السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصلي اللهم على رسول الله. أما بعد.
السؤال الذي وصلني والذي قلت إنه من أهم الأسئلة التي وصلتني خلال ست سنوات، وهو سؤال ذلك الشاب الذي وصف حالة الجيل الصاعد والتحديات التي تواجههم، وذكر أنه دخل بعض البرامج العلمية ولم يجد النتائج، تحطم تحطماً شديداً، ثم قال: سؤال المليون دولار هو من أكون وما الذي ينبغي أن أكونه؟
وسجلت مقطعا أولاً، ورأيت من الاهتمام به من الشباب من الجيل الصاعد، بل ممن قالوا إننا كنا من الجيل الذي قبله ولكن وجدنا أن المقطع يعني يعالج قضية تستحق البحث، فحفزني هذا إلى سلسلة سجلت منها المقطع الثاني، وهذا هو المقطع الثالث. المقطع الثاني كان بعنوان: كن مفكراً ناقداً ولا تكن شكاكاً. هذا المقطع قد يكون قصيراً، ولكنه أيضاً يثير الاهتمام إلى قضية أرى أنها من السمات التي يعني عليها الجيل الصاعد وتشغلهم كثيراً وتهمهم كثيراً.
وعنونت لهذا المقطع: لا تخشى الفشل. من الأشياء التي لاحظتها بشكل ظاهر هي خشية هذا الجيل الصاعد للفشل، يمنعهم هذا من المبادرات، يمنعهم هذا من الاستمرار، يمنعهم هذا من إعادة المحاولات عند الإخفاق. وهذه القضية يا جماعة ليست قضية كمالية أو قضية غير مهمة أو قضية هامشية، هي قضية في غاية الأهمية وقد تحدد مصير الإنسان ومسيرة الإنسان في هذه الحياة.
ولذلك نحاول في هذا المقطع أن نعالج بعض المفاهيم. أول شيء: أعد تعريف مفهوم الفشل، أعد التعريف. كلمة الفشل ترى أكثر ما تستعمل اليوم للتعبير عن عدم تحقيق رغبة معينة أو هدف معين يكون في الغالب ملموساً بشكل مادي، وهذا المعنى للفشل معنى غير صحيح أبداً، وإذا كنت تنطلق في تقييمك لنفسك في نجاحها وفشلها من هذا المعنى فاعلم أنك مخطئ تماماً، يجب أن تعيد تعريف الفشل.
دعوني أذكر لكم بعض الأمثلة: نوح عليه السلام دعا قومه تسعمائة وخمسين سنة، وقال: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً. وقال الله سبحانه وتعالى بعد هذه الحالة: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
على هذا المفهوم المادي الذي ينطلق منه الكثير سيكون هذا فشلاً لنوح عليه السلام، ولكن في الحقيقة القضية ليست بالتقييم المادي الملموس، وإنما القضية يجب أن تتجاوز ذلك. نوح عليه السلام أدى ما عليه، قدم الأسباب بذل، وكانت النتيجة من تقدير الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن تعد رسالته فشلاً. أيضاً الأنبياء كلهم كذبوا وأوذوا ولم يكن هذا فشلاً، يعني أنا في رأيي أن الإنسان إذا أعد تعريف الفشل ووضع لنفسه معايير محددة، طالما أني أجتهد وأبذل الأسباب وأتوكل على الله سبحانه وتعالى ولا أيأس وأظل أحاول وأتي الأمور من بابها فتحققت النتيجة أو لم تتحقق النتيجة فأنا لست فاشلاً.
يا جماعة هذا الكلام ليس كلاماً عاطفياً، هذا كلام حقيقي ويجب أن يعني يكون في قاموسنا بصورة واضحة وصورة عملية. هذه أول نقطة يجب أن نعيد تعريف الفشل حتى لا نتحطم على شيء ليس صحيحاً.
الأمر الثاني هو توسيع خط أو دائرة الاهتمامات وتوسيع سقف أو رفع سقف الطموحات. يا جماعة، هناك كثير من الناس دائرة طموحاتهم دائرة ضيقة جداً، ولا تتجاوز الإطار المادي الملموس الذي يعيشون حوله، وبالتالي إذا لم يتحقق أو إذا فشلوا في شيء من هذه الدائرة الضيقة انتهى كل آمالهم، غاية طموحاتهم في الحياة هي هذه الدائرة الضيقة، فإذا فشل في شيء قريب منها فإنه يعني يرى أن كل آماله تحطمت، وهذا نلاحظه في مثلاً التقديم للجامعة؛ شاب يقدم في جامعة ما قبل في الجامعة يرى أن حياته انتهت، بنت تحب شاباً معيناً تزوج غيرها ترى أن الدنيا قد أظلمت وكل شيء انتهى، ونفس الشيء بالنسبة للشباب يخطب امرأة ما تيسرت له يشعر أن كل شيء انتهى.
