبة يختلف عن مفهوم الوطنية الذي نتكلم عنه في حياة محمد حسين -محمد حسين فترة الخمسينات والستينات مثلاً- يقول لك: مفهوم الوطنية تطور في وقتنا بطريقة مختلفة عن مفهوم الوطنية الذي يتكلم عنه أحمد شوقي، فما بصير تحاكم وطنية أحمد شوقي على الوطنية في الأربعينات والخمسينات، لأن أحمد شوقي يعيش في فترة شئت أم أبيت مصر كانت تابعة للخلافة العثمانية إلى أن انفصلت عنها وحصل ما حصل بسقوط الخلافة. نعم. فالخطأ في الحكم يرجع في معظمه إلى تغير مفهوم الوطنية على مر الأيام، فالذين يدرسون ادب الصحراء والفطرة في الجاهلية لا ينصفون إذا وزنوه بموازين الحضارة والمدنية في القرن العشرين. صح! بدك تحكي عن أدب الجاهليين بدك تقارن أفكارهم بأفكارنا في القرن العشرين؟ أُجحِفَت! كل زمان له مفاهيمه وقيمه. نعم. والذين يدرسون شعراء ما قبل الإسلام يظلمون إذا وزنوهم بموازين الإسلام، والجيل الذي يولد في هذه الأيام يخطئ إذا درس آداب آبائه بعد عشرين عامًا أو ثلاثين فحكم على الذين مجدوا الملكية بالخيانه. نعم، قال: الجيل الذي يولد في هذه الأيام -جيل محمد حسين بيحكي عن جيله- يقول: والجيل الذي يولد في هذه الأيام يخطئ إذا درس آداب آبائه بعد عشرين عامًا، لما تدرس أدب الآباء والأجداد بعد عشرين ثلاثين سنة فتحكم على الذين مجدوا الملكية في مصر بأنهم خَوَنَة، ما بتفدر تحكي ذلك بسهولة.

أحيانًا قد يكون الظرف في تلك الفترة حكم بعض المشايخ والدعاة والمصلحين أن يقفوا مع الملكية في مصر -الملكية أنتم بتعرفوا مصر كانت ملكية ثم انقلبت إلى نظام جمهوري- هل الذين كانوا واقفين ومتمسكين بضرورة بقاء مصر ملكية، هل نقول إنهم خَوَنَة حتى لو كان بعض الملوك خانوا الدولة العثمانية؟ الآن بغض النظر، يعني هل تستطيع أن تحكم على كل شيخ أو داعية أو مصلح أو إنسان مثقف عاش في تلك الفترة من حياة مصر الملكية قبل انتقال النظام؟ هل نستطيع أن نستعجل أن نحكم؟ يقول لك: مش من السهل تقول هذا الكلام، لأنك لو عشت تلك الفترة ربما كان لك حكم آخر، نظرة أخرى، زاويه أخرى. هذا مهم إخواننا، ليش بقول لك هذا الكتاب نحن مش هدفي فقط دراسة الواقع المصري، بل هدفي أن نصوب نظرتنا إلى الناس، إلى المشايخ، إلى الدعاة، إلى التوجهات، إلى الأفكار، إلى الاصطفافات، مش كل اصطفاف تستعجل الحكم عليه أنه خاطئ، قد يكون صاحبه معذورًا، قد يكون الظرف الذي انحط فيه يُعذر فيه بإذن الله حتى لو أنت شايف أنه خطأ ابتداءً. نعم. وكذلك كان شأن الدارسين مع شوقي؛ لَامُوهُ لِمُيُولِهِ التركية حين كانت الرابطة العثمانية حديث كل الأمم الإسلامية، وغضوا من قدره لأنه كان رجل القصر حين كان عباس ساكن القصر موضع آمالهم.

حلمي نعم، موضع أمل الوطنيين من المصريين وقدوتهم في مقاومة الاحتلال في شطر من حياته، قبل ما ينقلب عباس حلمي ويسير مع الإنجليز نعم. وعند ذلك خطر لي أن لا أقصر تاريخ الوطنية على شوقي، وأن أؤرخ للاتجاهات الوطنية في الشارع العربي في مصر جملة. إذاً هذا الهدف خلي محمد حسين يعدل عن مناقشة أحمد شوقي فقط إلى مناقشة عموم الأدب في تلك الفترة سواء شوقي أو غيره من الشعراء نعم، ورأيت أن مثل هذا البحث قد يصحح كثيراً من الأحكام السابقة العاجلة.

إذاً هذه فائدة الكتاب، لاحظ هذا البحث يصحح كثيراً من الأحكام المستعجلة التي أنت ممكن اليوم تطلقها على أناس كانوا قبل مئة سنة بس أنت ما أنصفتهم. دراسة التاريخ التفصيلي بتخليك أكثر روية في الحكم على السابقين نعم، وقد يعين على وضع مقاييس صحيحة للقيم الوطنية وتطورها، فليس من الإنصاف أن يحاسب الناس على أسس مباينة كل المباينة أو بعض المباينة لأسس العصر الذي عاشوا فيه وعبروا عن قيمه واتجاهاته نعم. بدك تحكم على شخص احكم باعتبار عصره مش باعتبار عصرك، باعتبار الفترة التي عاشها نعم، وليس من البحث العلمي أن يدرس الشاعر منفصلاً عن بيئته التي استمد منها تجاربه.

ومن هذا يبدو أن البحث في لبه يستهدف تصحيح القيم الوطنية والقيم النقدية في دراسة الشعراء المعاصرين. إذاً برجع بقول أكيد الكتاب طبعاً مليان شعر يا جماعة عادي يعني ما تتوقعش إنه كتاب كلياته سياسي، بس أنت من خلال الشعر ستفهم الواقع، يعني فهمت علي، الشعر سيعكس لك الواقع نعم. وقد تبين لي من بعد أن الحرب العالمية الأولى كانت حداً فاصلاً بين عصرين متباينين في فهم مدلول الوطنية، ولذلك رأيت أن أقسم بحثي عن الاتجاهات الوطنية في شعر المعاصر إلى قسمين؛ ينتهي أولهما إلى قيام الحرب العالمية الأولى، وهو موضوع بحث هذا الكتاب الذي أقدمه بين يدي القراء.

هذا الكتاب عبارة عن جزئين صحيح، الجزء الأول سيرصد مفهوم الوطنية في مصر من الثورة العرابية، ثورة أحمد العرابي 1878 إلى 82، يعني هذه البداية. لذلك حتى أنت إذا نظرت المجلد الأول إيش مكتوب عليه؟ هي الجزء الأول من الثورة العرابية إلى قيام الحرب العالمية الأولى على الصفحة الأولى للكتاب. المجلد الأول يتكلم من حقبة الثورة العرابية التي كانت 1878 إلى 1882، هذه كانت فترة الثورة العرابية، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1914 إلى 1918. بقول لك هذه حقبة من حقب مصر، عليك أن تفهم شو مدلول الوطنية فيها، أفكار الشعراء والأدباء والحالة الدينية. القسم الثاني من الكتاب المجلد الثاني بيتكلم ما بعد الحرب العالمية الأولى، وكيف اختلفت المفاهيم والقيم لما خلصت، أصبحت الخلافة العثمانية في حيز السقوط إلى أن سقطت رسمياً 1925. لا بقول لك سادت القومية والوطنية وهي المفاهيم تغيرت واختلفت نعم.

وقد قسمت البحث إلى خمسة فصول، تكلمت في الفصل الأول عن الجامعة الإسلامية نعم، هذه لماذا أردت أن أقرأ هذه المقدمة؟ حتى يعطيك التصور عن المجلد، ماذا سيتكلم في هذا المجلد الأول. قال قسمت البحث إلى خمسة فصول، أول فصل سيتكلم فيه عن الجامعة الإسلامية، هي مش الجامعة في المدينة المنورة، الشيخ لا يخطب، الجامعة الإسلامية الخلافة، يعني أنه الفترة الأولى فترة أن الناس ما زالوا يدورون حول فكرة الخلافة وضرورة التمسك بالخليفة العثماني، وكيف كانت التوجهات والآراء في هذه الحقبة. طيب قال فبينت أنها كانت هي النزعة الغالبة على تفكير مصر حين لم تكن الفكرة القومية بمعناها الحديث قد سيطرت على الأذهان.

