غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا في برنامج إرواء، حيث نرتوي من الشريعة الغراء وما زلنا نعيش مع منهج التفسير، هذا المنهج الذي يحتاجه كل مسلم ومسلمة للعيش في أفياء كتاب الله سبحانه وتعالى، وتدبر معاني هذه الآيات، واستخلاص ما فيها من الهدايات الإلهية والرسائل الرحمانية، أحق ما ينشغل به المؤمن في حياته ومن أضخم المشاريع، إذا لم أقل إن أقول أضخم مشروع في حياتك تعيش من أجله هو أن تفهم رسالة الله لك.
أكبر مشروع تعيش من أجله أن تفهم رسالات الله سبحانه وتعالى، هذا المشروع الذي لا خسارة فيه يعني ما في إنسان بعد ما يتدبر القرآن يقول أوف والله أعطيت القرآن أكثر من حجمه، أو أعطيت هذا الكتاب وقت زائد عن الوقت الذي يستحقه. الآن الكتب الأرضية بعد ما تقراها بعض الكتب تكون تعبت في قراءته وفهمه تشعر تقول يعني ما كان ينبغي أن يعطى هذا الوقت، فقد تتأسف وتتحسر على الجهد الزائد الذي وضعته فيه، أما كلام الله سبحانه وتعالى لا يتأسف ولا يتحسر الإنسان على كل ساعة بذلها في تدبره، لأنه كل ساعة فيها خير، وكل تدبر تحصل فيه معنى جديد. أنت تتعامل مع ربك في هذا الكلام، أنت لا تأخذ رأي بشري أو تحليل لشيخ أو داعية، أو يعني رؤية فلسفية أو أرضية، أنت تأخذ شيء نزل من فوق سبع سماوات، وهذا ما يجعل لهذا الكلام له هيبته وسطوة على القلوب أنني أتعامل مع كلام خالق البشر.
أتعامل مع كلام لم يصدر من مخلوق يحلل مثلي ومثلكم، إنما اتكلم وتدبر به الله سبحانه وتعالى، هذا الإاله الذي أنت تؤمن به ولم تره، هذا كلامه دائماً تذكر هذه المعاني يجعل لك تصاب بالقشعريرة والهيبة حتى وانت تحاول أن تتدبر هذا الكلام لأنك تعرف أن هذا الكلام قيمته عالية، كلام ليس من دائرة الأرض بل من دائرة ما فوق السماء، هذا الكلام وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ هذا من فوق السماء نزل، هذا يجعل الإنسان ينتبه ويحتفي ويعرف أن القضية ليست بالهزل أو أنها قضية تقبل الإصابة والخطأ، بل يجب أن يعطى هذا الكلام ثمرة العمر وزبدة الحياة.
في الدرس الماضي أيها الكرام تكلمنا عن أو تدبرات سريعة، طبعا هذا منهج إرواء وليس التفسير التفصيلي، التفسير التفصيلي نحن نأخذ في مجلس تفسير النسفي، وإنما هنا يعني إضاءات ومضات في مجالس الجمعة، تكلمنا في تفسير سورة الفاتحة وتفسير سورة الضحى والشرح. اليوم سناتي إلى ثلة من السور المكية من قصار المفصل أيضاً، نقف على إشاراتها العامة، ونبدا بسورة التين، وسورة التين والعلق والقدر والبينة، هذه السور الأربع نجد أن هناك اشتراك عام في مواضيعها، فإن جميعها يتكلم أساساً عن الوحي الإلهي.
فالتين والزيتون يتكلم عن أماكن تنزله، والعلق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ هو بداية تنزله، والقدر يتكلم عن وقت تنزله، والبينة تتكلم عن الحاجة إليه. لاحظ هذي السور الأربع في ترتيب القرآن التين والزيتون تتكلم عن ماذا؟ عن مكان النزول كما سياتي معنا إن شاء الله، والعلق هي تمثل ماذا؟ أول النزول اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ أول تنزل إلهي، والقدر تتكلم عن وقت النزول إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، والبينة تتكلم عن حاجة الإنسان إلى هذا النزول، حاجة الإنسان لمادة الوحي الإلهي.
فإذاً هناك ارتباط واضح بين هذه السور الأربع في مواضيعها، نبدأ بسورة التين. بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. الآن لو أردت أن تتعامل مع هذه الأمور أو هذه الآيات الثلاث بظاهرها تقول: أقسم الله سبحانه وتعالى بشجرتين مباركتين وهي والتين، هذا قسم الواو هي تسمى واو إيه القسم يعني أنه قال أقسم بالتين والزيتون، وأقسم بطور سينين، وأقسم بطور سينين وهو الطور الذي كلم الله عنده موسى عليه السلام، وهذا البلد الامين وهو ماذا؟ ما البلد الامين؟ مكة المكرمة.
فانت لو أردت تتعامل بالظاهر تقول خلص أقسم الله بأماكن ثلاث، لكن حقيقة لا ينبغي للمؤمن أن يكون هذا أقصى تدبره في هذه الآيات، عليه أن يفهم إيش العلاقة بين التين والزيتون والطور سيناء وبين مكة؟ يعني ما ما هو الخيط الذي يجمع هذه الثلاث؟ التين والزيتون هذه أرض ما أيها الكرام؟ ما هي أرض التين والزيتون؟ بلاد الشام هي أشهر أرض في العالم في هذه الثمار. فلما نتكلم عن التين والزيتون قال علماء التفسير هذه إشارة إلى بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وهذا موطن رسالة عيسى ابن مريم، وطور سينا هذا الطور الذي كلم الله عنده موسى، وهذا مكان نزول الوحي على موسى ابن عمران، وهذا البلد الامين مكة المكرمة، وهذا مبدأ نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم.
إذاً أقسم الله سبحانه وتعالى بأماكن تنزل وحيه على الرسالات الثلاث الخاتمة، بيت المقدس حيث عيسى بن مريم، وطور سيناء حيث موسى، والبلد الأمين حيث محمد عليه الصلاة والسلام. إذاً هذه الاماكن إنما أقسم الله بها وعظمت لعظمه ما نزل فيها، لماذا عظمت هذه الاماكن حتى استحقت أن يقسم بها ربك عز وجل، أو أن يقسم بها ربك سبحانه؟ لماذا عظمت؟ لعظم ما نزل فيها، لماذا لم يقسم الله عز وجل بدولة أخرى بالمغرب، بموريتانيا، بأي دولة من الدول؟ لماذا بهذه المناطق بالتحديد؟
هذا يدل أيها الكرام أن الأماكن تشرف بنزول الوحي الإلهي فيها، وقص على ذلك قلبك، إنما يشرف قلبك إذا كان محلاً للوحي الإلهي، يعني كما أن هذه الأماكن كان شرفها أن الوحي تنزل فيها، كذلك قلبك عبد الله يشرف ويعظم إذا تنزل الوحي فيه وقبله وتدبره وعاش فيه، فهذه فقط فائدة إيمانية سريعة. طيب، إذا هذا القسم لابد من أن له قيمة وله انتباه أنه يقسم الله سبحانه وتعالى بأماكن نزول الوحي، وحتى لا أطيل هنا وطور سينين فقط لانني وجدت الأخ لم يذكر معنى وطور السينين، ما معنى سينين؟ اختلف المفسرون في معنى سينين، البعض قال هو اسم الطور، اسمه سينين، تمام؟ كيف تقول مثلاً طور خالد، طور ابراهيم، خلص اسم الطور خالد أو ابراهيم. فالبعض قال سينين هذا علم اسمه لهذا الطور، البعض قال سينين لا هي معناها الطور المبارك. ما معنى سينين؟ المبارك، أخذت من البركة، فقيل إنه طور مبارك، وهذا أيضاً من المعاني المقبولة في هذا السياق.
طيب، الآن على ماذا أقسم الله؟ احنا فهمنا أن الله أقسم بهذه الأمور الثلاث، أي قسم لابد من شيء مقسم عليه، اليس كذلك؟ أقسم بالله سافعل كذا وكذا، طب لما أقسم الله بهذه الاقسام الثلاث على ماذا أقسم؟ قال عز وجل: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. يقسم الله عز وجل على أنه خلقك يا أيها الانسان على احسن صوره، على أحسن صورة. لكن ما المراد بالصورة هنا؟ هل المراد فقط الصورة البدنية الخارجية، أم المراد أيضاً الصورة الفطرية الداخلية؟
الان بعض المفسرين يشير إلى المعنى الأول فيقول: لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم أي خلقه الله على احسن صورة خارجية، بوجه ويدين وأقدام وله عينان وأذنان ولسان وصورة قويمة لا تشوه فيها، وهذا صحيح، فالله عز وجل عدل خلقتنا الخارجية. لكن ما هو أهم وأعظم أنه خلقنا أيضاً على احسن تقويم داخلي، وهي الفطرة المائلة إلى التوحيد. ولذلك الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير فسر التقويم هنا بمعنى الفطرة، يعني خلقك الله على أحسن فطرة، كل مولود يولد على الفطرة، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك؟ وهذه الفطرة فطرة قويمة، فطرة لو تركت من المؤثرات الخارجية لما اختارت إلا الإله الحق ووحدت. يعني حتى ولو لم يأت رسل ولا رسالات هذه الفطرة لو تركت دون مؤثر خارجيه تعبث بها لم تختر إلا الإله الحق ووحدت ربها سبحانه وتعالى.
فالفطرة تساعدك على التوحيد، الفطرة تساعدك على اختيار الإسلام. ما الذي يحرف الناس عن هذه الفطرة وعن مقتضياتها ومتطلباتها؟ المؤثرات الخارجية، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. طبعا الأب والأم ذكرا هنا باعتبارهما من العوامل، لكن أيضاً اليوم عندك المدرسة تهود أو تنصر، عندك الجامعات تهود أو تنصر، عندك الاعلام يهودانه أو... فعندك ذكر الآباء والأمهات باعتبارهم من أبرز المؤثرات الخارجية، ولأن الطفل أول ما يكبر يجد في حياته أبوه وأمه، بعدين تبدا المؤثرات الخارجية تدخل وإلا فليس الحقيقة المؤثرات هي فقط الأب والأم.
فاذاً لما الله عز وجل يقسم على هذا كانه يقول لك يا أيها الإنسان عليك أن تحمد الله وأن تشكر الله على نعمة احسن تقويم، أنه وضع فيك مساعدات داخلية تجعلك تختار الإسلام ديناً، أعطيتك فطرة قويمة لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ظاهراً وباطناً، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. طب الله عز وجل خلق الانسان على احسن فطرة، فطرة تقبل الوحي الإلهي، ولاحظ جمال الاقتران بين القسم والمقسم عليه، يعني أقسم الله بأماكن الوحي على ماذا؟ على أن الفطرة وهي شيء مكان أيضاً أنها فطرة نقية مستعده لقبول ذلك الوحي، وهذا بيسموه أنا اسميه التناسق بين القسم والمقسم عليه.
يعني هنا لم يقسم الله بزمان الوحي، أقسم بمكان الوحي لأن المقسم عليه هو أيضاً ماذا؟ مكان، صح؟ ليس مكاناً حسياً أو يمكن يكون حسي إذا قلنا الشكل الظاهر، لكن الأظهر أو الذي اختاره أنه المكان المعني وهو الفطرة، والفطرة أيضاً مكان وإن لم يكن مكاناً تحسه، لكنه مكان موجود في داخلك، فكأنه يقسم بأماكن تنزل الوحي أنني خلقت فيك مكاناً طاهراً لقبول هذا الوحي. فهمت إخوان الرابط؟ أقسما بأماكن تنزل الوحي لقد وضعت فيك مكاناً طاهراً لقبول هذا الوحي، ما هو هذا المكان الطاهر؟ الفطرة.
دوماً تحاول أن تفهم لماذا أقسم بهذا ولماذا كان هذا المقسم عليه؟ أعيد مرة ثالثة وأخيرة: أقسم بأماكن تنزل الوحي الثلاث بيت المقدس وطور سيناء ومكه وهي أماكن نزول الوحي، أقسم على ماذا؟ أقسم على أنه خلق فيك مكاناً مستعداً لقبول هذا الوحي وهو أحسن تقويم وهي الفطرة، لكن أنت بعد ذلك من سيقرر؟ هل ستستغل هذا المكان الفطرة القويمة كما أراد الله فتسعى لإسقاط الوحي فيها وقبول هدايات الله ووحي الله؟ عندئذ تكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أم أنك ستترك مقتضيات هذه الفطرة وتمشي مع الوساوس والمدخلات الخارجية والمدخلات الداخلية؟ هذه إذا ضبطت المدخلات الداخلية وهي النفس الأمارة بالسوء إذا أنت لم تسر مع مقتضى الفطرة وتجعلها مكاناً للهدي الإلهي فإنك سترد إلى أسفل سافلين.
شوف العبارة التي لا يحبها الإنسان، في واحد فينا يريد أن يكون في أسفل السافلين في القاع؟ ما في حدا بحب يكون في القاع، أنت إذا لم تقبل الوحي الإلهي تنزله على فطرتك وقلبك فتدمج بين الفطرة السوية والهدي الإلهي أنت تلقي نفسك، أنت تلقي نفسك في الردى والمهالك، حتى لو كان معك مال، حتى لو كنت دكتور، حتى لو كان عندك فيلا وقصور، حتى لو ما حصلت من متاع الدنيا، إذا لم تنمي هذه الفطرة ولم تزك بقبول الهدايه الإلهية أنت تلقي نفسك في أسفل السافلين وفي المهاوي والمهالك. وهذا الكلام أعود فأقول قيمته تؤخذ من أن المتحدث به ابتداء هو الله، يعني الله يقول لك يا أيها الإنسان إذا لم تقبل هدايات وتنزلها على الخلق القويم الذي وضعته فيك وهو الفطرة، أنت تلقي نفسك في المهالك، عاد بعدين أنت قرر، أنت بعد ذلك قرر هل تريد أن تكون في أسفل سافلين أم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟
ثم لما ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي غير منقطع، وهذا نوع من التحفيز، يعني إذا اخترت الذين آمنوا وعمل الصالحات أن تصطفي هذا الاتجاه فلك اجر ليس منقطعاً أبداً بل هو الخلود الابدي في جنات النعيم. بعد كل هذا يقول سبحانه وتعالى: فَمَا يُكَذِّبُ بَعْدُ بِالدِّينِ؟ ما الذي يجعل الإنسان يكذب بالدين مع أن الله سبحانه وتعالى خلقه في احسن فطرة وقال لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ؟ ما دمت أعطيتك فطرة تختار التوحيد والإسلام، وأعطيتك هدايات من السماء حتى تذهب إلى التوحيد والإسلام، ما الذي يكذبك بعد بالدين؟
وهذا ليس استفهاماً على حقيقته وإنما هو استفهام استنكاري، يستنكر الله على أولئك الذين لا يختارون الإسلام ديناً ولا يقبلون على الوحي الإلهي، أعطيتك فطرة قويمة وهدايات إلهية، ثم بعد ذلك تكذب بالدين وترفضه ولا تنصاع له؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ؟ انظر إلى حكمة الله سبحانه وتعالى العظيمة في انزال الوحي الإلهي، انظر إلى حكمة الله العظيمة كيف خلقك في أحسن التقويم فانت في باطنك تتجه إلى التوحيد، وجوارحك مستعدة سمعاً وبصراً ولساناً وبدناً لأداء مقتضيات هذا التوحيد، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ صاحب الحكمة العلية سبحانه لما خلقك بهذه الفطرة السوية وأنزل عليك الهدايات الإلهية، ثم أنت يا ايها الانسان ما زلت تطغى وترفض هذه الهدايات وتسير مع هواك؟
هذا هو خلاصه الدرس الواضح في سورة التين والزيتون، وهو ضرورة الجمع بين الوحي ومقتضيات الفطرة، لابد أن تجمع بين الوحي ومقتضيات الفطرة وأن هذه الفطرة إنما تنمو وتزكو بقبول الوحي الإلهي. طيب، بعد ذلك نذهب إلى سورة العلق. سورة العلق أول خمس آيات منها أظن يعني أن الكل يحفظها، اليس كذلك؟ لانها اين
نزلت في غار حراء أول نزول لجبريل على الأرض، أول اتصال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين السماء. نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتعبد في غار حراء، فأتاه بأول آيات من سورة العلق، فقال له: اقرأ. فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد. والعلماء حاول بعضهم أن يفسر ما سبب هذه الغطة، يعني ما فلسفته هذا التصرف الذي قام به جبريل عليه السلام.
ماذا أراد جبريل من غط النبي صلى الله عليه وسلم وضمه؟ البعض قال: أراد أن يشعره بأنه فعلا هذا الوحي الإلهي ثقيل، سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً فغط قال: حتى بلغ مني الجهد. أراد أن يخبره ويدلل له كإشارة إلى أن الوحي ليس شيئا بالهين، وإنما هو كلام ربك سبحانه وتعالى، هو قول ثقيل فاستعد لتحمل الجهد في قبوله وتنزله عليه. لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا نزل عليه الوحي -وكان أكثر نزوله على هيئة صلصلة الجرس كما ورد في الحديث- كان عليه الصلاة والسلام يتصبب منه العرق دوما، اليس كذلك؟ حتى في اليوم شديد البرودة يكون العرق يتصبب منه وهو يتلقى الوحي الإلهي، مما يدل على أن الوحي الإلهي ثقيل إخواني، وأنه هذا الكلام الذي ربما أنت تقراه هكذا أو تقراه وأنت غافل أو غير منتبه لتدبره، هذا الكلام تعب سيدك صلى الله عليه وسلم وهو يتحمله ويستقبله من أجلك. عليك أن تقدر هذا الكلام وأن تعطيه المساحة الحقيقية من القلب.
طيب، إذا هذه الآيات الأول من سورة العلق نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم. لاحظ أن الآيات الأول ماذا قالت؟ قال سبحانه وتعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. هذه الآيات الخمس، لاحظ ربما أنت لو سالتك لو أنت لا تحفظ سورة العلق، لو سالتك ماذا تتصور أول شيء ينزل به جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام؟ ماذا تتوقع يعني لو سالتك هكذا لو أنت لا مش يعني ما هو أول موضوع يمكن يفاتح به جبريل النبي عليه الصلاة والسلام؟ التوحيد، صح؟ يعني أنت ممكن تتوقع أنه أول شيء أكيد جبريل بدأ به مع النبي عليه الصلاة والسلام إيش هو؟ يا محمد صلى الله عليه وسلم مري الناس أن يوحدوا الله، لأن التوحيد أعظم قضية. لكن لما تقرا أول خمس آيات تجد أول خمس آيات إشاراتها للتوحيد إشارات مبطنه، لكن المفهوم العام لها ما هو؟ ضرورة اكتساب أدوات المعرفة. صحيح! أول خمس آيات تتكلم عن ماذا؟ ضرورة اكتساب أدوات المعرفة. اقرأ، لابد أن تقرا، وهذه القراءة تكون مستعينا فيها بربك سبحانه وتعالى: اقرأ مستعينا باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق. مرة ثانية: اقرأ وربك الأكرم. يعني ربنا بيفتح عليك إذا قرات وتعلمت بالشكل الصحيح: الذي علم بالقلم. ذكر أداة أخرى من أدوات المعرفة وهي الكتابة.
