بسم الله. الحمد لله، نتأكد من جودة الصوت ابتداءً إخواننا قبل البدء على اليوتيوب، لو أن أحد الإخوة يعلق بمن كان حاضراً أو شيء. طيب، الصوت جيد. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترا الآل وصحبه، ولمنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله، الإرواء لكن هذه المرة عبر البث المباشر وليس في الميدان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على استغلال هذه الأيام المباركات بما يقوي إيماننا ويضمد جراحنا ويستر عيوبنا وذنوبنا، إنه سبحانه وتعالى الموفق إلى كل خير.
موعدنا اليوم مجلس جديد من مجالس التفسير، وفي مقرر التفسير من برنامج إرواء، وما زلنا نعيش في تفسير أو تدبر، دعونا نقول، قصار المفصل. وصلنا أو انتهينا من الحديث إلى سورة الزلزلة، وهذه السورة من السور العظيمة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على قراءتها؛ حتى جاء في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان ورد أنه قرأ سورة الزلزلة في صلاة الفجر في الركعة الأولى وأعادها في الركعة الثانية. هذا يعطي انتباه أن هذه السورة وإن كانت قصيرة المبنى لكنها عظيمة المعنى، وأنها ترسخ معاني عظيمة لا بد وأن تبقى حاضرة في ذهن الإنسان. تخيل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في العادة يقرأ في صلاة الفجر سوراً طويلة، لكن في هذه المرة أو في بعض الأحيان قرأ سورة الزلزلة في الركعة الأولى ثم أعادها في الركعة الثانية. إذاً، هناك معاني معينة يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن ترسخ في أذهان الصحابة وفي أذهان الأمة من سورة الزلزلة.
سورة الزلزلة موضوعها العام هو تذكير للإنسان باليوم الآخر، وبشكل عام جزء عم وقصار المفصل من أحد المعاني الأساسية التي تركز عليها دوماً: تذكير الإنسان بأن المقام ليس في الدنيا، وأن المقام عند الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. عقيدة الإيمان باليوم الآخر هي أهم عقيدة تجعل الإنسان يتخفف من الذنوب والمعاصي، يحسب الحركات والألفاظ، ينتبه على مسارات الحياة واختياراته. أي إنسان لا يؤمن باليوم الآخر هو لا يوجد بالنسبة له شيء يخسره، فتجده يفجر في الدنيا، يفجر أمامه، ولذلك ربنا عز وجل في سورة القيامة لما أخبر ما الدافع لكثير من الناس لإنكار يوم القيامة، قال: بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ. إنه بده يفعل الفجور والفواحش والمنكرات واللذائذ، فحتى لا يشعر بتأنيب الضمير وهو يفعل هذه الفواحش والمنكرات يختار خيار إنكار الدار الآخرة، وبئس هذا الخيار. بخلاف الإنسان الذي يعتقد أن هناك حساباً وأن هناك جزاءً وأن هناك مسؤولية على أعماله وتصرفاته، هذا لا يفجر أمامه، لا يستطيع أو على الأقل نفسه لا تطاوعه على إطلاق العنان لها لأنه مدرك أن كل شيء سيفعله في هذه الدنيا سيكون له حساب في الدار الآخرة. هذه إذاً الفكرة العامة لسورة الزلزلة، ولاحظ اختيار كلمة الزلزلة حتى تزلزل القلوب؛ يعني كما أن هذه الزلزلة تزلزل الأرض الجامدة الصلبة، كذلك عليها أن تزلزل قلبك وأن تحدث فيه خوفاً واضطراباً وترقباً لما ينتظرك في هذا اليوم المهيب.
يقول سبحانه وتعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا. الله عز وجل بدأ بذكر الزلزال الذي سيحصل في الأرض، وهذا الزلزال الذي سيعقبه إخراج الموتى وكل شيء من باطن الأرض، فقال سبحانه: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا. لماذا قال زلزالها؟ قال المفسرون: كلمة زلزالها إشارة إلى أنه زلزال خاص لم يسبق للأرض أن زلزلت. الآن نحن في الحياة الدنيا نسمع كثيراً عن ظاهرة الزلازل؛ زلزال في شرق آسيا، زلزال في قارة أوروبا، زلزال في جنوب العالم، في شمال العالم، لكن كل هذه الزلازل عبارة عن زلازل جزئية، وهناك زلزال كلي خاص بكل الكرة الأرضية ادخره الله سبحانه وتعالى ليوم العرض الأكبر، فلذلك قال: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، يعني ذلك الزلزال العظيم المهول المهيب الذي ادخرته لها. هذا الزلزال الذي سيخرج كل ما في الأرض من إنسان وأشجار وحيوانات ومعادن وكل شيء، سيخرج نتيجة هذا الزلزال الذي لم يسبق أن أصاب الأرض، إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا.
وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا. لاحظ قال وأخرجت الأرض كل ما فيها، وكان هذه الأشياء المدفونة في الأرض عبارة عن أثقال كانت تنهك هذه الأرض، فالأرض انتظرت ليأتي هذا الزلزال حتى تخرج كل ما فيها مما أثقلها، قال: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا من الناس والكنوز المدفونة فيها، وكأنها يعني تؤدي أمانة استودعت فيها؛ الله عز وجل استودع هذه الأرض أجسادنا والبهائم والكنوز والمعادن وكل شيء خلقه فيها، هذه الأرض تؤدي هذه الأمانة الآن في يوم العرض الأكبر، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا لله رب العالمين. في هذا المشهد، في خضم هذه الزلزلة وكل شيء الآن عم يخرج من الأرض من جديد، يخرج الإنسان إلى أرض المحشر وإلى ساعة البعث، فيرى حاله مهولة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.