إذاً مصر في الفترة العرابية إلى 1914 كانت القضية هي التمسك بالخلافة العثمانية على ما عندها، ولم يكن الفكرة القومية بمعنى القومية العربية هي السائدة على أدباء ومفكري مصر ومشايخها في تلك الحقبة، بالعكس كانوا حريصين على أن يبقى التمسك بماذا؟ بوجود الخلافة العثمانية، وإن كان بعضهم يبحث عن استقلال ذاتي لمصر كحكم، بس هذا الاستقلال ما كان يعني في مفهومهم التخلي عن الارتباط الروحي والوجداني بالخليفة عبد الحميد نعم. قال وحين كانت العاطفة الدينية هي المسيطرة على القلوب والأفهام، وحين كانت الظروف التي تسود العصر توحي بأن الخصومة بين الشرق والغرب هي خصومة بين الإسلام والمسيحية. إنه في تلك الفترة كان الناس يعرفون أن الصراع ما زال صراع إسلامي صليبي، صراع عقدي، بالتالي حتى الذين كانوا يعيشون في مصر كانوا مستيقظين أنه ماشي نحن بدنا استقلالية لمصر وحكم لكن لا نريد أن ننفك عن جسد الخلافة العثمانية لأن المعركة في النهاية ما زالت معركة عقيدة، والعاطفة الدينية ما زالت موجودة عند الأدباء والمصلحين والمفكرين في تلك الحقبة نعم، أو هي استمرار للحروب الصليبية كما تصور بعض زعماء الوطنية وكتابها في تلك الحقبة نعم.

وكان يعين على تدعيم هذا التصور ما يدور من حروب بين تركيا من ناحية وبين الدول الأوروبية الطامعة في اقتسام أملاكها من ناحية أخرى. ما الذي كان يعزز هذه الفكرة عند الأدباء المصريين والمفكرين المصريين أنه ضرورة أن نبقى مع جسد الخلافة العثمانية؟ أن في تلك الحقبة كانت هناك حروب طاحنة بين تركيا وأوروبا وتركيا وروسيا، هذه الحروب الطاحنة التي خاضها عبد الحميد الثاني، معركة البلقان التي ستأتي مع روسيا، والمعارك التي خيضت بين تركيا واليونان، جعلت المصريين ما زالوا يعرفون أن ما زالت هي حروب صليبية، وأننا يجب أن نبقى محافظين على تركيا لأنها في النهاية تقاتل عن شرف الأمة على ما عندها من الأخطاء نعم.

قال هذه تنادي بتحرير الشعوب الأوروبية في جنوب أوروبا من وحشية المسلمين، وتلك تنادي بتماسك الشعوب الإسلامية واتحادها أمام الجشع الأوروبي. فأوروبا اللي هي إنجلترا كانت فعلياً هي بريطانيا وفرنسا أساسها، هي كانت دعايتها التي تصدرها أننا يجب أن نحرر شعوب الدول الأوروبية التي كانت رومانيا وبلغاريا، كانت الدولة العثمانية مسيطرة عليها، فكانت أوروبا تقول لابد وأن نحرر بلغاريا ورومانيا والبوسنة والهرسك، اللي أوروبا الشرقية، يجب أن نحررها من أيدي هؤلاء الجشعين الإسلاميين، وتركيا في المقابل ماذا كانت تقول؟ كانت تنادي بتماسك الشعوب المسلمة واتحادها أمام الجشع الأوروبي وتقول للشعوب المسلمة: إذا سقطت تركيا فليس بعد ذلك إلا الاستعمار. تركيا كانت تفهم القضية. طيب قال كما أعان عليه مهاجمة كثير من ساسة الغرب وكتابه للإسلام والمسلمين وتصويرهم في صورة الهمج المتخلفين، ورد تخلفهم هذا إلى جمود الإسلام الذي لا يصلح في زعمهم لأن يكون شريعة أمة متمدنة راقية. وأعان عليه كذلك ما كانت تبذله إنجلترا من جهود دائبة للقضاء على تركيا بتشجيع كل مناوئ لها وخارج عليها ومذيع لمساوئها ومصور لفساد الحكم فيها. إذاً بريطانيا كانت تبذل الغالي والنفيس في تلك الحقبة لتشويه تركيا، وبذل المال والمساعدة والمساندة لكل من يشوه صورة تركيا ويظهرها إعلامياً على أنها دولة إرهابية، تريد الجشع وتقتل المسلمين وتفتك، طبعاً برجع بقول أكيد كان في أخطاء في تلك الحقبة في تركيا أخطاء كبيرة، لكن بدك تفهم أنه من الذي كان يتصيد؟ ما هو برضو مش يعني خليفة راشد هو الذي يريد إسقاط تركيا، بريطانيا هي التي تريد إسقاط تركيا وإظهارها في أسوأ صورها ليتخلى المسلمون عنها نعم.

وبينت في هذا الفصل أن موالاة تركيا والإشادة بها ومدح الشعراء للسلطان عبد الحميد لم يكن في حقيقة أمره إلا تمسكاً بخليفة المسلمين الذي يلي أمرهم ويجمع شملهم، وأن الخروج عليه ومهاجمته لم يكن يعني في أفهام كثرة المعاصرين إلا موالاة المستعمرين أعداء الإسلام كما قلنا قبل نعم. وتتبعت ذلك في مختلف المناسبات والأحداث، مثل الحركة العربية التي كان يظن أن إنجلترا هي التي تثيرها مستعينة بها على قتل الخلافة الإسلامية التي كانت تريد أن تنقلها إلى أمير عربي تضعه تحت حمايتها. يعني لذلك يقول طبعاً في بعض الأمور مشايخنا رح أمشي بسرعة تمام عليها، هو يريد أن يقول لك ماذا؟ أنه سأثبت لك أن إسقاط الخلافة العثمانية لم يكن يعني في تلك الحقبة إلا موالاة الإنجليز من خلال تتبع الحركة العربية التي فعلياً أثارتها بريطانيا من تحت الطاولة، وكان هدفها صح الهدف المعلن نقل الإمارة إلى العرب لكن في النهاية كانت حقيقة ما تريده بريطانيا ما هو؟ إسقاط الجامعة التي تجمع المسلمين، هذا كان هدف بريطانيا الأساسي.

فتتسلط عن طريقه على الرأي العام الإسلامي، ومثل حرب اليونان قال ومثل حرب اليوناني سنة 97 و8 والدستور العثماني سنة 8 و9، وسأجيء على فكرة حرب اليونان، راح أشيل أكثر من مرة حرب كانت مستمرة بين تركيا واليونان وكان فيها قتل شديد، وكان فيها قتل شديد وكانت يعني تركيا قتلت كثير من الصليبيين واليونانيين، فكانت بريطانيا تستعمل حرب اليونان كدعاية إعلامية شوفوا وحشية الأتراك في قتلهم للمسالمين النصارى في اليونان. طبعاً هذوك عم يدسوا للدولة التركية اليونان ويحاولون كل مرة الدخول في صراع معها، فتركيا اضطرت في النهاية لأنها في النهاية لا أريد أن يكون لليوم سبحان الله الحروب بين تركيا واليونان لليوم في هناك صراع كبير بين تركيا واليونان نعم. وسقوط السلطان، طبعاً الدستور العثماني هذا رح نتكلم عنه، هذا حقلة لأنه هذا أول دستور حقيقة خليني أقول يخالف الشريعة مخالفة واضحة في مبادئ كثيرة منه، وهل عبد الحميد كان معذور في صدور هذا الدستور ولا لا؟ هذه رح نناقشها بعدين، اللي هو طبعاً هو الدستور 1876، وكيف أن عبد الحميد ألغاه ثم رجع أجبر، يعني قصة نأتي إليها في هذا، وكيف كان موقف الناس من صدور هذا الدستور العثماني، قال وسقوط السلطان عبد الحميد سنة تسعة، وحرب طرابلس سنة 11، وحرب طرابلس، طرابلس ليبيا، حرب طرابلس ليبيا لما غزت إيطاليا ليبيا وبدأت يعني أخذها من يد الدولة العثمانية نعم، وحرب البلقان وسقوط أدرنة سنة 12، وقدوم طيارين تركيين إلى مصر سنة 14، طيارين تركيين مش طيارين تغيرين تركيين إلى مصر نعم.

