الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكمة وله المصير، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم صلِ على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد عبدك ورسولك كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، نستعين بالله ونستفتح المجلس الخامس من سلسلة إحياء منهاج النبوة، وقد كان المجلس الأول والثاني بعنوان منهاج النبوة في التلقي، ثم كان المجلس الثالث والرابع بعنوان منهاج النبوة في التربية وصناعة المصلحين، وها نحن ننتقل في هذا المجلس الخامس إلى منهاج النبوة في الإصلاح.
وإذا قلنا منهاج النبوة في الإصلاح فلا شك أن له علاقة وطيدة بمنهاج النبوة في التلقي ومنهاج النبوة في التربية وصناعة المصلحين. وإذا كان الحديث عن منهاج النبوة في الإصلاح، فإننا لا نقصد مجرد الإصلاح الذي قام به النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، وإنما نقصد منهاج النبوة في الإصلاح بما يشمل منهاج من رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة من شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن إصلاحهم كان على منهاج النبوة، كما ثبت في الحديث الذي ابتدأنا به هذه السلسلة أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف مرحلة الخلفاء الراشدين بأنها على منهاج النبوة.
فإذا قلنا الإصلاح على منهاج النبوة فنحن نقصد إصلاح النبي صلى الله عليه وسلم وإصلاح خلفائه من الصحابة الذين رباهم، فهو داخل في منهاج النبوة، أما طبعاً القسم الأول باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المصلح، وأما بالاعتبار الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد بأن هذا المنهج الإصلاحي على منهاج النبوة.
وإذا كنا قد تحدثنا عن معالم للتربية النبوية للصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فإننا نتحدث اليوم عن نتائج هذه التربية، ونتحدث عن الفعل الذي قام به أولئك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، خاصة وأنهم كانوا الأمناء على الدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
مما يلفت النظر والانتباه مقدار المهام الإصلاحية التي قام بها الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بحيث أن مقدار الإنجازات التي تحققت في الأعمال الإصلاحية بعد النبي صلى الله عليه وسلم هي إنجازات استثنائية يصعب تكرارها في التاريخ، والسبب في ذلك أن الذين قاموا بها هم الذين تربوا على منهاج النبوة، فكانت هذه الإنجازات خارج نطاق التربية العادية والقدرة العادية والإمكانات العادية، وإنما كانت إنجازات هائلة وعظيمة ومتقدمة جداً.
وربما ذكرنا في اللقاء السابق الخمس سنوات الأولى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومقدار الإنجاز الذي حصل فيها؛ ارتدت الجزيرة العربية، أرجعوا الناس إلى الإسلام، دخلوا العراق ثم دخلوا الشام وفتحوا الفتوح، فتحوا بيت المقدس، وأسقطوا إيوان كسرى وإمبراطوريته، وتمددوا في مشرق العالم الإسلامي والشرق الشمالي كذلك، وتمددوا في الغرب وتمددوا في الشمال، وحكموا الشريعة وأقاموا العدل وأقاموا أنظمة تسيير حياة الناس وحياة المجتمعات. وفي نفس الوقت حفظوا مادة الإسلام، بلّغوها، علّموا، قضوا، بلّغوا. نحن اليوم نتذاكر الحديث النبوي، من الذي بلّغه؟ أولئك. وقبل ذلك القرآن، من الذي بلّغه بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ أولئك. وعندنا عنوان كبير اسمه فقه الصحابة دوّنه العلماء. إذاً نحن أمام منظومة إصلاحية متكاملة في العلم، في الفكر، في الجوانب الحياتية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أو خلينا نقول في الجوانب الإصلاحية السياسية والدعوية والجهادية.
قبل أن ننظر إلى هذه الإنجازات، نكون قد نظرنا في المعالم التي تربوا عليها، فتلك التربية هي التي خرّجت أولئك المصلحين. قبل أن نبدأ في معالم منهاج النبوة في الإصلاح، نسأل السؤال المتكرر: هل هناك منهاج للنبوه في الإصلاح؟ وقلنا نحن مجرد طرح هذا السؤال أحياناً قد يثير الانتباه بدرجة أنه قد يحفز الإنسان أن يسير في رحلة بحثية طويلة ليكتشف معالم منهاج النبوة في الإصلاح بمجرد طرق السؤال لذهني.
وأنا بالنسبة لي حصل لي ذلك حقيقة في سنوات سابقة لما أثيرت هذه القضية في الذهن بفضل الله سبحانه وتعالى، فعلاً ذهبت في رحلة بحثية طويلة تأملية تفكرية في استخراج معالم الإصلاح عند الأنبياء، وكانت المادة الأساسية في ذلك سلسلة أنوار الأنبياء، وكانت مفاجأة بالنسبة لي حقيقة، أنه حلقة على أثر حلقة، درس على أثر درس، نبي على أثر نبي، سورة على أثر سورة، وتكتشف أن معالم هذا المنهج الإصلاحي واسعة وكبيرة وثرية وعظيمة جداً. وهذه القضية حقيقة بعد ما الإنسان جرّب الدخول فيها والتأمل والتفكر في كتاب الله فيما يتعلق بمعالم منهاج الأنبياء في الإصلاح، يكتشف أشياء مهمة وكبيرة وثمينة، ثم يقول لماذا كثير من الناس حين يبحث في الفكر الإصلاحي يبحث في نظريات فكرية لمنظرين؟ عارف مثلاً والله تحت نافذة مثلاً علم الاجتماع، ولا تحت نافذة خلينا نقول التجارب والخبرات الحياتية الطويلة، ولا تنظير فلسفة حركة الأمم والمجتمعات والحضارات، يا جماعة ترى في فكر إصلاحي حقيقي إن صحت التسمية بهذه المجاز، ولا هو أعظم من كلمة فكر إصلاحي، يعني خلينا نقول منهج إصلاحي حقيقي مستخرج من كتاب الله سبحانه وتعالى، من فعل الأنبياء.
ولذلك الآن لما نقول منهاج النبوة في الإصلاح ففي الحقيقة نحن نقصد النبوة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم الأنبياء، وأيضاً منهاج النبوة هو الذي ذكرت، اللي هو من شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم على منهاج النبوة من الصحابة، من الخلفاء الراشدين الذين كانوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، إذاً منهاج النبوة في الإصلاح، هل هناك منهاج فعلاً؟ نعم هناك منهاج، هناك تفاصيل، هناك معالم، هناك منظومة من المبادئ أو خلينا نقول من القضايا والمعالم الإصلاحية التي يمكن أن يخرج بها الإنسان إذا تأمل في هذا الكتاب العزيز في قصص الأنبياء تحديداً. ومما يمكن أن نخرج به من معالم في هذا المجلس، المعلم الأول من معالم الإصلاح، طب احنا قلنا الإصلاح دعوة وتمكيناً، والإصلاح دعوة وتمكيناً، ودعوة واضحة وتمكيناً يدخل فيها الجهاد والسياسة، لأنه بالجهاد والسياسة بهما يحصل التمكين للدين، أما بالسلطان وأما بالسيف والسنان. ولا شك أن الحجة والبرهان كذلك هي جزء مما يمكن به الدين، فهذه الدعوة والسياسة والجهاد، هذه أهم منافذ أو وسائل الإصلاح التي يمكن أن يسير عليها الناس، إما أن يكون إصلاحاً عبر الدعوة، وإما أن يكون إصلاحاً عبر الجهاد، وإما أن يكون إصلاحاً عبر السياسة والسلطان.
والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه ماذا يمكن أن نقول أنهم فعلوا من هذه الثلاثة بمجموع الأنبياء؟ أكثر شيء اشترك فيه الأنبياء ما هو؟ الدعوة، يعني كل الأنبياء دعاة، وبعض الأنبياء كان لهم سلطان وملك، ليس كذلك؟ وأبرزهم سليمان عليه السلام، وكذلك يوسف عليه السلام وغيرهم. يعني السلطان باسمه العام كل ما يتعلق بالتمكين، وهناك طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم والجهاد. كذلك هناك كما قال الله تعالى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، وهذه للتكثير، وكأين من نبي قاتل، يعني ترى من منهج الأنبياء الذي عليه جهاد، حتى القراءة الأخرى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، هي مقتضية لقضية الجهاد، طبعاً اختلف المفسرون في قُتِل معه ربيون كثير، هل هو اللي قُتل ولا الذين معه هم الذين قُتلوا؟ يعني وكأين من نبي قُتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وأعظم مصيبة هي قتل النبي، أو من نبي قُتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، والقراءة واحدة قُتل، يعني هذه القراءة الثانية والقراءة الأولى قاتل معه ربيون كثير، إذاً الأنبياء دعوا وساسوا وجاهدوا.
طبعاً ساسوا إذا نحن وسّعنا مفهوم السياسة فلم نجعله محصوراً في السلطان والملك فنقول كل الأنبياء ساسوا، أو عامة الأنبياء عامة الأنبياء ساسوا، بدليل حديث: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، تسوسهم الأنبياء، هذه السياسة الآن ليس المقصود بها بالضرورة الملك أو السلطان السياسي، وإنما تسوسهم الأنبياء، هذا في معنى الإصلاح والتربية وفيه معنى القيادة كذلك، لكن هذه القيادة ليس بالضرورة أن تكون تحت نافذة الملك، لكنها تسوسهم، يسوسون الناس. إذاً الأنبياء دعوا وساسوا وجاهدوا.
طيب هل كونهم دعوا وساسوا وجاهدوا، هل هذا له معالم نستخرج منهاجاً تاماً في الدعوة ومنهاجاً تاماً في السياسة ومنهاجاً تاماً في الجهاد فنقول بناء على ذلك الدعوة على منهاج النبوة والسياسة على منهاج النبوة والجهاد على منهاج النبوة؟ نعم، هذه خلاصة الآن المدخل الذي ندخل من خلاله إلى هذه المادة أو هذا القسم من المادة، اللي هو نعم هناك معالم لمنهاج الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه في هذه الأبواب. طبعاً أنا كنت ولا زلت محتاراً هل نقسم معالم منهاج بناءً على هذه الثلاثة؟ احنا كل هذا عندنا مفاتيح، الأول التلقي، عندنا مفاتيح نستخرج منها المعالم، فاحنا نقول مفتاح الدعوة ما هي معالم، ومفتاح السياسة ما هي معالم، ومفتاح الجهاد ما هي معالم، وهذا يعني خيار. الخيار الآخر نأخذ المعالم على العموم ممكن تترادف أو تتالى بعض المعالم الدعوية ولو كانت بعضها متفرقة في أماكن أخرى. طيب نبدأ احنا بالمعالم، فنقول المعلم الأول من معالم منهاج النبوة في الإصلاح، أن الأنبياء اعتنوا بالقضايا الكبرى والمشكلات المنتشرة في أزمنتهم، فأولى كل نبي مشكلة زمانه الأهمية في الإصلاح، هذا الآن منهج أو معلم من معالم منهاج الأنبياء، وقد سبق معنا في بعض الدروس وفي بعض الكتب الكلام عن هذه القضية والاستدلال لها ولا بأس من الإعادة بشكل سريع بعض الأدلة.
وحين تتأمل هذه القضية تجدها واضحة في كتاب الله، يعني الاستدلال فيها غير متكلف، وذلك أن الله سبحانه وتعالى إذا ذكر الأنبياء يذكر معهم المشكلات التي عالجوها، فتجد بعض الأنبياء صار اسمه ملازماً لمشكلة معينة عالجها واعتنى بعلاجها، كتلازم ذكر شعيب عليه السلام مع مشكلة التطفيف في المكيال والميزان، ولذلك دائماً إذا جاءت الآيات المرتبطة بشعيب تجد أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، إلى آخره من الآيات التي فيها الأمر بتوفية المكيال والميزان وعدم الغش فيها، طبعاً وأيضاً أمور أخرى يذكرها، لكن هذا دائماً مرتبط مع اسم شعيب عليه السلام. وكذلك لوط عليه السلام: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ، تَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ، إلى آخره، دائماً إذا ذُكر لوط عليه السلام تُذكر معه هذه المشكلة، أنه سعى في إصلاحها، وحتى عذاب قومه كان مرتبطاً بهذه القضية.
وموسى عليه السلام تكرر في ذكره ذكر تحرير المستضعفين: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، جميل أن الله سبحانه وتعالى قدّم أصلاً بين يدي بعثة موسى، أو ذِكر بعثة موسى عليه السلام، أنه إرادة الله أنه أن يمنّ على الذين استضعفوا في الأرض. طيب كيف تحققت هذه الإرادة؟ بعث الله موسى طبعاً بعد إصلاحه وتهيئته، لأنه في سورة القصص التي ذكر فيها القصة عندك تقريباً ثلاث صفحات قبل بعثة موسى عليه السلام، صح ولا لا؟ يعني بداية الصفحة الرابعة: فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا، ثم قصة الوحي، وما قبلها كله قصة موسى عليه السلام قبل نزول الوحي عليه، ولكنها كلها مصدّرة بأن الله يريد أن يمنّ على الذين استضعفوا في الأرض. وأيضاً في سورة الشعراء في سياق الآيات: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا ۖ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، شوف: أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، تبين أن هذا من صميم الرسالة التي بعث موسى عليه السلام بها.
فهذان موضعان، هناك أيضاً موضع في سورة الأعراف، في طه في سياق الآيات: قَالَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ * قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ * فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ، هذا موضع ثالث. هناك موضع رابع، فرعون وقومه أيضاً هم فهموا هذه الرسالة: قَالُوا لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، شوف: لنرسلن، هذا التكرار واضح، إذاً ارتباط رسالة موسى عليه السلام بتحرير المستضعفين، صح ولا لا؟ ثم يأتي السؤال الكبير، طيب ما هي المشكلة الكبرى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم التي بعث لأجلها؟ إحنا نقول عندنا نقطتان، النقطة الأولى نعم، قبل تحديدها، النقطة الأولى هي أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم هي الخاتمة، هي الرسالة الخاتمة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، فهي رسالة شاملة لكل شيء، سواء في إصلاح مشكلة منتشرة أو غير ذلك، وفي إيجاد الرسالة التي تتغذى منها أجيال هذه الأمة إلى قيام الساعة، فهي رسالة شاملة لا تختص في مشكلة دون أخرى من جهة، ومن جهة أخرى نعم، حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم كانت هناك مشكلة كبرى وبعث لعلاجها، وهي المشكلة المتلخصه في اسم...
ومن الأدلة على أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لهدم نظام الجاهلية هو كثرة الموضوعات التي عالجها النبي صلى الله عليه وسلم في أفراد مقولات الجاهلية وأفراد نظام الجاهلية.
فنجد من أوائل ما نزل من السور، السور التي فيها ذكر الموءودة مثلا، وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، هذه في سورة التكوير وهي من أوائل ما نزل أو من السور الأولى في النزول حسب ما يروى في آثار وأخبار ترتيب النزول. ومن جهة أخرى تكرر في القرآن المكي ذكر وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، هذه كلها من أمور الجاهلية. ونجد كذلك الشرك نفسه، يعني هو صحيح أن كل الأنبياء اتفقوا في الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك، لكن في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم تحديدا كان هناك نظام في عبادة الأصنام جاء النبي صلى الله عليه وسلم لهدمه.
وأيضاً كان عندهم نظام اقتصادي، ولذلك في حجة الوداع قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ألا وإن ربا الجاهلية موضوع. وأيضاً أنكحة الجاهلية، ذكرت عائشة صور نكاح الجاهلية، وقالت إنه أبطلها الإسلام إلا نكاحاً واحداً. وأيضاً في سورة الأحزاب وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ. وفي سورة الفتح إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ. وجاء النبي صلى الله عليه وسلم بهدم كل هذا النظام الجاهلي، والدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وتأسيس نظام كامل مناقض لهذا النظام على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والحياتية المختلفة، سواء على المستوى الشخصي، مستوى اللباس، مستوى كذا، حتى في أمور خلينا نقول في مسائل فقهية، يعني تعتبر الآن من باب الفقهيات، كان يستحضر مخالفة الجاهلية فيها، مثل مسألة العدة، لما كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم، ذكر أن العدة كانت سنة، وكان نظام العدة فيها من عدم الاغتسال وعدم النظافة وعدم كذا، يعني كان سيئاً. وأيضاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا، إلى آخره من القضايا الكثيرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم نعم بعث وهناك مشكلة كبرى اسمها نظام الجاهلية.
وبالمناسبة سورة الأنعام سورة مكية، هي من أهم السور التي هدمت قواعد من نظام الجاهلية، ولذلك في صحيح البخاري قال ابن عباس: من سره أن يعرف جهل العرب فليقرأ ما فوق المئة من سورة الأنعام، ليس قبل قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ، لا قبلها: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا، تقريباً من هذه الآيات أو نحوها، لأنه هذا الآن ذكر لنظام الجاهلية في قضية أولاها القرآن أو أولاها الله سبحانه وتعالى في القرآن اهتماماً عظيماً، اهتماماً كبيراً، صح ولا لا؟ يعني الآيات التي ذكرت نظام الجاهلية في سورة الأنعام أصلاً السورة اسمها الأنعام.
ويعني آيات كثيرة، وحتى ذكرت معها ألفاظ تدل على عظم الإشكال في هذا الباب، مثلاً وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، وذكر فيها يعني في هذه الآيات آيات كثيرة جداً في عدة صفحات. طبعاً ليس فيها فقط الأنعام، قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، يعني القرآن حين كان ينزل كانت هناك معالجة لنظام شمولي يجمعه اسم الجاهلية، يشمل أشياء كثيرة جداً. إحنا الحين عددنا يمكن عشر صور أو أكثر من صور الجاهلية أو أكثر حتى، عندك مثلاً حتى النهي عن الاستقسام بالأزلام هذا من نظام الجاهلية جاء في القرآن. طيب في الحديث النبوي تجد لسه مزيد من الأمور دائماً تذكر مثلاً: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة على الميت. أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه. صحيح، إذاً أبغض الناس إلى الله مبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية.
فهذا يعني هذا نعم نظام، كما قلت لكم يعني أوضح سورة برأيي فيها ذكر لنظام الجاهلية سورة الأنعام، وبالمناسبة هي من أهم السور التي يؤخذ منهاج النبوة في الإصلاح، في شق الدعوة، إحنا قلنا دعوة وجهاد وسياسة، من أهم سور القرآن. وقد ادُّعي ادعاء، يعني لعله يحتاج إلى استقراء أوسع، أنه هي أكثر سورة في القرآن يمكن أن يستخرج منها معالم منهاج النبوة في الدعوة هي سورة الأنعام، ونسأل الله أن يتم علينا مدارستها. إحنا في الحلقة الثالثة عشرة تقريباً في مدارسة سورة الأنعام، ولم ننتصف بعد يعني لم نصل إلى نصف السورة، لكن كان واضح فيها خلال المدارسة كثرة ما يمكن أن يستنبط من معالم منهجية في الدعوة. الدعوة اللي هي تشمل حتى محاجة المشركين وإقامة البراهين وكيف يقام نظام الاستدلال وكيف تنقض حجج المخالف وكيف يعني تنوع دلائل للوصول إلى الحق وهكذا، يعني لا يعني برأيي سورة الأنعام أكثر من سورة الشعراء. سورة الشعراء هي فيها خلينا نقول وحدة منهجية، هي وحدة معالم منهجية لفعل الأنبياء، لأنه يعاد في كل قصة حتى نفس الألفاظ: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، هذا من معالم منهج الأنبياء، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، هذا من معالم منهج الأنبياء اللي هو إظهار الحرص والشفقة وما إلى ذلك، والتوكل يعني بعد ذلك وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، وتكرار العزيز الرحيم قبل ذلك، لكن أرى أن يعني سورة الأنبياء إن قلت مثلاً سورة تكمل هذه المعالم، فبرأيي الفرقان أكثر من الشعراء، والله تعالى طبعاً كل سور القرآن يعني ممكن الإنسان يتأمل أكثر يجد صوراً أخرى، لكن سورة الفرقان تحديداً هي من السور الأساسية كذلك في استخراج معالم منهاج النبوة في الدعوة، لأنه هي سورة الفرقان.
وبالمناسبة كما ذكرنا أنه الإصلاح دعوة وتمكيناً، فالفرقان دعوة وتمكيناً، فالفرقان له قسمان، هناك فرقان بالحجة والبيان وهو المذكور في سورة الفرقان، وهناك فرقان بالسيف والسنان وهو المذكور في سورة الأنفال، فسمى الله يوم بدر يوم الفرقان وكان الفرقان فيه بين الحق والباطل بالسيف، وسمى الجهاد بالحجة فرقاناً في سورة الفرقان وسماه جهاداً، فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا، هذا في سورة الفرقان، وسورة الفرقان قام فيها قول الله سبحانه وتعالى: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا، وهذه في قضية المحاجة وإبطال أقوال المشركين. على أية حال، هذا كله استطراد، نرجع لأساس القضية، هناك منهاج، معلم من معالم منهاج النبوة وهو العناية بالقضايا الكبرى والمشكلات المنتشرة في الأزمنة. وبناءً على ذلك إذا أتينا للتطبيق، فنحن نقول من كان يريد الإصلاح على منهاج النبوة اليوم فلينظر إلى مشكلات الواقع الكبرى ومدى انتشارها وليعطها أولوية في الإصلاح، مثل ما أعطى الأنبياء المذكورون الأولوية في الإصلاح بالقضايا التي ذكرت قبل قليل، فكذلك في هذا الزمن ينبغي النظر إلى المشكلات الكبرى وإعطاؤها الأولوية في الإصلاح قبل غيرها.
ومما يؤكد هذا أن من عمل كثير من المعتنين بالدعوة أو الإصلاح أو العلم الشرعي أو نحو ذلك في زماننا، مما يؤكد أهمية إحياء منهاج النبوة في الإصلاح هو الغفلة عن هذا المعلم، فتجد حتى بعض السياقات الإسلامية أصلاً قائمة على قلب الأولويات. فإذا وجد أصلاً مشكلات كبرى ثم وجد أنه جزء من المعالجين قلبوا قائمة الأولويات، فتتأكد أولوية الإحياء لمنهاج النبوة في الإصلاح. ولعله يأتي معنا بعد ذلك إذا أفردنا كلمة الإحياء بالمعالجة أن الإحياء على نوعين: إحياء قولي لفظي فكري معرفي علمي، يعني خلينا نقول ليس قولياً لفظياً، أسلوب له وإنما إحياء علمي ومعرفي وفكري ينشر بالقول وينشر باللفظ وينشر بالقلم، وإحياء عملي بتطبيق منهاج النبوة في الدوائر التي يمكن تطبيقها، فالإحياء لا يكون بمجرد الدعوة إلى الإحياء والتنظير للإحياء، وإنما الإحياء يكون بتطبيق هذه المعالم، هذا إحياء، الإحياء بإيجاد النموذج أحياناً يكون أكثر تأثيراً من الإحياء بمجرد الدعوة إلى هذه المعالم، خاصة في أزمنة ربما تعب كثير من الناس فيها من المزايدات والشعارات والألقاب الكبرى، فلما توجد النموذج القائم على هذه المعالم يكون هذا خير إحياء أو خير سبيل للإحياء مما لو دعوت وتكلمت، وإن كانت الحاجة إلى الأمرين ماسة كذلك. إذاً هذا هو المعلم الأول من معالم منهاج النبوة في الإصلاح.
المعلم الثاني من معالم منهاج النبوة في الإصلاح، الجمع بين الإصلاح الخارجي والإصلاح الداخلي. والمقصود بالإصلاح الخارجي هو الإصلاح خارج ما يصطلح عليه اليوم بالصف الإسلامي، يعني الإصلاح الخارجي اللي هو مع المشركين مع الكفار مع المنافقين مع أهل الكتاب مع أهل إلى آخره، والمقصود بالمعلم أنه عدم الاكتفاء بالإصلاح الخارجي دون الداخلي، وكذلك العكس، عدم الاكتفاء بالإصلاح الداخلي دون الخارج. يعني أن من يقوم بالإصلاح على منهاج النبوة ينبغي أن ينظر بعين إلى داخل الوسط، وسط المسلمين، ويكون الإصلاح فيه في هذا الوسط، وعين أخرى إلى الإصلاح خارج نطاق المسلمين وخارج نطاق الدعوة الإسلامية وخارج نطاق الصف الداخلي.
وإذا نظرت إلى القرآن ستجد أن كثيراً من الآيات أتت للإصلاح الخارجي، وتجد كثيراً من الآيات أتت للإصلاح الداخلي، مثلاً سورة الأنفال، داخلي، سورة آل عمران القسم المتعلق بغزوة أحد داخلي، اللي هو مثلاً: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، والآيات التي بعدها، مِنْكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ، أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ. وقول ابن مسعود: ما بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنوات: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، كم في القرآن يا أيها الذين آمنوا، يعني أقصد أنه الكثير، يعني إصلاح داخلي. سورة الحجرات إصلاح داخلي، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، بعدين وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وأيضاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ، بس قبل عفواً إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، ثم بعده وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، وبعدها إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ، هذه كلها إصلاح داخلي.
قصص الأنبياء هي إصلاح داخلي، طيب كم قصص الأنبياء المذكورة في القرآن؟ كثيرة جداً، عامتها إصلاح داخلي، ليش عامتها إصلاح داخلي؟ لأنه المقصود بها النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه أن يصبروا كما صبروا وأن يثبتوا كما ثبتوا وأن يدعوا كما دعوا وأن يجاهدوا كما جاهدوا، هذه عامة قصص الأنبياء هي للمؤمنين، المخاطب بها بالأساس هم المؤمنون. إذاً هذا القرآن الذي نقرأه جمع بين الخطاب الداخلي والخطاب الخارجي. طبعاً هذه اصطلاحات، بس داخلي وخارجي ممكن يكون في تسمية أدق يعني مثلاً، بس هذه الآن يعني فقط للتوصيف.
طيب للخارجي ما يتعلق بأهل الكتاب، كل ما يتعلق بدعوة أهل الكتاب، ومن أهم ما جاء في القرآن في دعوة أهل الكتاب سورة آل عمران، والله يا جماعة أذكر قبل فترة قرأت سورة آل عمران، يعني الصفحات الأولى فيها مهيبة، مهيبة، مهيبة في الدعوة، عجيبة دعوة أهل الكتاب، يعني سبحان الله وأنت تقرأ هذه الآيات، طبعاً من قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا، والصفحات بعدها، يعني أنا أتخيل واحد من أهل الكتاب يقرأ هذه الآيات كذا بتجرد، عجيبة، وأصلاً حتى الآيات نفسها فيها الاحتجاج الخطاب المباشر، يعني مثلاً هي أكثر سورة فيما أستحضر ورد فيها يا أهل الكتاب كذا بالنداء، صح ولا لا؟ مراراً: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ، طيب وآخر الصفحة ايش، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، ممكن يعني تعد، أتوقع أنها تكون ستة سبعة تقريباً أو ستة. وأيضاً فيها تحبيب، يعني كأنها فيها دعوة عجيبة في هذه السورة، مثلاً: لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، بعدين آخر السورة: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ، أول السورة ايش؟ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ، سورة مليئة بالدعوة لأهل الكتاب، هذا خطاب الآن خارجي بهذا الاصطلاح. طيب بالنسبة للمشركين؟ سورة الأنعام، أربع وأربعون مرة فيها قل، تروح للطبري أغلب هذه المرات يقول لك: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم غيره، أخذها من أول آية: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، ومسك معها قل كل ما جاءت قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم غيره. استحضر هذه الجملة التي في البداية، يعني هذا الآن خطاب مباشر أن النبي صلى الله عليه وسلم.
الله عليه وسلم يؤمر بأن يقول خطاباً للمشركين، هذا كله الآن خطاب خارج. إذاً من معالم منهاج النبوة في الدعوة والإصلاح، طبعاً هذا المعلم أقرب شيء لأيش؟ لفرع الدعوة في الإصلاح، ها قلنا من الدعوة والسياسة والجهاد، هذا المعلم أقرب لأيش؟ لفرع الدعوة. إنه ترى الجمع، طبعاً إحنا نقول الدعوة ترى دعوة يدخل فيها كل شيء، يعني الدعوة مثلاً الإحياء الإيماني، الإصلاح السلوكي، الحجة، وكل ما يدخل تحت كلمة يعني تبليغ الحق باللسان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كله داخل تحت الدعوة.
فإحنا نقول إنه من منهاج النبوة الجمع بين الخطاب والدعوة الخارجية للأمم وللحضارات وللأقوام وللشعوب التي لم تؤمن بالرسالة بعد أو لم تقبل عليها بعد، فهذا جزء أساسي من الإصلاح، وجزء آخر الاهتمام الكبير بالدعوة الداخلية، الإصلاح، التربية، تزكية النفوس، إلى آخره، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ. ومن هنا نقول في واقعنا اليوم ينبغي أن يعتني المصلحون في الجملة، يعني في جملتهم، بهذين البابين، ليس بالضرورة كل مصلح بعينه يعتني بهذين البابين أو هذين القسمين، وإنما يمكن للبعض أن يعتني بالدعوة في الخارج، وبعضهم يعتني بالدعوة في الداخل، لكن لا يصلح أن توقف هذه الدعوة هناك، أو هذه الدعوة هنا، وإنما هذا طبعاً من معالم منهاج الأنبياء. هل نقول إنه هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو هو من معالم دعوة الأنبياء عموماً؟ الجواب: بل هو من معالم منهاج الأنبياء عموماً.
فنجد أن موسى عليه السلام خاطب فرعون وقومه، وخاطب المؤمنين معه، قال: يَا قَوْمِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، قال موسى: يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ. هذا كله خطاب داخلي وتربية داخلية، وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ، هذا كل هذه الأمر الداخلي، وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، هذا الداخلي، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، هذه في الأمر الداخلي، اللي هو سياستهم وإصلاحهم وتدبيرهم، تزكية نفوسهم إلى غير ذلك. طيب إذاً هذا من معالم منهاج النبوة.
كذلك الآن إحنا المعلم الأول كان مرتبطاً بالدعوة أم السياسة أم الجهاد؟ لا، لا كان مرتبطاً بالإصلاح باسمه العام. المعلم الأول: العناية بالمشكلات الكبرى. طيب كيف تصلح المشكلات الكبرى؟ ممكن بالدعوة، ممكن بالسياسة، وممكن بالجهاد، فهمتوا الفكرة؟ يعني هذا المعلم الأول هو إحنا، هو يصلح للبداية، يعني هو معلم كلي، معلم كلي؛ إنه ترى يعني كأنه الإصلاح في أي شيء أنا نقول يعني من أهم ما ينبغي العناية به المشكلات الكبرى. طبعاً إيش هي المشكلات الكبرى؟ إيش ضوابطها؟ كيف تستخرج؟ هذا شيء آخر، لكن المعلم الثاني مرتبط بفرع إيش؟ الدعوة، ومنه ننتقل إلى معلم ثالث أيضاً مرتبط بفرع الدعوة، وهو أن من معالم منهاج الأنبياء في الإصلاح وفي الدعوة العناية البالغة بالحجة والبيان والبرهان، وأن تكون يعني الدعوة، أن يكون الإصلاح في غاية، أو أن يحقق غاية ما يمكن تحقيقه في امتلاك السلطان البياني؛ لأن البيان والحجة يسمى سلطاناً، أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ، هذه الآن في الحجة والبيان.
هذا الآن معلم عظيم وكبير من معالم منهاج الأنبياء، طالما أنهم يدعون فهم يعتنون غاية العناية بإيجاد الحجة والحجة والبرهان والبيان، وهذا المعلم ينبغي أن يغفل عنه، وألا يستهان به، وألا يعتبر أنه هو من الأمور التكميلية في الدعوة، بل هو أساس فيها. بل إنك إذا تأملت القرآن الكريم ستجد أنه هو تطبيق عملي أصلاً لقضية الحج والبرهان، يعني كم الكتب الآن والدراسات التي تستخرج المنهج الاستدلالي، والمنهج الاحتجاجي، والمنهج البياني، والمنهج الكذا في القرآن الكريم، صحيح ولا لا؟ هذا بعيداً عن المضمون نفسه، يعني عن مضمون اللي هو يعني عما دعا إليه القرآن، وإنما نفس الأسلوب، أسلوب القرآن كله بيان وحجة وبرهان. ولذلك الإسلام لا يعتمد في دعوته على مثلاً خلينا نقول التحشيد العاطفي الجماهيري، أو على يعني الخطاب الاستنهاضي الـ خلينا نقول الإيش الذي يستثير العواطف المجردة، هذه العاطفة تأتي تبعاً موجودة ولكنها تأتي تبعاً، الاعتماد الأساسي في الإصلاح الدعوي في الإسلام هو على الحجة والبيان والبرهان.
ولما نقول إحنا الحجة ما نقصد الحجة الصناعية المعتمدة في المباحث المنطقية والكلامية، وإنما بالعكس، هناك نظام للحجة في القرآن مفارق في كثير من صوره للنظام الصناعي المتكلف في الحجة، ولذلك هذا كمان أيضاً مبحث طبيعة الاستدلال، يعني المبحث اللطيف في كتاب الأَدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد لما ذكر سمات الأدلة القرآنية العقلية. الشاهد أن هذا من المناهج، وبالمناسبة هذا الكتاب ذكر المؤلف أنه هو قرأ القرآن ما أدري مرة أو عدة مرات حتى يستخرج يعني الدلائل العقلية على الحقائق الشرعية من القرآن نفسه. فهذا معلم من معالم منهاج الأنبياء، وتطبيقه اليوم أن على الدعاة والمصلحين سواء في الدعوة، طبعاً هذا المعلم هو خاص بالدعوة الخارجية أم الداخلية؟ لا شك كل الأمرين.
فلذلك ينبغي على القائمين على الدعوة والإصلاح ممن يريدون إحياء منهاج النبوة أن يكون يعني كلامهم دائماً مصحوباً بالحجة والبرهان، ولذلك حتى أنا يعني أقول يا جماعة الخير باعتبار أننا نرى يعني خلينا نقول حالة من الشباب الصاعد الحامل لهم الإسلام، وإن شاء الله المحيي لمنهاج النبوة، ليكن من السمات المميزة كذا يعني أنه كيف تعرف الواحد اللي حامل هذا الهم وباذن الله ليكن من الشعارات المميزة امتلاك الحجة والبرهان. وبالمناسبة من يمتلك الحجة والبرهان بشكل قوي وصحيح يمكن له بسهولة أن يكون من أكثر الناس أدباً عند النقاش والحوار؛ لأنه لا يشعر بالفقر، بل يشعر بالامتلاء وأنه فعلاً يمتلك الحق من جهة المضمون، ويمتلك القوة البرهانية من جهة الأسلوب وطبيعة الاستدلال، فعلى أي شيء يغضب أو ينفعل أو يصرخ أو يعني يفجر في الخصومة؟ بالعكس.
طيب هل هناك موجب في الواقع اليوم يؤكد أهمية هذا المعلم؟ يعني يؤكد أهمية إحياء منهاج النبوة ها في الاحتجاج للحق وكذا؟ نعم، يوجد موجبات، منها كثرة الشبهات، بل لا يوجد زمن من الأزمان مر على الأمة منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، أثيرت فيه شبهات على الإسلام وتفاصيله كهذا الزمن. ما خلوا شيء، وهذه حقيقة حلقة بدأت مع المستشرقين تحديداً، المستشرقون قرأوا كتب التراث الإسلامي وفصلوا يعني قرأوها المطبوع منها والمخطوط، بل هم أخرجوا بعض المخطوطات إلى الطباعة وقرأوها بعين متحيزة ناقدة هادمة، واستخرجوا من الشبهات ما لا يحصل، ثم جاء المستغربون من الحداثيين العرب الذين تربوا على أيدي المستشرقين، وهذا حقيقة يعني ليس مجازاً أننا نقول تربوا على أيدي المستشرقين؛ يعني مو أنهم مثلاً قرأوا كتبهم، لا لا هم راحوا عندهم درسوا في جامعاتهم وتربوا عندهم فعلاً، ثم رجعوا إلى بلادنا وألفوا ما ألفوا من الكتب ونقلوا نفس الحجج، وجزى الله الشيخ إبراهيم السكران خيراً على كتابه التأويل الحداثي للتراث، اللي أثبت فيه بالدلائل الكثيرة كيف أن الحداثيين أعادوا إنتاج شبهات المستشرقين بطريقة جديدة، واللي هي يعني نفس ما أنتجه المستشرقون.
ثم صرنا اليوم في زمن منابر شبكات التواصل، منابر شبكات التواصل أتاحت هذه الخطورة فيها، أتاحت نقل الشبهات من أروقة الجامعات ومراكز الدراسات إلى الفضاء العام. هذا أخطر ما في الشبهات اللي في شبكات التواصل، وخاصة طبعاً المنابر المطولة اللي فيها الرسائل المطولة زي يوتيوب تحديداً، يعني يوجد ملحدون لهم قنوات، وهذه ترى أضلت أناساً، وأضلت أقواماً، سواء من الملحدين أو من الحداثيين أو من تيار منكري السنة، وتيار منكر السنة على أقسام منه قسم تيار أقرب للإلحادي أو تيار الزنادقة، يعني اللي جعلوا إنكار السنة أشر ما يكون بالمركب الذي يتذرعون من خلاله إلى الوصول إلى إلغاء الشريعة، وهؤلاء على رأسهم محمد شحرور، هذا التيار، وهو هذا التيار اللي على ما قاله محمد شحرور بعينها تيار كفري أصلاً، يعني طبيعة الأقوال وطبيعة المبادئ هي أقوال ومبادئ كفرية، مقدار استحلال الحرام المجمع عليه والمعلوم تحريمه بالضرورة من الدين يخرج الإنسان من الملة، وهناك تيارات مختلفة في إنكار السنة والتشكيك فيها غير هذا التيار.
أقول هذه تيارات، هذا فضلاً عن الشبهات التي انتقلت من الفضاء التخصصي إلى الدوائر الاجتماعية والثقافية الوسيطة أو البسيطة، صار في مفاهيم وأعراف فيها إشكالات وشبهات أسهم في صناعتها الإعلام، تحديداً ليس الإعلام شبكات التواصل وإنما الإعلام، إعلام المسلسلات اللي هي أسهمت في تشكيل وعي كثير من أبناء العرب من الستينات والسبعينات والثمانينات وهذه المراحل اللي هي فعلاً كان فيها مجموعة من ربما يكونون من أشد من تحمل الأوزار والسيئات في مقدار نشر الشر في هذه الأمة عبر هذه النافذة، وانتشرت فيها شبهات مرتبطة بطبيعة التدين والدين وما إلى ذلك. الشاهد هل هناك موجبات في الواقع تؤكد على أهمية إحياء منهاج النبوة في البرهان والاستدلال والحجاج والاحتجاج؟ نعم، إحنا ذكرنا هذا كله نافذة واحدة اللي هي الشبهات، هذا طبعاً فضلاً يا جماعة عن شبهات النصارى وشبهات الملاحدة، ويعني والكلام على الإلحاد الجديد أصلاً في الغرب وعلى مؤسساته وعلى إشكالاته وعلى الرعاية الكبيرة له، والنصارى أيضاً خاصة النصارى العرب عندهم شبهاتهم وإشكالاتهم، هذا فضلاً عن الشبهات الموجودة في السياقات الأكاديمية في تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية في كثير من البلدان يدرسها أبناء المسلمين، يعني في كثير ليس في كل البلدان، ولكن في كثير هناك كثير من أبناء المسلمين يدرسون أول شيء في سياقات تاريخية مثلاً، أو حتى في بعض العلوم الطبيعية نظرية التطور باعتبارها مسلمة، يعني ما يبنى عليه لا على ما يستدل أصلاً، صح ولا؟
فضلاً عن الشبهات الكثيرة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، لا بعيداً عن حركة الواقع ولا لا حتى المرتبطة بفصل الدين عن التاريخ، عن قراءة أحفظنا عن تفسير الدين أصلاً تفسير تاريخي مجرد، فصل الدين عن العلوم الطبيعية ومنع الاستدلال وإبطال الاستدلال الديني أو الشرعي بأي معطى طبيعي، يعني تدريس الفيزياء ليس بعيداً عن الاستدلال الشرعي، لا، وإنما بالتأكيد على قطع العلائق بين هذا العلم وأمثاله وبين الحقائق العقدية والحقائق الدينية إلى آخره، هذا كله يا جماعة موجود. عموماً سلطة الثقافة الغالبة التي تتمثل في الدراسات في الأقسام الأكاديمية أو في الجامعات وما إلى ذلك هذا قسم فقط منها، هذا فضلاً عن وجودها في دوائر أخرى. الخلاصة ما هي؟ أنه اليوم هناك حاجة لإحياء منهاج النبوة في قوة الحجة والبرهان والبيان، وهذا اليوم ترى أنا ما أقصد فيه أساليب الخطابة وأساليب الإلقاء، هذه تعتبر فرعاً من أصل، لكن أساس القناعة بضرورة امتلاك، دائماً تعود أنك أنت تحمل رسالة حق لابد أن تمتلك من الحجة والبيان ما يؤيدها، وبما يتناسب مع مدى عظمتها.
طيب هل يمكن أن نقول إن تنويع ميادين الدعوة أيضاً داخلة فيها ولا نخليها بمعلم؟ لأنه يعني اللي هو خلينا نقول بالتعبير المعاصر إيجاد الوسائل والحوامل لهذه الدعوة التي تناسب عظمتها غير الحجة والبرهان، يعني مثلاً استعمال الإعلام أساس فكرة استعمال الإعلام؛ بحكم ماذا؟ أنه ترى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مثلاً حث حسان بن ثابت على أن يستعمل الشعر في الإصلاح المرتبط بمصاورة المشركين عموماً، هذا يعتبر كله المعلم الثالث من معالم منهاج النبوة. طيب المشكلة أن هذا المعلم سيقودنا إلى فروع لا حصر لها، وأنا أيضاً متردد هل أدخل في بعض الفروع وأعتبرها معالم أو لا؟ يعني ايش قصدي؟ قصدي أنه هذا إحنا نقول من معالم النبوة العناية بالاحتجاج والبرهان، صح؟ طيب ما هي معالم الاحتجاج والبرهان التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم؟ في معالم، أنا ما أتكلم عن تفاصيل معالم كبرى، يعني مثلاً من المعالم -لا تسجلوها كمعلم رابع، لسه ما اتفقنا، خلينا نتفق نسجلها كرابع ولا تفاصيل- مثلاً من المعالم اللي هو الجمع بين الهدم والبناء، بين نقض وهدم مقولات المشركين وبين بناء الحق الذي يوازيه، عدم الاكتفاء ببيان الحق وعدم الاكتفاء بهدم الباطل، لابد من الجمع بين الأمرين، وهذا منهج القرآن. دائماً استقراء القرآن في مناقشة المشركين أو أهل الكتاب تجده يهدم مقولاتهم من جهة ويبني ما يضادها من الحق من جهة أخرى، هذا الآن معلم تفصيلي في إيش؟ في الحجة والبيان، هناك معالم تفصيلية يمكن ذكرناها أكثر شيء في مدارسة سورة الأنعام، يعني خلينا ما نفردها كمعالم كبرى، خلينا نعتبرها ضمن تفاصيل إيش.
الحجة والبيان، يعني هناك معالم متعددة مرتبطة لهذا المعلم من معالم منهاج النبوة في الإصلاح تحت فرع الدعوة أيضاً. هذا المعلم الرابع، ما يمكن أن يسمى التجرد الإصلاحي. التجرد الإصلاحي يعني التنزه عن المكاسب والمطامع الشخصية في سياق الإصلاح، وهذا ليس من المعالم الفرعية بل هو من المعالم الأساسية التي تكرر ذكرها في سورة الشعراء مع كل نبي تقريباً في قول الأنبياء: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم أو في أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول كما في سورة الشورى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى. وأيضاً: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.
وهذا التجرد الإصلاحي يعني أن يبتعد المصلح عن المكاسب الشخصية في سياق دعوته وفي سياق إصلاحه. هذا طبعاً ليس خاصاً بفرع الدعوة، هو نعم في الدعوة ولكنه كذلك في السياسة وكذلك في الجهاد، ولذلك نجد في الجهاد: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وكذلك في السياسة نجد يعني من وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم على منهاج النبوة في السياسة هو أصلاً من أهم ما يدخل تحت تمييز نظام الخلافة الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم خلافة على منهاج النبوة عن نظام الملك هو هذا المعنى تحديداً، يعني هو لأنه نظام الملك في قضية إيش؟ التوريث، وهذا التوريث هو خلاص من يوم ما تدخل في التوريث أنت تدخل في شيء من المكاسب الشخصية، بينما نظام الخلافة غير مرتبط بالتوريث وإنما مرتبط باختيار الأصلح للمسلمين.
ولذلك نجد أن عمر رضي الله تعالى عنه لما اختار الستة الذين جعل فيهم أمر الحكم بعده، قال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من أمر شيء. يعني أشهدكم بالرأي والمشورة لكن لا يكون له من أمر شيء. ولذلك نجد أن هؤلاء الخلفاء الراشدين وخاصة هذا ظهر في سيرة عمر بشكل مفصل، التجرد الإصلاحي والتنزه عن المكاسب الشخصية من السياسة ظاهراً، بل إذا قلت ما هي معالم منهاج السياسة العمرية ممكن تقول المعلم الأول أو المعلم الثاني أو الثالث هو التجرد عن المكاسب الشخصية، صح ولا لا؟ وأحنا قلنا إنه من أهم ما نستمد منه في هذه السلسلة وإن كان إلى الآن ما أخذنا أدلة تفصيلية اللي هو مرحلة الخلفاء الراشدين، باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بأنها على منهاج النبوة.
فالتجرد عن المكاسب الشخصية في الدعوة اللي هو إيش دليله؟ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ في خطاب الأنبياء وقُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم. وفي السياسة إيش من أهم أدلته؟ السياسة العمرية طبعاً، كل السياسة ابتداءً من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم ثم سياسة الخلفاء الراشدين جميعاً، لكن باعتبار النقاط المفصلة والشواهد في مرحلة الخلفاء الراشدين، من بين الخلفاء الراشدين سيرة عمر رضي الله تعالى عنه في هذه القضية مفصلة بشكل كبير وواضح.
ويمكن أن نقول إن أدلتها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي تربية النبي صلى الله عليه وسلم عماله اللي نقدر نقول إنهم قاموا بأعمال سياسية غير جهادية على التجرد من المكاسب، وهذا فيه بعض القصص المشهورة منها لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم المصدق الذي يأخذ الأموال ثم أخذ هدية، وقام النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر عليه وقال: ما بال الرجل يقول هذه هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى ينظر أيهدى له أم لا. ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم من عاقبة هذا الغلول السياسي، وكذلك مثلاً من الأمور التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع التجرد وقضية المكاسب في السياسة، اللي هو التحذير من قضية المكوس، لما ذكر التائبة قال: لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له. وهذا يعني من الكبائر جداً والتحذير الكثير من أكل أموال الناس بالباطل.
أما في الجهاد فعندنا باب أساسي اللي هو التحذير من الغلول، ولما قتل ذلك الرجل مع النبي صلى الله عليه وسلم قال الناس: هنيئاً له الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه ناراً، هذا في الجهاد في سبيل الله مع النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً التجرد على طول الطريق، إذا ذهبنا زمن الخلفاء الراشدين كما قلت خاصة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، نجد هذا التجرد السياسي على صور واسعة وكثيرة، على المستوى المالي لما كان يعطي المهاجرين ابنه ابن عبد الله بن عمر هو من المهاجرين، لكن لم يكن يعطيه بقدر ما يعطي المهاجرين إنما أقل منه فقال: إنما هاجر به أبواه. وأنا ذكرت في السلسلة قلت: إذا أنت عشت في زمن عمر وكان لك قرابة بعمر الله يعينك، فعلاً الله يعينك لأنه عمر رضي الله تعالى عنه سيشدد عليك تشديداً كبيراً، وهذا طبعاً معروف عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه كذلك رحمك الله، وهو كما تعلمون عند كثير من العلماء من الخلفاء الراشدين وإن كان في الاصطلاح الخاص اللي هو خلافة النبوة ثلاثين سنة ليس بطبيعة الحال عمر بن عبد العزيز منه.
إذاً من معالم منهاج النبوة في الإصلاح التجرد عن المكاسب، التجرد عن المطامع الشخصية، وهذا مما ينبغي أن يحيى أيضاً في واقع اليوم، ولا شك أن الموجبات له في الواقع حقيقية وكثيرة، خاصة وأنه توسع البعض في بعض السياقات وبعض المؤسسات في قضية المكاسب الشخصية نتيجة الإصلاح. وهذا يعني سبق التحذير منه مراراً في أكثر من سلسلة، ابتداءً من سلسلة السيرة النبوية للمصلحين، مروراً بسلسلة خير القرون، وكذلك بسلسلة أنوار السنة المحمدية، كل هذه السلاسل تكلمت فيها عن هذه النقطة تحديداً، وربما بشكل مفصل في أنوار السنة المحمدية عند حديث الخازن الأمين المسلم الذي يؤدي ما أمر به كاملاً موفراً طيباً طيبة به نفسه ثم يدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين، وفي سلسلة خير القرون عند السياسة العمرية وما يتعلق بها، وفي سلسلة السيرة النبوية عند معركة خيبر عند حديث: كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلت لتشتعل عليه ناراً.
ثلاث مواضع في السلاسل نبهت فيها بشكل مفصل على بعض الإشكالات المعاصرة في التوسع التأويلي في اقتناص وأخذ الأموال من العمل الإصلاحي أو السياقات الإصلاحية، يعني توسع في أخذ النسب من التبرعات مثلاً، وهذا إشكال حقيقة كبير جداً، ومع الأسف قد يأتي الإنسان يدخل في بعض المؤسسات ولا في بعض السياقات يظن أن هذا هو الأصل، من كثرة ما أنه خلاص هو منظم ومرتب، ويتوارث هذا بعض الناس، وهذا حقيقة إشكال كبير جداً ولا شك أنه مؤثر على القضية الدعوية.
مثلاً من صورها أنه لا أريد أن أقول إنها حرام، لكن أقول هي من صور عدم التجرد، ولو من ناحية الكراهة، اللي هي مثلاً الإعلانات التجارية ونسب الأرباح وما إلى ذلك التي تؤخذ من الحسابات الدعوية، أنه أنا ما سويت شيئاً بس سويت إعلاناً تجارياً مثلاً، بس هو في الأخير هو نتيجة حساب دعوي، يعني حساب إصلاحي، ليش أنت تأخذ منه إعلانات لنفسك؟ هذا غير لما أنت تقول للناس والله في مشروع دعوي معين وأنت تبغى تدعم هذا المشروع الدعوي أو الإصلاحي، تقولها بصريح العبارة والناس تتبرع لهذا المشروع، هذا شيء ثاني. أنا أتكلم عن الكسب الشخصي، أنه واحد يكتسب شخصياً مثل ما أن الناس تكتسب من الإعلانات التجارية في شبكات التواصل حسابات مليونية وكذا، أنه بس هذا، أنت داعية، لا ما دام أنت داعية وحسابك دعوي ما تأخذ إعلانات شخصية تجارية، ما تأخذ مثل هذا، من التجرد. يعني أنا بكره كيف أنظر لك لما أنت تجي تسوي لي دعايات وأنا عارف أنه تجيك نسب من هذه الدعايات، أو هي أصلاً شيء، طب أنت بكره لما تجي تتكلم في دعوة أنا أقول يا ربي هذه عشان الدعوة ولا عشان الإعلان الجاي؟ فهمت؟ يا ربي عشان تكثر جمهورك؟ ماشي أنا ما أسئ الظن، بس في الأخير هي كذا، هي لما تمتزج مع بعض الدعوة ومع الكسب الشخصي ما تضبط.
هذا غير لما يكون في قضية الرواتب، اللي هو أن الإنسان يعمل في عمل دعوي ويأخذ راتب عليه هو مفرغ لأجله، هذه قضية أخرى، لكن أتكلم على قضية النسب والتجارة والمكاسب. تجارة عندك؟ خليها منفصلة، عندك إعلانات؟ تبي تفتح لك حساب عقاري؟ تبي تفتح لك مكتب عقاري أو تسوي إعلانات؟ هذا تمام، هذا أصلاً حساب تجاري. لكن منابر الدعوة لتكن نزيهة، منابر الدعوة لتكن نزيهة، عندك برامج دعوية أو تعليمية تقدر تقيمها مجاناً؟ أقمها مجاناً. ترى ليس من السنن والمستحبات التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم أنك إذا أردت أن تدعو إلى الله تأخذ أموالاً مقابل ذلك، ولا إذا أردت أن تعلم الناس تأخذ أموالاً مقابل ذلك، ليس هذا هو الحث الذي يعني.
نعم، هناك مسائل معينة مفرعة، مثل حديث الرقية الذي جاء فيه أنه أخذ أجراً على الرقية، الرجل الذي لدغ ثم رقاه الصحابي وذاك أعطاه مقابلها شاة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما أدراك أنها رقية؟ ثم سألوه عن هذا فقال: إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله. هذا له سياقه وتفاصيله وكذا، لكن ليس صحيحاً أنه كل ما جاء الداعي يدعو قوماً أو يعمل برنامجاً ولا يعمل شيئاً تعليمياً ولا شيئاً تربوياً، أنه يأخذ عليه مقابلاً. إذا كان هو لا يستطيع إلا أن يغطي تكاليف معينة من خلال اشتراكات معينة، هذا شيء آخر وهذه تؤخذ بقدرها، بقدر الاحتياج إليها، بقدر ما يقيم البرنامج، أما أن تنتقل القضية من مجرد تكاليف إقامة إلى أنه نسبة كسب تجاري، فهذا كله من الإشكالات.
على أية حال، اليوم من الموجبات الكبيرة لإحياء منهاج النبوة في هذا المعلم هذه القضية، وأيضاً كثرة التصيد وكثرة التشكيك وكثرة التشويه وكثرة التتبع، هذه كلها مما توجب مزيداً من التجرد ومزيداً من التنزه عن ما يمكن أن يصطاد به المشككون والطاعنون، أي نماذج وأمثلة للطعن في الدعوة.
طيب كم معلماً أخذنا؟ العناية بالمشكلات الكبرى، الجمع بين الإصلاح الخارجي والداخلي، العناية البالغة بالحجة والبيان والبرهان، التجرد الإصلاحي عن المكاسب الشخصية. نختم في معلم في هذا اللقاء من معالم منهاج النبوة في الإصلاح، اتخاذ الإصلاح منهجاً للحياة وطريقاً يسير عليه المؤمن والمصلح من أول عمره إلى آخره، لا باعتباره مرحلة من المراحل، ولا باعتباره وظيفة من الوظائف، ولا باعتباره وقتاً من الأوقات الخاصة، وإنما من معالم منهج الأنبياء أنهم سلكوا طريق الإصلاح من أول حياتهم أو من أول النبوة إلى آخر يوم، وسلكوا طريق الدعوة من أول البعثة إلى الموت.
يمكن أن يستلهم هذا من الآية العظيمة التي فيها بيان أن هذا هو السبيل، قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. هذا القيام، خلينا نقول ليس هذا خاصاً بالدعوة، الإصلاح يعني كل ما يدخل تحت نصرة الإسلام، كل ما يدخل تحت القيام بواجبات الأمة، كل ما يدخل تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل ما يدخل تحت الدعوة إلى الله، كل ما يدخل تحت التمكين للدين، أي منفذ من هذه المنافذ أو فرع من هذه الفروع، الأصل أن الإنسان مطالب كما هو مطالب بأداء الفرائض في ذاته، هو مطالب بأن يكون له دور مستمر في هذا، خاصة من سلك طريق الإصلاح، يعني من عرف نفسه بأنه يسير على طريق الأنبياء أو أراد أن يكون على طريق الأنبياء، فهذا طريق لا يوجد زمن ينتهي فيه إلا الموت. العمل الإصلاحي لا ينتهي إلا بالموت.
لا يوجد مرحلة، يعني حتى التمكين ما في مرحلة ينتهي فيها العمل الإصلاحي، لا قبل التمكين ولا بعد التمكين، لا في زمن الاستضعاف ولا في زمن القوة، لا في المرحلة المكية ولا في المرحلة المدنية، لا في مرحلة علو كلمة الإسلام ولا في مرحلة ضعف كلمة الإسلام في الأرض، هو طريق مستمر على طول العمر. يؤخذ هذا من قصة نوح عليه السلام: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا. قال: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا إلى آخر الآيات.
ألف سنة إلا خمسين عاماً، النبي صلى الله عليه وسلم من أول يوم وهو يبلغ الرسالة، وآخر الأيام وهو يقول: ألا هل بلغت؟ ويعيد ويكرر صلى الله عليه وسلم في الدعوة وفي الجهاد.
في صلح الحديبية، قبل ذلك قبل صلح الحديبية: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ، وفي صلح الحديبية: لو قاتلنهم حتى تنفرد سالفتي.
الاستمرار، عمر بن الخطاب دمه ينزف يقول: يا غلام ارفع ثوبك؛ فإنه أتقى لربك، وأنظف لثوبك، وأزكى لثوبك، اللي هو نهى عن المنكر، إنكار الإسبال في الثوب.
وهكذا في يعني سائر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم تجد أن هذا الاستمرار، قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ. ولذلك سماه الله داعياً: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا. طبعاً هذا لا يستلزم من المصلح أن يكون مستمراً في كل نوافذ الإصلاح وفروع الإصلاح، لكن لا ينبغي أن يعرف المصلح طريقه ولا نفسه أنه هو عنده مرحلة للإصلاح وبعدين خلاص، يعني هي مرحلة معينة، ما في، من سلك هذا الطريق فقد سلك طريقاً لا ينتهي إلا بالموت.
من أراد أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في الإصلاح فقد سلك طريقاً لا نهاية له إلا بالموت. كل مرحلة بحسبها، كل يعني بيئة بواجباتها، كل خلاص هو هذا من معالم منهاج النبوة، الإنسان يسلك، الصحابة لما سلكوا هذا الطريق مع النبي صلى الله عليه وسلم يعني سلكوا طريقاً عرفوا أنه إلى آخر الأمر، اللهم إلا إذا جاءت الفتن هذه واجبها الاعتزال والعزلة وما إلى ذلك، هذا شيء آخر. لكن الأصل أن الإنسان يخالط سواء بالتعليم، بالتربية، بالدعوة، بالإصلاح، بالجهاد، بالسياسة، المهم أنه أن له دور في المسؤولية العامة، كما أن له دوراً في المسؤولية الخاصة، المسؤولية الخاصة في إقامة الفرائض واجتناب المحرمات أو الكبائر وما إلى ذلك.
هذا أهم دليل في هذا المعلم هو قول الله تعالى: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
إذاً من معالم منهاج النبوة في الإصلاح الاستمرار في طريق الإصلاح، الاستمرار في طريق الدعوة، الاستمرار في طريق الجهاد، الاستمرار في طريق التمكين للدين. ولذلك في الحديث المشهور في النسائي لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال قالوا يا رسول الله، وضعت الحرب أوزارها، وقال قائل: وضعت الحرب أوزارها ولا قتال، قال: كذبوا، الآن جاء القتال. وكذلك: لا تزال طائفة من أمتي، وذكر إلى قيام الساعة، وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية.
جهاد ونية، ولذلك من الأمور المستقرة أن الجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة، وأنه لا تزال طائفة من أمته، وهذا القسم الثاني هو متواتر وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه القتال. إذاً الاستمرارية في العمل الإصلاحي وفي العمل الدعوي وفي العمل في كل مرحلة بحسبها، وفي كل واجب بحسبه.
وأخص صورة ملازمة للإنسان ذاتية واجبة، لا علاقة لها بأنه بماذا قد ماذا لديك من العلم أو أنهيت مرحلة البناء ولا ما أنهيت مرحلة البناء، ما يدخل تحت اسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعناه الشرعي، فهذا واجب تكليفي على الإنسان يعني بمعناه أو في دائرته الخاصة، ومنه بطبيعة الحال المسؤوليات اللازمة التي حملها النبي صلى الله عليه وسلم الناس منها قوله: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وذكر الرجل وذكر المرأة وذكر الخادم، فكل هذه مسؤوليات يعني يمكن أن نقول أنها مسؤوليات إصلاحية ولو في بعض صورها.
طيب نكتفي بهذه المعالم الخمس في إحياء منهاج النبوة في الإصلاح، وأغلبها مرتبطة بالدعوة وبعضها عام يشمل كل الدوائر، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والمغفرة والرحمة، نسأل الله أن يفرج عن المستضعفين من المؤمنين في كل مكان. اللهم يا ربنا صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وآته الوسيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، واحشرنا في زمرته، واجعلنا من الواردين على حوضه، واجعلنا ممن يرافقه في جنة الخلد. نعوذ بالله من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، نعوذ بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الشيخ أحمد السيد