الإنسان عندما تعود إليه الحياة من جديد ويخرج إلى الأرض مرة أخرى يصاب بالذهول والانبهار والخوف والرعب والقلق؛ يعني كل المشاعر ستأتي في تلك اللحظة. ما الذي يحصل الآن؟ خاصة ذاك الإنسان الجاحد، ذاك الإنسان الذي ما كان واضع حساباً وما كان واضع في ذهنه أن هناك دار آخرة سيحاسب فيها الإنسان على تصرفاته، المجرمون، المستبدون، الفاسدون، العصاة، الفسقة، كثير من هؤلاء لم يحسب حساباً لهذا اليوم، لكن عندما تعاد الأجساد ويعود ويخرج مرة أخرى، سيسأل سؤال الخائف الوجل المترقب المرعوب: وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا؟ لماذا الأرض تتزلزل؟ لماذا تخرج كل ما فيها؟ ما الذي يحصل؟ ماذا أفعل أنا هنا؟
وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا؟ يَوْمَئِذٍ كان الجواب جاء لهذا الإنسان، أنت خرجت تقول ما لها؟ ما الذي يحصل الآن؟ جاءك الجواب: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا. نعم، الأرض أخرجتكم مرة أخرى يا أيها البشر، لفظت من داخلها لتتحدث عن كل ما جرى عليها عبر تاريخ الإنسانية، من لدن نزول آدم إلى الأرض إلى آخر مشهد من مشاهد الحياة الدنيا، ستتكلم الأرض بكل ما جرى عليها من الأحداث، بكل سجدة سجدت، وبكل قيام ليل حصل عليها، بكل مسجد كان فيه طلاب يحفظون القرآن ومراكز لإقامة شرع الله سبحانه، وفي كل مكان كان فيه مقهى أو كان فيه مرقص أو كان فيه لاهون عابثون غافلون، ستتحدث عن جرائم المستبدين، ستتحدث عن أطفال قتلت، وعن قصف حصل على أهل الإيمان في أماكن، ستتحدث عن خذلان وقع من الأمة لإخوان رابطوا في سبيل الله، ستتحدث عما حصل عليها من الزنا والخيانة، وما حصل عليها من الجهاد ومجالس العلم، ستتحدث عن كل شيء. ستتحدث عن كل من خطى عليها خطوة للصلاح ولإصلاح ذات البين ولصلة رحم ولتنفيس عن مكروب، ولكل خطوة سعاها إنسان منافق يتآمر على أمته ويغش رعيته، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا. كل القصص وكل المجريات وكل التفاصيل وكل المشاهد ستتحدث به الأرض لله رب العالمين.
حقيقة هذا مشهد مهيب، يعني يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا في تصوري أو في تذوقي دعوني أقول، هو صلب سورة الزلزلة، وهذا ما يجعل الإنسان يهاب ويخاف ويحسب حساب أنه أي خطوة يخطوها على هذه الأرض الأرض ستتكلم عنها يوم القيامة، فاختر خطواتك وحدد مساراتك. إذا اخترت الطريق الصحيح الأرض ستقول: يا رب، فلان الفلاني مشى نحو الصلاح، مشى إلى مسجد أو إلى مجلس علم أو إلى قيام ليل أو إلى صلاة فجر أو إلى... ستتحدث بصلاحك، وإذا مشيت نحو الفساد ستتحدث بفسادك، حتى في خلواتك التي تظن أنه ما أحد حولك، لا لا، الأرض كانت شاهدة أنك في يوم من الأيام دخلت إلى غرفة وأغلقت الباب وهتكت الستر بينك وبين الله، ستتحدث الأرض بأخبارها بكل المجريات والوقائع. وهذا حقيقة يجعل الإنسان يهاب ويخاف ويخشى، لا تظن أن هناك خلوات في الدنيا، ما في شيء اسمه خلوات بالمعنى الحقيقي، الله مطلع والأرض تشهد، والأرض تشهد ولم تغب. يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا. طيب من الذي قال للأرض أن تتحدث؟ من الذي أمر الأرض أن تتكلم؟ قَالَ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا. الله سبحانه سيأمر الأرض أن تتكلم بكل شيء حصل، كما أنه سيأمر جلدك وعظمك أن يتكلم: وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ. أليس كذلك؟ كما الله يستنطق أعضاءك ويأمرها أن تنطق، كذلك يستنطق الأرض ويطلب منها أن تتحدث عن كل ما جرى. عندئذ لن تستطيع الإنكار ولن تستطيع الجحود ولن تستطيع الهروب، لن تستطيع تقول: يا رب لا، الملائكة سجلت علي شيئاً لم أفعله؛ تحدثي يا أيتها الأرض بكل ما جرى عليك من المشاهد، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا.
يَوْمَئِذٍ مرة أخرى يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا. الصدور في أصله أن الإنسان إذا ورد مورد ماء يصدر عنه، ما معنى يصدر عنه؟ يعني يغادره بعد أن يشرب من الماء أو من النبع أو من العين، يصدر يغادر. فالله سبحانه وتعالى كأنه يقول: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ، غادروا، خرجوا؛ كان الناس وردوا إلى هذه الأرض في الدنيا والآن صدروا عنها. لكن خروج الناس مرة أخرى من الأرض قال: سيكونون أَشْتَاتًا. ما معنى أشتاتاً؟ قالوا: مختلفين في أحوالهم وأعمالهم ومصائرهم ونهايتهم. سيخرج الناس من الأرض، سيصدرون من الأرض على أحوال مختلفة، هناك المطيع، هناك العاصي، هناك الكافر، هناك المؤمن، هناك الإنسان الفخور بما قدمه من أعمال صالحة بينه وبين الله، وهناك الإنسان المكتئب الشقي الذي يعرف أنه اليوم سيدفع الثمن. إذاً لما يخرج الناس إلى أرض المحشر سيكونون أشتاتاً، مختلفين، متفرقين في مصائرهم وأحوالهم وأخبارهم، كل شخص له قصة وحكاية، كل شخص له مسيرة وتجربة، كل إنسان قدم تاريخاً وصحيفة مختلفة عن صحيفة أخيه، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا. طيب لماذا هذا الصدور على هذه الحالة المتنوعة والمختلفة؟ قال: لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ. آه، يعني نحن سنبعث مرة أخرى لنتسلم النتائج؟ ما معنى لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ؟ أي ليتسلموا نتائج الأعمال. الآن عندك صحيفة سيسجل فيها كل تاريخك وقصتك وحكايتك، القصة لن تنتهي في الدنيا والله، بل هناك مشهد مهيب أنت سترى فيه نتائج الأعمال وحصاد الأعمار، حصائد السنوات هناك ستجدها، لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ. ثم يعطيك إياها ربنا بكل وضوح وباختصار؛ نتائج الأعمال هي على النحو التالي: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. والذرة هو صغار النمل، قالوا: فمن يعمل مثقال ذرة من الأعمال الصالحة: خَيْرًا يَرَهُ، سيرى نتيجة ذلك ثواباً ورفعةً وسعادةً، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، إذا فعلت مثقال الذرة بس من باب الشر ومن جانب الشر أيضاً سترى، هذا هو العدل الإلهي، أنت قدمت والآن ستحصد نتائج الأعمار هذه. هذه القضية تجعل الإنسان دوماً إخواني مترقباً، يحسب الخطوات، يحسب الأعمال، ويتذكر أن كل نظرة عين إما أن تكون خيراً أو شراً، كل سماع أذن إما أن يكون خيراً أو شراً، كل كلمة تقولها في مجلس إما أن تكون خيراً أو شراً، كل مكان تمشي إليه إما أن يكون خيراً أو شراً، ما دمت سأرى نتائج الخير ونتائج الشر، فاحسب من الآن الخطوات، وتذكر أن الأرض ستتحدث بكل ما جرى عليها. هذه خلاصة يعني تليق بهذا المجلس في التعليق على سورة الزلزلة.