قال ثم بينت آخر الأمر أن المنادين بالجامعة الإسلامية لم يكونوا جميعاً من المؤيدين للنفوذ التركي في مصر، يعني هل كل شخص في مصر، هذا اللي بيرصده بدقة محمد حسين، هل كل شخص في مصر كان ينادي بضرورة البقاء مع الخليفة العثماني هل هو فعلياً كان يريد لتركيا أن يكون لها نفوذ في مصر؟ لا، يعني في ناس كانوا كما قلت حريصين أن مصر تستقل ذاتياً بقرارها لكن تبقى ضمن جسد الخلافة العثمانية، فبقول ليس كل شخص نادى بالجامعة الإسلامية يقصد بقاء الخلافة العثمانية هو فعلاً كان يريد نفوذ تركيا كبير في مصر، لا بعضهم كان يريد لمصر حكم ذاتي لكن على الأقل أنه ما نستقل عن تركيا، نبقى ضمن الجسد العام طيب، وأن كثرتهم كانت مدفوعة إلى ذلك بعاطفتها الدينية، وأن بعضهم كان يتخذ ذلك وسيلة لمناوأة الاستعمار الإنجليزي، وهو يرى بعد ذلك أن التخلص من النفوذ التركي سهل ميسور. يعني بعض الناس كان حاقد على تركيا وعلى نفوذها لأنه فعلاً كان في بعض التصرفات غير الصحيحة وغير الشرعية التي صدرت من تركيا في تلك الفترة، لكن ما هو القضية أنه بعض المصلحين والمثقفين كان يرى أن الوقوف مع تركيا وتدخلاتها في مصر يبقى أفضل من أني أقف مع الإنجليز، لأنه أنت في النهاية هي فكرة شر الشرين يا جماعة، بدنا نعتبر أن تركيا فعلاً كان لها أخطاء في مصر، بتعرف حزب الاتحاد والترقي في النهاية شنع، لكن أنت بينها الشر، يا أنك تبقى منتمي لجسد الخلافة العثمانية على ما فيها من الشرور والترهل في آخر فترة، أو الوقوف مع الإنجليز، يعني ما كان مشكلة في حل ثالث يعني الحل الثالث ما كان موجود، فأما مع إنجليز وأما أن تبقى مع تركيا، فكثير منهم اختاروا الوقوف مع تركيا على ما عندها من الأخطاء.

بقول لك أنا تركيا بتفاهم معها بعدين سهل ميسور بس الإنجليز إذا أتوا كيف بدي أخلص منهم؟ وهذا الذي وقع فعلياً أن الإنجليز هم الذين مسكوا، ورأينا كيف تغيرت أفكار المصريين، وطبعاً أعود فأقول أنا محمد يصد حتى هو سيذكر أنه كان يريد أن يكتب كتاباً لرصد حتى ما حصل في سوريا والجزيرة بشكل أوسع من مصر لكن انشغل قليلاً، فالفكرة أنه نحن ما نتكلم فيه عن مصر هو حالة عامة في العالم الإسلامي ليس فقط في مصر نعم.

وتكلمت في الفصل الثاني عن الجامعة المسيحية، إذا أول فصل سنتكلم فيه عن موضوع الجامعة الإسلامية وكيف مواقف الأدباء والمثقفين والعلماء والمصلحين في مصر في تلك الفترة، الفصل الثاني من الكتاب سيتكلم عن ايش؟ عن بدء الجامعة النصرية وبدء فكرة القومية المصرية والحث عليها وتقليل الارتباط بالأتراك نعم. فتتبعت تطور القومية المصرية التي كانت فكرة ناشئة في ذلك الحين انتقلت إلى مصر مع ما انتقل إليها من الأفكار الغربية، فكانت صدى للاتجاه العام نحو تفكير الحكوميات في القرن التاسع عشر، وقد رددت بذور هذا الاتجاه نحو الجامعة المصرية إلى الثورة العرابية، التي كانت، الآن البذور التي كانت سبب في تطور مفهوم القومية في مصر، خصوصاً الثورة العرابية، الثورة العرابية ثورة أحمد العرابي اللي عام 1878، وطبعاً ممكن نتكلم عنها لما نأتي إلى حينها، هي كانت تدعو، أحمد العرابي كان يدعو إلى احترام حقوق المصريين وإعطائهم مساحة، ويرى أن الأتراك أعطوا الشركس في مصر نفوذاً عالياً.

في الجيش والمرتبات والوزارات وما شابه ذلك على حساب حقوق المصريين. ها طبعاً سيأتي كلام محمد محمد حسين، أنه أحمد العرابي حقيقة هو لم يدعُ إلى الانفصال عن الخلافة العثمانية، لكن دعا إلى إيش؟ إلى إعطاء المصريين حقوقاً وعدم هضمهم في مقابلة الشركس. طبعاً الشركس هو امتداد للمماليك، خلف المماليك كانوا امتداد للمماليك وأحفادهم وأفراخهم، حتى بقوا إلى تلك العقبة. فكان يرى أحمد العرابي أنه في مشكلة، كان يرى أنه في مشكلة في منح الشركس امتيازات كثيرة على حساب المصريين الأصليين، فقام بثورة تطالب بإعادة الحقوق إلى أهل الأرض. هذه يرى محمد حسين أنها هي بذرة جعلت فكرة القومية المصرية إيش تكبر، تكبر في أذهان المصريين؛ قد لا يكون العرابي قصد ذلك بحد ذاته ولم يرد الانفصال عن تركيا، لكن هي أشعلت نار الوقود لهذه الفكرة التي كانت تعبيراً عن شعور المصريين بالاضطهاد إزاء عنصر غريب عنه هو العنصر الشركسي.

ورأيت أن الفكرة الوطنية في ذلك الوقت مختلفة بعد الاختلاف عما نعنيه منها اليوم، وأنها كانت مختلطة بالفكرة الإسلامية لا تدعو إلى الانفصال عن تركيا. نعم، فهي فكرة الوطنية المصرية التي ظهرت في أوائل القرن. هل نستطيع أن نقول أن فكرة القومية المصرية في تلك الفترة في آخر يعني 1890 وما بعدها إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، هل القومية المصرية التي كان ينادي بها البعض هي نفس مفهوم القومية المصرية التي يتحدث عنها ما بعد ذلك؟ لا، القومية المصرية التي كان يتحدث عنها هي قومية يقصد بها إعطاء الشعب المصري حقوقه وعدم هضمه كما قال على حساب الشركس، لكن ما كانت تدعو إلى ترك الخلافة العثمانية. يجب أن تفهم مفهوم القومية والوطنية بهذا السياق، وطبعاً يفصل فيه بعد ذلك، وإن كانت تدعو إلى مقاومة استبداد العنصر الشركسي والنفوذ الأوروبي.

وقلت إن هذه الحركة كانت تستهدف إنشاء رابطة عاطفية بين المصري ووطنه، تحفزه إلى الاهتمام بأمره والعمل على رفعته وأداء واجبه نحوه من جهة، والمطالبة بحقه فيه من جهة أخرى. ثم تطورت الفكرة القومية على أيدي أصحاب الثقافات الأوروبية، مين اللي طوروا فكرة القومية المصرية؟ أصبحت تتطور شوي شوي على يد اللي رجعوا من أوروبا، أصحاب الثقافات؛ طه حسين وكل اللي طرقوا، رفاعة الطهطاوي وغيرهم، اللي رجعوا من أوروبا بالعقلية الأوروبية هم الذين دعموا الفكرة القومية وطوروها لما هي عليه اليوم. نعم قال: وبدأت تهاجم الرابطة الدينية وتعتبرها مصدر شر وتفرقة بين أبناء الجنس الواحد. آه، هذول اللي رجعوا من أوروبا صاروا يحكوا: لا، نحن بدنا قومية مصرية بعيدة عن تركيا، والذين يريدون بقاء الارتباط بتركيا خانوا الشعب المصري ولا يريدون الرفاه؛ يعني بتعرف هي الخطابات التي تُقرأ.

نعم قال: فدعا هذا الفهم الجديد للوطنية إلى أن يهاجمها المتمسكون بالرابطة الدينية، كانوا متمسكين بالرابطة الدينية والبقاء مع، لا، قالوا هذه مش الوطنية اللي بدنا إياها. نحن صحيح بدنا وطنية لمصر لكن مع بقائها ضمن جسد الأمة. نعم قال: ويعتبروها خطراً يهدد وحدة الأقطار الإسلامية وضعف تكتلها أمام الدول الأوروبية الطامعة في استعمارها. ثم خفت صوت القومية وركدت الدعوة إليها زمناً بعد فشل الثورة العرابية، حتى انبعثت من جديد في مختتم القرن التاسع عشر متأثرة بفكرة القوميات الأوروبية، واتخذت شكلين متباينين. أحدها يتحدث عن الوطنية حديثاً عاطفياً، ويتغنى بها كما يتغنى العاشق بمعشوقه، محاولاً أن يغزو قلوب المصريين بهذا الحب الجديد. والآخر يتحدث عن الوطن حديث العقل والمصلحة، ولا يستهدف إثارة الناس، ولكنه يحاول إقناعهم؛ لا يتغنى بالوطن المحبوب، ولكنه يتحدث عن النفع المادي والمصلحة المشتركة التي تجمع بين ساكنيه.

