تسجيل الدخول

علم التزكية | المجلس الثالث | برنامج إرواء

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله على إرواء في مجلس جديد من مجالس التعليق على مقرر التزكية، وقد عرفنا في المجلس الماضي والذي قبله أهمية أن يدرس الإنسان علم التزكية وأن يكون له معه وقفات وأن يعرف فنونها وأغصانها، لأن هذا العلم هو العلم النافع الذي يثمر عملاً صالحاً وسعياً مقبولاً بإذن الله، فانشغال الإنسان به لا يقل أهمية عن انشغاله بعلم الفقه والعقيدة والتفسير، فهو أساس السير إلى الله سبحانه وتعالى.

وتحدثنا في المجلس الماضي عن -طبعا نحن ابتدأنا بالوحدة الأولى التي كانت تتكلم عن العبودية- وقلنا: أصل الكلام في التزكية لابد وأن يبدأ من معرفة الإنسان بطبيعة العلاقة بينه وبين الله، أنها علاقة عبد مع إله، فيفهم ما معنى العبودية وما مقتضياتها ومتطلباتها ولماذا هو يحتاج إلى أن يستشعر معاني أنه عبد، ولماذا الإله لابد وأن تكون فيه صفات الألوهية التامة إلى غير ذلك من الأبحاث المباحث التي تطرقنا لها.

ثم ابتدأنا في الوحدة الثانية من مقررات هذا المنهج، وتكلمنا فيه عن أعمال القلوب -طبعا كله مختصر بما يليق بهذا المنهج المختصر- فبينا أن أساس السير إلى الله سبحانه وتعالى هو أعمال القلوب، وأن أعمال القلوب هي الأساس التي تنبني عليها أعمال الجوارح والابدان، فأعمال البدن هي فرع عن أعمال القلوب.

وهنا في المطلب الثالث الذي انتهينا إليه، وضعنا قاعدة عامة أيها الكرام في مسألة أعمال القلوب لابد وأن تفهمها، وهو أن الإسلام يؤكد لنا في نصوص الكتاب والسنة أن هناك تلازم واضح أصيل لا ينفك بين أعمال الباطن وأعمال الظاهر، يعني أعمال الظاهر هي تترجم عما في الباطن، فإذا وقر في قلب الإنسان محبة الله والخوف من الله والرجاء بالله سبحانه وتعالى لابد وأن يظهر ذلك على جوارحه، لابد وأن يظهر ذلك على جوارحه.

وأما أن يزعم الإنسان الذي لا يصلي ولا يخشى الله سبحانه وهو منغمس في شهواته وأهوائه أن يقرر لك أو يحاول يقنعك أن أعمال القلوب واقرة في قلبها ولكنها لا تظهر على جوارحه، فهذا قول فاسد لا يقول به عاقل، يعني لا يمكن لانسان أن يكون محباً لشيء خائفاً منه راجياً له مائلاً إليه ثم لا يظهر أي أثر من آثار ذلك على أعماله وتصرفاته.

فقضية ما يقول بعض الجهال إن الاسلام في القلب وأنه هذه أعمال الجوارح هي اختيارات شخصية لا تعكس عن مدى تعلق الشخص بربه، لا هذا كلام فارغ، أعمال الجوارح هي تعكس مقدار تعلقك بالله سبحانه وتعالى وما وقر في قلبك تجاه مولاك، فإذا من القواعد المهمة التي يجب أن نفهمها أن هناك تلازم لا ينفك بين عبادات الظاهر وبين عبادات الباطن.

وهنا يقول ابن القيم: لو تقرا لنا ماذا يقول ابن القيم؟ بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. قال ابن القيم رحمه الله: إذا قام بالقلب التصديق بالله والمحبه له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة. شوف إذا ماذا يقول ابن القيم: إذا قام بالقلب التصديق بالله والمحبة لله، لزم ضرورة -مستحيل لابد وأن- يتحرك البدن بموجب تلك المحبة بأقوال ظاهرة تدل على وجود المحبة وأعمال ظاهرة تدل على وجود تلك المحبة.

نعم، قال: فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ودليله ومعلوله. كما أن ما يقول إذا أعمال الجوارح دليل ما في القلب، أعمال الجوارح معلول لعله، العلة هي القلب واعمال الجوارح كأنه معلول لتلك العلة. نعم، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضاً تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر.

آه، الآن القضية المعاكسة، طيب الآن نحن فهمنا يا شيخ أنه ما في القلب من محبة الله ومن تعظيم الله سيؤثر على جوارحك ومساراتك العملية 100%. طيب العكس، هل أعمال الجوارح أيضاً هي تؤثر على القلب من الجهة المعاكسة؟ نعم، فإن مجاهدة الإنسان على الأعمال الصالحات تقوي أعمال القلوب وتزيدها صلابة. فإن بعض الناس بقول: إيش فائدة أن أذكر الله 100 مرة، ما فائدة أن أجاهد على قيام الليل، إيش فائدة أن استمر على أعمال الجوارح وأنا والله ضعيف المشاعر والأحاسيس مع الله عز وجل؟ نقول: الاستمرار على أعمال الجوارح له انعكاسات أيضاً على قوة الإيمان في القلب.

حتى نكون يعني أكثر واقعية، كثير من الشباب بقول لي: يا شيخ أنا مش قادر في داخلي أشعر بمعاني الحب لله، أنا بحبه بس مش قادر استشعر هذا، أو معاني الرجاء أو معاني الخوف، أنا بحب اسمع الدروس والمواعظ اللي بتتكلم عن هذه الأمور، لكنني لا أشعر أنني متعمق في هذا الميدان، أشعر أنني اهتم بأعمال الجوارح، بحاول أقرأ قرآن، أحفظ، أذكر الله سبحانه، بجاهد نفسي على أعمال صالحة بس أنا ضعيف في أعمال القلوب. بقول له: استمر، استمر في أعمال الجوارح وواظب عليها، فصدقني والله وتالله إذا واظبت على أعمال الجوارح واجتهدت ستبدا هذه الأعمال يتسرب نفعها وأثرها إلى قلبك.

إخواني إذا الأعمال الجوارح يتعدى نفعها إلى الناس من حولك، فمعقول أنها لا يتعدى نفعها إلى قلب الإنسان؟ ببركة أعمال الجوارح يرزقك الله مع الوقت المحبة والشعور بها، يرزقك مع الوقت الشعور بالرجاء، الشعور بالخوف، فلذلك ابن القيم يقول: كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضاً تأثير فيما في القلب، ينعكس أيضاً على الجهة المعاكسة، قال: فكل منهما بالتالي يؤثر في الآخر. لكن أيهما الأصل؟ قال: لكن القلب هو الأصل والبدن هو فرع له، والفرع دائماً يتغذى ويستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه.

جميلة هي شوف هي القاعدة: الفرع يستمد وجوده من ماذا؟ من أصله، ولكن كلما قويت الفروع أيضاً فإنها تزيد الأصل ثباتاً ورسوخاً. هذه معنى التلازم بين الباطن والظاهر، فالفرع إنما نتج من الأصل، والاصل يزداد رسوخاً ببقاء الفرع ودوامه. هذه قاعدة من قواعد السلوك والسير إلى الله لابد وأن تفهمها، فكل مطلوب، اشتغالك بأعمال الجوارح مطلوب، واشتغالك بأعمال القلوب مطلوب أيضاً.