بعد ذلك ننتقل إلى سورة العاديات، ولاحظ هذا الاسم الجميل العاديات، وهذا وصف للخيل وهي تعدو وتتعب وتسير للبذل في سبيل الله، وكأن اسم هذه السورة أيها الكرام يطالبنا نحن أن نكون من العاديات؛ كن كالخيول العاديات، تصول وتجول في هذه الحياة الدنيا وتركض نحو طاعة الله سبحانه والبذل في مرضاته. هذه السورة بدأت بالقسم، بدأت بالقسم بالخيول العاديات، وأنا دائماً أحاول أن أفهم العلاقة بين القسم والمقسم عليه، لأنه هذا يساعدك على أن تعيش جو السورة. يقول سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة في قسم طويل نوعاً ما مقارنة بحجم السورة، يقول سبحانه: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا. خمس آيات عم ترسم مشهد معركة كاملة، أليس كذلك؟ يقسم سبحانه بالعاديات حالة كونها ضبحاً. ما هو الضبح؟ الضبح هو صوت نفس الخيل عندما يسرع في الركض؛ بتعرفوا الإنسان لما يكون هكذا يركض في الحياة يصبح مع شدة الركض له صوت نفس، هذا الصوت هو الضبح تمام، فالله عز وجل لاحظ المشهد، يصور لك صورة الخيل تعدو، ومن شدة عدوها وركضها للجهاد والبذل أصبح الضبح يصدر منها وأصبح مسموعاً. إذاً ما بصير أنت تلغي أو تتغافل عن أي كلمة أثناء التفسير؛ يعني هو أقسم بالخيل العاديات والجهد قد أخذ منها مبلغاً، وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا حالة كونها ضبحاً. ثم قال: فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا؛ الخيل مع شدة عدوها قدمها ترتطم بالأرض، عندما ترتطم بالأرض وبحجر ينقدح مثل شرارة النار، وهذا يدل على أنها تضرب الأرض بصلابة، بقوة، بثبات. وبعد أن ندرس القسم سنحاول أن نفهم لماذا القسم جاء بهذه الطريقة، وهل القسم يريد أن يشير إلى طبيعة الإنسان السائر إلى الله أنه يجب أن يكون كهذه الخيل؟ طيب قال: فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا أي تشعل شراراً لشدة وقع أقدامها على الأرض، ثم قال: فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا. لماذا هي تعدو بنفس عظيم وتقدح أو تحدث شراراً بسبب شدة وقع ضربها على الأرض؟ إلى أين تذهب هذه الخيل؟ إلى أين تذهب؟ قال:
فالمغيرات صبحاً، هي ذاهبة من أجل أن تغير، وتغير وتبذل بذلاً في سبيل الله؛ فلذلك هي خرجت في وقت الصباح، وقت البكور، وهذه هي البركة: أن الإنسان يستغل الصباحات، وقت الإشراق. قال: فالمغيرات، ذهبت لتغير لتظفر بشيء في سبيل الله. فالمغيرات صبحاً. طيب، لما أرادت أن تغير في وقت الصباح، قال: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا. الآن هذا العدو وهذا الركض الشديد كان سبباً في إثارة النقع، والنقع هو الغبار، دائماً الخيل إذا كان عدوها شديداً كثيفاً متتابعاً تحصل غبار، وفي الصحاري وفي أماكن عدوها. فالله سبحانه وتعالى يقول لك: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، هو يريدك أن تتصور المشهد كاملاً، كيف أن هذا العدو السريع قد ملأ السماء غباراً وغطا سحابة، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا. الآن وصلنا إلى وسط المعركة، قال: فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا، أي وصلت هذه الخيل إلى وسط الميدان. طب ماذا حصل بعد ذلك؟ الخيل عدت وكان هناك شرار في أثناء عدوها وبدأت الغارة، وتحركت باتجاه المنطقة المرصودة في وقت الصباح، وهذه الحركة الشديدة أثارت غباراً، ها هي الخيل الآن تصل إلى وسط الميدان. ربما الإنسان ينتظر أن تكتمل المعركة، أليس كذلك؟ طب ماذا بعد فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا؟ أليس مثلاً متوقعاً إذا يا رب انتصرت هذه الخيل أو لم تنتصر، هل ظفرت بمقصود أو لم تظفر؟ كأن السورة حتت المجالات بعد ذلك لتقول للإنسان الباذل في سبيل الله: المهم أن يبذل، أن يعمل، أما النتائج فالله عز وجل يعني يعطي من فضله ما يشاء. يعني لا تنتظر النتائج، شوف هذه قضية عظيمة في سورة العاديات: لا تنتظر النتائج، أنت عليك ماذا؟ البذل، وأن تكون في وسط المعركة، أما النتائج يمكن شهادة في سبيل الله، صحيح وتغادر الدنيا، ممكن تنتهي وتعود بغنائم، النتائج خياراتها متعددة، لكن ما هو المهم؟ المهم أن أعمل. لاحظ كيف إذاً سورة العاديات تربي الإنسان على البذل والعطاء دون انتظار النتائج، اطلب ثوابك من الله سبحانه وتعالى واترك النتائج عنده، المطلوب منك أن تبذل. لذلك لو سألتني لماذا لم تكتمل الحلقة الأخيرة؟ أقول لأن الله سبحانه وتعالى يربيك على أن تكون كالخيل العاديات، الخيل التي تذهب إلى ميادين البذل والعطاء بكل قوة، بكل شدة، لا أحد يعني ما بصير يغيب عنا كلمة ضبح، هذا المسلم المجتهد للعمل في دين الله، ودلالة اجتهاده ظهور التعب عليه، أليس كذلك؟ شعر بنفسه بإرهاق لكنه مع ذلك يسير. يعني الخيل قالوا مع أنها تصدر هذا الصوت الضبح، لكنها مع ذلك لا تتوقف عن الركض، بالعكس هذا قد يزيدها سيراً، تبقى قوية. لاحظ فالمغيرات، فالموريات قدحاً، هذا يدلك على صلابة المشي، حتى من شدة الصلابة أن الشرار انطلق هكذا. المؤمن أيها الكرام يسير إلى الله سبحانه وتعالى ليس سيراً هيناً، وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ، كونوا كالخيول العاديات وكونوا أقوياء وأنتم تسيرون إلى الله. فالموريات قدحاً، القوة في سيرك إلى الله سبحانه وتعالى. وأحدثت فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، كان هذا السير القوي أحدث ضجيجاً في هذا الكون، الإنسان الباذل في سبيل الله سيره القوي يحدث ضجيجاً يتعدى أثره إلى كل من حوله، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، غبار سيرك إلى الله سبحانه وتعالى أثار السير تراها في من حولك، لكنك في النهاية قال فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا، وصلت إلى منتصف الميدان ولم تترقب نتيجة معينة، قلت يا رب النتائج عندك، المهم أنني وصلت إلى وسط المعركة وأنني أعمل وأسعى وأجاهد. ممتاز، بعد أن انتهى القسم وعرفنا أن هذا القسم فيه إشارة إلى طبيعة ما يريده الله منا أهل الإسلام، ذكر المقسم عليه، وهذا ولاحظوا العلاقة بين القسم والمقسم عليه، قال: إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. ما معنى كنود؟ قالوا كنود أي أنه لا يريد البذل والعطاء. إذاً غريب، لاحظ القسم يشير إلى ضرورة البذل والعطاء، والمقسم عليه هو يخبر عن طبيعة في الإنسان بخلاف ما يجب أن يكون، يعني دائماً نحن نقول الإنسان خلق ناقصاً، وإنما يكمل بالعبادة، وإنما يكمل بالدين، فالدين أتى ليكمل نقصك. في سورة المعارج الله عز وجل قال: إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إذاً من صفات النقص في الإنسان أنه هلوع، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، كيف يتحاشى الإنسان أو يعالج الإنسان هذا النقص؟ قال: إِلَّا الْمُصَلِّينَ، فالصلاة والدين هو الذي يعالج هذا النقص الذي في طبيعة الإنسان. فهنا سورة العاديات تبين أن من صفات النقص في الإنسان أنه شحيح، لا يريد أن يبذل ولا يريد أن يقدم، كنود، لاحظ العبارة، كنود، لا يريد أن يعطي ولا أن يقدم لله ولدينه ولأمته ولإسلامه، يريد حظ نفسه، يريد الشهوات، يريد رغباته، يريد الراحة، يريد يريد أي شيء لا يوجد فيه بذل وعطاء، لأنه يرى أن البذل والعطاء فيه تعب، فيه عاديات ضبح. فيقول: إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، الإنسان لا يحب البذل. وهذا أيضاً ربنا عز وجل أشار إليه كثيراً في القرآن، وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ، شحيح، يعني منكفئ على نفسه، راغب بحظه، لا يريد أن يبذل. إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ، يعني هو شهيد على وجود هذه الخصلة فيه، يعني كل واحد فينا إخواني يعرف نفسه متى يريد أن يبذل ومتى لا يريد أن يبذل، أنت لا تستطيع أن تخادع مشاعرك الداخلية، أنت شهيد على نفسك أنك كنود، أنك لا تريد البذل، لا تريد بذل الوقت في سبيل الله، لا تريد بذل المال في سبيل الله، لا تريد بذل الروح في سبيل الله، لا تريد بذل إمكانياتك ومهاراتك في سبيل الله، تريد فقط رغباتك ولذاتك ورغائبك. جميل، إذاً يقسم سبحانه بعد أن ذكر خمسة أشياء أقسم بها وهي مشهد الجهاد والبذل والعطاء، يقسم أن طبيعة الإنسان خلاف ذلك المشهد. شوف الربط بين القسم والمقسم عليه، يعني هو أقسم بالخيل العادية الباذلة الجادة المثابرة على أن حال الإنسان خلاف حال هذه الخيل. فالإنسان بطبعه كنود وهو شهيد على ذلك، يعرف ذلك من نفسه. ثم ذكر شكلاً من أشكال هذا الجحود أو عدم الرغبة في العطاء وهي عدم الرغبة في عطاء المال، فقال: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ، الخير هنا ما هو؟ المال، فالمال إخواني ترى بعض الناس يقول لك المال شر، لا هذا مش صحيح، القرآن سمى المال خيراً، لكنه خير لمن سلطه على هلكته في الحق، يعني لمن بذله في الأوجه الصحيحة، المال خير، المال عفواً به تقام المشاريع، به يجاهد في سبيل الله، به تستر نفسك، به تطعم أهلك، المال إذا استعمل بالشكل الصحيح ووجه في الاتجاهات الصحيحة هو خير للإنسان، لكن متى يصبح نقمة عليه؟ إذا استعمله في معصية الله، إذا لم يبذل في سبيل الله. إيه نعم، هنا أصبح فيه جانب الشر، فالأصل المال خير، فالأصل المال خير لمن استعمله في مراضي ربه سبحانه. إذاً يقول سبحانه إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، لا يحب البذل والعطاء، وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ. طبعاً بعض المفسرين قال الخير هو كل منفعة دنيوية، يعني مش شرط المال، إحنا دائماً لما نسمع المال يذهب ذهننا إلى المال باعتباره نقوداً، لا، المال حقيقة أيها الكرام، بدكم تفهموا، المال هو كل ما يتمول ويتملك، هنا يعني قد يكون نقوداً، قد يكون سيارة، سيارة مال، يعني حتى في الفقه الإسلامي ما هو المال؟ كل سلعة تقبل البيع والشراء، فهي ليست نقوداً بالضرورة، لا تربط كلمة مال بالنقود، المال سيارتك، بيتك، أثاثك، منفعة دنيوية، هي مال. الله يخبرنا أن الإنسان بطبعه شديد الحب للخير، للمال الذي عنده، لا يريد أن يبذله، متعلق به. فالله سبحانه وتعالى لأنه يعلم طبيعة الإنسان أنه خلق بهذا النقص، هو يريدك أن تعالج هذا النقص، لا يريدك أن تبقى معه، الإسلام هل يريد أن يبقيك كنوداً لا تريد أن تبذل؟ هل يريد أن يبقيك مع شهواتك وتعلقك بمنافع والخير؟ لا، يريدك أن تبذل.