طيب، إذاً التيارات القومية وفكرة الوطنية التي في آخر القرن، من 1890 وما بعدها، طبعاً واضح أنها أولاً متأثرة بفكرة القوميات الأوروبية. هذه بقول لك منزع، بدك تنتبه أنه هي من أين بدأت تنشأ فكرة القومية المصرية، متأثرة بالنزعات الأوروبية التي كانت سائدة في تلك الفترة. طيب كيف اتخذت أشكالاً؟ بقول لك اتخذت شكلين، هذا رصد محمد حسين: الدعوة إلى القومية المصرية اتخذت شكلين. الشكل الأول: شكل التغني العاشق بمعشوقه، الذي بيعطيك القصائد وأغاني الوطنية وكذا، ويتغنى بمصر وعروبتها ومصر الأهرام ومصر الفراعنة ومصر واللي بدك إياه، ويحاول أن يشعر الناس أنه مصر لها حالة خاصة وأنها لا يجب أن تبقى مع تركيا وما شابه ذلك، هذا تيار فقط بقول لك كان يتغنى ويتغزل تغزل العاشق بمعشوقه.

التيار الآخر من القوميين المصريين قال: هم الذين لا كانوا يتكلمون عن الوطن المصري حديث العقل والمصلحة، ولا يستهدف إثارة الناس ضد أحد. نحن مش في، لكننا نريد تحقيق المصلحة المشتركة للمصريين داخل مصر بغض النظر، بقيت مع الخلافة العثمانية، خرجت عن الخلافة العثمانية، موضوع آخر، لكن يتكلم بالعقل والمصلحة التي تهم المصريين أنفسهم. نعم، وكان الفريق الأول ممثلاً في مصطفى كامل، وهو يدعو إلى جامعة مصرية إسلامية، ولا يذكر الرابطة العثمانية ولكنه يتخذها وسيلة لمناوأة. مصطفى كامل، شوف مصطفى كامل، هذا رجل يعني فيما أعرف من حاله كان رجلاً جيداً شريفاً، كان نعم يدعو إلى حقوق المصريين ويهتم بها، لكنه بقي يدعو إلى بقاء الخلافة الإسلامية وبقاء ارتباط مصر بالدولة العثمانية. ولذلك الذي أعرف أنه كأنه استشهد وقتل في معركة أو شيء، واغتيال، أنا ناسي موضوعه، لكن مصطفى كامل عمل حزباً وطنياً في مصر وكان أحد قادته، وكان كلامه وقلمه -وسيأتي كثير من النصوص كلامه بعد قليل إن شاء الله في الفصول القادمة- رجل حقيقة أنا أعتقد أنه من الناس العقلاء لأنه كان عنده، يعني يحب بلده ويريد لها الخير، لكنه في نفس الوقت يريد مصلحة المسلمين عموماً، وكان يعرف أن إسقاط الخلافة العثمانية والانفصال عنها داء، وأن هذا هو بوابة الاستعمار. فلذلك مصطفى كامل كان رجلاً عاقلاً، رجلاً فاهماً، منتمياً لبلده لكن منتمياً لدينه، وكان يحذر من مؤامرات الإنجليز وأنهم يتلاعبون سواء في الجزيرة العربية وفي غيرها، وأنهم يريدون أن يفصلونا عن جسد الجامعة الإسلامية، فلذلك هذا رجل عاقل.

لذلك قال: هو يمثل الحالة الأولى. نعم، وكان الفريق الثاني ممثلاً في لطفي السيد كاتب حزب الأمة الأول، وهو يدعو إلى جامعة مصرية خالصة ولا يعترف بالرابطة العثمانية لأنها، طيب، لطفي السيد كان هو مسؤول في أي حزب؟ قال: حزب الأمة. بتعرفوا مصر، رح نيجي كثير على أسماء أحزاب مصر في تلك الحقبة، كل 20، 30 واحد بيعملوا حزب وبيطلعوا بفكره جريدة وكذا وبيصير لهم قناة، وتعرف الصالونات الفكرية والثقافية التي انتشرت، قضية الأحزاب انتشرت في مصر، وكل حزب كان يمثل فعلياً فكرة معينة واتجاه معين في التعامل مع الواقع. فمثلاً مصطفى كامل كان مسؤولاً في حزب، لكن كان فكر حزبه يقوم على أنه يجب أن نبقى مرتبطين بالخلافة العثمانية. لطفي السيد أحد مسؤولي حزب الأمة، لا، كانت فكرته أنه يجب أن نستغني عن الخلافة العثمانية وأن نكون نحن المصريين بالمفهوم القومي الأقرب إلى الواقع المعاصر، نستغني عن الخلافة العثمانية ونكون وحدنا، مصر مستقلين عن أي ارتباط بأي دولة أخرى. وهذه مشكلة، هذه الفكرة التي كانت تسبب إشكالاً وأدت إلى ما آلت إليه من تمسك الاستعمار الفرنسي والبريطاني بعد ذلك بمصر.

نعم، كما أنه لا يعترف بالجامعة الإسلامية لأنها وهم لا سبيل إلى تحقيقه من الناحية العملية. وبينت أن الدعوة الأولى كانت أقرب إلى القلوب وأن كثرة الناس قد آزرتها والتفت حولها. نعم، دعوة مصطفى كامل وغيرهم من الأحرار اللي محبين لمصر، لكن بدهم يظلوا مع الخلافة العثمانية في تلك الحقبة، كانت أكثر قبولاً. الشعب المصري كان ميالاً لها، وكلام لطفي السيد في الانفصال عن الخلافة العثمانية ما كان له رواج في تلك الفترة في نهاية القرن التاسع عشر. نعم، قال: وإن انصراف الناس عن الدعوة الثانية كان يرجع إلى أن دعاتها كانوا من كبار الملاك الذين لا يعنون إلا مصالحهم الخاصة. هذا الواقع، لطفي السيد وغيره شو كانوا؟ ملاك في مصر، أصحاب عقارات، يهتموا بمصالحهم الخاصة، يعني لا ينظرون إلى مصلحة الأمة الإسلامية وابتعاد مصر عن الاستعمار، كانوا فقط مهتمين بأن تتوسع ثرواتهم وأملاكهم. نعم، لا يعنون إلا مصالحهم الخاصة حين يتحدثون عن النفع المادي والمصالح المشتركة، وإلى أنهم قد انصرفوا إلى الكلام عن الإصلاح ولم يهاجموا الاستعمار الذي كانوا يوادونه حرصاً على مصالحهم. يعني هذول لطفي السيد وغيره شو كانوا يعملوا؟ دائماً يتكلموا عن الإصلاح في مصر ويجب أن تكون مصر حرة أبية، بسمعك الخطاب الرنان، طيب ليش ما سمعنا كلام لطفي السيد عن الإنجليز وسعي الإنجليز لاحتلال مصر؟ يعني هيك بيقول له محمد حسين: لماذا ما كنا نسمع انتقاداً يعني زي ما سمعنا انتقادك لتركيا ومحاولتك المستمرة للانفصال عنها ودعوتك إلى قومية مصرية خالصة؟ لماذا ما كنت تنتقد الإنجليز الذين واضح أنك منتفع منهم؟ شوف هذا اللي بدك تفهمه، أنه بعض الناس ينقد فكرة ويكون منتفعاً من فكرة أخرى؛ يعني ماشي، بده تركيا كان عندها أخطاء، ماشي كان عندها أخطاء وكنت تنادي أنت بالانفصال عنها، طيب فهمت، طيب بريطانيا ما عندها أخطاء؟ بريطانيا التي تريد أن تأخذ مصر وتحتلها وتنهب، أنت مش شايف أنه هي أكثر إجراماً من تركيا في حقكم؟ ولا أنت كنت منتفع؟ فلذلك، من بريطانيا.