طيب هذا إذا كان فكرة مهمة جداً من قواعد أعمال القلوب أنها متلازمة مع أعمال الجوارح. نذهب إلى المبحث الرابع، وهو مبحث بحث يتكلم في دائرة أعمال القلوب، كما أن الظاهر والباطن متلازم، كذلك إخواني يقول علماء السلوك: إنه أعمال القلوب فيما بينها هي أيضاً متلازمة. ما معنى هذا؟ لا يمكن الانفكاك بين أعمال القلوب، يعني لا يتصور يقول لشخص: أنا والله محتفي ومهتم بمحبه الله بس ما عندي اعتناء بملف الخوف من الله، بيزبط؟ بيزبطش. أو العكس، ياتيك شخص يقول لك: أنا معتني بملف الخوف من الله بس مش معتني بملف محبة الله، نقول له: لا يمكن، لا يمكن أن يحصل هذا. فالمحبة والخوف والرجاء والانابة والإخلاص كلها أعمال يأخذ بعضها بحجز بعض، هي متشابكة مرتبطة لدرجة أنه لا يتصور انفكاكها، فعليك أن تفهم أيضاً من قواعد أعمال القلوب أنها متلازمة مرتبطة، لا يجوز أن تتعبد الله بعمل منها دون الآخر.

لذلك اقرا ماذا قال بعض السلف، قال رحمه الله: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري. حروري يعني من الخوارج. ماذا يقولون؟ يقول: من عبد الله بالحب وحده؟ قال: أنا بحب الله بس ما بخاف وما برجوه، لا أخافه ولا أرجوه، لكنني مشتغل بحبه، وهذا كان حال كثير من أهل التصوف الذين يقولون: يجب أن يعبد الله بالحب، أما الخوف والرجاء هذا لا يشتغل به، هذا علامة أنك ما زلت في مقام الشهود، من وصل لمرتبه الفناء يعبد الله فقط بالحب. قالوا: من عبد الله بالحب فهو زنديق -يعني كفرت- لا يمكن أن يعبد الله فقط بالحب، فأنت لا تتكلم عن علاقة شخصية بينك وبين شخص طبيعي عادي، أنت تتكلم عن علاقة بينك وبين الله، وهذه العلاقة محكومة بعده مقامات، الحب إحدى هذه المقامات، لكن لابد يكون هناك خوف، الحب بدون خوف يجرئك على أن تفعل ما لا يرضى حبيبك، وقد تستهين بكثير من حقوقه، فلا بد إذاً من أن تجمع.

لذلك قال: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده -من عبد الله فقط على أن الله غفور رحيم وما عبده على أنه شديد العقاب- وقع في الإرجاء. ما هو الإرجاء؟ عدم الاهتمام بأعمال الجوارح، خلص الإيمان بالقلب وربنا غفور رحيم، وبالتالي لا أركز على أعمال الجوارح ولن يحصل لي شيء، ليه؟ قال: لأن أعمال الجوارح ليست من مفهوم الإيمان، والله غفور رحيم وأنا أحسن الظن بربي، هذا ليس حسن ظن بالله، هذا اغترار بحلم الله، هذا مفهومه الحقيقي.

ومن عبده بالخوف وحده فهذا على طريقة الخوارج، لأن الخوارج أيها الكرام خوفوا يعني اشتغلوا بتخويف الناس بالله ولم يشتغلوا بالرجاء من الله سبحانه وتعالى، بالتالي قالوا: إن أهل الكبائر مخلدون في نار جهنم، ففعلوا جانب الخوف من الله فقط ولم يفعلوا أن الله عز وجل -نعم الإنسان يخطئ ويذنب، لكن حتى لو أذنب في هناك مجال يصلح ويعيد ترتيب الأوراق، وفي مجال أن الله يتوب عليه، يعني حتى لو مات الإنسان على كبيرة، الله عز وجل قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ، فالله عز وجل يغفر حتى لأهل الكبائر ويخرجهم من النار ببركة شفاعة الشافعين وبركة رحمته.

باختصار، الإخلال بعمل من اعمال القلوب يظهر وينتج العديد من الأفكار والأقوال البدعية، لاحظ: من أخل فعبد الله بالحب فقط نشأ عنه التصوف -التصوف البدعي طبعا- ومن عبد الله بالرجاء فقط نشأ منه عقيدة بدعية وهي الإرجاء، ومن عبد الله فقط بتفعيل جانب الخوف نشأت منه عقيدة بدعية وهي عقيدة الخوارج، وعقيدة أهل السنة أن تجمع بين الكل فتعبد الله بالمحبه وتعبد الله بأن ترجو ما عنده وتعبد الله بأن تخشى عقابه.

ولذلك نقول: فالتوحيد والإخلاص وهو من أعمال القلوب نابع عن المحبة والخوف والرجاء والتوبة وهي من أعمال القلوب، أصلها الخوف والرجاء، والخوف أصله المراقبة والتعظيم، والرجاء أصله الافتقار والمحبة، والتوكل أصله التوحيد. لاحظ كل ملف من ملفات أعمال القلوب هو مرتبط ومشتبك بملفات أخرى بحيث لا يمكن انفصالها، بالتالي لما تتكلم عن أعمال القلوب عليك أن تسعى لتنميتها على كافه أشكالها.

طيب، نحن هنا بعد أن تكلمنا في هذه المقدمات، نشرع في هذا المقرر في ذكر بعض أعمال القلوب، يعني سنقتصر على ذكر أربعة منها أو خمسة منها فقط، ونترك الكلام عن جل أعمال القلوب في إن شاء الله يعني شيء آخر لعلنا ناتيكم به باذن الله. أعمال القلوب التي سنتحدث عنها باختصار هي أهم أعمال القلوب، أولاً الإخلاص، ثم المحبة والخوف والرجاء، ثم سنتكلم عن التوبة.

نبدأ إن شاء الله بابرز أعمال القلوب وأهمها وهو رأسها وأساسها. أول عمل من أعمال القلوب عليك أن تحرص على تحقيقه عبد الله هو عمل الإخلاص. الإخلاص ليس مجرد كلمة تقال على الألسن، بل هو شعور قلبي أنك أخلصت قلبك من كل الشوائب ومن كل التعلقات الجانبية وأعطيته قبلة واحدة ولجهة واحدة هي الله سبحانه وتعالى، فالإخلاص من التخليص، والتخليص هو تنقية وإزالة شوائب ليصبح المكان خالياً ليتربع عليه محبة الله وخوف الله ورجاء الله، فهو أساس كل أعمال القلوب الأخرى التي ستاتي بعد ذلك.

طيب، إذاً الإخلاص في الشرع أن تكون العبادة والتوجه عموماً لله وحده، ليس لغير الله نصيب في شيء من عباداتك ومسيرك إلى الله سبحانه وتعالى، فتكون النية والقصد متجرداً عن كل مقصد غير وجهه، لا لحظ نفسه يعمل.

ركزوا الآن، الإنسان الغير مخلص، الإنسان اللي عنده مشكلة في الإخلاص، الغير مخلص وجوه عدم الإخلاص تظهر في ثلاث أمور: أن يعمل من أجل حظ نفسه، أن يعمل من أجل نظر الآخرين، أن يعمل من أجل تحصيل أمر من أمور الدنيا. لو سالتني: ما الذي يخل بمقام الإخلاص؟ أقول: واحد من هذه الأمور، الذي يخل بهذا العمل القلبي أحد هذه الأمور الثلاث: الأمر الأول: أن تعمل لصالح نفسك، وسناتي إليها بعد قليل إن شاء الله. الأمر الثاني: أن تعمل للصالح أن ينظر الناس إليك، وهو ما يسمى الرياء. الأمر الثالث: أن تعمل العبادات من أجل فقط تحصيل غرض من أغراض الدنيا.