يا رب. فصل الشحن، عاد البث تلفوني. نعم، بسم الله. يا رب، نسأل الإخوة مرة أخرى، الصوت جيد؟ مقبولة. طيب، إذاً الله سبحانه وتعالى لا يريد منك أن تبقى مع صفاتك الناقصة، لا يريد منك أن تبقى مع طبيعة هذه النفس القاصرة، لا يريدك أن تبقى كنوداً. لذلك شبه لك حالك بحال الخيل، يعني أنت أيها المسلم عليك أن تكون كتلك الخيل التي أقسمت بها وليس ذاك الإنسان الواقف مع نقائصه، عليك أن تتقدم في إصلاح هذه النفس. ولاحظ أن إصلاح النفس فيه تعب، فيه جهد، مثل تلك الخيل، هذه الخيل العادية كان فيها ضبح، كان فيها تعب، كان فيها إرهاق، ولكنها مع ذلك سارت حتى وصلت إلى منتصف الميدان. كذلك أنت، نحن نعرف أن هناك طبائع ونقص وأمور من الصفات غير الجيدة موجودة فيك، لكن عليك أن تجاهد من أجل أن تغيرها، وعليك أن تقاتل، وعليك أن تتعب إلى أن تصل إلى وسط الميدان، ثم النتائج عند الله، النتائج عند الله سبحانه وتعالى، لكن اتعب من أجل أن تغير طبائع هذه النفس، وعلم هذه النفس ودربها على ضرورة البذل والعطاء. لذلك الله سبحانه وتعالى أراد أن يذكر الإنسان أنه أنت لماذا تبذل؟ لأن هناك يوماً ستجد فيه نتيجة هذا البذل، وإذا لم تبذل فستجد يوماً تحاسب فيها على عدم البذل، يقول سبحانه: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ؟ لاحظ كلمة بُعْثِرَ تدل على أن هناك أشياء داخل هذه القبور ستبعث ويعاد إخراجها، كل وهي الأثقال التي وردت معنا في سورة الزلزلة: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا، يوم القيامة عندما يأتي سيبعث كل ما في القبور ويخرج إلى العيان ويحاسب الإنسان عليه، أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ؟ كل الأفكار والخطرات الآن، تفكيرك وخطراتك ومشاعرك بأنك تريد أن تبذل أو لا تريد أن تبذل، كل هذا أيضاً محصل ومسجل. كأن الله عز وجل يريد أن يخبرك أنه حتى أنماط تفكيرك، اختياراتك، توجهاتك التي لم تبح بها لأحد ولم تتكلم بها مع الآخرين، فلعلّك أظهرت للناس أنك محب للبذل والعطاء وأنك في الداخل لا تريد البذل والعطاء، كل هذا تم تحصيله وتسجيله. يعني الخطرات مسجلة، الأفكار مسجلة، وهذا يجعل الإنسان شديد الحرص على تغيير أنماط تفكيره إخواني، يعني هذه الآية وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ تجعل الإنسان حريصاً على تغيير نمط تفكيره، لأنه الحياة ليست فقط ظاهراً، الحياة ظاهر وباطن، والمرصود الإسلام، لكنك في داخلك لا تريد أن تبذل، وإنما قد تفعل الشيء حياءً، رياءً، سمعةً، أو تحب أن تُحْمَد حتى بما لم تفعل، يعني أحياناً قد يُحْمَد الإنسان على شيء هو لم يفعله وإنما جاء من طرف غيره فيقول لك: يلا مشت، مدحت عليها، لا لا، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، عليك أن تغير نمط تفكيرك، عليك أن تغير نفسيتك ومشاعرك وتهيئ هذه النفس للبذل في سبيل الله، لأنه هي أنماط التفكير وهي المشاعر والأحاسيس أيضاً مسجلة ومرصودة عند الله لحظة عين. إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ، لاحظ ولم يقل عليم، قال خبير، لأنه كلمة الخبير هي أعمق في دلالتها على معرفة البواطن. نعم، عليم تدل على الظاهر والباطن، كلمة خبير الخبرة فيها إشارة أعمق قليلاً، أليس كذلك؟ تدل على معرفة دقائق النفوس وطريقة حساباتها للأشياء، الله عز وجل خبير بتلك النفس التي تعبت من أجل أن ترتقي، وخبير بتلك النفس التي لم تقاوم ولم تبذل ولم تسعَ، خبير بالنفوس العاديات التي أرهقت وحتى تقدمت وارتفعت وزكت ونمت، وخبير بمن دساها ومن لم يرغب ولم يحب أن يرتقي ويصبح أفضل. إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ، فما دام الله خبيراً بمشاعرك وأفكارك وأحاسيسك، حاول أن تغير، حاول أن تتقدم، حاول أن تتعب من أجل أن تزكو هذه النفس وترتفع. هذه خلاصة سورة العاديات، صورة تحث الإنسان على أن يغير نمط كنود إلى نمط الخيل العاديات. هي الخلاصة يعني، لو سألتني ما خلاصة سورة العاديات؟ سورة العاديات تريد أن تغير من طريقتك في الحياة، حاول أن تتخلص أو أن تقلل من النفس الكنود وأن تصبح من الخيول العاديات. طيب، نذهب إلى السورة التي تليها سورة القارعة، ولاحظ يعني كل مشاهد الدار الآخرة معنا اليوم. سورة القارعة، من اسمها أنها تقرع القلوب وتريد أن تخيفك، نعم تريد أن تخيفك، تريد أن تخبرك عن يوم القيامة، عن فزعه وخوفه ورعبه وتباين أحوال الناس فيه، حتى يكون همك وأنت تسعى في هذه الحياة الدنيا همك أن تسعد في ذاك اليوم، وهذه من محاسن الإسلام في التربية، أن الإسلام يربيك على أن المشهد لا ينتهي في الحياة الدنيا، بل مشهد الحياة الدنيا مشهد قصير مختزل من رحلتك يا أيها الإنسان، مشهد جداً مختزل، مشهد الآخرة هو المشهد العظيم الذي يستحق البذل. يعني دائماً الإنسان إذا قيل له أنت الآن في العاجلة في موقف يسير أو شيء يسير، ثم ينتهي، لكن بعد أيام سيأتيك مشهد مهيب عظيم بدك تجهز له. يعني لو خبر لو قلت لك هناك كويز بسموه قصير مدته ربع ساعة، ثلث ساعة، بس بعد مثلاً شهر في اختبار مصيري بانتظارك، أنت يكون استعدادك أين أكثر؟ بالنسبة للكويز لا يكون لك اهتمام كبير بتفاصيله، وسيكون تجهيزك وإعدادك للمشهد المهيب اللي بعد شهر، لأنه سيكون يوماً فاصلاً. هكذا تشعر القرآن دائماً يوجهك، الدنيا هي ذاك الحياة القصيرة والتي ستنتهي سريعاً، ٦٠، ٧٠ سنة إخواني، يعني الواحد فينا يتذكر حاله قبل ٣٠ سنة، كنا شباباً صغاراً في ريعان الأعمار، اليوم صار الواحد فينا عمره ٣٣، ٣٤.