لذلك ماذا قال؟ ولم يهاجموا الاستعمار الذي كانوا يوادونه حرصاً على مصالحهم. إذاً واضح أن هؤلاء كانوا منتفعين من الإنجليز، لذلك لا تستبعد، أنا أقول لا تستبعد، أن كثيراً من هذه الأحزاب وأشخاصها العرابيين كانوا مأمورين من المخابرات البريطانية، أحزاب أسستها بريطانيا بأشكال عربية وألسنة عربية، يتم دفع أموال لهم ليتكلموا عن القومية المصرية، ولا بد وأن تسمع خطاباً رناناً وكلاماً، ويعطيك كذا، لكنه في النهاية مأجور كما بيقول لك محمد حسين، ونحن نعلم أن لك مصالح مشتركة مع بريطانيا. نعم، وختمت هذا الفصل بالإشارة إلى ما صاحب هذه الحركة المصرية من اتجاه تاريخي في الشعر نحو إحياء المجد الفرعوني والمجد العربي. لا، لذلك اليوم للأسف تجد بقول لك: الفراعنة، دائماً حتى لما يتكلموا عن المنتخب المصري شو بيتكلموا؟ فريق الفراعنة. ترى هذه من آثار القومية المصرية السيئة. تمام، تذكير أنكم فراعنة بأنكم، طيب وين الإسلام؟ أين مصر عمرو بن العاص؟ مصر الشهداء والصحابة ومصر الزعماء والقادة والعلماء، صارت مصر تتنادى بالفراعنة والفرعون والعياذ بالله. نعم، الذين يمثلان نزعتين سابقتين، القومية المصرية والقومية الإسلامية، قال: واتخاذ ذلك وسيلة إلى استنهاض الهمم وبعث الأمل ومحاربة اليأس ورد الثقة إلى الناس الذين تمكن منهم سوء الظن بأنفسهم حتى قتل فيهم روح الأمل والطموح.

وتكلمت في الفصل الثالث عن محنة الجامعة المصرية التي بدأت في المؤتمر القبطي سنة 1911 والمؤتمر المصري سنة 1911، وبينت أن الأزمة ترجع في جوهرها إلى سوء ظن كل من، نعم، بدأ في الفصل الثالث سيتكلم عن محنة الجامعة المصرية، الجامعة الرابطة يعني، الرابطة المصرية، صار هناك فتنة بين النصارى الأقباط في مصر وبين المسلمين في مصر، نشأت فتنة بينهم كبيرة، وحصل اغتيال لبطرس غالي فيما أذكر، وولعت بين الأقباط وكذا، وأصبح الأقباط بتعرف قضية الأقليات، وأنه دائماً حتى في سوريا قضية الأقليات، وأن هؤلاء المسلمين يريدون أن يقلبوها مناطق إسلامية، ونحن الأقباط وين حقنا؟ وين في الرئاسة والوصول إلى أنصبة الدولة؟ نشأت فتنة كبيرة بين الأقباط والمسلمين في مصر في تلك المرحلة. نعم، وبينت أن الأزمة ترجع في جوهرها، طبعاً هي الفتنة أثرت على الرابطة القومية، أنه صار رجع الموضوع ديني مسيحي مسلم، القوميون ما بدهم هذه الرابطة، بدهم خلاص كلكم لادف، تمام أنه مسيحي مسلم يهودي المهم أنك مصري، بدهم كلمة مصري تكون أعلى من كلمة مسلم، فلما صارت الفتنة بين الأقباط والمسلمين في مصر، رجعت شوية قضية، محنة، قال: محنة الرابطة المصرية، صار في إشكال في المحافظة على مفهوم القومية في تلك الفترة.

نعم، وبينت أن الأزمة ترجع في جوهرها إلى سوء ظن كل من الفريقين بصاحبه، وإلى عدم توافر الثقة بين العنصرين الذين يكونان الجامعة المصرية، وإلى الجهل الذي يقود إلى عصبية عمياء لا تقوم على أساس من منطق أو دين، وإلى التقاليد الفاسدة التي دعت الأقباط إلى أن ينطووا على أنفسهم ويقصروا اهتمامهم على مشاكلهم، حتى انتهى بهم الأمر إلى أن تتحدث صحفهم عنهم وكأنهم أمة مستقلة لها كيان منفصل عن مصر. يعني وصلت القضية أن الصحف المصرية القبطية أصبحت تتكلم عن الأقباط كأنهم دولة في داخل دولة، وهذا مش صحيح يعني محمد حسين يقول: أنا بينت أنه الأصل في الأقباط أنهم تعاملوا كمصريين وليس باعتبار الديانة، لأنه أنت في النهاية جسد داخل هذه الدولة، هيك بده يقول، طبعاً نحن في النهاية لما نأتي كلام محمد حسين في إشارة سنناقشها فيها نفسه الأستاذ محمد محمد حسين، وفي النهاية برضه مفكر، قد نخالف معه في بعض النقاط، بس عموماً هو يقول إن الأقباط.

تصرفوا في هذه الفترة كأنهم دولة داخل دولة، وهذا أثار الحساسية بين المسلمين والنصارى في مصر في تلك الفترة. نعم، قال وهاجت الفتنة فبرزت عارية بعد قتل بطرس غالي رئيس الوزراء القبطي سنة 1910. نعم، 1910 قتل بطرس غالي وهو رئيس الوزراء المصري وكان قبطياً، تم اغتياله نعم. واعتبر القبط أن عنصرهم هو المقصود بالاعتداء، واعتبروا أنه هذا استهداف للأقباط مش لبطرس غالي باعتبار شخصه أو فساده، لا أن الهدف هم الأقباط كدين. نعم، ودافع الفريق الآخر عن نفسه بأن الرجل لم يستحق القتل إلا بوصفه مصرياً خان وطنه وأعان عليه المستعمرين؛ لأنه بطرس غالي تم اغتياله لأنه يا خائن طلع للدولة متعامل مع الاستعمار الإنجليزي، مش تم قتله لأنه نصراني.

شوف أحياناً كيف هذا كنت بدك تفهمه وتقرأه في واقعك حتى الآن، يعني كيف يتم استهداف الشخص، آه تم استهدافه لأنه من الطائفة الفلانية، لا هو ما تم استهدافك لأنك من الطائفة الفلانية، تم استهدافك لأنك خنت وطنك خنت بلدك، هذا الذي تم استهدافك من أجله، حتى يصنع إعلام وبروباغندا معينة بيتم تحويد الموضوع وتلفه بطريقة أخرى، وهذا مخيف.

نعم، وبلغت الخصومة قمتها حين تم انعقاد المؤتمر القبطي في أسيوط في الخامس من مارس سنة عشر، مطالباً ببعض المطالب التي كانت موضوع نقاش عنيف حاد في الصحف. دعا إلى عقد مؤتمر مصري تم انعقاده في التاسع من أبريل سنة 11، رد على مطالب المؤتمر القبطي التي لا تقوم على أساس من 1911 عقد مؤتمر مصري، هذول عقدوا المسلمين، رد على المؤتمر القبطي اللي انعقد 1910، مش أقول لك صار في مؤتمر قبطي في 1910 طالبوا بمطالب، في 1911 دعي إلى عقد مؤتمر مصري عقد في 29. هذا المؤتمر المصري اللي هو مؤتمر المسلمين رد على مطالب المؤتمر القبطي التي لا تقوم على أساس من المواطنة المصرية، ولكنها تقوم على أساس الدين وحده. نعم، بدهم خصوصية كانوا الأقباط في ممارسة حياتهم وإعطائهم قسم تعرف من الدولة وقسم من الوزارة، يعني كالعادة كما في كل دولة وفي كل نظام.

نعم، ثم تكلمت عن ما استتبعته هذه الخصومة العنيفة من محاولات صادقة للتوفيق بين عنصري الأمة وتصفية ما بين جيران الوطن من سوء الظن، وانتهيت إلى أنه حاول بعض الناس أن يصلحوا بين الأقباط والمسلمين باعتبارهم جيراناً في وطن واحد. نعم، وانتهيت إلى أن هذا الشقاق كان محنة امتحنت بها الدعوة الناشئة إلى الجامعة المصرية، وأنه إن كان قمة الخلاف بين عنصري الأمة فقد مهد في الوقت نفسه للأمة المصرية وعنصريها -يقصد الأقباط والمسلمين حتى تفهم بس هو ماذا يقصد- نعم، وأنه إن كان قمة الخلاف بين عنصري الأمة فقد مهد في الوقت نفسه للوحدة القومية المصرية التي بدأت في أقوى مظاهرها في ثورة سنة 19. يعني بده يقول لك صح هي الخلاف بين الأقباط والمسلمين في مصر كان يهدد القومية المصرية والرابطة المصرية، لكنها في النهاية يعني كان يعني ربما مضرة انجلبت خيراً، هيك بده يقول لك إنه بعدين هي مهدت في نفس الوقت لتحصيل وحدة قومية مصرية كانت في أقوى مظاهرها في ثورة 1919.