يا جماعة، وسعوا من دائرة الاهتمامات وارفعوا من سقف الطموحات، حتى إذا فشلنا في نقطة ضيقة إذا فشلنا في دائرة صغيرة لا يمنعنا هذا من أن ننظر إلى الدائرة الأبعد ومن الهدف الأكبر البعيد المستقبلي الذي يجعل لنا عزاء فيما لو فشلنا في الدائرة الضيقة. مرة أخرى: وسع دائرة الاهتمامات، ارفع سقف الطموحات، انظر بعينين؛ عين إلى الدنيا وعين إلى الآخرة، وأنه مهما حصل من نقص في هذه الدنيا فهناك الآخرة، وليس معنى ذلك أن تتخبط عن العمل أو لا تبذل أسباباً، لكن هذه قضية مهمة جداً جداً، ولذلك انظروا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حين فقد ما فقد وأوذي ما أوذي تعرض لكل أنواع البلاء لم تكن لم تكن هذه القضية قضية محطمة له، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لديه من دائرة الاهتمامات الشيء العظيم جداً.
هذه القضية الثانية أرى أنها من القضايا المهمة جداً. القضية الثالثة: ابتعد عن طلب الكمال، يا جماعة اتركوا عقدة الكمال، ليس ضرورياً أن تكون كاملاً، ليس ضرورياً أن تحقق كل أهدافك، ليس ضرورياً أن تنجح في كل شيء، هذه قضية مهمة جداً. إذا دخلت في برنامج، البعض قد يفكر بالانسحاب من البرامج العلمية، يفكر بالانسحاب لأنه يخاف ألا يحقق درجة عالية أو درجة كاملة، يا عزيزي لا تفهم الأمور بشكل غير صحيح، الكمال لا يكن مطلباً لك، أنت حاول تحقق أفضل النتائج، لكن لا يكون مطلبك الكمال.
ما المشكلة في طلب الكمال؟ يعني عفواً مو طلب الكمال، تعليق الأمر بالكمال، المشكلة الحقيقية هي أن الإنسان قد يمنع نفسه من مبادرات مهمة ونافعة وحقيقية أو برامج نافعة ويحتاجها في حياته وفي مسيرته، السبب هو أنه يطلب الكمال، ولأنه لن يتحقق له الكمال فبالتالي لن يكمل أو حتى أصلاً لن يبدأ، لذلك الغي من رأسك فكرة طلب الكمال. هذه النقطة الثالثة أرى أيضاً أنها نقطة مهمة.
أختم بنقطة رابعة وأخيرة، وهي: ارسم لك خطة. هذه من المبادرات العملية التي يمكن أن يقدم فيها الإنسان جزءاً من كسر دائرة الفشل. ارسم لك خطة، هذه الخطة ابتعد فيها عن التنظيرات الكبيرة والبعيدة والخطأ أنه لازم ما أقدر اكتب خطة إلا إذا دخلت دورات كبيرة، لا لا لا، اكتب لك خطة عادية من خلال يعني اكتب لك خمسة أهداف تريد أن تعملها في سنة واحدة، تحت كل هدف اكتب الوسائل التي تعينك على تحقيق الهدف، اكتب ثلاثة وسائل مثلاً، مثلاً من أهدافك هذه السنة أن تقرأ خمسين كتاباً حتى تحقق هذا الهدف ستخصص مثلاً نصف ساعة كل يومين، مثلاً أياً كان تكتب الوسائل التي تعينك على تحقيق الأهداف.
حاول أن تحقق هذه الخمسة أهداف في العام، ولكن اعتبر معيار النجاح عندك هو تحقيق هدفين منها، لماذا؟ لأنك استطعت أن ترسم شيئاً وتسير على خطته وتصل إليه، هذا يا جماعة إجاز، هذا إنجاز مهم جداً، لذلك لا تجعل المعيار هو أن تحقق كل الأهداف.
أعد تعريف الفشل، وسع دائرة اهتماماتك، لا تطلب الكمال، وارسم لك خطة سنوية وحاول تحقيقها. هذه محاولة لفتح الموضوع للنقاش فيه لإعادة بث روح الامل في شريحة مهمة من هذا الجيل الصاعد، وأنتظر التعليقات والاقتراحات لهذه السلسلة التي أسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون مباركة، والسلام عليكم.
الشيخ أحمد السيد