إذا أول خمس آيات نزلت من الوحي الإلهي على قلب النبي عليه الصلاة والسلام كانت تتحدث عن أهمية اكتساب أدوات المعرفة، لأنه من اكتسب أدوات المعرفة سيصل إلى التوحيد وإلى الحقائق الأخرى، ومن لا يملك منهجاً معرفياً صحيحاً سيبقى مقلداً تائهاً حائراً سهلاً تعبث به الأفكار والتوجهات والاختيارات. فلذلك حقيقة هذا النزول الإلهي جميل، أن الله سبحانه وتعالى يريد من الإنس ليس فقط أن يوحدوا الله تقليداً: أو أنا وجدنا آباءنا موحدين فنحن على آثارهم، لا، يريدك أن توحد الله معرفياً، إيماناً علماً واعتقاداً وتصوراً وجزماً أعرف أن الله يستحق التوحيد لأنني بالمنهج المعرفي الصحيح وباكتساب أدوات المعرفة عندما قرات وتصفحت وتعلمت واستدلت، عرفت أن الله هو الإاله الحق وأن شريعته هي الشريعة الحقة، فبنى هذا عندي إيماناً راسخاً. فأيهما أعلى؟ إيمان مبني على التقليد ولا إيمان مبني على المعرفة والاستدلال الصحيح؟ تأكيداً، الإيمان المبني على المعرفة والاستدلال الصحيح. لذلك الإسلام يعلي من شأن العلم والمعرفة واكتساب أدواته.
لاحظ جمالية نزول الوحي، بدأ به: اقرأ. ومش مرة واحدة: اقرأ مرتين: اقرأ واقرأ، وبدك تبقى تتعلم حتى تكتسب المعرفة الصحيحة، لأنه إذا امتلكت منهجاً علمياً صحيحاً ستصل بقناعة تامة إلى عظمة الوحي الإلهي وإلى عظمة هذا الدين. فالاسلام أعو د فأقول، وإن كان وإن كان يرضى منك التقليد، لكنه يريد منك ما هو أعلى من التقليد، يريد منك أن تصل إلى الإسلام وإلى التوحيد وإلى الحقائق الكبرى معرفياً وليس فقط تقليداً. هكذا بعض الناس خلص، هو مقلد ونشأ في بيت مسلم وأبوه وأمه مسلمين، بيقول لك: الحمد لله وكفى بها الله، يعني ما لن أشغل عقلي في تثبيت معاني التوحيد في قلبي. هذا مجزئ لكن ليس الكمال، ليس الذي يريد الله حقاً وصدقاً، إنما يريد الله سبحانه وتعالى أن تنمي معاني التوحيد وتثبت معاني التوحيد في قلبك معرفياً بالاستدلال والقراءة والتعلم.
طيب، إذا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. لاحظ حتى قال بعض العلماء: اقرأ وربك الأكرم، يعني يعني اقرأ ربنا بيفتحها عليك، أنت ابذل السبب وربنا كريم في عطائه يفتح على عقلك من الثمار، اليس كذلك؟ فانا مطلوب مني أن أقرأ، القراءة سبب. هل كل قراءة تنتج معرفة؟ لا، في كثير ناس تقرأ بس ما تفهم، صحيح! كثير من الناس تقرأ القرآن لكن لا تفهم، كثير من الناس تقرا في كتب المعرفة ولكن لا تعقل لا تصل، القراءة هي سبب، من الذي سيعطي النتيجة؟ الله، فكأنه يقول لك: اقرأ وربك كريم افتحها ويوصلك إلى النتائج، لكن أنت ابذل الأسباب: اقرأ وربك الأكرم، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. يعني الله عز وجل يعلم، لكن لما يعلمك يطلب منك أن تأخذ أسباب التعلم، يعني أنت لن تستيقظ من نومك فتجد نفسك عالماً إذا ما حضرت مجالس العلم وما مسكت القلم وعلقت وما أنصت وسمعت، لن تكتسب تعلماً. فلذلك قال: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. كأنه يشير إلى أنه أنا بعلمك يا أيها الإنسان، الذي علم بس مش الذي علم نقطة، لا، الذي علم بالقلم، يعني أنا بعلمك بس في آليات بدها تكون معك مشان تتعلم: بدك تكتب، بدك تدرس، بدك تتعلم، بدك تفتح الآفاق، بدك تعمل عقلك في هذه الحياة الدنيا وقلبك وجوارحك للوصول إلى العلم. فربنا كريم: اقرأ وربك الأكرم بفتحها عليك وبعلمك، بس بدك ايش؟ تكتب وتعلق وتبحث عن الحقائق. قال: عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. هنا انتهت الخمس آيات الأولى التي نزلت.
ثم المقطع الثاني نزل بعد ذلك لكنه مرتبط حقيقة بالمقطع الأول: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى. أكثر شيء مخيف في الإنسان اللي بيكتسب منهج معرفي ويصبح عالماً، ما هو؟ هس احنا حكينا أهمية اكتساب منهج معرفي صحيح وأن تكون انسان لديك قراءة وكتابة وتعلم وفاتح لآفاق العقل ليفكر، لكن هذا الشيء بقدر ما هو جميل ومطلوب، لكننا نخاف منه في جزئية واحدة، ما هي؟ أحسنت، أن يصل بك العلم إلى الطغيان على الله! ولاحظ اليوم الحياة الغربية المعاصرة، العلم الذي وصلوا إليه وانتهوا إليه في أمور واكتشاف قوانين الفيزياء والكيمياء والفلك جعل كثيراً منهم يشعر بماذا؟ الطغيان المعرفي، أنه احنا استطعنا أن نصل إلى القمر، نحن استطعنا أن نصل إلى الكواكب، نحن اكتشفنا في الطب والفيزياء والتكنولوجيا الحديثة قفزات هائلة، أصبحوا يقتنعون في داخلهم أنه الإنسان لا يحتاج إلى الإله، أن هو يستطيع باستعمال قواعد المعرفة والعلم أن يكتشف هذا الكون بالتفصيل ويسخر هذا الكون له. هكذا وصل العقل الغربي المعاصر، لذلك الله سبحانه وتعالى لما ذم الكفار قديما ماذا قال؟ قال: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنْ الْعِلْمِ صحيح! في سورة غافر، لما الرسل أتُوا إلى أقوامهم بالبينات والبراهين والشرائع الإلهية، الأقوام لماذا رفضوا كلام الوحي الإلهي أو رفضوا رسالات الرسل؟ طغيان المعرفة، قالوا: نحن نقبل منكم شرائع إلهية وشيء أتى من عالم الغيب هذا لا يمكن أن نقبله، نحن عندنا علم دنيوي أحكمناه وضبطناه، فأصبحوا يشعروا بالاستغناء الداخلي، هذا أكثر ما يخيف. فلذلك مباشرة بعد أن ذكر المنهج المعرفي وضرورة اكتسابه حذرك أن توظف هذا المنهج المعرفي في عصيان ربك. الأصل يا إخواني -يعني أنا أتعجب من إنسان دكتور في الأحياء متخصص في جامعات أمريكية ويكون له أبحاث هائلة- يا اخي كيف تكفر بالله؟ كيف تصل للإلحاد؟ يعني أنا بالعكس، أنا متصور منه ماذا؟ أن يزداد إيماناً، يا اخي أنت لما نظرت في الخلية الإنسانية وعرفت تعقيدها، ولما نظرت في خلايا الحيوانات وتعقيدات الكون ألا يزيدك هذا إيماناً بوجود الصانع المتقن؟ كيف تكفر بالله بعد أن أراك الله سبحانه وتعالى آياته في الآفاق وفي أنفسكم؟ فلذلك حذر الله سبحانه وتعالى هذا التحذير: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى. متى يطغى الإنسان على الإله؟ إذا شعر نفسه مستغنياً، إذا شعر هو لا يمكن طبعا يستغني، لكن إذا شعر شعوراً داخلياً أنه مستغنٍ عن الإله بالمال والمعرفة والقدرة على اكتشاف قوانين العالم الدنيوي، بقول لك: خلاص، أنا لست محتاجاً لكل فكرة الوحي وفكرة المشايخ وفكرة الدروس ولا بدي كل هذا الباب، أنا في النهاية مستغنٍ بمالي ودنياي. إذاً: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى.
طيب، ثم قال بعد ذلك سبحانه وتعالى موجهاً رسالة إلى أبي جهل بالتحديد وإلى كل من يمارس ممارسات أبي جهل إلى قيام الساعة، فيقول سبحانه وتعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى -طبعاً كلاً كان كلاً إنسان لا يطغى أن رآه استغنى، أن إلى ربك الرجعة، كأنه الأخ ما وضعها في التقسيم الأولي- طب: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى هذا نوع من التذكير والتنبيه السريع، يعني يا أيها الإنسان احترم ضعفك واعلم انك مهما اكتسبت من وسائل المعرفة يجب أن تزيدك خضوعاً وذلاً لله سبحانه وتعالى وافتقاراً إليه، وليس طغياناً واستغناء عنه، وتذكر أنك في يوم من الأيام سترجع إلى هذا الإله ليحاسبك كيف استثمرت وسائل المعرفة؟ كيف وظفت هذه المعرفة التي أعطيتها ووسائلها؟ هل وظفتها لتزيد يقينك بالله سبحانه ولتدل الناس على الله أم استغنيت بها عن الله؟ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى هذه عبارة تهديد يا شيخ، عبارة ايش؟ تهديد، انتبه ستعود إلى الله.
ثم كما قلنا ذهبت الآيات لمواجهه أبي جهل ولكل من يمارس ممارساته، فالله عز وجل يقول له: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى. أبو جهل كان دائماً يقول: والله إذا صلى محمد عند الكعبة -صلوات ربي وسلام عليه- لأطأن رقبته بقدمي! حاشاه صلى الله عليه وسلم ونزهه الله من كل هذه الأمور. لكن هذا أبو جهل المتكبر المتجبر الذي يريد أن يؤذي أهل الإيمان، وما أكثر أبو جهل اليوم، هذا كثير من المستبدين والظالمين يقولون هذا للموحدين المستضعفين أنه: إذا بشوفك بتصلي أدوسك، إذا أراك تفعل أشكال من.. وهذا رايتموه في كثير من العوالم حولكم: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى.