طيب، وتكلمت في الفصل الرابع عن تيارات سياسية كانت تتنازع الناس في هذا العصر، وجعلت الثورة العرابية هي نقطة البداية في اهتمام الناس بالمسائل السياسية، فقد كثر فيها حديثهم عن الظلم والظالمين وعن حقهم في محاسبة السلطان وعن الدعوة إلى النظام النيابي وإلى العدالة الاجتماعية وإلى الحد من تغلغل النفوذ الأجنبي. وظهرت فيها آراء جريئة تدعو إلى التخلص من النظام الملكي مفضلة عليه النظام الجمهوري. ثم تكلمت عن نشأة الصحافة الوطنية بعدما كان من ركود الحركة حيناً واستكانة الناس للهزيمة، فظهرت صحيفة المؤيد سنة، ثم صحيفة الأستاذ سنة 92، وبينت أن ظهور الحركة الوطنية الحديثة بعد الاستعمار الإنجليزي قد اقترن بحكم عباس حلمي.

نعم، فتكلمت عن وطنيته في أول حكمه مما جمع قلوب المصريين حوله، وما كان من تأييده لقادة الحركة الوطنية وعدائه للإنجليز مما أدى إلى صدامه بكرومر. ثم تكلمت عن كرومر المبعوث السامي الذي كان أولاً هو السكرتير في الدولة العثمانية لبريطانيا ثم أصبح المسؤول عن ملف مصر، تمام يعني المسؤول عن رصد الحالة المصرية وتبليغ الاستخبارات الإنجليزية عن الحالة المصرية وكيفية التعامل مع هذا، رح يجمعنا كثير كرومر، هذا قصته قصة هذا تمام حفلته كبيرة. نعم، ثم تكلمت عن ما كان من تراجعه أمام الإنجليز وعدم صبره للكفاح وانصرافه إلى تنمية ثروته من كل طريق، هذا عباس حلمي مش قلت لك، فلمهم آخر شيء كان أول شيء مكافح بده يحافظ على الخلافة العثمانية ثم بعد ذلك انقلب وعاش دنياه.

نعم، واستعرضت سياسته المضطربة المتقلبة التي أدت إلى انصراف الشعب عنه بعد أن ساد الوفاق بينه وبين الإنجليز، راح اتفق مع الإنجليز آخر شيء عباس حلمي بعد ما كان يدعو إلى الخلافة العثمانية، انصرف ووافق أو عمل معاهدات مع الإنجليز. نعم، حين أرضى جورست خليفة كرومر جوعه إلى السلطة وإلى المال، يعني بعد كرومر جابه شخص ثاني البريطاني اسمه جورست يعني بجوز هيك تلفظ، المهم هذا استطاع أن يشبع عباس حلمي بالمال باختصار، اشترى ذمة عباس حلمي بالمال والمناصب. نعم، وبذلك استنفذت الحركة الوطنية جهدها في مهاجمة عباس واستراح الإنجليز من اجتماع الشعب والخديوي على حربهم، يعني الإنجليز شو كانت مشكلتهم؟ أن الخديوي عباس حلمي والشعب الاثنين عليهم، اشتروا ذمة الخديوي عباس فصارت معركة بريطانيا مع مين؟ مع الشعب وحده، قلنا خلصنا من الخديوي صار الخديوي معنا.

نعم، وقدمت صوراً من شعر الشعراء الذين كانوا يمدحون عباس في أول حكمه زي أحمد شوقي زي ما حكينا قبل شوي، فانصرفوا عن ذلك إلى نقد سياسته، منهم من يعنف في ذلك حتى يبلغ حد الهجاء الذي يعرضه للسجن، يعني عباس حلمي سجن بعض الشعراء الذين هجوه. نعم، ومنهم من يرفق في ذلك فلا يتجاوز العتاب الهين الرأي، يعني بعض الشعراء كان ينتقد حلمي من تحت لتحت يعني ما يصرح في نقده. نعم، ثم تكلمت عن السلطتين اللتين كانتا تتنازعان تصريف الشؤون في ذلك الوقت، سلطة الاستعمار وسلطة الخديوي أو السلطة الفعلية والسلطة الشرعية كما، نعم السلطة الفعلية كانت للبريطانيين والسلطة الشكلية كانت للخديوي، ولا خديوي مصر عباس كان هو فقط صورة والبريطانيون هم الحاكمون الأصليون كما كانت تسميها صحف ذلك الحين، وعن انقسام الصحف بين مؤيد لعباس ومؤيد لكرومر.

وتكلمت عن سعي الاستعمار لخلق بطانة له من المصريين تحقيقاً لسياسته التي رسمها لنفسه منذ الاحتلال، وهي أن لا يحكم بطريق مباشر وأن ينفذ إرادته بأيدٍ مصرية يقع عليها وزر أعمالها أمام الرأي العام، هذه سياسة كل متفق عليها، أن ذكاء الحركة الصهيونية العالمية والبريطانيين أنهم وصلوا إلى قناعة أنه نحن ما بصير نحكم بأنفسنا هذه الدول، بل نضع وكلاء يحكمون بأنفسهم بس برؤيتنا وسياستنا، هذه هي الفكرة التي يتكلم عنها محمد حسين. نعم، يمكن قصده إقامة له يعني الاستعمار نفسه؛ لأنه لسه يتكلم عن فترة ممكن كلامك أنه مش لعباس حلمي قصدك، لسه يتكلم عن فترة قبل عباس حلمي، الاستعمار حتى وتكلمت عن سعي الاستعمار لخلق بطانة له، لا بس هو حتى هو سلطة الخديوي اللي هي سلطة شرعية بس هي مش سلطة فعلية، بس كلامك صحيح ممكن يكون الضمير له يعود للبريطانيين. وتكلمت عن سعي الاستعمار، كلامك صح، عن سعي الاستعمار لخلق بطانة له يعني أعوان له من المصريين تحقيقاً لسياسته التي رسمها لنفسه منذ الاحتلال أن لا يحكم بطريق مباشر، وإنما يحكم بأيدٍ مصرية يقع عليها وزر أعمالها، فالضمير يعود على البريطانيين.

طيب قال فتواجه ثورته وبذلك يقع بأس المصريين بينهم ويستنفذون جهدهم في هذه الخصومة، ثم بينت أن المصريين كانوا موزعين بين النفوذ التركية والنفوذ الفرنسية والنفوذ الإنجليزية والقصر، منهم من يلتمس الخديوي يعني، المصريون كانوا مختلفين؛ ناس قلبها مع الخلافة العثمانية، ناس قلبها مع الفرنسيين، ناس قلبها مع البريطانيين وناس قلبها مع الخديوي، يعني اختلفت الرؤوس والجماعات والطوائف. طيب منهم من يلتمس العون على الاستعمار عند الخليفة التركي حامي المسلمين، ومنهم من يلتمسه عند الفرنسيين المنافسين للاستعمار الإنجليزي، ومنهم من يحرص على وحدة الصفوف ويشفق من شقاق المصريين فهو يدعو إلى الالتفاف حول القصر الملكي. نعم، ومنهم من يؤثر العاجلة ويعيش في حضرة ولا يطمح إلى خير منه فهو يهادن الإنجليز، فهذا اللي علاقته مع الإنجليز اللي بده شاف الإنجليز مفروضين عليه فتآمر معهم وتعاون معه ولا يطمع في أكثر من دعوتهم إلى الإصلاح. نعم، ومنهم ما يتعلق بسيد من هؤلاء ساداته لأنه باع نفسه له فهو يؤيده بالحق والباطل، في بعض الناس الأمة اللي هو بايع أصلاً نفسه يعني حتى مش عارف شو هويته وباع نفسه لسيده.

