السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحبا. آخر مقطع سجلته كان بعنوان: انتبهوا يا طلاب البرامج العلمية. وكان المقطع موجه التحذير من قضية ضعف التزكية الإيمانية أثناء طلب العلم، وأثناء البناء العلمي والمعرفي والفكري.
وذكرت في ذلك المقطع أنه الآن البرامج العلمية الإلكترونية كثيرة، وصار ما شاء الله كثير من الناس يدخل فيها ولكن يقعون في حيرة؛ هل أدخل هذا البرنامج أم هذا البرنامج؟ هذا السؤال هو أكثر ما يشغلهم، بينما هناك أسئلة أخرى يجب الانتباه إليها؛ واحد منها سؤال التزكية، وواحد منها سؤال: ماذا بعد؟ وواحد منها سؤال: كيف أستفيد أكثر؟ هناك مجموعة من الأسئلة، لذلك أنا قررت أن تكون هذه سلسلة.
هذا الآن المقطع رقم اثنين من السلسلة. السلسلة بعنوان: إلى طلاب البرامج العلمية. طبعا مو المقصود أنه فقط طلاب البرامج العلمية الإلكترونية، وإنما بشكل عام المهتمون الذين لديهم أمل وطموح أن يكون لهم بصمة وأثر. هذا العنوان المقطع الثاني: الرقم الصعب.
مع الأسف كثير كثير، الأكثر الأكثر ممن يدخل في سبيل الأمور الهادفة، لا يصل لأن يكون رقما صعبا. الرقم الصعب هو الرقم الفارق المؤثر، أن يصل الإنسان إلى درجة معينة في العلم والمعرفة والخبرة، بحيث إنه حيثما وجد نفع، حيثما وجد احتيج إليه. الأغلب الأغلب يمشي الخطوة الأولى ثم الخطوة الثانية ثم يقف. الخطوة الأولى في البناء عادة تأخذ سنة إلى ثلاث سنوات بحسب طبعا السير، الخطوة الثانية تأخذ ثلاث سنوات إلى أربع سنوات تقريبا.
هنا يكون الإنسان قد قطع سبع سنوات، خمسة إلى سبع سنوات. غالبا الإنسان بعد خمس أو سبع سنوات يلتفت إلى نفسه يقول: أنا ماذا حصلت؟ ما الذي في يدي الآن؟ ممكن يكون الذي حصله هو الشغف بالعلم فقط، ممتاز حصيلة جيدة، لكن ما يشعر أنه امسك في يدي في يديه شيء.
طيب، هل صحيح أنه المفترض بعد خمس سنوات أو سبع سنوات من طلب العلم والمعرفة والبرامج وكذا، أنه المفروض يكون الإنسان حصل بيديه شيئا كبيرا؟ الجواب؛ على مستوى الرقم الصعب لا. على مستوى الرقم الصعب لأ. لكن الأكثر لا يدرك متى يصل الإنسان إلى الرقم الصعب.
فهو يتطلب أن يكون رقما صعبا بعد المرحلة الثانية، فيقول لك: أنا لي خمس سنوات في البرامج ما وصلت رقم صعب، ما وصلت لأن أكون رقما صعبا، إذا يعني أنا جالس يا أما أني أنا لست جيدا، أو أنه القضية ماشية بطريقة خاطئة، فيبدأ أحيانا يعيد الطريق من جديد ويبدأ من الصفر وكأن ما شي فيه. لا لا يا عزيزي، لازم تفهم وتفقه المراحل.
إذا قلنا إنه البناء العلمي والمعرفي أربع مراحل أو خمس مراحل، فيوصول الإنسان إلى الرقم الصعب يكون بعد المرحلة الثالثة. إذا قلنا أن المرحلة الأولى هي مرحلة التعرف على العلوم وأصولها وتاريخها والمتون الأولية فيها، والمرحلة الثانية هي التوسع في المعلومات الأفقية والمنهجية المتعلقة بهذه العلوم من ناحية مثلا شروحات المتون اللي في المستوى الأول.
وهنا من الطبيعي جدا أن لا تكون النتيجة بعد المستوى الثاني أو بعد المرحلة الثانية هي التمكن التام ووجود الرقم الصعب. الخطوة الثالثة دائما هي ربط المعلومات وإعادة النظر فيها وتحرير، ممكن نسميها نقطة التحرير أو مرحلة التحرير؛ اللي هو تحرير ومراجعة وتحقيق ما تم أخذه في المرحلتين السابقتين. هذا عادة يكون بتكرار مجموعة من الكتب المركزية وإعادتها، والقيام ربما حتى ببعض المشاركات والبحوث الجزئية اللي يحرر فيها الإنسان حتى لنفسه ليس للنشر.
تجد طالب العلم الجاد في تلك المرحلة تجد عنده دفاتر كثيرة كتبها، وفي الفقه تجد أحيانا بعضهم يكتب يكتب مسائل الفقه، كل مسائل الفقه من بداية من أول أبواب العبادات إلى آخر أبواب المعاملات لنفسه ما ينشره، لكن يكون مر على الفقه كاملا كتابة. هذا اسمه مرحلة التحرير. هذه بعد مرحلة التحرير يبدأ الإنسان، ما أقول سيكون رقما صعبا مباشرة، لكن سيبدأ الإنسان يشعر بالفارق الحقيقي.