طيب: أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى؟ يعني يا أيها المستبد الظالم، ما الذي يحملك على أن تؤذي هذا المصلي العابد؟ يا ترى لو كان هذا المصلي العابد هو الذي على هدى وأنت على ضلال؟ إذا كان هذا المصلي العابد الذي أنت تستضعف هو الذي يامر بالخير والصلاح لهذه الأرض أو أمر بالتقوى، ما الذي يحملك على أن تفعل به هذه الأمور؟ فكانه سبحانه وتعالى ينبه أبا جهل وأضرابه أن هذا الذي أنت تطأ أو تريد أن تطأه وتخوف وتحذر من العبادة، أرايت إذا كان هو المحق وأنت المبطل؟ أرايت إذا كان هو المصلح وأنت المفسد؟
ثم توجه إليه فقال: أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى هنا الكلام إلى أبي جهل، أرايت إذا كنت أنت المكذب وأنت المتولي وأنت الذي لست على الحق، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى؟ هذا المستبد الظالم الذي يريد أن يؤذي العبد المصلي، ألم يعلم بأن الله يرى؟ طبعاً هذه كلها بصيغة أرايت، أرايت ألم، هي فيها استفهام جميعها صحيح، تشعرك بماذا؟ يعني كأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يثير هذا الإنسان المستبد أنه فكر لك شوي، حاول أن تعمل عقلك: ما الذي يحملك على نهي الإنسان عن العبادة؟ ما الذي يحملك على أن تكون مؤذياً لعباد الله الموحدين؟ أرايت إن كانوا هم على الهدى والتقى والصلاح ويسعون في صلاح البشرية وأنت المكذب والمتولي والمعرض؟ ألا تعلم أن الله يرى كل هذا الصراع بين الحق والباطل، وكل هذا الأذى وكل هذه التهديدات والتخويف التي تلقيها على الموحدين، ألم يعلم بان الله يرى؟
طيب، بعد أن أثار في داخل هذا المستبد كل هذه التساؤلات، أرسل إليه التهديد الأخير: كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ. إذن سيبقى هذا المستبد الظالم في كل زمان ومكان يحارب التوحيد ويمنع الناس من إقامة شعائر الله ويؤذي المستضعفين من المؤمنين: كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ما معنى لنسفعا بالناصية؟ أي سناخذه من جبهته، سناتي بملك يأخذه من جبهته، وهذا يكون في الدنيا ويكون في الآخرة لا إشكال. وإن كان في الدنيا لا نراه بعيننا لكن كثير من الملائكة كانت تشارك في المعارك مع المسلمين وتقتل هؤلاء الظالمين والمستبدين، ملائكة الله شاركت في بعض المعارك وقتلت هؤلاء المستبدين الظالمين. فالله عز وجل يتوعد هؤلاء فيقول لهم: لَنَسْفَعاً. ما معنى نسف؟ أي نأخذ بالناصية، الناصية هي الجبهة مقدمة الراس، لنأخذ بجبهته ومقدم رأسه. ولاحظ إذا كان الشخص يقاد من هذه المنطقة هذه قمة الذل له، أن يجي شخص يجرك من راسك هكذا.
ويدندن أمام الناس لنسفن بالناصية، عن أي ناصية نتحدث؟ عن ناصية كاذبة خاطئة. هذه الناصية المكذبة بشرائع الله، هذي الله الخاطئة الخاطئة يعني الآثمة. هنا ليس الخاطئ غير المخطئ في اللغة العربية، إخواني ما الفرق بين خاطئ ومخطئ؟ المخطئ هو الذي يكون عن غير عمد، تقول: والله أخطأتُ، أخطأتُ فأنا مخطئ، المخطئ هو غير المتعمد.
أما الخاطئ، لا، هذا المتعمد للخطأ فهو آثم، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يحتكر إلا خاطئ، شو يعني خاطئ؟ آثم.
فإذا قال سبحانه وتعالى: لَئِن لَّمْ يَنتَهِ، هذا المستبد المجرم لنأفعن بناصيته، ولنقصعن هذه الناصية المكذبة بشرائع الله الآثمة بمحاربة دين الله. أبو جهل كان دائماً يستعلي بأصحابه وأهل ناديه وجماعته وقومه، فالله عز وجل يقول لأبي جهل وضراب: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ، ناديه يعني هو النادي اللي هو جماعتك الذين يجلسون معك في القهاوي وفي الجلسات العامة، يعني جيب لنا جماعتك خلينا نشوف مين جماعتك يا أبا جهل من زبانيته ومن الناس الذين حولك، ائت بهم، سندعو الزبانية.
نحن عندنا أيضاً من من يقوم بأوامر، إذا أنت يا أبا جهل هناك من يطيعك من المخلوقين الضعاف فنحن عندنا ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فليدع ناديه نحن سندعو الزبانية، والزبانية هو اسم لملائكته اسم لملائكته.
طيب بعد ذلك الرسالة الأخيرة في هذه السورة لمن؟ لذلك الداعية إلى الله، الداعية المستضعف الذي يوجد من الظالمين المستبدين من يسجنون ويسكتون صوته ويعذبونه، هذا الداعية المستضعف الذي يعيش في وسط الاستبداد، ما ما توجيه الله عز وجل له؟ هو الآن لا يستطيع أن يدفع هؤلاء المجرمين المستبدين، هو يدعو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكن ما الذي سيصبرني على كل هذه الآلام وعلى كل هذا الاستبداد والظلم؟ فالله عز وجل يآمُرك بأمرين، كَلَّا لَا تُطِعْ، يعني لا تستسلم يا أيها الدعاة الذين تعيشون في أزمنة الاستبداد، إياكم أن تساوموا على دينكم وعلى عقائدكم، لا تطع، لا تستسلم، لا تخضع، لا تبدل، اثبت على مبداك، على العقيدة، على التوحيد، على المعاني العظيمة التي تدعو إليها، لا تطع.
وحتى تقوى وتصبر على الآلام، عليك بماذا؟ قال: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ، شوف جمالية الختام، واسجد، يعني تعبد الله، لأن أكثر ما يعين الإنسان على الصبر على لأواء الحياة الصلاة إخواني، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، هذه ربنا كررها مرتين في سورة البقرة، أنه أكثر ما يعين الإنسان على الصبر عند وجود المستبدين الظالمين هو ماذا؟ هو أن تصلي لله سبحانه وتعالى صلاة خاشعة تامة بركوع وسجودها.
الصلاة تعطيك وقود المعركة، الصلاة تعطيك الراحة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر ماذا يقول؟ أرحنا بها يا بلال، يعني إذا تكالبت عليه هموم الحياة، المفزع والملجأ الذي كان يلجا إليه هو أن يصلي بين يدي ربه وأن يسجد بين يدي ربه.
عليك أن تعرف قيمة الصلاة في حياتك، الصلاة إخواني ليس تكليفاً أنت تريد أن تخلص منه، بعض الناس هو يصلي فقط لأنه في خمس صلوات أنا لازم أصليها وإذا ما صليتها راح يتحاسب، يعني ليس هكذا تورد الصلاة، أنت أنت تحتاج إلى الصلاة، أنت تحتاج إلى الصلاة لأن الصلاة ستكويك الصلاة صبرك ليس فقط عفواً على مصائب الظالمين بل حتى على مصائب الحياة العامة، عند فقد الأحبة وعند نزول المرض وعند ضيق المال وعند ضيق العيش في أي نكبة وفي أي بلاء وفي أي حالة أنت فيها أنت تحتاج إلى الصلاة حتى تخفف عن هذا القلب التعب والارهاق النفسي الذي أحاط به، فمهم جداً جداً أن تعيد تعريف الصلاة.
الصلاة ليس تكليف أنا بدي أدي وأفتك، يعني حتى الناس في رمضان كثير منهم بتشعر أنه حتى صلاة التراويح هي على قلبه، يعني أربع ركعات وبالكاد يلا خلص إلا من أربع يلا شباب بنطلع يعني، طيب ليش أنت بتصلي الأربعة أصلاً؟ ما هو شيخ يعني عيب في رمضان معقول ما نصلي أربعة؟ يعني هو شاعر أنه من التقاليد والعادات الاجتماعية أنه على الأقل حتى أحكي أني صليت تراويح لازم أصلي ايش؟ آه خلص صليت أربعة أنا صليت التراويح.
وأنت بتصلي التراويح بهذه الطريقة فقط لأنه في عادة اجتماعية أنه لازم أصلي، حقيقة هذه النظرة أذهبت قيمة الصلاة من حياتك، إذا أنت صدقني حتى هي الأربع ركعات إذا أنت غير خاشع فيها لأنه أنت أصلًا تراها ماذا؟ تقاليد اجتماعية لازم أروح على البيت تسألني الحجة صليت التراويح؟ آه يما صليت التراويح خلص صليت لك الأربع ركعات كفاها الله.
حقيقة هذا الذي يجعل الصلاة تفقد قيمتها خليني أقول في حياتك وجماليتها. الله عز وجل يقول للإنسان الداعية في زمن الظلم والاستبداد والتعب: صلي، الله يقول لنا: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، إذا الصلاة فيها مفاتيح الففرج، الصلاة هي قادرة أن تعينك على صعوبات الحياة بس بشرط أن تفهم الصلاة وأن تعقلها وأن تعيش في معاني الركوع والسجود.
لذلك هنا الله عز وجل عبر عن الصلاة بركن من أركانها وهو ماذا؟ السجود، هو ما قال صلي شو قال في سوره العلق؟ اسجد، هو أخص ما في الصلاة السجود، وأقرب ما يكون العبد من ربه في الصلاة وهو ساجد، فالإكثار من السجود والخضوع لله أثناء السجود وتعظيم الله أثناء السجود هذا له أثر كبير على راحة الإنسان وسويته النفسية سواء كان داعياً أو مسلماً يسير إلى الله بطبيعة الحياة مليئة بالأشكال، ولاحظ ماذا قال: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ، كان الاقتراب من الله مفتاحه السجود، الاقتراب من الله ما مفتاحه؟ إطالة السجود وكثرة السجود.
فكلما أردت أن تقترب من ربك روح صلي واسجد، كلما أردت أن تشعر أنك اقتربت من ملكوت السماوات والأرض معنوياً عليك أن تسجد، إذا سجدت اقتربت وإذا اقتربت لن يبعدك الله، ولا يمكن أن الله عز وجل يرى إنساناً اقترب منه وهو يبتعد عنه، من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني ماشياً أتيته هرولة.
وهذا طبعا ليس المراد من حقيقة أنه يأتيك هرولة وإنما كما قال الشراح دلالة إقبال الله السريع على عبده، أنت اخطُ الخطوة الأولى اقترب وأنا بشيلك، كان الله يقول لك اخطُ الخطوة الأولى اسجد واقترب وأنا بشيلك وأنا بحميك وأنا آخذ بيدك وأنا أقي من لأواء الحياة واتعابها وأصبر عليها حتى تنتهي هذه الدنيا على خير.
فحقيقة الختام فآخر ختام يحتاجه كل مسلم في الحياة كلنا يحتاج إلى كلا لا تطع، لا تساوم على دينك، ولما أقول لك لا تساوم على دينك يعني بعض الناس فقط بحملها على تطبيقاتها عنده أنه لا أترك التوحيد، لا، لا ترى تطبيقات لا تطع، كثير من الأمور لما تروح على عقد عمل في شركة ويقولوا لك والله يسامحنا احنا مظهرك العام مش مساعدك ليش مربي لحية؟ اعلق لحيتك حتى نشغلك، كلا لا تطع، لا تعلق لحيتك اثبت على مبادئك.
أو تيجي اخت مثلاً تريد تعمل في مكان معين، والله المظهر تعرفوا المظهر العام مش عم بيساعد، إذا كانت منقبة أو ملتزمة بالحجاب الشرعي والله احنا بدنا يعني فتاة على الموضة الحديثة تضع الكريمات والمرطبات وكذا وذات جمالية، لا، لن نقبلك بهذه الصورة، بعض الفتيات ببلش ينزل سقفه في الالتزام تقول لك لا إذا هيك أنا عمري ما راح أتوظف، كلا لا تطع.
ممكن أحياناً بعض الأقارب أو بعض الأوساط العائلية تيجي تامرك بالمنكرات أنه يا اخي لا تروح على المسجد تروح تصلي مع المشايخ أو تروحش على مجالس علم شو بدك مجالس العلم؟ خليك في مجالسنا والقهاوي والمجالس العامة، كلا لا تطع، أنت هي كلا لا تطع مبدأ حياة أي إنسان يريدك أن تفعل منكرات وتساوم على أخلاقك أو شرائعك الإسلامية، كلا لا تطع.
طيب أنا يا شيخ بعيش في وسط عائلة غير متدينة؟ ماشي أنا لا أطيع بس البيئة غير داعمة، يعني أنا شاب أو الأخوات ممكن تكون اخت تعيش في وسط بيئة غير داعمة لتدين، تقول: ماشي أنا أرفض طلبهم مني أن أخلع الجلباب، أرفض طلب والدي مني أن أحلق اللحية، أرفض طلب والدتي مني أني ما أصلي في المسجد، أرفض، لكن أنا تعبان يا شيخ البيئة الحولية مش عم بتساعدني على التدين والالتزام، وربنا أعطاك الحل مباشرة، لا تطع واسجد واقترب.
إذاً أنت تحتاج أن تجد أنيساً من الله صحيح، لما لا أحد يدعمك في رحلة تدينك والتزامك أنت تحتاج إلى من يؤنسك، والله عز وجل خير أنيس، فالله عز وجل يقول لك لا تساوم، لا تتنازل، وعليك أن تبحث عن الأنيس، وأنا خير أنيس، فهو أنيس المستوحشين عز وجل، فاسجد واقترب لله سبحانه وتعالى وستجد الأنس والراحة في هذا القرار.
إذاً لما تقرر التدين لا تفكر أنك وحدك، كثير من الشباب بيجي بيشكي بقول: شيخ أنا تدينت بس أنا حاسس حالي وحدي، وحدي بقاتل عائلتي والبيئة المحيطة بي، أولاد عمي، أولاد خالتي، الوسط كلهم مش متدينين فانا احتاج من يؤنسني، عم بشعر بالضعف، إي كلامك صحيح، وأرجو أن تجد رفيقاً صالحاً من أهل الأرض، ولو لم تجد من أهل الأرض فهناك أعظم أنيس الله سبحانه وتعالى، إياك أن تتخلى عنه وتظن أن الأنيس لابد وأن يكون بشرياً، أعظم أنيس وهو الذي يملك السعادة ويعطيك اياها هو الله، فلا تساوم، واسجد واقترب لهذا الإاله، وأعود فأقول من اقترب من الله لا يمكن أن يتركه الله، لا يمكن أن يتركك الله سبحانه وتعالى في أي قرار تدين، في أي قرار تحافظ به على مبادئك الدينية ولا تساوم عليها، لا يمكن أن يتخلى الله عز وجل عنك في هذه الساعة.
طيب نذهب الآن إلى سورة القدر، اقرا يا شيخ خفف على نفسي.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، في سورة التين كان الكلام عن مكان نزول الوحي، وهذه السورة لزمانه وما زال الحديث بعد سورة العلق عن أول نزول القرآن، لكن من جهة زمان نزوله في تلك الليلة المباركة المهيبة حيث ابتدأ نزول القرآن لتتنزال الرحمات ويتغير على أثره الكون وما فيه وتتهت لأجله الأرض والسماء. سورة القدر يا كرام، تتحدث عن... صوت واصل يا إخواني؟ طيب.
سورة القدر مشايخنا تتكلم عن ماذا؟ في قضية الوحي الإلهي، احنا قلنا التين والزيتون تتكلم عن آية عن مكان نزول الوحي صحيح؟ سورة القدر تتكلم عن ماذا؟ عن الزمان، قال سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، ولاحظ دائماً كيف أن القرآن يحتفي بالقران، هذه واضحة الجملة، كيف القرآن يحتفي بالقران؟ ايش يعني القرآن يحتفي بالقران؟ أن آيات القرآن تتحدث كثيراً عن القرآن وعن قيمته وعن مكانته وعن دوره في إصلاح البشرية وبث الهداية فيها.
فتحْتفي به مكاناً، تحتفي به زماناً، تحتفي به في أول تنزله، تحتفي به من حيث حاجة البشرية له، احتفاء القرآن بالقران يجب إنه يلفت انتباهك، لماذا القرآن يحتفي بالقران لهذه الدرجة؟ حتى أن هناك سورة في نزوله ومن حيث الوقت، وسورة في نزوله من حيث المكان، وسورة تبين قيمته، وكثيراً كثيراً ما يتحدث القرآن عن القرآن.
إذاً أكيد هذا الكتاب فيه سر سعادة، وإن كنت أنا لضعف تدبري لم أكتشف كثير من هذه الأسرة، وربما حياتنا المعاصرة للأسف أبعدتنا كثيراً عن القرآن، وجعلت القرآن سطحياً حتى في الدراسات الشرعية وعند كثير من طلبة العلم القرآن آخر شيء في حياتهم، يعني يهتم ربما باللغة والفقه وكتب العقيدة، جيد جزاك الله خيراً، لكن أين القرآن من حياتك؟ وأين تدبرك لمعاني القرآن وكشفك عن أسرار القرآن حتى يعطيك السعادة والهداية؟ هو آخر ما يفكر به.
وهذه مشكلة، الأصل أن القرآن في أول الطريق و منتصف الطريق وآخر الطريق وأن يبقى الدرس القراني حاضراً في حياة طالب العلم مهما كان الأمر، مهما كان مجالك أو تخصصك. حال تجد لبعض الشباب متخصصة في مثلاً اصول الفقه تسأله عن تفسير آية يقول لك والله يا شيخ مش تخصصي، لا، الله يرضى عليك القرآن تفسيره للجميع أنت الكل بكون فاهم القرآن. والله أنا طبيب ولا أنا مهندس أنا مش تخصصي مش تخصص القرآن، أخي هذا القرآن كتاب هداية للبشرية جمعاء، عيب أن تلقى الله سبحانه وهناك آيات كان بامكانك أن تفهمها وأنت لم تفهمها ستعض أصابع الندم.
في إنسان يموت مبكراً لم يلحق أن يفسر القرآن أو يفهم، لكن تخيل إنسان يعيش 50 60 سنة وما زال لا يعرف معاني القرآن، أليس هذا سامحوني هو نوع من القصور والإهمال؟ يعني أنت خلال 60 سنة لم تمر على القرآن من أوله إلى آخره ختمة تدبر واحدة؟ يعني على الأقل يا أخي نسألك عن معاني الكلمات الرئيسية في القرآن تمام؟ ما معنى الصمد؟ ما معنى الفلق؟ ما معنى غاسق؟ معقول أنت عشت 40 50 سنة إلى الآن لا تعرف ما هذه المعاني؟ عليك أن تلوم نفسك وتنادي عليها أنني والله مقصر، عندي مادة عظيمة إلهية نزلت من فوق سبع سماوات وإلى الآن معاني السور القصيرة أخطئ فيها! هذا يعود علينا أن هناك خطأ في طريقة تلقينا لرسائل الله سبحانه وتعالى.
وهذا الخطأ ترى آثاره بعد ذلك تظهر، تظهر في تديننا، أنماط التدين المعاصر، تظهر في طريقة تعاملنا مع الشرائع وأوامر الله في مقدار استجابتك وتمسكك بأحكام الشريعة، كلما عظمت القرآن كلما عظمت الشريعة في حياتك، وكلما استهنت بتفسير القرآن وتدبر القرآن سينعكس هذا على تعظيمك للشريعة وأحكام الله، خذها قاعدة يعني إذا رايت شخصاً يستهين بأحكام
الله يستهين بالاختلاط، يستهين بالربا، يستهين بإطلاق البصر للمحرمات؛ اعلم أن عنده مشكلة أولى في علاقته مع القرآن، لا يمكن أن تكون علاقتك مع القرآن سوية وتكون أنت في الشريعة مستهيناً بها. الاستهانة دلالة التقصير التام أو الكبير في تعاملك مع الهدي الإلهي. طيب، في سورة القدر يقول سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. اختلف المفسرون، ما معنى أنزل في ليلة القدر؟ هل المراد كل أنزل في ليلة القدر اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا؟ هذا هو اختيار ابن عباس ومشى عليه أكثر المفسرين؛ أن المراد إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، أن الله عز وجل أنزل القرآن كاملاً من اللوح المحفوظ بواسطة جبريل إلى مكان اسمه إيش؟ بيت العزة. أين هذا بيت العزة؟ في السماء الدنيا. طبعا ابن عباس لما يقول هذا الكلام، هو بالتأكيد ليس تحليل شخصي منه، هذا الكلام يأخذ حكم الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يسمى بالنزول الأول للقرآن، نزول من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، هذا تم في ليلة القدر. ثم خلال الثلاث وعشرين سنة التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم، نزل القرآن مفرقاً على حسب الأحداث والوقائع. فإذا إِنَّا أَنزَلْنَاهُ أي هو نزول القرآن كاملاً إلى السماء الدنيا.
هناك قول آخر من يقول لا، المراد إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، أي نحن ابتدأنا إنزال القرآن في ليلة القدر، يعني أول خمس آيات نزل بها جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، هذه أول خمس آيات نزلت متى؟ في ليلة القدر. والله تعالى أعلم، وإن كان كما قلت الأكثر على المعنى الأول وهو أن النزول كاملاً تم في ليلة القدر لكن ليس إلى الأرض بل إلى السماء الدنيا. إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
ولاحظوا، قيل إن ليلة القدر، لماذا سميت ليلة القدر؟ بأسباب كثيرة: أولاً، أن قدرها عظيم عند الله، ثانياً، أنها اكتسبت هذا القدر من نزول القرآن فيها. فكما أن القرآن يعطي للمكان قيمة، كذلك يعطي للزمان قيمة. إحنا في سورة التين والزيتون شو قلنا؟ إنه القرآن نزوله في هذه الاماكن أعطى هذه الاماكن قدراً عند الله حتى أقسم الله بها، وكذلك هذه الليله - الليلة زمان مش مكان صحيح، الليل هو زمان - هذه الليلة بالتحديد لماذا أخذت قدرها وشرفها لنزول القرآن فيها؟ فإذاً القرآن والله يبارك كل شيء، يبارك المكان الذي يحل فيه، ويبارك الزمان الذي ينزل فيه. إذا تخيل بركة القرآن في حياتك إذا اخذته وقراته واديته حق الأداء، سيبارك كل شيء في حياتك. لذلك أهل القرآن الذين يعيشون مع القرآن تجد البركة في حياتهم حاضرة، تجده مستانس، هادئ، مطمئن، لأن القرآن له صبغة تختلف عن كل الصبغات الأرضية صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً. القرآن يعطيك صبغة عجيبة وبركة في حياتك.
ذاك الشاب الذي يخرج للعمل صباحاً وقد قرأ حزباً من القرآن، وإذا عاد يجلس في مجالس مدارسة القرآن. ولاحظ، أنا لما أتكلم أن القرآن يعطيك بركة، أرجو أن تفهم أنه ليس فقط بالتلاوة، التلاوة تعطي جزء منها، لكن البركة الحقيقية إنما تحصل مع تمام الفهم للقران. ولذلك كلما حضرت مجالس التدبر أكثر وسمعت لأهل العلم المتدبرين وفتحوا آفاقك لمعاني القرآن، لن تشبع من الجلوس معه. ولذلك كما قال عثمان رضي الله عنه: لو صفت قلوبنا لما شبعت من كلام ربها. إحنا لماذا سريعاً ما نمل من قراءة القرآن؟ تجيء شخص قرأ جزءاً يعني ولهث بله، تعبان يعني، وشخص آخر ممن فتح الله عليه في القرآن يختم ختمة وختمتين وثلاث وهو في قمة الاشتياق. لماذا بعض السلف كان يختم في رمضان في كل يوم ختمة وهو في قمة تألقه ونشاطه، ونحنا يعني دوب الواحد فينا يختم ختمة ختمتين في رمضان ولهث ومفكر أن حقيقة هي طريقة تلقي القلوب لهذا الوحي عم تختلف.
هناك قلوب نقية تخفف من المعاصي والذنوب فنزلت مادة القرآن عليها فهمتها، تدبرت، أصبحت تستلذ وهي تعيش مع القرآن، وفي هناك قلوب متكدرة بالمعاصي والذنوب متشبعة بالدنيا، فلما جاء القرآن ليحل فيها لم يجد القرآن متسعاً في هذه القلوب. القلوب هي مزدحمة في الشغل والمصاري والشهوات والمناظر المحرمة والخطرات الرديئة، أتى القرآن يجد مكاناً وسط الزحام، ما وجد مكاناً، فربما قرأته قراءة سطحية ثقيلة وبالكاد أتممت الجزء ثم نحيته جانباً لتعود إلى دنياك. هذا الفرق بين القلب المستعد لقبول الهدايات وبين القلب المزدحم بأمور كثيرة مشغلة عن هدايات الله سبحانه وتعالى.
إذاً، ليلة القدر أخذت شرفها أولاً من تقدير الله لها وما وضعه الله عز وجل فيها من الخيرات والذخائر، وأخذت شرفها أيضاً من ماذا؟ من نزول القرآن فيها. لذلك قال سبحانه: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ هذا يجعل الإنسان إخواني ينتبه، ترى هذه الليلة ما بينكم وبينها إلا أيام مشايخ، ما بينكم وما بين هذه الليلة إلا آي أيام. النبي عليه الصلاة والسلام قال: التمسوها في العشر الأواخر وفي رواية: التمسوها في الوتر من العشر الأواخر. أنت بينك وبين هذه الليلة العظيمة أيام، وهذه الأيام أيام العشر الأواخر حري بالانسان خاصة الشباب أن يعتكف كل هذه الأيام حتى يكون على يقين أنه قام ليلة القدر. اعتكف هي العشرة أيام حتى لو باعتكاف جزئي، لاحظ يعني بعض الشباب يقول لي: طب شيخ أنا موظف. اخي مش مشكلة أنت موظف اعتكف اعتكافاً جزئياً في الليل، تبقى في المسجد، في الصباح نام لك ساعة ساعتين، تذهب للعمل وترجع بتقيل بعد العمل، لكن حرام عليك يعني بالمعنى العام يعني أن تضيع هذه الليالي وأن تفوت ليلة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى. الله عز وجل يقول لك: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ يعني أنت مش عارف شو ليلة القدر؟ أنت أيها الإنسان لا تعلم والله ما فيها من الخير والذخائر وأنها يمكن تنقلك نقلة نوعية.
ثم أراد أن يعطيك شيئاً من خيرها قال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ. يعني أنت لما تتعبد في هذه الليلة أنت تتعبد عبادة ثلاثة وثمانين سنة في ليلة واحدة، تقوم مقام ثلاثة وثمانين سنة. نعم، ليلة القدر هو لم يقل أنها تساوي ثلاثة وثمانين سنة، بل هي خير منها، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ يعني هي لا تساويها بل هي أعلى من الخيرية هي أخير هي أفضل من ثلاثة وثمانين سنة. تخيل إنسان ثلاثة وثمانين سنة يعبد الله يصلي ويصوم و و و، ليلة القدر الواحدة إذا قمتها بحق - من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً - هي عن مدة عبادتك ثلاثة وثمانين سنة. طبعا ركز، ثلاثة وثمانين سنة ما فيها ليلة قدر، حتى أنت بعض الناس بتشبك طب ما هو كل سنة في ليلة قدر؟ كيف؟ لا المراد أن ليلة القدر هي أفضل من ثلاثة وثمانين سنة لا يوجد فيها ليلة قدر.
طيب، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ هذه الميزة الأولى. الميزة الثانية: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ. الآن عند أكثر العلماء معنى هذه الآية أن الملائكة ورأس الملائكة الروح وهو جبريل عليه السلام ينزل في هذه الليلة لماذا؟ لكتابة الأقدار، وهذا أشير إليه في سورة الدخان لما قال عز وجل: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. كل ما سيحصل معك في السنة القادمة، كل ما سيحصل معك من هذا العام من ليلة القدر هذا العام إلى ليلة القدر إلى العام القادم ستنزل الملائكة به إلى الأرض أو إلى صحفها. ستنزل الملائكة به إلى صحفها، فلييلة القدر يكتب فيها ما سيجري خلال العام من الأحداث.
طب يا شيخ، ما سيجري خلال العام من الأحداث مش إحنا اخذنا في مقرر العقيدة في إرواء أن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؟ قلنا: نعم. قلنا تلك الكتابة هي الكتابة القدرية الأولى العامة الشاملة، لكن الكتابة في ليلة القدر هي يسميها علماء العقيدة الكتابة السنوية. وهذه الكتابة السنوية هذه تقبل المحو والتبديل، يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ. إذاً، الله سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ كتب كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض أصلاً، لكن في كل سنة، في كل سنة ما سيحصل في هذه السنة تعطاه الملائكة من اللوح المحفوظ، يسمح للملائكة أن يطلعوا على ما سيحصل في هذا العام فينزلون به إلى صحفهم فيكتبون هذا العام سيحصل كذا وكذا وكذا وكذا وكذا.
هذا الذي كتبه الملائكه قابل للمحو والتبديل من خلال أدعية الصالحين مثلاً، الملائكة قد تكتب في صحفها أنه هذا الشخص في هذا العام رح يصير معه حادث سير مميت، وهذا الشخص في هذا العام رح يمرض مرض شديد، وهذا الشخص في هذا العام سيفتقر، بهذه الأمور تمام! إذا أنت دعوت الله سبحانه وتعالى وحافظت على أذكار الصباح والمساء وحافظت على الأدعية والاقبال على الله عز وجل، الله عز وجل يامر الملائكة - مش قلنا كتب عليك أنك مثلاً حادث سير مميت؟ - بسبب دعائك والتجائك في ليلة القدر وإقبالك على الله يأمر الملائكة أن تمحو حادث السير وتعفى عنه، ويأمر الملائكة التي كتبت أن فلان سيفتقر بسبب دعائك أو دعاء صالح لك، يغنى ولا يفتقر.