ثم تكلمت عن تأسيس الأحزاب السياسية في سنة 7 و900، قال الحزب الوطني ومن ورائه الكثرة المثقفة من الشباب وهو عنيف في خصومته للاستعمار، بدأ عهده مؤيداً لعباس وانتهى إلى مخاصمته، ولكنه لم يهاجم الخلافة العثمانية، الحزب الوطني هو أحد أهم الأحزاب السياسية التي أنشئت في تلك الفترة، وأعتقد أن مصطفى كامل هو أحد أبرز وجوه الحزب الوطني، حكينا عنه قبل شوي، والحزب الوطني مصطفى كامل وغيره حتى محمد عبده كان محمد عبده أيضاً موجود فيه وكان كتب النظام الداخلي له، هؤلاء كانوا أولاً مع مصر ويدعون للخلافة العثمانية وبقائها حزب الوطن. طيب، وحزب الأمة ومن ورائه أعيان مصر وكبار الملاك فيها وهو يهادن الإنجليز، ولكن، حزب الوطني لطفي السيد زي ما حكينا لحزب الأمة عفواً لطفي السيد وغيره ممن يهادن الإنجليز وينتفع منهم. نعم ولا يتجاوز جهده الدعوة إلى الإصلاح وهو يرى أن ذلك هو الطريق الطبيعي للاستقلال، وحزب الإصلاح وهو حزب قليل الأنصار يدعو إلى عباس حلمي، الحزب الثالث هذا حزب شكله عامله عباس حلمي يدعو إلى الوقوف مع القصر الملكي.

طيب قال فهو لسانه المعبر عن ميوله واتجاهاته، وحزب كان يسمي نفسه بالحزب الوطني الحر وما هو بمواطني وما هو بحر، فهو دخل باع نفسه للمحتلين ويتمثل في صحيفة المقطم، وعرضت لما آل إليه أمر هذه الأحزاب من تطرف في الخصومة وإسراف في الاتهام ضاق به المصلحون فارتفعت صيحاتهم منكرة هذه المهاترات، يعني كثرة الأحزاب والمجلات والقيل والقال وأتعبت الحالة المصرية يعني قالوا بعدين يعني إحنا اختلفنا وانشققت واختلف الناس، كثرة الأحزاب والمجلات فعلاً كانت مرهقة ولم تؤدِّ إلى شيء نافع حقيقي في نهاية المطاف. نعم، فارتفعت الصيحات منكرة هذه المهاترات داعية إلى الاتحاد وجمع الصفوف، وتكلمت في الفصل الأخير عن نزعات إصلاحية لازمت هذا التطور الفكري والسياسي، وكان دعاتها خليطاً من المشتغلين بالسياسة وممن كرهوا أن يزجوا بأنفسهم في هذا المعترك العنيف وآثروا أن يسلكوا طريقاً لا يعرضهم لغضب السلطان، وكان بعض هؤلاء ينظر إلى علل المصريين الخلقية والاجتماعية يحاول أن ينبه إليها ويرسم الطريق إلى معالجته، اللي هم بسميهم نحن اليوم، نتكلم في الفصل الخامس عن المصلحين الإصلاحيين الذين لا ينتمون لا لجماعة ولا لحزب ولا لطائفة، عارفين حجمهم الطبيعي فبالتالي يسعون لتحقيق إصلاح خلقي اجتماعي داخل البيئة المصرية إلى أن يكتب الله عز وجل الخير لهذه البلاد.

نعم، قال مستوحياً في ذلك الحضارة الغربية وأساليبها ونظمها، وكان فريق آخر ينبه إلى عيوب الأمم الإسلامية وسوء فهمهم للإسلام محاولاً أن يقيم الإصلاح على أساس ديني، ثم بينت أن التفكير الأوروبي قد تجلى في دعوات كثيرة برزت من بينها ثلاث دعوات كبيرة شغلت آراءهم، يعني إذاً الذين اشتغلوا بالإصلاح اللي بيتكلم عنهم في الفصل الأخير أصحاب النزعات الإصلاحية، منهم من كان يأخذ نزاعاته الإصلاحية من الغرب وطريقة الغرب في التفكير، منهم لا منهم من كان يأخذ طريقه في الإصلاح من الدين زي ما حكينا، وينقد الأمم الإسلامية في تلك الفترة ويقول أنتم مش فاهمين الدين وإلا الدين يسبب لكم الخير والنجاح والفلاح، فيحاول أن يكون نقده على أساس ديني مش على أساس غربي. نعم، ثم بينت أن التفكير الأوروبي قد تجلى في دعوات كثيرة برزت من بينها ثلاث دعوات كبيرة شغلت الرأي العام في مستهل القرن العشرين وهي الدعوة إلى الحرية الشخصية وإلى الحياة النيابية، هذه الثلاث دعوات هي أساس الدمار لواقعنا المعاصر إلى اللحظة التي نحن فيها، قال ثلاث دعوات كبيرة شغلت الرأي العام في مستهل القرن العشرين، استطاع الاستعمار أن يقذفها في قلوب مصر وطبعاً ومن مصر انطلقت إلى العالم الإسلامي بأكمله، ما هي هذه الدعوات الثلاث؟

أولا الدعوة إلى الحرية؛ مبدأ الحرية الشخصية وأن الكل له الأحقية في أن يتكلم. وثانيا الدعوة إلى فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية اللي هي إيش؟ العلمانية. الدعوة الثانية التي انتشرت في مصر العلمانية: فصل السلطة الدينية عن السلطة الإدارية المدنية وتحرير المفكرين من سلطة رجال الدين، إنه هذول السياسة شيء ورجال الدين شيء آخر. طيب ثالثا وهي من أخطرها: الدعوة إلى تحرير المرأة من الجهل، بسموه طبعا أقصد من الدين ومن الحجاب. هي الثلاث أفكار هي التي دمرت مصر وانتقلت بعد ذلك إلى ما بعدها: الحرية الشخصية بالمعنى الليبرالي، ثاني العلمانية: فصل الدين عن الدولة، ثالثا حرية المرأة ونزل؛ لأنه إذا أفسدت المرأة أفسد المجتمع.

نعم قال: وتمكينها من المشاركة في الحياة، وبينت أن الدعوتين الأوليين كانتا متأثرتين إلى حد بعيد بما شاع في الحكم العثماني الفاسد من ظلم ومن استغلال لنفوذ رجال الدين. نعم يعني ربما الدعوة إلى الحرية الشخصية وإلى فصل الدين عن الدولة ربما كان حالهم ردة فعل على الأخطاء التي مورسِت في نهاية الدولة العثمانية، ممكن يكون ذلك لكن هذا مش مبرر. يعني إذا العثمانيون أخطأوا في ممارسة سلطاتهم الدينية وكان في نوع من التجبر والتسلط، هذا مش معناته أنه ندعو للعلمانية، بس هو محمد محمد حسين رصد أن الدعوة للحرية الشخصية والدعوة إلى العلمانية ربما نقول ساهمت تركيا في صناعة هذا الاتجاه بسبب الاستبداد والأخطاء التي كانت في الحقبة الأخيرة من عمر هذه الخلافة.

نعم قال: ثم تكلمت عن حركة الإصلاح الإسلامي التي تزعمها محمد عبده وتابعه فيها بعض تلاميذه ومعاصريه، وقسمت جهوده فيها إلى قسمين؛ اتجه في أوليهما أيام اتصاله بالأفغاني إلى محاربة ما استولى على المسلمين من ضعف الهمم وفتور العزائم والانصراف عن جهاد الاحتلال. لكن اتصال محمد عبده بالأفغاني كان اتصال مريب حقيقة، اتصال مريب وغير مريح، وسنقول كان عليه علامات استفهام كبيرة، اتصال محمد عبده بجمال الدين الأفغاني؛ حتى لو تقرأ بعض الرسائل التي كان يكتبها محمد عبده للأفغاني يعني تشعر أنه يؤلهه، يعني كلام غريب عجيب تستغرب أن يصدر من رجل يصور على أنه مجدد أو أنه شيء. لا، محمد عبده أعتقد أنه من الشخصيات الغريبة التي أحيانا بتقدر تحس حالك مش قادر تفهم شو هو؛ هو عميل؟ هو معنا؟ هو ضدنا؟ هو منيح ومش منيح؟ مواقفه غريبة، أحيانا يدعو ضد الاحتلال وأحيانا يجتمع مع المخابرات البريطانية، مش اجتماع طبعا نبيِل، لا يعني اجتماع على استفهام.