أي واحد من هذه الأمور حصل معك فهناك خلل عندك في تحقيق الإخلاص، فالاخلاص هو أن تخلص قلبك من كل هذه الشوائب، من أن تعمل لحظ النفس، من أن تعمل من أجل الناس، من أن تعمل من أجل الدنيا.

يقول أبو محمد اقرأ: قال رحمه الله: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص. الأكياس جمع كيس صح؟ نظر الأكياس -شبابات ها لا يا شباب الله يرضى عليكم أنا بعرف الصيام الواحد يفتل بس الأكياس مش الكيس، الأكياس يعني العقلاء- نظر العقلاء نعم. قال في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا، أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى وحده لا يمازجه شيء، لا نفس ولا هوى ولا دنيا. لاحظ هذا تفسير سهل التستري للإخلاص، قال: أن تكون الحركات والسكنات -يعني كل حركة وكل سكنة تكون سواء في سر في خلوة أو في علانية لله وحده- لا يمازجه شيء، لأن الممازجة تكدر، حتى في الفقه الإسلامي الماء الطهور لكن إذا مازجه شيء طاهر تماماً أخرجه إلى من طهور إلى طاهر.

وإذا مازجه شيء أخرجه من الطهور إلى النَّجاسة. الممازجة تكدر، فعليك أن تصفي هذه القاعدة: الإخلاص تصفية، عدم وجود ممازجة تكدر القلب. هذه الممازجات إما هي حظوظ النفس أو أهواؤها، وهي أن يراقبها الناس أو دنيا الناس.

طيب، الآن نبدأ بالصورة الأولى من المكدرات، نبدأ بأول صورة من الصور التي تخل بالإخلاص. أولاً: أن يكون للنفس في عمله حظ ونصيب. أول شيء يخل بمقام الإخلاص أن يعمل الإنسان من أجل حظ نفسه. ما معنى حظ النفس؟ قالوا: حظ النفس هنا العجب، يعني أن يعمل الإنسان شيئاً يعني، ولاحظوا هنا هذه الفكرة: أنت قد تفعل أشياء أنت لا تنتظر أن يثني الناس عليك، يعني أنا مش عم بعمل شيء من أجل أن يثني الناس علي ويقول: والله جزاك الله خيراً ويقبل الرأس والأيادي، ولا تعمل شيئاً من أجل تحصيل منصب دنيوي، لا، لكنك ماذا فعلت؟ أنت فعلت شيئاً من أمور العبادات التي يتقرب بها إلى الله، هدفك منها أن تعجب بنفسك، يعني أنا ما بدي، لا أنتظر من الناس شيئاً، لكني أنا شايف حالي هيك! تجد نفسك مثلاً: والله حفظت شيئاً، أو أنجزت شيئاً، أو أقمت، قمت بأشياء لم يقمها غيرك، أنت لا تنتظر من الناس ثناءً، لكن وأنت جالس بينك وبين نفسك تقول: والله ما شاء الله عليك يا إبراهيم، والله انك إنسان راقي، يعني شفت كيف عملت أشياء ترى غيرك ما بيستطيع يعملها؟ أنت مش عم تنتظر من الناس، بس أنت عم ترى نفسك شيئاً عظيماً، تستعظم في نفسك أداءها وأنجازاتها. هذا العجب هو مخل بمقام إخلاصك لله. عليك أن تتذكر وأنت تفعل العبوديات: أنني لا أفعل هذه الأمور من أجل أن أستعظم نفسي على الآخرين وأرى نفسي أعلى من غيري، لا، أنا لا يهمه هذا الملحظ، أنا أقوم بأداء هذه العبادات إرضاء لربي سبحانه وتعالى، فلا ألاحظ رغبة نفسي وحظها في هذا الجانب.

طيب، اقرأ ماذا قال أبو وهب المروزي؟ قال رحمه الله: سألت ابن المبارك عن العجب؟ قال: أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك. وجميل شوف ابن المبارك ماذا فسر العجب! يقول: العجب أن ترى أن عندك شيئاً، أنه أنا عندي إمكانيات وعندي ميزات وعندي أمور مش من، ليست عند غيري. طبعا هو طب ممكن البعض يقول لك: اليس هذا من التحديث بنعمة؟ إذا ربنا أعطاني أشياء وإمكانيات مش عند غيري، شو المشكلة يعني؟ لا، هو يقصد ابن المبارك: أن ترى بنظرة فوقية، المراد الرؤية الفوقية، أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك، فتبدأ تمدح نفسك وتثني عليها وتراها شيئاً وتستحقر وتزدري الآخرين. هذا ما يقصده ابن المبارك أنه العجب المذموم، أن ترى لك أفضلية على الناس دون أن تستذكر أن هذه الأفضلية التي عندك هذه لست أنت من أسسها ولست أنت من أتى بها، بل الله هو الذي منحك إياها، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. إذاً، العجب أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك. قال: ولا أعلم في المصلين شيئاً، في المصلين يعني في الموحدين، في المؤمنين، شيئاً شرا من العجب، لأن العجب سبحان الله هو الذي يقودك إلى البطر والاستكبار، وألا تقبل النصح ولا الارشاد ولا التوجيه ولا التعذيب، لأنك ترى نفسك كاملاً، ترى نفسك بدون عيوب، ترى نفسك متفوقاً على غيره. ما الذي أهلك بني إسرائيل؟ العجب، كانوا يرون أنفسهم جنساً أعلى من أجناس البشر، إعجابهم بنفسهم كان هو منبع الشر في كل حياتهم ونتائجها. قال كعب الأحبار: لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب ما زادك الله به إلا سفالاً ونقصاناً.

طيب، إذاً هذا أول ما يخل بمقام الإخلاص: أن يعجب الإنسان بنفسه وقدراته وإمكانياته. طيب، كيف نعالج ذلك؟ أولاً، اقرأ: قال: أن يستذكر العبد عيوبه ومعاصيه ومخازيه وضعفه، ليكسر بذلك ثورة هذه النفس ويكسر كبريائها، فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب واهمالها. طيب، أول شيء، إذا كنت جالس مع نفسك ودخلك شعور الإعجاب بما قمت به من عمل، أول شيء، يعني حتى تطرد هذا الشعور بالإعجاب: تذكر معاصيك ومخازيك، يعني ماشي بجوز أنا عملت دورة أو قدمت برنامجاً أو حفظت متناً أو حصلت لقب الدكتوراه أو فعلت شيئاً، يعني دائماً عندما يأتيك هذا الشعور تذكر بس في المقابل في عندي مخازي ومعاصي لو هتك ستري لافتضحت. فإذا جاءك الشيطان من باب العجب فآته أنت من باب المخازي، وآته من باب القصور والضعف الذي عند نفسك. ولذلك دائماً بتجد عند المشايخ الافاضل اللي كنا نتربى على أيديهم دائماً عبارات هضم النفس، اليس كذلك؟ لازم تكون حاضرة في خطاب الداعيه أو طالب العلم، يعني مثلاً كنت جالس مع شخص وقال لك: والله ما شاء الله عليك يا فلان، ترى أنت إنسان رائع، أنت إنسان لا، أنت مش، طبعا أنت مش: آه والله أنا فعلاً أنا إنسان رائع بس أنتم مش مكتشفين طاقاتي! مش حينفع أنك يعني تلبس الدور، لا بالعكس، قول: يا أخي أنا عندي ذنوب ومعاصي، أنا عندي مخازي، يعني حتى الشيطان لا يعبث بك، لأنه أحياناً مع كثرة مدح الناس لك بتصير تشوف حالك، مع كثرة ثناء الناس عليك أو إشارتهم اليك، ما أنت ماشي، أنت ممكن ما طلبت ذلك منهم، لكن حصل حصل وصارت الناس تثني عليك، رح يدخل عليك الشيطان من باب أنك تشوف نفسك أنه: آه والله، شكلي أنا إنسان مميز! وتبدأ عاد تمشي في هذا الموضوع: آه والله، فعلاً أنا عالم! أو أنا إنسان فاضل! لا، إنسان، لم أعرف عالماً كان يزكي نفسه، العالم لا يزكي نفسه، بل بالعكس، من قمة علمك أن تعرف مخازيك وأن تعرف ذنوب الخلوات، فتقول: هذا ستر الله علي. إذاً، استذكار العبد عيوبه ومخازيه في لحظة شعوره بالعجب يساعدك. قال الحافظ ابن رجب، قال رحمه الله: وهذا أحب إلى الله من فعل كثير من الطاعات، فإن دوام الطاعات قد توجب لصاحبه بها العجب. وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه، لذلك كان يقول ماذا قال السكندري في الحكم: معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عجباً واستكباراً. يعني أن تعصي ويحدث لك المعصية توبة وانكسار وشعور بالذل، هذا أعظم عند الله من أنك تكون من حفاظ القرآن والمتون وعالم ودكتور شريعة، وفي النهاية أنت معجب بنفسك وبنفسك وإمكانياتك وترى لك فضلاً على الناس.

فاذا، وهذا أحب إلى الله، ما هو؟ يعني أن تكون عند شاعر بمخازيك وعيوبك وذال ومنكمش بسببها، هذه الحالة التي أورثتها المعاصي أحب إلى الله من فعل كثير من الطاعات التي تجعل صاحبها معجباً بنفسه وما قدمه وبذله. نعم، أكمل، قال: وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك: العجب. إذاً سبحان الله، لو، يعني لو سأل الشخص: لماذا جعلنا الله نذنب؟ الله عز وجل ألم يكن قادراً على أن يخلقنا بدون ذنوب؟ الله قادر أن يخلقك بدون ذنوب، لكن وضع فيك هذه البلية لأنها تحصل مصلحة عليا، وهي ماذا؟ انتفاء العجب. يعني جعلنا الله نعصي حتى يعالجنا بالمعاصي من داء العجب، طبعا هذا لمن أحدث بعد المعصية توبة واستغفاراً. فوجود المعاصي نافع لك من جهة معينة، من جهة ماذا؟ أنها تساعدك على احتقار نفسك وازدرائها، طبعا الاحتقار الإيجابي، يعني الاحتقار الذي يجعل الإنسان لا يرى شيئاً وفضلاً على الناس وينسب كل الفضل إلى الله ويعرف أنه مقصر في ملفات أخرى. طيب، إذاً هذه الطريقة الأولى للتخلص من قضية العجب: استذكار العيوب.

ثانياً: أن يستذكر عظم حق الله وجلاله وعظمته وتقصيره في أداء ذلك الحق، فيشعر بالوجل من عدم قبول عمله لما يعتريه من التقصير والعجز، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. طيب، العلاج الثاني هو أن ترى كل ما تقدمه، حتى من الأشياء اللي بيشوفها الناس مميزة، أن ترى أن حق الله أعظم وانه ما قدمته إنما هو بضاعة مزجاة، بضاعة مزجاة واقفة تنتظر القبول، وأنت تعلم أنها فيها نقص وفيها رداءة وأن حق الله أعظم، فإذا كلما عرفت الله وعرفت عظمته وما يستحقه سبحانه من الكمالات عرفت أنه هذا العمل الذي أنت قمت به ومدحك الناس عليه إنما هو بضاعة مزجاة واقفة على باب القبول، تنتظر هل ينظر فيها فتقبل على ما فيها من الرداءة أم أنها ترد في وجهك؟ فإذا أثني عليك أو شعرت بالعجب تذكر: هل قبل العمل أو لا؟ تذكر: هل سمح لهذه البضاعة المزجاة أن تتجاوز إلى باب المقبولين أم لعلها ترد وتلقى في وجهه خائبة خاسرة؟ فتذكر عظم حق الله وأنه كل ما أنت تفعله لا يساوي شيئاً تجاه حق ربك عليك، هذا سيجعلك تعرف أنه أنا ما عملت حاجة حقيقة بالمعنى العلمي.

ثالثاً: أن يستحضر نعمه الله عليه، لا سيما توفيقه لصالح العمل، ولو شاء سبحانه أن يخذله ويرفع عنه توفيقه ويكله إلى نفسه لهلك. قال تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً، فيورثه ذلك خضوعاً وشكراً وخوفاً من زوال تلك النعمة، فينسب الفضل لأهله. إذاً، الطريقة الثالثة لمعالجة داء العجب هو أن تستحضر أن كل ما بك من نعمة فمن الله، وأن كل خير وفقت لأدائه وكل ميزة وخصلة فيك هي محض توفيق الله، فهو المستحق للحمد فعلاً وحقيقة. ليش نحن دائماً نقول إن الله هو مستحق لجميع المحامد؟ لأنه كل خير موجود في الدنيا هو منه ليس مني، ما في شيء منك حقيقة، إنما هو فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ يضعه في هذا وفي هذا ويوزع هذه الأفضال على عباده. فأي عجب جاءك تذكر أنه ليس منك شيء وإنما كل شيء من ربك.

طيب، هذه الإشكالية الأولى التي تطعن في الإخلاص: أن تعمل الأعمال من أجل نفسك وتكبيرها وتفخيمها.

طب ثانياً، مما يخل في الإخلاص كما قلنا: أن تفعل الأفعال من أجل ملاحظة الناس، تمام! يعني حتى أنت هنا مش مهتم بنفسك، لا، أنا بدي أعمل أي عمل حتى لو كان غلط، بس أنا أنظر ماذا سيقول الناس عني! إنسان يرائي الناس ويحب أن يسمع عبارات التوجيه، عبارات المدح، عبارات الثناء، أن يقدم في المجالس، أن تقبل الرؤوس والأيادي. فهذا الشخص الذي يعمل من أجل الناس أبطل عمله وأشرك بربه سبحانه وتعالى من خلال مراءاته، وهذا ما يسمى في علم السلوك بماذا؟ بالرياء. والرياء كما ذكر ابن حجر، اقرأ ماذا قال ابن حجر؟ قال رحمه الله: هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدون صاحبها. ولذلك الشخص المرائي الذي عنده هذه المشكلة هو إنسان يتقصد دوماً أن يظهر أعماله الصالحة ولا يعرف أن يعمل في الخلاء. أنا حتى أعطيك معياراً تفحص فيه نفسك: هل أنت بتعاني من الرياء أو لا؟ شوف: هل أنت تحب أن تفعل أشياء في الخلوات أم أنت إنسان فقط تحب أن تبقى تحت الاضواء والكاميرات؟ إذا رايت نفسك لا تاخذك إلى الطاعة إلا إلى الطاعة العلنية التي يكون فيها الناس يراقبونك ويشاهدونك، وإذا كنت وحدك كسلت وابتعدت وفترت ولا تشتغل حقيقة، أقول: هذا مؤشر أنك مؤشر أنه عندك في مشكلة، لماذا لا تقوى إلا إذا راك الناس، وإذا ابتعدت عنك الكاميرات وكنت في خلوة مع الله لم تقم؟ إذاً أنت تعاني من إشكالية الرياء، فهذه لاحظ ماذا يقول ابن حجر في الرياء: هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدون صاحبها. فانت لما تخلو مع ربك ما في ناس تشوفك، ما في حدا ممكن يثني عليك، فإذا وجدت أن الدافع للعبادة خفت والهمه ذهبت وأول ما يدخل شخص مباشرة يعود النشاط، عودة النشاط لمراقبة الخلق دلالة على أن الرياء بدأ يعشعش في قلبك، انتبه، دق ناقوس الخطر كما يقولون.

أيضاً وهو من أكثر قال: وهو من أكثر ما يصيب العبد ويطرا على عمله. في الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر. قال: وما الشرك الاصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ إذاً الرياء هو ابتداء من قبيل الشرك الأصغر، لكنه إذا أصبح هو النمط العام والأصل العام في حياتك تحول إلى شرك أكبر. يعني الرياء قد يسقط فيه الإنسان في بعض المواقف ويخفق في تحقيق تمام الإخلاص لله، فهو يعتبر معصية من المعاصي ضمن مساحة الشرك الأصغر، لكن إذا أصبح هو الأصل في حياتك وأعمالك، لا، هنا انتقل من مساحة الشرك الاصغر إلى مساحة الكفر والعياذ بالله.

نعم، قال: ومن أخطر الآفات وأشدها فتصاً بصاحبها ما جاء في حديث أول من تسعر بهم النار ثلاثة: القارئ والعالم هذا أولاً، والمجاهد والمتصدق، الثلاثة لم يعملوا من أجل الله، وإنما جاهدت ليقال شجاع، وتعلمت العلم ليقال عالم، وبذلت المال ليقال كريم. اذهب فطلب أجركم ممن فعلت لهم، ولا تطلب أجرك من الله.

اقرأ: وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سمع سمع الله به، ومن من سمع سمع الله به. يعني اللي بيعمل أعمال هدفه أن يسمع الناس يعني: شوفوني يا ناس، هينا أنا موجود! من سمع سمع الله به، ما معنى ما سمع الله به؟ أي فضح الله رياءه على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، مش أنت كان

هدفك في الدنيا أن تسمع الناس أنه أنا موجود، شوفوني. الله يقول: أنا سأسمع بك يوم القيامة، سأفضحك أمام هؤلاء الأشهاد وأقول لهم: هذا كان يعمل لكم ولا يعمل لي، فالجزاء من جنس العمل؛ أنت كنت هدفك الشهرة، جبت لك الشهرة على وجه الفضيحة يوم العرض الأكبر. قالوا: ومن رياء راء الله به. نفس الفكرة؛ من كان هدفه مصانعة الناس، الله سبحانه وتعالى على سبيل العقوبة يهتك ستره أمام الناس، ويقول يوم القيامة: هذا الرجل كان يعمل لكم ويقدم لكم، أنتم كنتم تمدحونه تظنون أنه يعمل لله، لا، هو في الحقيقة كان مشغول باللايكات والجمهور والمتابعين، ويترقب كيف ستنظرون إليه، وما هي انطباعاتكم عنه، هذا كان شغله في الحياة الدنيا، هو كان يعمل لكم، وأنتم كنتم تمدحونه على أساس أنه كان يعمل لي، وتكسرت، والله ما هي مستاهله كل هذه الفضيحة، مش مستاهله، الناس لا تستحق كل ذلك، اعمل لله سبحانه وتعالى لتخلص من ذلك.

قال الخطابي رحمه الله: من عمل عملاً على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه.

طيب، كيف يعالج الإنسان هذه الإشكالية السلوكية؛ قضية العمل من أجل الناس وليس من أجل الله؟ أولاً: استشعار مراقبة الله تعالى له، وأنه شهيد على ما في قلبه، عليم بذات الصدور، لا تخفى عليه نيته ولا قصده، فأين الخجل منه سبحانه وهو يراك تقصد بما شرع لك من العبادة غيره؟ آه، هذا يدل على أن الإخلاص يحتاج إلى عبادة الحياء صحيح من الله، مش قلنا أعمال القلوب مترابطة؟ حتى تنجح في الإخلاص، لابد يكون عندك حياء، مش حينفع يعني لن تستطيع تخلص تمام الإخلاص حتى تكون انسان عندك حياء من الله، حياء أن الله ينظر إلى قلبك فيجدك تطلب بالعمل سواه.

يعني أنت بتعرف لما أنت عم بترائي من أجل الناس وبتعمل هذا العمل وبتشوف أبو فلان وأبو علتان ماذا سيقول؟ هل تعلم أن الله يشاهد الآن ماذا يحصل في قلبك من صراع؟ يشاهدك وأنت ملهوف خلف اللايكات وعم بتشوف ماذا يعلق الناس؟ عم يراك وأنت عم بتعمل حركات على السوشيال ميديا وتصرفات هدفك أنه يقال: أووه، والله فلان صانع محتوى ممتاز، فلان بيعرف كيف يتصرف، لا، فلان عارف. هل تعرف أن الله يطلع عليك كيف تفكر وكيف تدير المشهد؟ هي القضية بدها حياء، اللي ما عنده حياء؛ الحياء حياة القلب، شو بقول لك؟ الحياء حياة القلب، اللي ما عنده حياء، ما عنده استحياء، خلص مات قلبه انتهى، فالرياء سيصبح ديدنه.

فأول خطوات الإخلاص في هذه القضية أن تتعلم الحياء من الله، وأن تتذكر الحديث: إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم، يعني هو محل نظر الله، أول شيء ربنا ينظر لقلبك: كيف بفكر هذا الإنسان؟ إلى من يطمح؟ ما دام الله ينظر إلى قلبك، استحي من نظر الله إلى القلب.

ثانياً: الحرص على عبادة السر، فهي أدعى للإخلاص وأبعد عن الرياء. نعم، كل إنسان مبتلى بالرياء ننصحه أن يكثر من أعمال الخلوات، يعني حاول عادي تجلس في غرفة وحدك وتبدأ تمارس عبادات من القيام، من الذكر، من الصلاة، حاول هيك تقدم صدقات في مكان ما حدا بيعرفك فيه بدون ما حدا يعرف المبلغ الذي فعلته؛ أعمال الخلوات تقوي داعي الإخلاص.

ثالثاً: أن يجاهد نفسه في دفعه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، في دفعه يعني دفع خاطر الرياء. نعم، وما من عبد إلا ويطرا له، لكن بالاستعانه بالله ثم بالمجاهده والمصابره يخلص قلبه منه. آه، الآن هذا مهم؛ قضية ما من عبد إلا ويطرا ذلك له. بعض الشباب الملتزمين وطلاب العلم واخواننا لما تتكلم له عن الرياء، وكأنك بتتكلم عن ملف يعني موجود عند أشخاص آخرين، يعني مش أنه هو عنده هاي المشكلة، بقول لك: لا، الحمد لله أنا مخلص لله عز وجل. يا شباب، أخلصوا لله. لا، اخي الكريم، أنا واياك، أنا واياك سياتينا خاطر الرياء، إياك ثم إياك أن تظن أنك انفككت عن ذلك، لأنه في اللحظة التي تكون أنت شاعر أن هذا الملف ما بخصك بتكون أنت غارق فيه تماماً، فلا بد وأن تعرف أن خطرات الرياء تغزونا جميعاً، وأن الإنسان بطبعه يحب الثناء، الإنسان بطبعه يحب أن يرى نظرات الإعجاب، الإنسان بطبعه يحب التقدير، أنت عليك أنك تجاهد هذه المشاعر وأنت تقرب لله سبحانه وتعالى قربة.

إذاً، سفيان الثوري ماذا يقول؟ يقول: ما وجدت علي مثل نيتي أنها تقلب علي. سفيان، يعني شوف مكاشفة السلف لأنفسهم، يعني سفيان لم يكن مستحيياً أن يقول للناس أنه أنا أشعر أن هناك مشكلة عندي في النية. تخيل، يعني هل في هناك طالب علم أو شيخ اليوم بسهولة ممكن يقول للناس: أنه أنا والله النية عم بتغلبني، يوم بتضبط معي، يوم، مش السهولة الواحد يكاشف الناس بهذه القضية، لكن هؤلاء قوم عندهم صدق، فبينصحوا أنفسهم، بينصحوا الناس معهم أنه يا جماعة، والله نيتي عم تتقلب حتى ما تفكر أن هذا الملف منتهي من حياتك، هذا الملف يتقلب معك يومياً، فبدك مجاهدة شديدة لخطرات الرياء وحب إظهار الأعمال أمام الناس.

كثير من التصرفات يعني تظهر في طلاب العلم تشير وتشيء أنه في نوع من الرياء؛ مثلاً يحب أن هو الذي يبدأ الكلام في المجالس، وإذا قدم غيره فتكلم يتضايق صدره أحياناً، يحب في المجلس أن يتكلم مع الشيخ، كما ذكر الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: كانوا يعدون الكلام مع الشيخ في المجلس من الرياء؛ مثلاً الشيخ يبدا بطرح مسألة، قبل ما الشيخ يكمل الجواب بتلاقي طالب: آه، شيخ، هذه كذا وكذا، تمام، أو الشيخ بده يعطي معلومة أو قصة، يطلع له طالب بكمل القصة له، هو يحاول هذا الطالب أن يشعر أقرانه أنه أنا بعرف كلام الشيخ وبعرف هاي المسألة، فبحب يضل يتكلم مع الشيخ طارة، هو يزعج الناس من حوله وفي نفس الوقت يولد الضغينة مع الناس يعني مع أقرانه مع إخوانه أنه أنت ما في داعي الاستعراض، هاي النفسية الاستعراضية اللي بتحاول دائماً تملي مع الشيخ الكلام، هذه كلها أمارات لا. إذا شعرت نفسك تتشوف إلى شيء من أجل أن تستعرض، امنعها، حتى لو كنت بتعرف، عود نفسك أن الشيخ إذا بيتكلم أضلني ساكت للأخير حتى لو كنت بعرف كل الكلام، وإذا الشيخ سال عود نفسك خلي إخوانك يجاوبوا إذا أنت واثق أنك عندك قدرات للإجابة، ماشي، ليس دائماً يجب أن أتكلم، خلي مساحة لإخوانك وهذا سبحان الله يحبب بالناس فيك.

أيضاً، إذا كنت في مجلس ورايت أنك تحب أن تتكلم أولاً امنع نفسك، لا، قدم غيرك، لأن النفس تحتاج إلى تربية ولن تتربى حتى تحرم، خلي غيرك يتكلم، داعي أنت تتكلم أولاً؟ في داعي أنك تكون دائماً في الصدارة؟ سبحان الله ونحن في تفسير سورة البقرة دائماً القرآن يعلمنا: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس. أنا قلت في الدرس الماضي: إن القرآن يعلمنا أنه ما ليس دائماً أو ليس شرطاً أن تكون متميزاً وظاهراً، اركع مع الراكعين، كن في وسط الزحام، تعود على العبادة في وسط الزحام، مش لازم تكون أنت دائماً البارز بين الناس والناس تنظر إليك، ما بتعرف تعبد الله على هدوء بدون أن يشار إليك؟ هذه قضية هي التي جابت كما يقول النهاية لبني إسرائيل، أن بني إسرائيل ما بيعرفوا إلا كانوا أن يكونوا متميزين عن البشر، فالله قسمهم: اركع مع الراكعين، يعني خلص، خليك مع الناس. كفار قريش كان عندهم برضو هذا المرض لما قالوا: نحن ما بنطلع على عرفات، نحن متميزون، نحن الحمس، نحن في الحج بنوقف عند مزدلفه، الناس بتطلع على عرفه، فالله عز وجل ماذا قال: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، سيبكم من التميز، عقلية التميز في أنا أكون أنا المتميز عن الناس، لا، اطلع على عرفه زيك زي الناس وانزل مع الناس، هذا يربي الإنسان على إيش؟ أنه أنا علاقتي مع الله علاقة عبودية، أنا مش جاي على منافسة مع البشر، أنا في الدنيا أنا مش في ميدان منافسة من الذي سيبرز أكثر؛ بدك تنافس نافس على الجنة، بدك تسارع هناك المسارعة، وليس على الظهور والتصنع في الحياة الدنيا.

طيب، أويس القرني ماذا يقول؟ قال رحمه الله: إذا قمت فادعو الله أن يصلح لك قلبك ونيتك، فلن تعالج شيئاً أشد عليك منهما.

ثالثاً، أن تكون العبادة لأجل تحصيل شيء من الدنيا ومتاعها. لا، ثالثاً، أن يستعين، القضية مما يعين على التخلص من الرياء أن تستعين بالله، أكيد، شوف، أنا واياكم ضعاف ونكون صريحين، الرياء يهجم علينا هجوماً والنفس تتشوف وتتطلع، من يعينك على التخلص من الرياء هو الله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وهذا معنى كلام أويس القرني، يعني لو كان كلام أويس القرني تحت لكان ربما أفضل، أنه إذا قمت فادعو الله أن يصلح لك قلبك ونيتك، لأنك أنت تحتاج أن تدعو الله ليعينك على التخلص من الرياء.

طيب، ناتي الآن للقضية الثالثة التي تصنع خلل في مقام الإخلاص، وهي أن تعمل من أجل الدنيا. طيب، شو الفرق يا شيخ بين الرياء وبين أن أعمل من أجل الدنيا؟ الرياء أنه أنت بتعمل عمل وتنتظر مدح الناس ونظر الناس إليك، أما الثالثة هو أنه لا، أنا بعمل عمل مش من أجل أنه الناس يمدحوني أو أستنتظر منهم ثناء، لا، بعمل عمل عبادي ديني من أجل أني أحصل منصب أو أحصل مال أو أحصل مكسب من المكاسب الدنيوية. بقول لك: أنا ما بيهمني كلام الناس، بس أنا ليش بعمل؟ ليش بدرس شريعة؟ والله بدي أصير مسؤول، أنا ما بيهمني كلام بس بدي أصير مسؤول، بدي أخذ منصب معين وأعين في دائرة قاضي القضاة أو أعين رئيس الإفتاء أو أطلب شيئاً مما يبتغى به وجه الله لم يطلبه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، من يفعل هذا الفعل؟ الأفعال، إخواني، والعبادات التي لا تصلح إلا أن تكون لله إذا فعلتها وأنت تطلب بها عرضاً من الدنيا قال لا يجد رائحة الجنة، يعني ريح الجنة ما رح تشمها، ريح الجنة ما بتشمها، وهذا بخل الإنسان، خاصة طلاب العلم أو الإنسان المشتغل بالحقل الدعوي، أنه ينتبه أنه أنت ممكن تعمل مشروع دعوي، ماشي، أنت مش مرائي ومنافق، بس شو هدفك من المشروع الدعوي؟ تبني إمبراطورية مالية، أنه أنا راح أستعمل الدعوة من أجل أني أكسب المال وتصبح الهدف، ركز أنه ياتي المال تبعاً، فش مشكلة، ليس مطمحي ولا أتشوف إليه، لكن أحتاج من المال ما يقوم به أودي وحياتي بس، فقد أخذ مثلاً كمعلم قرآن في مركز مبلغ أمشي به الحياة، أو كإنسان مدير لمشروع إسلامي أو هيئة إسلامية عالمية أو شيء قد تحتاج شيء تعيش فيه، هذا المبلغ الذي يحصل به الكفاف مطلوب، ولذلك الإسلام أعطى الخليفة المسلم إيش؟ أعطاه مرتب من أجل أن يستطيع أن يقوم بأداء مناصب الخلافة، هكذا طبيعة الحياة. لا، أنا كلامي عمن يستعمل الدعوة من أجل أن يأكل حطام الدنيا، من يستعمل الدعوة من أجل أن يأكل حطام الدنيا ويوسع أملاكه وثرواته، هذا مخالف تماماً لرسالة الأنبياء، رسالة الأنبياء: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا، أنا مش غالب الدين من أجل بزنس وأعمال دنيا واستثمر وتصبح لي أبراج عاجية، أنا أعمل داعياً إلى الله وأحصل من الكفاف ما يساعدني، فهذه القضية؛ قضية أن لا تعمل عملاً أخروياً تبتغي به عرضاً دنيوياً، هذا من الأمور العظيمة في تحقيق مقامات الإخلاص لله سبحانه وتعالى.

طيب، أكمل شيخ عمر؟ ومما يعين على التخلص من هذا قال أولاً: أن يستشعر عبودية والله، قال ابن جرير الطبري رحمه الله: من عمل صالحاً التماس الدنيا صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا لالتماس الدنيا يقول الله: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة وحبط عمله الذي كان يعمل التماس الدنيا وهو في الآخرة من الخاسرين، أسأل الله العافية.

طيب، قالوا: ومما يعين على التخلص من هذا الداء قال: أن يستشعر عبوديته وأن العبد يعمل لأجل سيده دون أن يطلب جزاء ولا عوضاً، وأن يستحضر تفاهة الدنيا ودناءة ما فيها أمام عظم ما عند الله والجزاء الذي ينتظره في الآخرة، فكيف له أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ويطلب لعمله قليل الجزاء ودنيء العوض؟

نعم، دائماً، يعني أنت تعمل في حقل دعوي أو علمي أو شرعي أو تقدم أي شيء، عليك أنك تعرف أن هذه التعب حرام يضيع من أجل لعاعة من لعاعات الدنيا، خلي هدفك أسمى ورؤية أبعد ومقاصدك أعظم، وتبقى قضية الدنيا شيء تبع، يعني كل ما تحصله من الدنيا في لحظة ما سيزول، سيذهب، ستترك وراءك ولن تلقى الله إلا بالعمل الصالح، فالإنسان كلما تفكر في تفاهة الدنيا وسرعه انقضائها أعانه ذلك على معالجة العمل سريعا والنهوض به لغاية أسمى.

طيب، أن يعلم، قال: وأن يعلم أن هذه العبادة حق خالص لله العظيم سبحانه اختارها وشرعها بحكمته، فكيف له أن يجعلها مطية لدنيا الدنيئة؟ إذاً، أيضاً هذا مما يساعدك أن تفهم أن الدعوة إلى الله هي عبادة، قراءة العلم وتعلم هي عبادة، وهذه العبادة هي حق خالص لله، فمعيب ما أن أجعل

ما هو من حق الله الخالص يصرف إلى متاعات الدنيا الزائدة؟ طيب، فائدة: ومما يقابل الإخلاص عموماً أن يلهث الإنسان خلف الدنيا ويجعلها همه ومقصده، ويسعى في تحقيق رغبات نفسه وتلبية شهواتها، حتى يصبح أسيراً لهواه، عبداً لدنياه، تعلق القلب بها، وتناسى الدار الآخرة، ولم يعد لذلك اليوم عدة. والإخلاص أن يكون القلب كله لله، إذاً أول عمل من أعمال القلوب: أخلص قلبك لله، أخلص القلب، وهذا هو أساس الدين.

العبادة الثانية من عبادات القلوب هي عبادة المحبة، وعند المحبة تفيض المشاعر، ويكثر علماء السلوك حديثاً لأنها مقام جميل لذيذ محبوب، تشتاق له النفوس وتتشوف الكلام عن محبوبها الأعظم ومقصودها الأجل، ولذلك حارت العبارات في تفسير محبة العبد لله، حارت العبارات في تفسير ما معنى محبة العبد لله سبحانه وتعالى، فتكلم علماء السلوك في ذلك بعبارات مختلفة، لكن مقصودها واحد، وهو أن يصل القلب إلى الله سبحانه وتعالى بكل شوق.

يقول يحيى بن أبي كثير في تفسير المحبة: نظرنا فلم نجد شيئاً يتلذذ به المتلذذون أفضل من حب الله تعالى وطلب مرضاته. شايف إيش يقول يحيى بن أبي كثير؟ لم نجد شيئاً يتلذذ به المتلذذون أفضل من حب الله. يعني شوف، في ناس إخواني بيحكوا في اللذة ببعد آخر، نحن لما نتكلم عن اللذة يا طعام أمامنا، يا شهوات، يا نساء، يا شيء حتى دائرة المباح، لكن في هناك علماء لما يتكلموا عن اللذة وما يتلذذ به الإنسان يتكلم عن مقام الحب لله سبحانه، يرى أن هذا الشيء الذي يروق له العقل، ويطرب له الفؤاد، وتسكن له الجوارح، هذه اللذة النفسية المعرفية الهائلة، لذة أنه أنا حبي وطاقتي ومشاعري في الحب ليست متوجهة إلى شيء دنيوي أرضي سفلي، بل متوجه إلى ذلك الغيب العظيم الذي أطمح أن أراه في يوم من الأيام، أن أرى وجهه في جنات النعيم، ولذلك كان أعظم نعيم أهل الجنة هو التلذذ بالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى.

لكن هذا من يفهم لذته؟ من عرف لذة محبة الله في الدنيا، عرف لذيذ النظر إلى وجهه في الآخرة، ومن قصر في تحقيق مقام المحبة لله في الدنيا لم ير جمالية هذا المشهد في الدار الآخرة، دائماً كنا نقولها: اللي بيشوف أنه أحلى شيء في الدنيا العلاقة مع النساء والزواج والطعام والشراب، هذا شو أكثر شيء بيشوفه حلو في الجنة؟ الحور العين والطعام والشراب، لكن الذي كانت لذته الجميلة في الدنيا هي الأنس بالله والكلام مع الله ومناجاة الله، كان فعلاً فعلاً يستأنس في هذا، اللي راح يفهم ليش أجمل شيء في الجنة النظر إلى وجه الله، لأنه هو أصلاً عايشه في الدنيا، فنحن نصف هذا الكلام ونسأل الله أن نكون من أهل هذه المقامات، نصفه مع اعترافنا بالتقصير، لكن بدك تفهم، لأنه أنا أدرك أن كثير من الناس لما يتكلم أن أجمل لذة النظر إلى وجه الله، هو خلص بيقول لك أنا مؤمن أنه، إيش؟ مش شاعر، هو جيد المكاشفة أحياناً لأنها تعطيك وين المشكلة؛ أنا أفهم أنك تطرب لذكر الحور العين أكثر من طربك لذكر رؤية وجه الله؛ لأن هناك تقصيراً في مقام المحبة، ولو ذقتها كما ذاقها هؤلاء القوم لعرفت أنها هي أجمل وأعظم، فنسأل الله أن يبلغنا منازل المحبين.

طيب، اقرؤوا أما معنى المحبة، قال: فلا يحده حد ولا تجمعه عبارة. ومن أجل ما قيل في محبة الله ما رواه أبو بكر الكتاني قال: جرت مسألة في المحبة بمكة، أعزها الله تعالى أيام الموسم، أيام موسم الحج، نعم، قال: فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد، وكان الجنيد أصغر، الجنيد هو كما يسميه ابن القيم إمام الطريقة، يعني هو إمام طريقة التصوف السني، الجنيد هو إمام التصوف السني من السلف، طيب، فقال: فماذا قال الجنيد لما ذكرت أمامه المحبة مع أنه كان شاباً صغيراً في ذلك الوقت؟ قال: عبد ذاهب عن نفسه متصل، طبعاً، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي، الجنيد كان من أهل العراق، فلما ذكرت المحبة في المجلس قالوا: يلا أيها العراقي أخبرنا ما معنى المحبة أو كيف تراها؟ فقال، قال: فأطرق رأسه ودمعت عينه، ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه.

أنت لاحظ هذا الموقف، يعني هو ما بيتكلم بالمحبة بكلام تراجيدي، لا، هو أولاً أول ما سمع محبة الله دمعت عينه، شوف التأثر النفسي يعطيك الصدق عند هؤلاء، ذكرت محبة الله أمامه فدمعت عينه، ثم قال في تعريفها، ما تعريف المحبة في مفهوم الجنيد؟ قال: عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقه. شو يعني ذاهب عن نفسه؟ يعني تناسى نفسه مش مشتغل بحظوظها، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقه، ناظر إليه بقلبه، أحرقت قلبه أنوار هيبته، وصفى شربه من كأس وده، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، يعني غاب عن ملاحظة النفس إلى ملاحظة الخالق، هذا معنى المحبة الحقيقية.

الإنسان إذا أحب شيئاً من الأمور الدنيا تجده ممكن يصاب ويجرح ويتألم من أجل أن يظفر بمحبوبه، صحيح، مش هيك بيصوروا في الأفلام، واحد أحب فتاة بتلاقيه بيطلع من باب السيارة ويقفز وكذا وينسى كل جراحه من أجل أن يظفر بهذه المحبوبة، فولله المثل الأعلى إذا أحببت الله سبحانه ستجرح وتتألم وتعذب وتتحمل سنوات من القهر و... و... لكن كل هذه الآلام تتحملها بابتسامة؛ لأنك تبذلها لمحبوبك، هذا الذي جعل بلالاً يبتسم وهو يعذب على بطحاء مكة، هذا الذي جعل الكبار والأفذاذ يصبرون على اللأواء والشدائد من أجل محبوبهم، أشغلهم حب محبوبهم وذكر محبوبهم عن آلام أبدانهم ونفوسهم.

طيب، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله خيراً يا تاج العارفين، يعني هذا هو التعريف الحق للمحبة، وهناك عبارات أخرى يمكن تؤدي هذه المادة.

طيب ما معنى التوحيد في المحبة الإلهية؟ قلنا التوحيد في المحبة الإلهية هو أن يكون الله أعلى المحبوبات، هناك محبات جبلية، أنت تحب زوجتك، تحب أطفالك، هي محبات جبلية، لكن لا يجوز أن تطغى على محبة الله سبحانه، فمحبة الله بماذا تختلف عن محبة الجبلة؟ أن محبة الله تختلف في أسبابها وفي موجباتها، كما قال الشيخ السعدي رحمه الله عليه أنه إذا أردت أن تفرق، أنه لا تخلط بين باب محبة الله ومحبة الإنسان لأبيه وأمه وزوجته وأبنائه؛ أن محبة الله أسبابها وثمارها تختلف عن محبة المخلوقين من حيث الأسباب والثمار، فمحبة الله ما أسبابها؟ أنك عبد وهو إله، أنه متفضل وأنت محتاج، أنك فقير وهو غني، فهي محبة أسبابها افتقارك واحتياجك وعبوديتك، وكماله وغناه وقيوميته، وتثمر خضوعاً له وانقياداً لأمره، هذه التي تسمى المحبة الإلهية، وهذه التي لا تجوز إلا أن تكون لله.

أما محبتك لزوجتك فهي ليست ناشئة عن أنك أنت فقير وهي غنية، وأنك محتاج وهي مكتفية، لا، ناشئة عن أمر فطري، هذا سببها، أن الإنسان يحب الجمال، يحب الأنس، يحب الكذا، وموجبها أن تراف بها وأن تراف بك وأن تعينها وأن تعينك، فباب المحبة المخلوقية أسبابه وثماره مختلف تماماً عن المحبة الخالقية. فلما نقول لا يجوز أن تشرك في باب المحبة، المحبة الخالقية التي أسبابها عرفناها وموجباتها عرفناها، هذه لا يجوز إلا أن تصرف لله الواحد الديان، وإذا صرفت لغير الله فأصبحت تخضع لمخلوق أو تخضع لصنم أو تخضع لمال، نقول: الخضوع من موجبات المحبة المخلوقية ولا الخالقية؟ الخضوع من موجبات المحبة الخالقية، فإذا أعطيت هذه الثمرة لمحبة دنيوية، أنت فعلت شركاً، إذا أصبح محبوبك تعظمه فتسجد له وتقدم له وتتقرب إليه، التقرب والبذل، هذه من علامات المحبة الخالقية، فبالتالي لا يجوز أن تعطيها للمحبة المخلوقية، وقس على ذلك، فإذاً التوحيد في المحبة الإلهية واجب.

طيب الآن نقول: المحبة ادعاء، هل سهل الإنسان يقول إنه يحب الله؟ كم بقي الأذان؟ أربع دقائق أو خمس دقائق، مادام بقي خمس دقائق للأذان ما عندي وقت لأفصل أكثر في هذا المقام، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الصادقين في هذه المقامات، وأن يعيننا على أداء حقها والوصول إليها، وأن نحط رحالنا بها، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه، ولعلنا نكمل ما بقي من هذا المقرر بعد عيد الفطر إن كان لنا في العمر بقية، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.