هذا عدم إدراك هذه النقطة تؤدي بكثير من الشباب للتوقف في منتصف الطريق، الحقيقة يعني لأجل هذا لا نجد آثارا كبيرة. الانسان لما يدرك أنه يجب أن يصل إلى الرقم الصعب، طبعا يجب مو المقصود أنه كل انسان سيصل إلى الرقم الصعب، لكن أنا أقصد من أصحاب الطموح والهمة والمعالي أنه يجب أن تدرك أنه ترى لسه الرقم الصعب يحتاج له جهد، يحتاج له جهد.
طيب، أنا سأذكر هنا ست وصايا حتى تكون معينة على تحقيق الرقم الصعب. الوصية الأولى: وضوح الهدف والغاية. أنا الهدف لدي واضح، أنا سأطلب العلم أو العلوم بشكل عام لأني أُريد أن أصل إلى هذه الغاية وإلى هذا الهدف، وبحسب سمو هذا الهدف يكون سمو الطريق ويكون علو الرقم الصعب.
اثنان: الصبر والمجاهدة. الصبر والمجاهدة ممكن احنا نسمعها دائما أنه اصبر اصبر، لا ينال العلم لا يستطاع العلم براحة الجسم لابد من كذا، ممتاز. لكن ترى هذا شيء حقيقي تمام، مو كلام أدبي يقال هكذا استعطافي، لا، هو كلام حقيقي، لن تكون رقما صعبا إلا بالصبر، بالمجاهدة. الصبر يعني تكلم تضع رأسك في الجد والاجتهاد عشر سنوات اثنا عشر سنة وأنت فعلا مجتهد، فعلا مجتهد، ما أقول لك ما راح تحصل شي قبل عشر سنوات، راح تحصل خير كبير، لكن تصبر كل هذه السنوات حتى تكون رقما صعبا.
الأمر الثالث، الوصية الثالثة: استغلال الوقت. حين يكون الوقت لديك ثمينا فاعلم أنك تسير في الطريق الصحيح لتحقيق الرقم الصعب، وحين يكون وقتك أسهل شيء عليك أن يضيع؛ يعني وتعرفوا الوقت أثمن ما عنيته أو أثمن ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع. يعني إذا كان أسهل ما عليك يضيع هو الوقت، فاعرف أنه أنت تسير في طريق أن تكون مشتتا، أن تكون ضائعا، أنك لن تحقق النتيجة الحقيقية مع وجود المكتسبات الطبيعية لأي إنسان يسير في طريق جيد، لكن الرقم الصعب يحتاج استثمار حقيقي للوقت. استثمار حقيقي للوقت. أول شيء أدرك قيمة الوقت؛ الوقت والحياة تكون أجمل بالاستفادة من الوقت، فعلا تكون أجمل.
الوصية الرابعة: المنهجية. المنهجية، ممكن الواحد يبذل وقت ويصبر، وتكون الرؤية لديه واضحة والهدف يعني واضحا، ولكن لا يوجد منهجية، وكل من نصح بكتاب في الفيسبوك راح أخذ الكتاب وقرأه، وكل من حذر من كتاب راح استلم استنب ذاك الكتاب ولم يقرأه، وكل من وضع منهجية وخطة قراءة مسك الخطة وأكملها، لا، لازم يكون هناك منهجية. كيف تكون منهجية؟ هذا سؤال وحده، يعني هذا سؤال قصة لحاله، لكن الآن أنا أذكر الوصايا بإجمال.
الوصية الخامسة: الاستفادة من أهل العلم والخبرة. الاستفادة ما أقصد الاستفادة يعني اللي هي مثلا استماع لشرح علمي، هذا هذا هو نفسه طلب العلم، لكن أقصد الاستفادة المنهجية، الاستفادة الأدبية، الاستفادة التزكوية، الاستفادة من ناحية العقل، الاستفادة من ناحية اختصار المسافات. وإذا كان بإمكانك أن تلازم عالما أو طالب علم ناضج فهذا خير، وإذا لم تستطع ملازمته شخصيا، وعلى الأقل تتابع أطروحاته المتنوعة المختلفة، تحليلاته، آراءه، ولا أتكلم عن التقليد الآن وأن يكون الإنسان نسخة مقلدة، لا، ولكن الاستفادة من العقل، من المنهجية، من طريقة التفكير، من طريقة التحليل، وكل ما كان الإنسان أجمع لصفات الخير كان أدعى للاقتداء.
الوصية السادسة، الموصل إلى الرقم الصعب مع، طبعا هي ليست الوصايا متفرقة كلها مع بعض: الحرص الدائم على التزكية والدعاء والإخلاص. لأن هذا هو الوقود الحقيقي لإكمال الطريق وعدم الحياد أو الحيدة عن الهدف، وهو السبب الأساسي لاستجلاب البركة والفضل الإلهي والعطاء الإلهي. الإنسان يكون رقما صعبا في مجال يحبه الله سبحانه وتعالى إذا كان الله سبحانه وتعالى يحب له أن يكون رقما صعبا، له أن يكون مؤثرا فعلا، أن يكون مؤثرا تأثيرا ربانيا وليس التأثير المبني على الاستعراض.
وهذه ست وصايا، يعني لا أستطيع أن أختصر شيئا منها ولا أن أبعد شيئا منها، لكن أذكر مرة أخرى: الصبر، الصبر، الصبر حتى تبلغ. صل اللهم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد السيد