أحيانا مش عارف، كنت أقرأ هذيك مرة كان يرصد في محافل في فرنسا وبريطانيا وكان يجلس مع "جبه" ونساء متبرجات وعاريات ويتكلم يعني فيها محافل عامة ويكون يعني يتحدث معهن وكأنه ما في شيء، يعني عادي كلام الأخ مع أخيه، وأحيانا يرصد في مواقف وطنية شريفة، فأقول محمد عبده من الشخصيات أقول الغريبة التي ستسمع من يمدحه ويرفعه لك فوق الريح، وستسمع من يخونه ويعتبره في قمة العمالة والخيانة، حتى ينقل عنه أقوال غريبة، يقول أنه ينتمي إلى الحركة الماسونية، تخيل أنه ينقل عنه يقول هكذا! فلذلك أنا مش في صدد الحكم الدقيق تمام، يعني لا أملك حكما دقيقا شخصيا يعني حتى أقول مئة في المئة أن محمد عبده هكذا، لكن أقول أن الرجل فعل الكثير من الأخطاء في حياته كما قلنا قبل شوي في أدبياته والدنيا وضع نفسه في موقف الريبة والتهم وعلاقاته المشبوهة وتصرفاته غير المفهومة، وكلامه مع جمال الدين الأفغاني ورسائله التي هي منشورة الآن حقيقة تظهر فيه خلل كبير في العقيدة والفكر. تمام، لكن هل هذا يعني أنه كان حقيقة مثلا ماسوني فعلا مزروع في مصر؟ أنا لا أستطيع أن أقول ذلك، أنا لا أستطيع أن أقول ذلك.

نعم قال: واتجه في الشطر الثاني إلى التوفيق بين الدين وبين المدنية الحديثة. نعم، إذا محمد عبده مر بطورين؛ طور حياته مع الأفغاني لما كان تابع معه ويتواصل معه، وتعرفوا الأفغاني كان في آخر شيء بريطاني ويتعامل مع الإنجليز، وفي الطور اللي حاول فيه محمد عبده يستقر صار يسمى الإمام، صار محمد عبده لقبه في كثير من الكتب الإمام الإمام الإمام، خاصة عند القوميين المصريين بعد ذلك يعني يفخرون به على أنه الإمام، لكن أنا بقول لك لا، هو ليس إماما، هو عنده حركات واجتهادات، عنده بعض الكلام في رجل يعني عالم دين يعتبر وقاضي أحد المناطق في مصر، كان له أفكار وكان له توجهاته. قال: وسعى إلى الربط بين الدين وبين المدنية الحديثة وحاول يطرا بأفكار، شان هيك يعتبر مفكر كبير في مصر وله طبعا حقيقة ثقله وميزانه الذي لا يمكن أن يلغى، لكن أعود فأقول: له تصرفات مشبوهة التي تجعل الرجل محل الدراسة.

نعم، وإلى رد على ما كان يوجه إلى الإسلام من شبهات، وإلى وهذا شيء يشكر عليه، حتى أنصفه وأنا أحب دائما الإنصاف، حتى في تعامله كان يرد على بعض الشبهات التي تطرأ على الإسلام، مش أقول لك أنه في غرابة أنه لا دافع، يعني دافع عن شبهات العلمانيين والكفار والنصارى ضد الإسلام وله رسائل في ذلك. نعم، وإلى تقريبه من نفوس الشباب الذين نفروا منه، يعني كان سبب يقول لك في تثبيت بعض الشباب المصريين اللي صاروا يتجهوا نحو الإلحاد، كان له محمد عبده أيادي بيضاء في أنه يحاول تثبيت الإسلام في نفوسهم، نعم، متوهمين أن الجمع بينه وبين المدنية والعلم غير مستطاع، لأنه بتعرف أستاذ هي الفكرة التي كانت سائدة في فرنسا وبريطانيا بعد الثورة الفرنسية أن العلم والدين لا يجتمعان، انتقلت لمصر وصار بعض المصريين يفكر فيها أنه نحن مصر لازم نكون زي أوروبا نفصل الدين عن العلم، فمحمد عبده حاول أن يبين أن الدين والعلم لا ينفصلان، لذلك أقول لك الرجل له أشياء يشكر عليها حتى نكون منصفين.

نعم، وكان من أهم ما اتخذه لذلك من وسائل مشاريعه في إصلاح الأزهر، وفتاويه التي كان يجيب بها على السائلين من مختلف الأقطار الإسلامية، ودروسه التي كان يحضرها عدد كبير من المثقفين والوجهاء، ثم بينت أثر تجاور هذين التيارين في انقسام المفكرين والناس في مختلف نواحي الحياة إلى مجددين ومحافظين، مما جر إلى احتدام الخصومة بين المتطرفين؛ يعني كأنه صار طريقة محمد عبده خلت الناس تنقسم إلى مجددين بدهم التجديد الإسلامي ومحافظين، بتعرفوا هذول التيارات دائما: تيار المجددين وتيار المحافظين. نعم، قال: إلى احتدام الخصومة بين المتطرفين من الفريقين، فكان الفريق الأول يتهم الفريق الآخر بالجهل والتخلف والجمود، وكان الفريق الثاني يتهم الفريق الأول بالخروج على تقاليد الإسلام وربما ذهب في ذلك إلى اتهام أصحابه بالكفر وبأنهم أذناب المستعمر وأعوانه، يساعدونه عن قصد أو عن غير قصد بتحبيب الناس فيه بدلا من تنفيره منه، وقد نشأ عن تجاوز هذين التيارين تناقض في الحياة المصرية؛ يعني صار في مشكلة لأنه وفي تيارين متضادين تماما.

نعم، التي جمعت بين المحافظة المتزمتة وبين التطرف في الأخذ بأساليب المدنية الغربية في البيت الواحد في بعض الأحيان، مما تلاقي في البيت الواحد ابن محسوب على تيار المحافظين وابن محسوب على تيار المجددين، بتلاقي واحد قاعد فاتح التلفزيون وكذا وأموره وواحد ماسك المسبحة وكذا وقاعد وأنتم ما بصير وهذا حرام، يعني حتى داخل البيت الواحد صار في تيارات، كيف في فلسطين واحد منتمٍ للتيار الإسلامي وواحد وهكذا للاسف اختلفت الناس. نعم، قال: مما وضح أثره في شاعر كشوقي؛ تجاور في شعره وصف المرقص والخمر مع مدائح الرسول وتمجيد الإسلام، يعني بتلاقي شطر البيت بيتكلم في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والقسم الثاني بيتكلم في الرقص، يعني كيف فكرة المحافظين والمجددين حتى في البيت الواحد في القصيدة أصبح.

نعم، وانتهيت إلى أن هذه الصيحات المتباينة المتنافرة التي كانت تأخذ الناس من كل الجهات، قد ساعدت على تنبيه الوعي القومي وإنضاج التفكير، فكانت أشبه شيء بالفوضى التي تمهد للنظام، وبالسديم الذي يتكشف عن الإجراءات، سديم الضباب نعم، وبالشك الذي يلد اليقين، ولم يكن يعني يعنيني في هذه الفصول أن أستقصي الأحداث وأن ألم بكل المتاهات الآن في كل هذه الفصول الخمسة التي سنمر عليها إن شاء الله؛ وبيقول لك أنا مش راح أمر على كل نقطة وعلى كل دقيقة كتبت، لكن عنايتي قد انصرفت إلى توضيح الخطوط الرئيسية لكل حقبة من هذه الحقب والاتجاهات العامة نعم، والتيارات الأساسية التي ظهرت في هذه الفترة وسيطرت عليها، مستنبطا ذلك من النصوص الشعرية والنثرية مع مطابقتها بالأحداث التاريخية، وأرجو أن أكون قد عاونت بذلك على تصحيح بعض المعايير النقدية وتوضيح ما يكتنفها من لبس أو غموض، وهذا جيد أن يفهم الإنسان كيف يفكر وينقد حقبة تاريخية معينة بإنصاف، وأنه لا يجور ولا يتساهل، لا كيف تكون منصفا في إعطاء كل شخص عاش في هذه الحقبة ما يستحق حقيقة.

نعم، ولا يفوتني في ختام هذا التقديم أن أشكر السيد ماهر حسن فهمي لما قدم لي من عون في تأريخ كثير من قصائد شوقي بالرجوع إلى تاريخ نشرها في الدوريات وفي دوريات المجلات القديمة وفي أعداد هذا الكتاب. طيب إذا هذه هي المقدمة، طبعا هنا لاحظ تاريخ كتابة محمد محمد حسين للكتاب عام 1954 تمام، هو بيتكلم إذا عن 60 سنة درسها وعاش وكان ملما بأحداثها، إن شاء الله الدرس القادم نبدأ بأول فصل ونتكلم عن الأجواء التي عاشت في مصر في نهاية الخلافة العثمانية، وإن شاء الله يكون فيها فوائد حقيقة وأفكار يعني تستغرب منها في هذا الكتاب، نسأل الله النفع والفائدة، جزاكم الله خيرا على الحضور والاهتمام، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.