طب هذا التفصيل أنك ستدعو وبسبب دعائك ستمحو الملائكة ما كتب لك، الله ألا يعرفه مسبقاً؟ نعم، لكن لم يكشفه للملائكة، يعني الله سبحانه يكشف للملائكة جزء مما في اللوح المحفوظ لكن لا يكشف لهم كل شيء، فالملائكة هي كتبت أنه سيصبح معك حادث سير لكن هي لا تعرف أن في اللوح المحفوظ أنه هذا الشخص سأطلب من الملائكة حادث السير عليه وسيدعو، وأما يدعو سأطلب من الملائكة أن يمحو عنه هذا الشيء. الملائكة ما عندها كل هذا التفاصيل، الملائكة أخذت فقط المعلومة الأولى: اكتب علي كذا وكذا. فهنا تظهر فائدة الدعاء أن الدعاء هو جزء من منظومة القدر. الدعاء هو جزء من منظومة القدر، لذلك كان السلف إذا وفقوا للدعاء يسروا بذلك. لماذا؟ قال: لأنني إذا وفقت للدعاء فهذا معناه أنه يريد أن يعطيني، لما ربنا يقويك أنك تقول: يا رب اعطني، مو هذا أيضاً جزء من القدر أنك تدعو؟ فإذا كتب الله لك الدعاء إذا هو كتب لك الإجابة، لكن الإجابة بالطريقة التي يختارها هو وليس بالطريقة التي تحبها أنت، لأنه هو يعلم سبحانه وتعالى ما الذي يصلح لك.
فإذاً: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ يعني كل أمر سيحصل هذا العام الملائكة ستنزل به إلى صحفها وتكتبه في صحفها. هذا من أشهر التفاسير. والبعض قال لا، إن الملائكة تتنزل بكل أمر فيه خير وبركة على الإنسان في هذه الليلة، فمن يكون مستيقظاً في ليلة القدر حاضراً في ليلة القدر يحصل من هذه الأمور الخيره والسعادة التي تنزلها الملائكة في هذه الساعات. فإذاً تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ.
هناك معنى آخر أن الملائكة تتنزل بالخيرات والبركات وينزل بها جبريل، يعني حتى لاحظ جبريل حاضر في هذه الليلة، جبريل بنفسه حاضر في هذه الليلة ببركات ينزلها على الأرض، لكن من الذي سيحصل هذه البركات؟ من قام هذه الليلة إيماناً واحتساباً.
ثم أعطاك الميزة الأخيرة لهذه الليلة، ماذا قال؟ قال: سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. هي ليلة سليمة، طب ما معنى السلام فيها؟ هنا اختلفت أقوال المفسرين. ما معنى سَلَامٌ هِيَ هي ليلى؟ قيل إن تصفيد الشياطين وابتعادهم عن الانسان فيها يكون أكثر وأكثر من باقي ليالي شهر رمضان. هس إحنا قلنا في شهر رمضان تغل مردة الشياطين ويبقى صغار الشياطين يصرح ويمرحون الصغار يبقون، لكن تغل المردة. قالوا في ليلة القدر حتى الصغار تختفي، حتى الصغار الصغار من الشياطين في ليلة القدر يختفون فلا يوسوسون لك، فهي سلام من خطرات الشيطان، سلام من الوساوس.
طبعا هذا الكلام هي سلام هل هي على الجميع ستكون كذلك؟ لا، لما نقول هي سلام هو سلام لمن يبحث عن السلام، سلام لمن يبحث عن السلام، من يبحث عن طاعة الله عز وجل. في بعض الناس في ليلة القدر يا اخي بتشوفها في المقاهي، بعض الناس في ليلة القدر يعصي الله عز وجل، بعض الناس في ليلة القدر يرتكب منكرات، فكيف تقول يا شيخ هي سلام؟ لا، هي سلام لمن يبحث، من يبحث عن ليلة يسلم فيها قلبه وهو صادق في هذا البحث، يبحث عن ليلة ينزل فيها من الطمأنينة والسكينة ما لا ينزل في غيرها. من يبحث عن هذا السلام عن هذه السكينة عن هذه الطمأنينة يجدها في ليلة القدر.
لذلك كثير من الصالحين وكنا نسالهم، بيقول لي: أنا شعرت أن هذه الليلة هي ليلة القدر. كيف شعرت فيها؟ من السكينة والطمأنينة ما لم أشعر في أي ليلة من العشر الأواخر. هذا كلام لمن صفى قلبه، من صفى قلبه عنده سنسر - بتعرفوا السنسر هذا الحساس؟ - عنده شعور معين في ليلة القدر يختلف عن سائر ليالي العشر الأواخر، شو شعور؟ براحة، سكينة، هدوء، طمأنينة مختلفة بسبب هذه الليلة. لكن هذا من سيراه ومن سيشعر به؟ اللي عنده نوع من الصفاء الإيماني يستطيع أن يدرك هذا الاحساس، لكن اللي الذنوب غمرت قلبه وحياته السنسر عنده خربان شيخ يعني الحساسات عنده ضاربة، يعني هذا كيف سيشعر بالسكينة والطمأنينة وأصلاً قلبك رانت عليه الذنوب وقد صدئ وقد تعب وأنهكته الذنوب والخطايا؟ فلا تقول لا، لا يمكن أن يح أن يشعر إنسان بسكينة زائدة، هذا شيء أنت لم تجربه ولم تذقه فأياك أن تنفيه، جربه الصالحون وجربه الأتقياء وجربه العلماء.
المبرز فوجدوا أن هذه الليلة فيها سلام من الوساوس وفيها طمأنينة وسكينة زائدة، عاد أنت صفي قلبك ونقي مشاعرك واستغفر الله بجد، لعل الله عز وجل أن يذيقك شيئاً من هذه السكينة.
طيب، نأتي إلى سورة البينة. سورة البينة من اسمها سورة البينة تتكلم عن ماذا؟ عن الحجة الإلهية. ما هي البينة؟ هي الحجة، وأعظم حجة أنزلها الله عز وجل علينا، وأعظم بينة أنزلها الله علينا ما هي؟ القرآن. وهنا لاحظ أن الله سبحانه وتعالى سمى القرآن بينة، يعني من أسماء القرآن الكريم من اسمائه ايش؟ البينة. طب هذا الاسم إلى ما يوحي؟ آه شيخ محمد يعني لماذا يسمى القرآن بينة؟ أحسنت، لأنه يبين، صح؟ يعني القرآن سمي بينة لأنه يبين، وهذا الاسم هو يعطيك وظيفة القرآن في حياتك. صحيح، شو وظيفة القرآن في حياتك؟ أن يبين لك الحقائق. وظيفة القرآن في حياة كل شخص منا أن يدلنا على الله، وأن يدلنا على مراد الله. إذاً وظيفة القرآن هو التبيين: تبيين الأسئلة الوجودية، تبيين مقاصد الحياة، تبيين المسارات والاختيارات، تبيين النهاية والمصير، وين أنا رايح في هذي الدنيا؟ فالقران هو مبين، هذه وظيفته.
فكل إنسان يبحث عن البيان للأسئله الوجودية الكبرى: من أنا، ولماذا وجدت على هذه الأرض، وهل أنا مسير أم مخير، وما هي نهاية هذا الوجود، وما حكمة الله سبحانه وتعالى في أفعاله؟ ويريد أن يسأل عن القضاء والقدر وعن اليوم الآخر وعن الرسل والرسالات، وما المطلوب مني أن افعل، ماذا يريد مني هذا الإله؟ كل من يبحث عن هذه الأسئلة، هي الأسئلة اللي قاعد فيثاغورس وأرسطو وأفلاطون وكل هذي الجماعة سنين وهم حاولوا يفكروا فيها وتعبوا وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وأكثر ما وصلوا إليه ترهات. أكثر ما وصلوا إليه ترهات.
القران يعطيك الإجابة واضحة، يعني لاحظ العبء اللي شاله عنك القرآن. الله عز وجل يعطيك هذه الأسئلة الوجودية وبالأدلة والبراهين العقلية في القرآن حتى تطمئن. احمد الله على هذه النعمة، والله نعمة عظيمة إخواني، أنت لا تشعر بها لأنك ولدت وأنت تعرف الإجابات العامة للأسئلة الوجودية، لكن الفلاسفة أفنوا أعمارهم وحياتهم بحثاً عن هذه الإجابات. من يريد أن يبحث عن إجابات الأسئلة الوجودية بدون وجود نور من الإله والله يتعنى وبيتعب، وأكثر ما يصل إليه خيالات وأفكار أكثرها مغلوط ولا يمثل الحقيقة. القرآن يبين لك الحقيقة، فشقي ذلك الإنسان الذي يترك البيان القراني ويعود فيريد أن يأخذ إجابات الأسئلة الوجودية من اليونان أو من الثقافة الأجنبية الغربية أو من الفكر الغربي المعاصر. بعرف بعض المثقفين اليوم وحتى بعض الفرق الإسلامية للاسف تركت بيان القرآن وذهبت إلى بيان اليونان، حتى بعضهم ألف كتاباً بهذا العنوان يعني من ترك بيان القرآن وذهب إلى بيان اليونان! يعني أنت تركت بيان الله الواضح والعقيدة عقيدة أهل الحديث الواضحة في الكتاب والسنة، وأصبحت تبحث عن معاني الأسئلة الوجودية في عقيدة أرسطوطاليس والفلسفة المشائية، وماذا يقول أرسطو وأفلاطون، وماذا يقول فلاسفة الفرس والهند، وتظن أن هذا سيعطيك إجابة مريحة؟
القران هو الوحيد القادر على أن يعطي الأسئلة المريحة والواضحة والبينة لمعاني الوجود. إذاً البينة، يقول سبحانه: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ.
يقول الواحدي في تفسيره البسيط من أصلح -أي الآيات القرآنية تفسيراً- أول أربع آيات من سورة البينة، تخيل! يقول الواحدي وهو من كبار المفسرين: من أصلح الآيات تفسيراً أول أربع آيات من سورة البينة. لماذا؟ قال: لأن ظاهر الآية الأولى يتعارض تعارضاً في -طبعاً- في عقولنا وليس واقعاً، مع الآية الرابعة، أنه ماذا قال هو في سورة البينة؟ فكر معي: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. أنت الآية الأولى ماذا فهمت منها بالفهم السطحي؟ أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى والوثنيين، وأن الوثنيين من المشركين لن ينفكوا عما هم عليه من الباطل حتى تاتيهم بينة من الله واضحة وهداية من الله واضحة تجعلهم ينفكون عما هم فيه. هيك الأكثر فاهم الآية صحيح؟ ثم أراد الله أن يبين ما هي هذه البينة: رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُصُحُفًا مُطَهَّرَةً. هذه آية تفسيرية: حتى تأتيهم البينة، ما هي البينة؟ الآية الثانية بتفسر لك شو هي البينة. البينة هي رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، هذه الصحف فيها كتب، أي مكتوبات، هذه الصحف فيها مكتوبات قيمة، مستقيمة، الصراط المستقيم فيها كتب قيمة.
بعدين ماذا قال في الآية الرابعة؟ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ. احنا في الآية الأولى شو حكينا؟ أنهم لن ينفكوا عن باطلهم حتى تاتيهم البينة، فأنت شو بتاخذ مؤشر من الآية الأولى؟ أنه إذا جاءت البينة سينفكون عن باطلهم ويهتدون. لكن الآية الرابعة ماذا تقول؟ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ. إذاً الآية الرابعة كأنها تقول أن البينة أصبحت سبباً في الخلاف! والآية الأولى ظاهرها أن البينة هي سبب في الاهتداء. فعاد أحترنا، هي البينة ستكون سبباً في الانفكاك عن الضلال والدخول في سلم الاهتداء، أم البينة هي سبب في الاختلاف والتفرق؟ فهمتم وين الحيرة التي وقعت عند المفسرين؟ أن ظاهر الأولى في الظاهر يتعارض مع الآية الرابعة. طب ما هو الحل؟ كيف نجمع بينها؟
أكيد هنا أصحاب علماء التفسير من القدم ذكروا التفاسير الكثيرة، هناك تقريبا نستطيع نقول ثلاث أقوال في تفسير هذه الآية. أشهر الاقوال أن الله سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ يخبرنا خبراً في الآية الأولى أن البشرية تحتاج إلى البينة وإلى توضيحات من الله حتى يتركوا الشرك، فالآية الأولى هي ماذا تقول؟ تقول إن الوضع الطبيعي أن أهل الكتاب وأن المشركين عبر العالم كلهم يحتاجون إلى بينات وهدايات حتى ينفكوا عن شركهم وعن باطلهم، فالآية الأولى اخبار، الآية الأولى اخبار إلى حاجة الأرض إلى البينات، كأنه يقول: كأن سورة القدر ذكرت وقت نزول الوحي الإلهي فكانه جاء يقول لك في سورة البينة لماذا نحن نحتاج الآن إلى نزول البينة؟ لماذا الأرض تحتاج إلى نزول البينة من الله؟ لأن أهل الأرض لن يتركوا ما هم فيه من الشرك والوثنية والنصرانية واليهودية المحرفة إلا إذا جاءتهم بينة من الله جديدة تجدد معالم ملة إبراهيم. فهمتم؟ لأنه لما نزل الإسلام أو نزل القرآن كيف كان حال الارض؟ كان الناس جل أهل الأرض كانوا على ماذا؟ على الديانات المحرفه والوثنية الشركية، هكذا كان العالم الأرضي عند نزول أول آيات القرآن.
فالله يخبر عن احتياج الأرض إلى البينات، الأرض الآن عمها الشرك، عمها الوثنيات، عمها الكفر، عمتها الديانات المحرفة، فلن ينفكوا عن هذه الأمور حتى تأتي ملة ختامية جديدة وبينة جديدة تزرع الهدى وتحارب الشرك وتبين هذا الباطل وفساده، فالآية الأولى اخبار عن الله عن وظيفه البينة وليس اخباراً عما سيقع فعلياً، اخبار عن آية عن وظيفة البينة. وظيفة هذه البينات أن تجعل الناس ينفكوا عن الشرك والديانات المحرفة: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. هذا هو هدف البينة. وما هي البينة؟ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. إذاً هذه السورة تخبرك عن احتياجك إلى هذا الرسول، إذاً هي تخبر عن ماذا؟ لماذا نحن نحتاج إلى رسول من الله؟ لماذا الله يرسل الرسل والرسالات؟ وهذا سؤال من أسئلة العقيدة: لماذا الله يرسل الرسل والرسالات؟ حتى تفكنا عن الظلم وعن الشركيات وعن الوثنيات والاديان المحرفة وتعطينا الحقائق، فنحن جميعاً نحتاج إلى رسول من الله، هذا الرسول يتلو علينا صحفاً مطهرة، هذه الصحف المطهرة مكتوب فيها كتابات قيمة، ما معنى كتابات قيمة؟ أي كتابات مستقيمة، الصراط المستقيم الذي يقود إلى الله وليس الطرق المعوجة.
طيب، لكن السؤال الآن: هل كل البشر انتفعوا بهذه البينة؟ احنا عرفنا في الآيات الأولى حاجتنا جميعاً للبينة. لكن في الواقع هل كل الناس انتفعوا بهذه البينة، أم تحزب الناس وتفرقوا تجاهها إلى مقبل ومصدق بها ومعارض ومعاند لها؟ تحزب الناس إلى طائفتين: فمنهم مؤمن بها ومنهم كافر بها. إذاً: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (ولم يذكر المشركين هنا؛ لأن المشركين حقيقة في تلك الفترة لا يمثلون نموذجاً معرفياً، واللي بيحضر معانا تدبر سورة البقرة أشرت إلى هذه الفكرة كثيراً، أن المشركين في جزيرة العرب الله عز وجل كان يسميهم في سورة البقره الذين لا يعلمون، كانوا أميين لا يقرون ولا يكتبون فكانوا عالة على اليهود والنصارى، يعني كيف أقول لك؟ واحد في الصف بكون شاطر واحد جاهل، هذا الجاهل مش محسوب يعني، هذا مش محسوب أصلاً لأنه هو لا يمثل حالة معرفية، العرب كل شغلهم ثارات ومشاكل وفلان بده يتزوج فلان وعبلة وعنترة والقصص وامرؤ القيس يعني هذه شغلتهم، لكن كانوا أصحاب كتب ولا بيعرفوا في الأديان وعايشين حياتهم الخاصة، فلذلك لم يكن هناك حاجة كبيرة لذكر شانهم، بخلاف اليهود والنصارى لأنهم كانوا يمثلوا نموذجاً معرفياً، لكنه نموذج معرفي ساقط ومشوه وبين الله حجم السقوط والتشوه فيه في سورة البقرة، لكن في النهاية هم أصحاب كتب سماوية فكان المفروض منهم أن يكونوا أول مؤمن بهذه البينة، لكنهم للأسف كانوا أول كافر به).
فيقول سبحانه وهو يعيب اليهود والنصارى: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ. يعني للأسف كأننا نقول بدلاً من أن تأتي هذه البينة لتنقلهم من الديانات المحرفه إلى هدايات الإسلام، وقع الخلاف بينهم والتفرق عندما نزلت البينة، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، مع أن هذه البينة هي إلى ماذا تدعوهم؟ قال: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ.
يعني هل هم أمروا بشيء غريب؟ هل أمروا بشيء خلاف ما ينبغي أن يكون؟ أمروا بالإخلاص لله وبالقيام بالصلاة والزكاة، وذكر هاتين العبادتين باعتبارهما أصول العبادات البدنية والمالية: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم ما سياتي بعدها من الشرائع. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ (حنفاء أي مائل من الشرك إلى الإسلام) وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ.
طيب، ما دام الناس تفرقت إلى فرقتين في قبولها لهذه البينات، ما دام هذا التفرق في الدنيا فانه سيستمر للآخرة أليس كذلك؟ ماذا قال الله عز وجل بعد ذلك؟ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا. اللي اختار الإعراض عن هذه البينة تنتظر جهنم. وَأُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ أسوأ الناس الذين يمن الله عز وجل عليهم ببيان واضحات فيعرضون عنها، شر الناس اللي ربنا بيسر له الهداية ولا يقبلها.
في المقابل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ومين أحسن الناس؟ اللي يستقبل هذه الهدايات والبينات ويقبل بينة الله سبحانه وتعالى فيعمل بها ويتمسكوا بها: خير البرية. ما جزاؤهم عند الله سبحانه وتعالى؟ شو جزائهم؟ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ. ما أجمل هذا الختام! إذا بتقبل أنت بينات الله أنت سترضى عن الله والأهم أن الله يرضى عنك لأنك قبلت هدايته. ذَلِكَ أَيْ ذَلِكَ الجزاء الكبير، ذلك الرضوان التام لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ لمن خاف الله فقبل هدايته وبينهاته هذا سيكون جزاؤه.
ولاحظوا أن السور جزء عم قصيرة صحيح، لكنها بتعطيك الخلاصة، يعني خلاصة الخلاصة في عندك بينة من الله ستاتي هذه البينة عبارة عن رسول يتلو صحف مطهرة، إذا قبلت هذه البينة وتمسكت بها ستسعد، وإذا لم تقبلها ستشقى. أحيانا إطالة الكلام والاسهاب بتكون فيها إضاعة للفكرة، لا، أحيانا تحتاج فكرة مركزه يا هيك يا هيك وانتهت القضية وعاد أنت اختار المسار الذي ستسير فيه في الحياة.
نقف اليوم إن شاء الله عند تفسير سورة البينة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل