الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. يا ربنا صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد:
نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار الصحيحين ضمن كتاب فضائل القرآن من الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق. وهذا هو المجلس السادس من هذه المجالس المرتبطة بأحاديث فضائل القرآن.
وهذا المجلس نبتدئ فيه بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت. وفي رواية لمسلم: وإذا قام صاحب القرآن فقراه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه.
وايضا هناك حديث بعد ذلك، هناك حديثان عفوا يعني متصلان بالمعنى فنقراهما سويا ثم بعد ذلك يكون التعليق واحدا. الحديث التالي هو حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل نسي، واستذكروا القرآن فانه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم. وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه: تعاهدوا القرآن، فوذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها.
هذه الأحاديث بوب الإامام البخاري عليها بعض التبويبات، منها قوله: باب استذكار القرآن وتعهده، ومنها قوله: باب نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا وكذا، وقول الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ.
هذه الأحاديث فيها عدة فوائد: الفائدة الأولى هي أنه كما أن الله سبحانه وتعالى يسر القرآن للذكر ويسر حفظه حتى أننا نرى الشيخ الكبير والطفل الصغير والشاب والاعزب والمتزوج والمشغول والمتفرغ، نجد عامة المسلمين وكثير من المسلمين يحفظون شيئا من القرآن، وكثير منهم يحفظ القرآن كاملا، وكثير منهم يحفظ أجزاء من القرآن، بما لا يوجد مثله في أي كتاب آخر. وتجد أن القارئ أو أن المسلم حتى العادي أو العامي أحيانا يحفظ بعض السور بمجرد تكرارها لمدة بدون حتى أن يتعمد حفظها، مثلا كثير من الناس يحفظون سورة الكهف من كثرة ما يكررونها يوم الجمعة، وهناك أناس يحفظون آيات معينة وهكذا. يسر الله هذا القرآن، وهذه من النعم، وهذه أيضا يعني من الأسرار التي أودعها الله في القرآن. لا يوجد كتاب آخر في هذا العالم سهل حفظه كما سهل كتاب الله سبحانه وتعالى. هذا القرآن كتاب كبير يعني آياته كثيرة وجمله كثيرة وسوره كثيرة وأجزاؤه كثيرة وموضوعاته كثيرة ومتنوعة، ومع ذلك سهل حفظه. فهذه من عجائب القرآن أو من العجائب التي جعلها الله سبحانه وتعالى في القرآن. نقول: كما يسر الله ذكره وكما يسر الله حفظه، فقد جعل تفلت هذا القرآن أيضا حالة عجيبة تستوجب معاهدة دائمة أو تعهدا دائما واستذكارا دائما.
فكما أن الله سهل حفظه، فقد جعل تفلته أيضا يسيرا وسهلا وسريعا، وحفاظ القرآن يدركون ذلك جيدا، ولذلك نحن نقول إن هذا الامر وان كان يعني محزنا في ظاهره لمن يحفظ القرآن، وان كان يعني يجد الإنسان بسببه صعوبة، إلا أنه خير عظيم ولعله من البركة. لماذا؟ لأنه يستوجب دوام النظر في القرآن ودوام تعاهد القرآن. فهو القرآن سهل يعني يسهل الدخول عليه، يسهل البدء في حفظه، وفي نفس الوقت يسهل تفلت آياته من الصدور فيستوجب هذا حالة دائمة من التعاهد وحالة دائمة من المراجعه وحالة دائمة من التلاوة. فهذا هو الامر الذي يجعل القرآن ثابتا في الصدور.
إذا، هذه هي الفائدة الأولى، وهي يعني وصف حالة القرآن وحالة تفلته من الصدور، وما يتطلبه ذلك من التعاهد والمراجعة.
الفائدة الثانية في هذه الأحاديث هي الوصية بتعهد القرآن. النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعهد القرآن فقال: واستذكروا القرآن، وقال في حديث أبي موسى: تعاهدوا القرآن. إذا الإنسان كما أنه مأمور أساس التلاوة، وكما أنه قد حث وندب له أن يحفظ، فقد أمر بالتعاهد والمراجعة والاستذكار.
وهذا الامر بالتعاهد والاستذكار هو فرع عن الأمر بالحفظ، يعني من الذي يوصى بالتعاهد والاستذكار حتى لا يتفلت القرآن منه؟ هو الذي حفظ، وإن كان كل مسلم مأمور بأن لا يطيل العهد بينه وبين القرآن. لكن هنا في هذه الأحاديث المقصود بها التثبيت: استذكروا، تعاهدوا، وتشبيه ذهاب الآيات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: فانه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم. إذا الامر بتعهد القرآن أمر نبوي، ينبغي على حافظ القرآن وعلى من حفظ شيئا حتى من القرآن، ليس هذا النص موجها فقط لمن اتم حفظ القرآن، أن يتعاهد. إذا المراجعة ليست قضية كمالية، المراجعة أمر نبوي ينبغي العناية به وينبغي الحرص عليها.
والفائدة الثالثة هي في طريق تثبيت القرآن. النبي صلى الله عليه وسلم أوصى في هذه الأحاديث بوصايا تبين الطريق الأهم في تثبيت القرآن في الصدور.
هذا من أظهر الألفاظ فيه لفظ مسلم الذي قراناه في البداية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وإذا قام صاحب القرآن فقراه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه. وكذلك تعاهدوا والتشبيه بحاله الإبل، التعاهد يعني أفضل طريقة لتثبيت القرآن هي التعاهد الذي يقتضي دوام التلاوة ودوام المراجعه وعدم الانقطاع.
بمعنى ليست القضية في تثبيت القرآن أن يكرر بأعداد كبيرة في مرة واحدة، في مراجعة سنوية مثلا، ثم يتركه، لا، لأن القرآن فيه خاصية التفلت من الصدور، ولكن المطلوب أن يديم الإنسان تعهد القرآن ويديم الإنسان مراجعة القرآن، وأن يديم الإنسان التثبيت والمراجعة والاستذكار والتعاهد، فهذه هي الوسيلة. ثم لفظ مسلم يبين شيئا أخص من ذلك وهو أن يصلي الإنسان بالقران، يعني قد يؤخذ من عموم لفظ واذا قام صاحب القران لأنه يدخل في ذلك، سواء في القصد الأساس من هذا اللفظ، أو يدخل في عمومه الصلاة بالقران. ولا شك أن الصلاة بالقران من اعظم ما يثبت كتاب الله سبحانه وتعالى في الصدور.
ولذلك الوسيلة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لتثبيت القرآن في الصدور هي تعاهد القرآن وقراءته بالليل والنهار والقيام به، فمن لزم ذلك سيجد بإذن الله أن القرآن يثبت في صدره، ومن يلزم ذلك لا يحتاج إلى طرق خاصة. يعني كثير من الناس يسال: إيش افضل طريقه للمراجعه؟ يعني يظن أن هناك طرق خاصة، إذا فعلها يضبط القرآن، وإذا لم يفعلها لم يضبط القرآن. لا باس بالاستعانة بهذه الطرق، فهي تدخل ضمن عموم قوله صلى الله عليه وسلم: تعاهدوا. لكن قد لا تكون هي الصوره الوحيدة التي ينحصر فيها قضية تعاهد القرآن.
أيضا من الفوائد في هذا الحديث، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل نسي. هذا من باب أدب الألفاظ. يعني النبي صلى الله عليه وسلم ينهى الإنسان المسلم أن يقول نسيت آية كذا وكذا أو كيت وكيت، وإنما يقول نسيت آية كذا وكذا. وأن من قال ذلك فهذا يكون قد وقع في أمر مذموم في الشرع.
طيب، لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ هو هذا من باب أدب الألفاظ. لماذا أدب الألفاظ؟ يعني قال العلماء: قوله نسيت آية كيت وكيت، هذا النسيان يدل على الإهمال. وهو وإن كان حتى لو كان الإنسان أهمل أو شيء لا يقول: نسيت، يعني حتى هذا اللفظ ورد في القرآن مذموما في قول الله سبحانه وتعالى: كَذَلِكَ أَتَـتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ.
وهذا اللفظ وإن كان لا يدل على حقيقة ما جاء في الآية، لكن يجتنب هذا اللفظ. وهذا الباب باب أدب الألفاظ باب واسع في الشريعة، قد وردت نصوص كثيرة في التحذير من بعض الألفاظ أو الارشاد إلى بعض الألفاظ، وإن لم يكن المراد المتكلم متوجها إلى المعنى المذموم، بل حتى في بعض الأفعال فيكون النهي عنها من باب الادب ومن باب عدم المشابهة لمن يريد بهذا اللفظ الامر السيء.
مثلا في قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا. ومع أن الصحابه حين كانوا يقولون راعنا كانوا يريدون بها معنى حسنا، واليهود كانوا يقولون نفس الكلمه ويريدون بها سب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله ذلك في القرآن في قوله: مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ.
فهم كانوا يقصدون من معنى الرعونه، والصحابه كانوا يقصدون من معنى المراعاة. ولكن نهي عن اللفظ هذا، مع أن الصحابة لا يريدون الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم بطبيعة الحال، لكن نهي عن هذا اللفظ وخوطبوا بيا أيها الذين آمنوا، فكان توجيها وإرشادا. أما هذا الذي فعله اليهود وكانوا يريدون بذلك الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم والإساءة إليه بابي وامه صلى الله عليه وسلم، فلذلك نهي عن ذلك من باب أدب الألفاظ.
وكذلك في مثلا الأسماء الحسنة وما إلى ذلك، وحتى في الأفعال كما قلت، مثلا النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر مع أن طبعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن الشمس فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، مع أن المسلم إذا صلى في هذا الوقت فهو يريد وجه الله ولا يريد أن يسجد للشمس بطبيعة الحال، ويتبرا من كل هذا الشرك، ولكن هذا لأنه وقع في صوره مشابهة لفعل المشركين فنهي عن ذلك. فباب الأدب وباب اجتناب المحذورات اللفظية وما قد يشتبه من الأفعال، هذا باب شرعي ومنه هذا الحديث: بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كذا وكذا أو نسيت آية كيت وكيت، بل نسي.
ثم بعد ذلك الحديث، حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقران يجهر به. وفي رواية: يتغنى. ولفظ مسلم: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقران. وفي رواية عند البخاري: ليس منا من لم يتغنى بالقران.
هذا الحديث حديث مهم وعظيم، والكلام فيه يطول، ووددت حقيقه أنه لو كان بدايه درس، لكن هذا يعني هو جاء بعد في الترتيب بعد هذه الأحاديث، والا فهذا الحديث يفرد في درس مستقل. الإامام البخاري بوب عليه بتبويبات متعدده، منها قوله: باب من لم يتغنى بالقران، وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ. وكذلك بوب عليه بقوله: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: الماهر بالقران مع السفرة الكرام البررة وزينوا أصواتكم بالقران. يعني هو البخاري ذكر الحديث النبوي الذي لم يخرجه هو وإنما ذكره معلقا في الباب. قال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: زينوا أصواتكم بالقران.
طيب، هذا الحديث فيه فوائد متعددة. أولا في تفسيره، في معنى بيان معناه، لأنه يحتاج إلى بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ما أذن الله لشيء، أذن يعني استمع، ما استمع الله لشيء ما استمع لنبي حسن الصوت بالقران يتغنى به. وقوله صلى الله عليه وسلم يتغنى، يعني هذا اختلف العلماء في تفسيره، فظاهره راجع إلى حالة الأداء المتعلقة بالتغني وتحسين الصوت. وهناك تفسير آخر ذكره أيضا البخاري معلقا عن سفيان، قال قال سفيان: تفسيره يستغني به، يعني يتغنى بالقران يعني يستغني به. ومن هنا بوب البخاري على ذلك بقوله: باب من لم يتغنى بالقران، وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ. لاحظوا لما اتى بهذه الآية أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ، هذا معناه أنه اشار إلى تفسير يتغنى بالاستغناء التي تدل على الكفاية. إذا الاستغناء بالقران يدل على التغني به، عفوا، يتغنى بالقران يدل على التغني به وتحسين الصوت وتزيينه وما إلى ذلك، ويدل كذلك على الاكتفاء به والاستغناء به في قول آخر عند بعض العلماء.
إذا، هذه الفائدة الأولى في تفسير الحديث. الفائدة الثانية هي في عظيم فضل قراءة القرآن وتحسين الصوت به، إذا كان الذي يقرا به يقراه بقلب حاضر خاشع صادق وكان المرء صالحا. وهذا ماخوذ من عموم يعني من مجموع لفظ الحديث. وارد في الأنبياء، ولكن ناخذ المعنى من ذلك. هؤلاء الأنبياء هم خيار عباد الله، يقراون القرآن بقلوب صادقة خاشعة، يقراون كتبهم التي أنزلها الله سبحانه وتعالى عليهم بقلب خاشع خاضع ويحسنون أصواتهم بذلك. فحين كانوا يفعلون ذلك، كان الله سبحانه وتعالى يستمع إليهم. وهذا الاستماع أخص من الاستماع العام، لأن الله سبحانه وتعالى وسع سمعه الأصوات، والله سبحانه وتعالى سميع بصير، يسمع ما يقوله عباده. لكن هذا استماع خاص، هذا مثل المعية، يعني الله سبحانه وتعالى ذكر المعية التي فيها معنى الإحاطة والعلم وما إلى ذلك، هذه تشمل كل البشر: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ. وايضا هناك معية خاصة: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. هنا هذه المعية ليست لكل البشر، وإنما هي معية خاصة. فكذلك في هذا الحديث: ما أذن الله يعني ما استمع الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقران يتغنى به وفي رواية يجهر به. فهذا المعنى فيه فضل.
تلاوة القرآن من الرجل الصالح إذا حسن صوته به وجهر به وتلاه وكان قلبه حاضراً وخاشعاً؛ لأن هذا مقتضى كون الذي يقرأ هو النبي. وهل هذا خاص بالأنبياء؟ هل هذا الفضل خاص بالأنبياء؟ نقول: النص وارد في الأنبياء، الأنبياء، لكن رحمة الله واسعة، فضله واسع، فقد يرجى من باب الرجاء يعني ليس هناك خبر فيما أعلم، قد يرجى من باب الرجاء أن من سار على طريقهم وكان صالحاً وعالماً بالله وقرأ القرآن بقلب خاشع وبقلب خاضع مع علمه بالمعاني وحسن صوته وتلاه وجهر به أنه أنه لعله يدخل في شيء من هذا، من هذه العناية الإلهية الخاصة.
الله تعالى أعلم، أ- لكن يرجى ذلك من باب الرجاء. الإامم ابن هبيرة، أ- بالمناسبة، ابن هبيرة رحمه الله من الشخصيات المهمة في شرح الحديث النبوي، وكذلك في العمل الإصلاحي أو في العمل في أرض الواقع، إن ابن هبيرة كان من أكبر الوزراء في الدولة العباسية.
وكان، يعني حتى إن قيل إنه أفضل وزير وزر للدولة العباسية منذ نشأتها إلى سقوطها، وهو أتى في آخر مرحلة العباسبة، في آخر مرحلة الدولة العباسية. على أي حال، ابن هبيرة رحمه الله يقول في تفسير الحديث: قال ما أذن الله لنبي، ثم اخذ يصف النبي وتلاوته فقال: أشد الخلق فهماً لكلام ربي عز وجل، وهو يقرؤه عن فهم له وتدبر فيه، فيظهر ذلك التدبر وفهم تلك المعاني على قراءته وفي صوته، فيكون يكون الله جل وعلا أشد أذناً؛ لأنه يتلو كلام ربه عن فهم له بصوت حسن، فإذا سمع السامع أشار له حسن الترتيل إلى فهم لم يحصل له عند غير تلك التلاوة.
وايضاً الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى ذكر شيئاً من ذلك فقال في معنى الحديث: قال معناه أن الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو سبحانه يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم كما قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم كما قال تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم.
ومنهم من فسر أذن ها هنا بالأمر، والأول أولى لقوله تعالى: مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَأَذْنِ نَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، أي يجهر به، والأذن الاستماع لدلالة السياق عليه، يعني هو أشار أن بعضهم فسرها بمعنى الأذن وليس بمعنى الأذن وأن الراجح هو الأذن بلا شك والمقصود به الاستماع كما تقدم.
إذاً، هذه فائدة الثانية، وهي في فضل تلا- تلاوة القرآن وتحسين الصوت به وتلاوته بقلب وخشوع؛ لأنه ليست القضية مرتبطة بمجرد حسن الصوت، وإنما ذكر فيها الأنبياء، والأنبياء ما المعنى الذي في الأنبياء يعني ما المعنى الذي في الأنبياء ويكون زائداً على مطلق تحسين الصوت؟ هو معنى العلم بالله والعلم بكتابه والخشية والخشوع.
فإذا اجتمع ذلك مع حسن الصوت وتلاوة يعني تلاوة القرآن بحسن حسن الصوت والتغني به فهذا من أعظم الأعمال وأفضلها عند الله سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى يعني ما استمع لشيء استماعه لهذه التلاوة التي يتلوها النبي.
وأيضاً مما يؤخذ من الحديث كفائدة أيضاً الفائدة الثالثة هي التحذير من عدم التغني بالقرآن، يعني التغني بالقرآن ليس مأموراً به فقط النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من لم يتغنى بالقرآن. ولذلك ربما لهذا اللفظ فسره البعض على معنى الكفاية أو على معنى الاستغناء؛ لأنه ورد فيه التشديد: ليس منا من لم يتغنى بالقرآن.
وأيضاً يدخل فيه على التفسير الآخر اللي هو التغني وتحسين الصوت بكتاب الله سبحانه وتعالى. فلذلك نقول: أ- هنا يعني فائدة مهمة، وهي أن الذي يعلم الصبيان القرآن أو حتى يعلم عامة الناس القرآن لا ينبغي أن يغلب جانب مجرد نطق الألفاظ ومخارج الحروف على جانب الأداء، يعني بعض القراء الذين يعلمون الطلاب القراءة، إيه- يشددون عليهم في ضبط المخارج والألفاظ، ولا أقول فقط يسهلون أمر الأداء، لا، أحياناً إيه- يعني يضيقون عليهم في باب الأداء، وكان القارئ المتقن المجود أفضل القراء هو الذي يعني يقرا قراءة عادية ليس فيها أداء صوتي عالي، وأهم شيء أنه يكون قد أدى مخارج الحروف واستنفد كل طاقته في حسن إخراج الحرف، بينما المطلوب أيضاً حسن الأداء.
الأمر الآخر، لا ينبغي التكلف فيه يعني ينطق نطقا صحيحاً ولا ينبغي التكلف في هذه القضية، ولكن حسن الأداء وتحسين الصوت أمر محمود وممتدح شرعاً. وكما جاء في الحديث الذي علقه الإمام البخاري: زينوا أصواتكم بالقران، زينوا أصواتكم بالقرآن. وكذلك: ليس منا من لم يتغنى بالقرآن، ما أذن الله لنبي- ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن- بالقرآن يتغنى به.
إذاً، التغني بالقرآن وتحسين الصوت هذا أمر مطلوب وأداء ينبغي أن يأخذه الطالب عن شيخه وأن يأخذه المأموم عن إمامه. أنا لا أقول يأخذه يعني إيه- يدرس مقامات معينة؛ لأن هذا أيضاً مما حذر منه العلماء وقالوا إن هذا الدخول في باب التكلف، فتحسين الصوت ليس هو يعني دراسة المقامات الصوتية والنغمية ويعني يعني إيقاع التلاوة على نظام صوتي معين ومقامات وسسلم صوتي معين؛ لأن هذا أيضاً كما أن التكلف في مخارج الحروف ي- يجعل القارئ يركز بدل أن يصرف قلبه إلى التفكر في المعاني يصرف كل جهده لتحقيق المخارج، فكذلك الذي يسير على المقامات، الذي يسير على المقامات يركز- يركز كل جهده حتى يحافظ على المقام.
وهذا فضلاً عن ما في أصلاً يعني ربط هذه طريقة تعليم المقامات وكذا أصلاً يعني الذي يتوسع فيها ويتعمق فيها يدخل في يعني خلينا نقول تعليم تشترك بعض مبادئه مع تعليم الموسيقى، وربما تجد أصلاً أن الإنسان بعد ذلك قد يتوسع في هذه القضية. القرآن لا يتعلم هكذا، ولذلك الكثير من العلماء يفسر حسن الصوت في القرآن أو بالقران بقضية التحزين، الخشوع، يعني التلاوة الخاشعة، التلاوة التي فيها يعني تحزين وتشويق.
كذلك أ- فلا يتكلف الإنسان مقامات معينة. كما قلت من سلبيات أو إشكاليات المقامات أنه القارئ والله وهو يقرا الآن، والله ما- ماشي في الصبا، بعدين كيف يغير للرست، بعدين كيف يذهب إلى النهاوند، بعدين كيف يذهب إلى مقام الكرد وبعدين كيف ينتقل كذا، لا الآن التلاوة ذهبت إلى العجم، كيف يغير من العجم؟ يعني الذي يتكلف المقامات يذهب في شيء يعني في شيء يشتت القلب عن تدبر كتاب الله سبحانه وتعالى.
ممكن قائل يقول العكس، المقامات تعين على التدبر والمقامات تعين كذا، نحن نتكلم عن تعمد إنشاء التلاوة على مقامات معينة يسير الإنسان فيها بنظام معين ويتابع هذا النظام حتى لا يختل إلى نظام آخر إلى مقام آخر، ويعني بعد ذلك يتعمد ينتقل إلى مقام ومن مقام إلى مقام ويتعلم هذه المقامات.
تعلم إذا جاءت مع الإنسان سليقة أنه والله يقرا تلاوة فيها تحزين هذه طبعا توافق مقام من المقامات، ما في إشكال، ليس القصد أنها ما توافق، لكن القصد هو تعلم ذلك وتكلف إنشاء التلاوة على مقام دون آخر وتعمد الالتزام بحدود مقام معين، هذا لا شك له تأثير في ت- انتباه القارئ وانتباه الإنسان أنه قد يتشتت عن إدراك المعنى والتركيز فيه.
ولذلك حسن الصوت مطلوب وأداء القرآن ب- قراءة خاشعة مطلوب، ولكن عدم التكلف في ذلك وأيضاً عدم التكلف من جهة أخرى في المخارج بحيث أن تشتت الإنسان عن حسن الاداء، والتوسط خير، التوسط خير، ونكتفي بهذا القدر ونستغفر الله من ذنوبنا ونتوب إليه، اللهم إنا نسالك العافية، اللهم صل على محمد.
الشيخ أحمد السيد