بعد فترة تصبح عمرك 50 60 وتنتهي الحياة غمضة عين، ففي حقيقة محروم ذاك الإنسان الذي يعطي الدنيا أكبر من حجمها وينسى رحلة الخلود، رحلة الأبد، فلا يشتغل لها ويعطيها حقها في البذل والعطاء. فالله عز وجل يقول لك: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ، يعني هذا الاستفسار المتتابع هنا وتهويل وتفخيم الموضوع، الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ، هل تعرف ما هي القارعة يا أيها الإنسان؟ وهذا اسم من أسماء يوم القيامة، حيث تقرع القلوب وتصدمها بهيبتها واضطراب الناس فيها واختلاف أحوالها وما فيها من المشاهد المهيبة: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ. أنت تتكلم عن مشاهد مهيبة، فتعرف يعني معنى كلمة القارعة حيث تقرع قلبك ومشاعرك وأحاسيسك بكل الأهوال. كل الأشياء التي كنت أنت تعتاد تراها في الدنيا ستراها على خلاف حالها يوم العرض الأكبر. السماء ليست هي السماء، والأرض ليست هي الأرض، والأشكال ليست هي الأشكال، والآبار ليست هي الآبار، الدنيا كلها اختلف معيارها، أنت كنت في دنيا بنظام وشكل وهيئة، الآن أنت في شيء مختلف تماماً بكل تفاصيله، وهذا معنى القارعة: صدمة ومفاجأة ورهبة وهيبة.
الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ، أنت يا أيها الإنسان كل المعلومات التي تملكها عن الدار الآخرة هي ربما تشكل 10 20%، أنت أمامك يوم عظيم مهول، جاء القرآن ليقرب لك كثيراً من التفاصيل، ولكن فيه ما لا عين رأت، هناك كثير من التفاصيل لا نستطيع حتى أن نخبرك، كأنها كأنها هكذا تقول: أنت لن تستطيع أن تدركها، بالتالي ضربنا عنها الذكر وأعطيناك ما يمكن فقط أن تتصوره، وهو يكفي حقيقة لزرع القلق والخوف وتجعلك تستعد جيداً. فقط هذا الاستفهام: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ لما يصنع لك ذاك الإبهام المخيف، لما آجي أقول لك حتى أقرب لك الصورة في موضوع: أنت شو بيعرفك في هذا الموضوع؟ بس بحد ذاته هذا لما أقول لك: أنت إيش بيعرفك؟ يذهب ذهنك يميناً وشمالاً، أوه لما ذا يقول إيش بيعرفك؟ الظاهر أن الموضوع مخيف. الله سبحانه من فوق سبع سماوات يقول لنا نحن البشر: وَمَا أَدْرَاكُم يا أيها الضعفاء المساكين مَا الْقَارِعَةُ، شيء مهيب مذهل مخوف، لذلك اشتغل لذاك اليوم واسعَ إليه.
جاءت السورة لتقرب لك بعض مشاهد القارعة، قال في هذه القارعة: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ، سترى الناس كالفراش المنتشر يميناً وشمالاً، تخيل في ذاك اليوم سيجتمع الناس من لدن آدم إلى آخر شخص على هذا الكوكب وفي هذه الدنيا، كم أعداد الناس سيكونون يومئذ؟ ما بعرفش إذا في رقم علمي، يعني ترليونات، حط ترليونات إكس، تخيل هكذا الناس بالترليونات أمام عينيك على أرض ليست هي الأرض: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ، تخيلك واقف هكذا على تلة وترى الناس في ساحة الحشر، لا نهاية للبصر فعلاً، كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ هنا وهناك، أنت ستراهم كأنهم فراشات لأن الأعداد مهولة مذهلة، حتى الآن أحاول أن أتخيل الأعداد أنا لا أستطيع أن أتخيلها، يعني شيء ما لا نهاية هكذا في العين.
طيب يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ، وَالْجِبَالُ، هذه الجبال العظيمة الضخمة، جبال الهملايا وجبال الألب وجبال تورابورا وكل هذه الأمور التي بنسمع عنها اليوم أنها الجبال القاسية الصلبة، تراها يوم القيامة كَالْعِهْنِ، يعني كالصوف الملون، قالوا العهن الصوف الملون، قالك الْعِهْنِ الْمَنفُوشِ، بتعرف هيك كمشة صوف ملقاة هنا وهناك، الصوف هكذا شيء يضغط بسهولة، نعم يعني كأن هذه الجبال التي كانت ألوانها سوداً وحمراً وأصفراً كأنها اختلطت ببعضها البعض وأصبحت قطع صوف، وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، لاحظ كيف تختلف كل المعايير، والجبال التي كانت في الدنيا، وهنا ركز على هذه الفكرة، الجبال التي كانت في الدنيا ضخمة، الجبال تزن يعني هي نفسها جبال وتزن موازين عظيمة مذهلة، يوم القيامة تصبح بلا موازين اليس كذلك؟ وهذا كأنها بداية الإشارة لقضية الموازين التي ستختم بها السورة، يعني لا تظن أن الشيء العظيم في الدنيا المهيب سيبقى على حاله، إذا كانت الجبال بعظمتها وفخامتها في عينك سلاسل جبال عظيمة، عبارة عن كمشة صوف، تخيل كمشة صوف ملقاة عِهْنٍ مَّنفُوشٍ، فبالتالي ما هو أضعف من الجبال، وهو ذاك الإنسان الطاغية أو المستبد العظيم البدن، مفتول العضلات، الذي يستقوي بمن حوله، ماذا سيكون؟ ما هي المعايير عند الله يوم القيامة؟ كأن السورة تقول لك: المعايير في الدار الآخرة ليست هي المعايير في الدنيا، فالأشياء لا توزن بالكيلوغرام، الأشياء لا توزن بحجمها وإنما توزن بمضمونها.
يوم القيامة الأشياء لا توزن بالحجم مش بالكيلو وات، بالتالي بيكون وزنها عند الله، كلا والله، يوم القيامة أقدام عبد الله بن مسعود كجبال أحد، وجبال أحد كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ، شوف الفرق، يوم القيامة أقدام عبد الله بن مسعود التي ضحك منها الصحابة لما رأوها نحيلة نحيفة، قال: أتضحكون من أقدامه؟ أو كما قال عليه الصلاة والسلام: والله إنها عند الله عز وجل أثقل من جبال أحد، هذه الأقدام الخفيفة ميزانها يوم القيامة الجبال، وجبال أحد ستكون كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ، مثل مثل أي جبل أصبح يمر مر السحاب، ذهبت الأوزان بالكيلوات وجاءت الأوزان بالمضمون والأعمال، ولذلك جاء في الحديث أنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ إنه ليأتي الرجل السمين العظيم، مفتول العضلات اللي بتشوفه شيء مهيب، طاغية من طغاة الأرض، مستبد من مستبدي الأرض، وحوله حشمة، كل هؤلاء لا يزنون عند الله جناح بعوضة، وذاك الأشعث الأغبر، أسود البشرة، المقطوع الذي عذب وتم سومه سوء العذاب، يزن عند الله شيئاً عظيماً، أغلى من جبال أحد، هكذا موازين يوم القيامة.
فما دامت هكذا الموازين، ختمت سورة القارعة بالموازين، قال سبحانه وتعالى: فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، اه ركز يا أيها الإنسان أنك تكون ثقيل عند الله، ركز أنك تكون ثقيل عند الله، ثقيل مش بوزنك الطبيعي بالكيلوات، ثقيل بإنجازاتك، ثقيل بعطائك للإسلام، ثقيل بما قدمته لدين ربك عز وجل، قال: فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، ولاحظ هنا بلاغة القرآن لما وصف العيشة بأنها الراضية، يعني العيشة نفسها الأصل أنه تكون أنت الراضي بهذه العيشة، من المجاز العقلي أن تصبح نفس العيشة نفسها كأنها أصبحت شيء هو الراضي عن ذاته، قال: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، هذه العيشة وهذه الحياة هي راح تكون راضية، مش بس أنت اللي بتعيش فيها، لا هي هي راضية عن نفسها، هي راضية عن نفسها، وإن كان هو المراد عيشة راضية أي يرضى من يعيش فيها، لكن من المبالغة أسند الرضا إلى نفس العيشة، فهو في عيشة راضية.
وأما الذي يأتي يوم القيامة خفيف وإن كان صاحب شهادات في الدنيا وصاحب مناصب وصاحب حكم وسلطان وصاحب عضلات، وأجسام كثير من هؤلاء سيأتون يوم القيامة خفيف عند الله ما بيسوى حاجة، نعم هو هو هذا الرجل اللي أنت كنت لما تشوفه على السوشال ميديا بتشوفه إنسان ولابس جرافة وكذا وجالس وحواليه ناس بتخدم وهذا بعطيه وهذا بيفتح له الباب وهذا بكر له الباب، يأتي يوم القيامة خفيف لا يسوى شيء عند الإله سبحانه وتعالى، حقير ما أحد يلتفت إليه، قال: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، لماذا خفيف؟ هو لا يسوى شيء عند الله، هو لم يقدم شيء لتلك الأيام، لم يقدم شيء لذاك الميزان، ظن أن هذه الحشم والخدم ينفعونه، ما نفعه شيء، جاء خفيفاً لا يزن عند الله جناح بعوضة، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، تمام، قال: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، أي سيكون مصيره إلى النار، ما معنى الأم هنا؟ يعني قال فامه، قالوا الأم هنا بمعنى المصير والمأوى، هاوية الهاوية اسم من أسماء جهنم، فكأنه يقول أمه يعني مصيره جهنم، وسمّى جهنم هاوية كأنها حفرة عميقة جداً لا يعرف قاعها ولا أين نهايتها، إذاً فَأُمُّهُ المكان الذي سيأوي إليه ويقصده وسيتولاها، كأنه أما هذا المكان، ما معنى أم؟ قصد، أم الشيء بمعنى قصده، فَمُ يقول: فَأُمُّهُ، يعني المكان الذي سيقصده ويكون مصيره ومأواه ما هو؟ الهاوية، تلك الحفرة السحيقة العميقة التي لا يرى قاعها، ثم أراد أن يهول هذه الهاوية فقال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، أنت عارف شو هي الهاوية؟ هل تعرف ما هي هذه الحفرة السحيقة التي ستلتقي هذا الإنسان الخفيف؟ نَارٌ حَامِيَةٌ، هذه خلاصتها، حفرة مليئة بالنيران الحامية التي تصلي الأجساد والأبدان وتحرق كل شيء وتلتهم، نسأل الله السلامة والعافية.
فهذا يجعل الإنسان الأصل الإنسان اللي عنده قلب، اللي عنده خوف، الذي يعرف من هو الله ويعرف قيمة القرآن، يعلم أن هذا الكلام هذا مش كلامي أو كلام شيخ أو واعظ أو داعية، هذا كلام كلام الله، الله هو الذي يحذرك من عقابه ويصف لك عقابه، إذا عرفت الله عرفت أن عقاب الله شديد، وأن عقاب الله ليس كعقاب أي بشر أو مخلوق ضعيف، إنها النار الحامية التي أعدها الله عز وجل لأصحاب الموازين الخفيفة، لما حذرنا الله سبحانه وتعالى من النار ومن يوم القيامة وبين لنا طبيعة الأمور، جاء في سورة التكاثر ينبهنا عن سبب الغفلة عنها، يعني ما الذي يجعل الإنسان يغفل عن القارعة؟ ما الذي يجعل الإنسان يغفل عن تثقيل الموازين واشتغاله بهذا الملف ويكون منشغلاً بالدنيا وتربية العضلات والأجساد وتربية المواشي والكنوز والأموال ولا يشتغل بتربية وتنمية الإيمان؟ جاء سورة التكاثر لتخبرك السبب: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، نعم أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ فنسيتم القارعة، أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ فنسيتم النار الحامية، ألهاكم انشغلتم في الدنيا بالتكاثر، التكاثر بالألقاب والشهادات والجمهور على السوشال ميديا، والله هذا عنده متابعين كذا، هذا عنده متابعين كذا، هذا بيتابع حلقاته مليون مليونين، لا أنا لسه بدي أزيد عدد المتابعين إلي على السوشال ميديا، صير أكثر شهرة عن هذا، مشغول بالمال يجمع الدينار فوق الدينار عبد الدينار وعبد الدرهم، ذاك مشغول بالتكثير من الشهوات والنزوات والرغبات، هذاك مشغول بحسابه وأنسابه، أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حتى نسيتم الحقائق التي يجب أن تعملوا عليها، حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، بقيت يا أيها الإنسان المسكين مشغولاً بتكثير المتابعين والمشاهدين والشهادات والألقاب والمناصب، بقيت مشتغلاً حتى زرت حتى أصبحت ضيفاً في المقابر، حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، يعني حتى استضافتكم المقابر، فأصبحتم من أهلها ومن زوارها، وخرجتم من ساحة الدنيا إلى ساحة الآخرة، هذا أحد التفاسير المشهورة: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ إلى أن أصبحتم ضيوفاً في المقابر.
طيب كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، هنا كلا هذه أسلوب ردع وزجر، كأنه يقول كلا، يعني لا ينبغي لك يا أيها الإنسان أن يكون هكذا حالك، كلا لا ينبغي أن تشتغل بالدنيا والإكثار منها، فهي فانية لا تزن عند الله جناح بعوضة، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ أي سوف تكشف لكم الحقائق عندما تدخلون المقابر، فلذلك جاءت سوف تعلمون الأولى، قال ثم كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، سوف تعلمون الثانية، البعض قال هي تأكيد، والبعض كما قال ابن القيم: سوف تعلمون الثانية هذه في الدار الآخرة، يعني سوف تعلمون الأولى قال هذه في القبور، وسوف تعلمون الثانية هذه في الدار الآخرة، ولذلك ابن القيم قال سورة التكاثر من السور التي تدل على وجود عذاب القبر، قال هي من السور التي تدل دلالة لطيفة على إثبات عذاب القبر؛ لأنه أعطاك مرتين، ولاحظ أن هذا سيتكرر مرة أخرى في نهاية السورة مما يؤكد وجهة نظر ابن القيم أو يجعلها منطقية في التفسير. إذاً يقول سبحانه: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حتى أصبحتم ضيوفاً في المقابر، الآن سوف تعلم، يعني بعد ما تنزل القبر ستنكشف الحقائق، أوف أنا اشتغلت بالدنيا عن هذا المصير؟ ألهتني الدنيا عن هذه الحفرة التي سألقى فيها وأخلع كل شيء؟ تمام، وهنا ذكرت ما قلت لك قبل قليل الله يرحمه الشيخ أبو إسحاق الحويني لما قال: إيش اخلع نياشينك؟ هذه الجملة المشهورة له، لما تنزل في القبور كل النياشين وكل الألقاب وكل الرغبات كلها ذهبت وستنزل وحدك، كنت مشتغل في الدنيا بالألقاب والمناصب والسيارات واللذائذ والنساء والشهوات حتى أصبحت ضيفاً في القبر، فانكشفت لك الحقائق، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، والله كل شيء سيكشف عند أول ليلة من ليالي القبر، بعدين ثم عند أول يوم تكون فيه في الدار الآخرة ستكشف لك الحقائق أكثر وأكثر، لأنه أنت في عذاب القبر يكشف للكافر مقعده من النار، والدار الآخرة لا راح يدخل جهنم ويعيشه والعياذ بالله، إذاً كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثم الله سبحانه وتعالى يقول مرة ثالثة: كَلَّا، كم كلا مر معنا؟ ثلاث مرات متتالية كلا كلا كلا، كأن هذا زجر وردع لعل هذا يوقظك، كلا لا تشتغل بالدنيا، ثم مرة ثانية كلا لا تشتغل بالدنيا، ثم كلا يا أخي لا تشتغل بالدنيا، ثلاث مرات كلا كلا كلا كفيل بأن توقظ القلوب الحية، وأما من ليس له قلب فليذهب يبحث عن قلب آخر.
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَوْ هنا اختلف فيها المفسرون، البعض قال لو هنا للتمني، كأنها كأنه يقول: ليتكم وأنتم في الدنيا قبل أن تزوروا القبور، ليتكم تعلمون علم اليقين، ليتكم تملكون علماً يقينياً يقودكم إلى الأعمال الصالحة وترك الانشغال بالتكاثر، وهذه لو التي للتمني لا تحتاج إلى جواب، يعني لا تقول أين جواب الشرط، لا لو التمني لا تحتاج إلى جواب، بقول لك يا ريتك كنت تعلم علم اليقين، لأنك لو كنت تعلمه صدقني لما اشتغلت بالتكاثر. كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، البعض قال لا قال هي لو شرطية، وحذف جواب الشرط لأنه مفهوم من السياق، فكأنه يقول كلا لو تعلمون علم اليقين لعملتم صالحاً، البعض قال هي لو الامتناعية لكنه...
حذف الجواب. حذف الجواب لماذا؟ لأنه مفهوم من السياق، فالجواب ليس هو لترون الجحيم. يعني الآن البعض بيقول لك كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم، لا، الذي يظهر أن لترون الجحيم ها استئنافية، هذه قسم والله لترون الجحيم، هي جملة جديدة وجواب لو محذوف، لو تعلمون علم اليقين لاشتغلتم بالصالحات ولم تشتغلوا بالتكاثر.
ممتاز، بعدين انتهى، الآن استئناف قال سبحانه: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، هذا قسم، مع أن بعض المفسرين قال هي جواب الشرط، لكن سيذهب إلى تفسير إشاري نوعاً ما أو فيه من الإشارية ما أذهب إليه، لا، لترون الجحيم هي سياق جديد في السورة: والله لترون الجحيم، وهذا وعيد لمن اشتغل بالتكاثر وأشغله التكاثر عن ذكر مولاه وعن العمل لآخرته، هؤلاء يقول الله عز وجل لهم لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين. طيب، إيش الفرق بين الأولى والثانية؟ يعني لما يقول لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين طيب إيش الفرق؟ أه قال، وهنا يعني أجاب ابن القيم يقول: لترون الجحيم هذا في القبر، هي مرة أخرى يعني في القبر سترى مقعدك من النار، ثم يوم القيامة سترى النار عيانا، ثم لترونها عين اليقين حقيقة أمامك عندما تردها يا أيها الفاجر الغافل، يا من أشغلك التكاثر، فابن القيم يقول: هذه مرة أخرى تشير فيها سورة التكاثر إلى قضية عذاب القبر؛ لأنه ما معنى لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين؟ يعني طب الأولى إيش هي؟ يعني لترونها عين اليقين هي في الدار الآخرة متفقين، طب الرؤية الأولى التي قبل عين اليقين لابد وأنها قبل الدار الآخرة، طب هذه متى ستكون؟ قالوا في القبر؛ لأن الكافر أو من سيذهب إلى النار به، حتى لو كان من أصحاب الكبائر، قالوا يفتح له مقعده من النار، فهذه رؤية أولية خلينا نقول، مش ربنا قال عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، فهناك رؤية أولية في القبر، وهناك عين اليقين عندما تردها وتذوق حسيسها والعياذ بالله.
قال: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ. لما يرى الكافر عيانا النار ويسقط فيها سيسأل الله عز وجل عن النعيم، أنا في الدنيا أنعمت عليك وأعطيتك من أجل أن تعمل، من أجل أن تسعى، هذا النعيم بماذا اشتغلت به؟ اشتغلت به بالتكاثر أليس كذلك؟ يعني ربنا أنعم عليك نعم من المال والجسد والقوة و و و، هذه النعم الله عز وجل يريد مقابلها الشكر والعبادة والخضوع والعمل، ولا يريد أن يصبح هذا النعيم المقصود منه التكاثر، أنت للأسف جعلت هذا النعيم وظيفته في حياتك التكاثر وإبهار الناس وإشغال الناس بأشكال وألقاب وزخارف ودنياك وأموالك، أشغلت نفسك وأشغلت الناس معك، رح تسأل عن هذا النعيم وتحاسب عليه حساباً شديداً، فنعم الله ليس ليتكاثر بها، وإنما ليعمل بها؛ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.
طيب، أنا سأقف اليوم عند سورة التكاثر إن شاء الله، وبعد العيد نكمل ما بقي علينا من التعليق على قصار المفصل، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. خمس دقائق نعطي راحة ثم نشرع إن شاء الله في الدرس الثاني في درس التزكية وأعمال القلوب، وجزاكم الله خيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل