تسجيل الدخول

أنوار الصحيحين | كتاب فضائل القرآن 07 | شرح الجمع بين الصحيحين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس كتاب فضائل، أو التعليق على كتاب فضائل القرآن من الجمع بين الصحيحين. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. هذا المجلس مع حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له: يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. وفي رواية، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة. وفي رواية لمسلم، كذلك من حديث بريدة، أن عبد الله بن قيس أعطي مزمارا من مزامير آل داود.

البخاري رحمه الله بوب على هذا الحديث بقوله: باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن. وهذا الحديث فيه فوائد؛ الفائدة الأولى في أهمية وفضل حسن الصوت بالقرآن أو تحسين الصوت بالقرآن، وقد مر معنا هذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يتغنى به أو يجهر به. وقلنا: إن أذن معناها استمع؛ يعني ما استمع الله لشيء ما استمع لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به، القرآن الكتاب الذي نزل عليه، قراءته للكتاب.

فالأمر العظيم والعجيب، وخلينا نقول الفائدة اللطيفة، هي أنه في حديث أبي هريرة ورد استماع من الله للنبي الحسن الصوت بالقرآن، استماع الله. وفي هذا الحديث استماع النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الحسن الصوت بالقرآن؛ فالله سبحانه ما استمع لشيء كما استمع لنبي حسن الصوت بالقرآن يقرأ به، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستمع كذلك لحسن الصوت بالقرآن يقرأ به، وهذا جاء في حق أبي موسى رضي الله تعالى عنه في هذه الرواية وفي هذا الحديث، وهذا لا شك يدل على فضل حسن الصوت بالقرآن.

وحسن الصوت بالقرآن كيف يكون؟ حسن الصوت بالقرآن كيف يكون حسن الصوت بالقرآن؟ لا يكون بمجرد حسن أداء الألفاظ وحسن الترتيل والتنغيم للصوت، وإنما حسن الصوت بالقرآن إنما يزداد ويكمل إذا كان من قلب خاشع، ومن نفس صادقة، ومن إنسان عالم، أو من قارئ عالم بالمعاني، فإذا اجتمع مع ذلك حسن الصوت الذي هو مرتبط بالاداء، كملت الفائدة أو كمل التأثير.

وهذا يظهر على القارئ، مهما كان القارئ صوته حسنا، فإن تجويده وحده لا يكفي، لابد أن يكون معه من العلم بالمعاني، ومن الخشية من الله سبحانه وتعالى ما ينعكس على قراءته، كما قال ابن هبيرة في الإفصاح، قال: فاذا سمع السامع أشار له حسن الترتيل إلى فهم لم يحصل له عند غير ذلك. يعني حتى بمجرد حسن الترتيل، هذا يكون من الشخص العالم بالمعاني، يظهر للشخص من الفهم ما لا يظهر بغير هذه الطريقة.

إذا، حسن الصوت بالقرآن هو مطلب شرعي، وفي حديث أبي هريرة السابق، وفي حديث أبي موسى هذا، وفيه أيضا حديث: زينوا أصواتكم بالقرآن. فهو مطلب شرعي، وقلنا: إنما يكمل إذا اجتمع مع حسن الاداء ماذا؟ معرفة المعنى والخشية من الله سبحانه وتعالى. ولذلك بعض العلماء فسر التغني أصلا بالتحزين، يعني القراءة الحزينة أو القراءة التي فيها تحزين. فعلى أي حال، هذا هو الذي يكمل به حسن الصوت بالقرآن، أن يجتمع مع الحسن، مع حسن الأداء معرفة المعنى والخشية من الله سبحانه وتعالى، هي ثلاثة أمور.

طيب، الفائدة الثانية: أن المواهب الصوتية والمواهب الذهنية وما إلى ذلك، ما يسمى اليوم بالمواهب، هي هبات من الله سبحانه وتعالى. وهذا ماخوذ من أي شيء في الحديث؟ أوتيت من كلمة أوتيت، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. يعني صوتك الجميل هذا يا أبا موسى، إيش انت أوتيته؟ أوتيت، يعني الله آتاك إياه. ومن هنا ينبغي أن يفهم أصحاب المواهب أنها هي أصلا -لو تفكر في كلمة موهبة- موهبة، يعني نعمة وهبك الله سبحانه وتعالى إياها. فلذلك، وطبعا أكثر ناس يغفلون عن ذلك أصحاب المواهب، كثير من أصحاب المواهب، وأكثر من يسهم في غفلتهم عن ذلك هم الجمهور؛ لأنه يعني يلتفتون حول مواهبهم، ويعني يعظمون الشخص بناء على موهبته، وكانه هو اللي يعني صنع كل شيء، بينما هو -خاصة في اشياء لا علاقة للإنسان بها، واحد شكله جميل، واحد يعني خلق الله له صوتا حسنا هكذا- نعم، هو قد يطور من أدائه، لكن في الأخير لولا أن الله وهبه هذا الصوت الحسن، والله لو طور إلى ما شاء الله من سنوات ما لن يخرج منه شيء صوت جميل. فلذلك، كلمة أوتيت تدل على هذا المعنى.

طبعا هذا الأمر الله سبحانه وتعالى يحب ملاحظته حتى في غير ما نسميه المواهب، وإنما حتى فيما يتملكه الانسان، حتى فيما تعب فيه، حتى فيما تعب في تحصيله، لانه مثلا المال يتعب الإنسان في تحصيله، بس الله سبحانه وتعالى في القرآن سماه مال الله: وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي Āتَاكُمْ، مثلا: وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مَّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ. قال: هذا المال انتم مستخلفون فيه. وهكذا.

ومع ذلك الله اثبت كسب المال للإنسان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ. لكن من جهة أخرى يثبت لهم مثل هذا المعنى. فهذه الفائدة الثانية.

الفائدة الثالثة: في فضل أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وفضل قراءته وحسن صوته بالقران، وهذا من الميزات. وقد أخرج الإامام أبو داود عن أبي عثمان النهدي رحمه الله أنه قال: دخلت دار أبي موسى الأشعري، فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا ناي أحسن من صوته. قال ابن حجر: إسناده صحيح. طبعا الصنج ذكروا أنها آلة تتخذ من نحاس، كالطبقتين يضرب أحدهما بالأخر، والمربط آلة تشبه العود الفارسي، والناي هو المزمار، هكذا فسروه. فهذا وصف أبي عثمان النهدي -وهو من كبار التابعين- يقول: سمعت قراءة أبي موسى، ما سمعت شيئا مر علي أصلا في حياتي، لا مما يطرب به المطربون، يعني أصحاب الطرب والغناء وكذا، مثل قراءة أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه.

فهذه أيضا سبحان الله من الهبة، من الهبات التي وهبها الله سبحانه وتعالى أبا موسى رضي الله تعالى عنه ورحمه. وهذا عموما، قد يكون أي شيء مما وهبه الله، يعني هذا تسخير هذه الطاقة أو الموهبة أو القدرة في القرآن والعناية بها، هذا شيء مما -خلينا نقول- عرف به أهل اليمن؛ أبو موسى الأشعري منهم، والنبي صلى الله عليه وسلم امتدح قراءة الأشعريين بالليل كما في الحديث الصحيح، وقال عن أهل اليمن: هم أرق أفئدة وألين قلوبا. فلعل أيضا هذه رقة القلب ولين الفؤاد ولين القلب مع حسن الصوت، وهذه الموهبة لعلها هي مع بعضها، جعل الله سبحانه وتعالى فيها ما جعل.

الحديث التالي عن شعبة، عن معاوية بن قرة، عن عبد الله بن مغفل، عن النبي -أو عن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله تعالى عنه- قال: رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على ناقة له، يقرا سورة الفتح وفي رواية قراءة لينة، فرجع فيها، فرجع فيها. قال ثم قرا معاوية يحكي قراءة ابن مغفل، وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم، لرجعت كما رجع ابن مغفل، يحكي النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: آه، ثلاث مرات، يعني المد بصيغة المد، كصيغة الكتابة بهيئة المد هكذا، ثلاثة أحرف، ألف عليها مدة ثم ألف عليها مدة ثم ألف عليها مدة. وبعضهم يكتبها كتابة: ألف بمده بعدها همزة، بعدين ألف بمدة بعدها همزة، بعدين ألف بمدة بعدها همزة.

طيب، هذا الحديث فيه فوائد. أولا قبل الفوائد، البخاري بوب عليه، قال: باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح؟ وقال: باب إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. وقال: باب القراءة على الدابة. وقال: باب الترجيع. وقال: باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه.

طيب، هذا الحديث أولا فيه قراءة القرآن على مختلف الأحوال؛ قراءة القرآن على مختلف الأحوال، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك، وأنه قراءة القرآن ترى لا يشترط فيها أنه الإنسان -إيش يعني- بالضرورة يكون في المسجد، ولا في حلقة معينة، ولا في وقت معين، يعني يتهيا لها تهيؤا خاصا من حيث المكان ومن حيث، وإنما القرآن ينبغي أن يقرأه الإنسان دائما، وهذه من أهم ميزات الحفظ للقرآن؛ من يكون حافظا للقران، يسهل عليه أن يقرأه في ذهابه ومجيئه. فأعظم، أو من اعظم ما يسهل الالتزام بورد معين في القرآن وتكرار هذه القراءة وما إلى ذلك، هو الحفظ.

على أي حال، من هذه من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قرا يوم الفتح على الدابة، يؤخذ أن قراءة القرآن تكون في مختلف الأحوال، لأن هذا الركوب على الدابة، ليس هو مثلا في المسجد أو في الصلاه أو ما إلى ذلك، فهذه الفائدة الأولى، ويقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، أنه يعني يحرص الإنسان على أن يقرأ القرآن، أو أن يكون ملازما للقرآن في مختلف الأحوال.

الفائدة الثانية: هي في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعني يجود قراءته يحسنها، وهذا ماخوذ من قوله: يرجع. والترجيع أصله الترديد، والترديد هنا ليس المقصود ترديد الآية -يعني يعيد الآية أو الكمة- وإنما ترديد الصوت. وحتى إن بعض العلماء ظن أن هذا الترجيع كان بسبب ركوبه على الناقة، لأنه تعرف الإنسان إذا كان راكبا، يعني تحركت الناقة وهو يتحرك فوقها، الصوت يعني إيش -كانه يعني- يحصل فيه ترداد، بسبب الحركة.

بينما النبي صلى الله عليه وسلم -الارجح من اقوال العلماء والله تعالى أعلم- أنه لم يكن الامر كذلك، ولم يكن الأمر بسبب حركة الناقة، وإنما لأن النبي صلى الله عليه وسلم يرتل قراءته ويمد فيها وما إلى ذلك. قال ابن حجر عن الترجيع: أصله الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق. وذكر ابن حجر أنهم قالوا إن ذلك يحتمل أمرين: الأول: بسبب هز الناقة، الثاني: أنه اشبع المد في موضع، فحدث ذلك ورجعه. قال ابن حجر: وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع، وذكر حديث أم هانئ في السنن: كنت أسمع صوت النبي وهو يقرا -كنت أسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرا، وانا قائمة على فراشي- يرجع القرآن. قال ابن حجر: والظاهر أن في الترجيع قدرا زائدا على الترتيل. وقال ابن أبي جمرة: معنى الترجيع التحسين، لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.

طيب، الآن يعني احنا إيش قلنا الفائدة؟ الفائدة الأولى: قراءة القرآن في كل الأحوال. الفائدة الثانية ماذا كانت؟ أنه النبي صلى الله عليه وسلم كان يحسن قراءته، ومن هنا يتفرع سؤال وهو السؤال عن التجويد وعن الترتيل وعن أصول ذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. المحفوظ نصا عن النبي صلى الله عليه وسلم في كيفيات الأداء قليل جدا، قليل جدا. لكن النظام التجويدي الذي توارد عليه العلماء، هذا النظام منقول في الأساس بالنقل الشفهي العملي، بمعنى أنه هو ليس هناك أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين أحكام، طبعا هو ما يوجد أحاديث تبين أحكام التجويد، لكن أحاديث يمكن أن يؤخذ منها أحكام التجويد، لا يوجد كثير من ذلك، قليلة جدا؛ منها هذا الحديث: أنه كان يرجع قراءته، وذكروا فيها اللي هو فيها المد هذا. فهم، من هنا يعلم أن المد إيش؟ له اصل في السنة النبوية واضح. فالمد له أصل، لكن كم مقدار المد؟ ومتى يكون؟ والمد المنفصل والمد المتصل وما إلى ذلك؟ هذا مما توارد عليه العلماء، ولا شك أنه هو هذا من المحسنات، هذه من المحسنات.

فهذه المحسنات، الأمر فيها فيه مساحة للاجتهاد عند العلماء، بمعنى أنه لذلك يختلفون يعني في مقدار المد، وحتى ما بين قراءة وقراءة يختلفون فيها في قراءة في مقدار المد. فمثلا هذا القارئ يمد المنفصل، هذا القارئ يقصر، كذا، هذا القارئ كذا، هذا موجود من اختلافات القراء، ولذلك لا يشدد فيها، ولكن لها أصل، هذا المد له أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يقال إن من مد مثلا بما لم يتجاوز الحد، لا يقال إنه إن قصر في المد فقد خالف السنة، أو مثلا مد ست حركات فقد خالف أو لا، وإنما هذه مساحة يتبع فيها الإنسان المعهود عند القراء، يتبع الإنسان فيها المعهود عند القراء، لأن القراء تلقوا مثل هذه المعاني عن شيوخهم، عن مشايخهم، عن مشايخهم، إلى القراء الكبار، إلى التابعين، إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

وكما قلت: هذا التداول للقراءة والنقل، ليس معنى ذلك أن كل كيفية أداء فهي ثابته بعينها عين النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي جملة هذه القوانين، جملة هذه القوانين في الأداء هي متوارده، أو توارد عليها العلماء جيلا بعد جيل إلى الصحابة، إلى التابعين، إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. والصحابه أخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك، كما قلت، في هذا تحسين للتلاوة، فهذا التحسين للتلاوة.

قد يجتهد العلماء في بعض قواعده التي تجعل التلاوة حسنة، فلا يمكن أن نقول إن كل حكم تجويدي بعينه فهو يعني مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يخالف هذا المعهود عند العلماء وعند القراء فهم أهل هذا الاختصاص وهم أهل هذا العلم وهم أهل هذا الفن.

وميزة هذه العلوم أو هذا العلم، علم ما يتعلق بطريقة أداء القرآن، ميزته أنه منقول عملياً، يعني منقول شفهياً، فهذا النقل الشفهي وهذا النقل العملي يجعل الاتباع أمراً حسناً ومقرباً جداً.

طيب، الفائدة الثالثة هي في قول معاوية رضي الله تعالى عنه: لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعته كما رجع ابن مغفل، يحكي النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه الكلمه إن كان المقصود بها أنه ايش يعني؛ إنه يجتمع الناس عليكم من باب أنه لا يحبون اجتماع الأعداد الكبيرة على الأمور الجاذبة للناس، فهذا كان يعني معهوداً بمعنى أنه مثلاً بخلاف ما هو معهود اليوم من محبة الشهرة ومن محبة جلب الأصوات ومن محبة جلب الجمهور ومن محبة كذا.

إن كان هذا هو المقصود، لولا أن يجتمع الناس عليكم، يعني أنهم ايش، أنهم يأتون فيقولون: اسمعوا هذا الترجيع، هذه قراءة كذا، هذه القراءة، لرجعته كما كان ابن مغفل يحكي النبي صلى الله عليه وسلم، يعني هذا يكون فيه لفتة تربوية في هذا المعنى.

طيب، الحديث التالي هو حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قارئاً من الليل في المسجد فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا أسقطتها، وفي رواية: أنسيتها من سورة كذا وكذا.

وفي رواية معلقة عند البخاري: تهجد النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي، فسمع صوت عباد يصلي في المسجد فقال: يا عائشة، أصوت عباد هذا؟ قلت: نعم. قال: اللهم ارحم عباداً.

ماذا تتوقعون؟ الإام البخاري يبوب على مثل هذا الحديث؛ يعني هو ذهب إلى أماكن بعيدة جداً جداً في التبويب عما قد يبدو للمستمع أو للقارئ، فقال: باب شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره، وما يعرف بالاصوات.

فهمتوا الفكرة؟ لأنه هو سمع بالصوت، ها، وهذا أظنه كذلك في حديث الأشعريين: إني لأعرف أصوات بيوت الأشعريين بالليل، أنه ميزهم بالصوت يعني عرف هذا المكان.

فإنه شهادة الأعمى، لأنه الأعمى كذلك يمكن أنه يميز بالصوت، فيعني ذهب استنبط هذا الاستنباط البعيد.

طبعاً، هذه الاستنباطات لا شك أنها من دقة الفهم مما أتى الله العبد، والبخاري فتح عليه في هذا، لكن أيضاً في فائدة مهمة جداً، يعني منهجية علمية، أن الإنسان ترى حتى لو كان ذكياً وحتى لو كان يعني عنده القدرة على الاستنباط وما إلى ذلك، بس ترى يحتاج إلى مادة علمية تعينه على الاستنباط.

فهمتوا الفكرة؟ يعني هو الآن ليش ذكر شهادة الأعمى؟ هو ليس مجرد استنباط، لأنه في مسألة أصلاً علمية وفي خلاف بين العلماء في شهادة الأعمى، فهذه المسالة موجودة عند البخاري أصلاً، فهي لما تصير موجودة عنده فهو ينتبه بعدين أن هذا الحديث آه عجيب في دلالة معينة على هذه المسألة.

بس هو لو ما يعرف المسألة كان ما انشغل باله فيها أصلاً، واضح الفكرة؟ كان ما انشغل باله فيها.

مثل الآن أنت مثلاً، تكون مهتم مثلاً بالجوانب التزكووية والإيمانية والتربوية، تنتبه إلى فوائد في الأحاديث ربما يفتح عليك فيها ما لا يفتح فيها على من ليس مهتماً مثلاً بهذا المجال، نفس الشيء الفوائد الإصلاحية وكذا، الفقيه مثلاً المهتم بالفقه تجده يدقق في الأحاديث وفي الآيات، يستنبط أشياء ما يستنبطها الإنسان اللي هو مو مهتم بالناحية الفقهية.

يعني مثلاً إذا قرأت في بعض تفاسير آيات الأحكام تجدهم يقفون عند آيات معينة، آيات معينة يستخرجون منها أحكاماً غير الآيات اللي هي مباشرة الأحكام، مثل آيات الطلاق وآيات هذا واضحة، لكن أحياناً يستنبطون أحكاماً من آيات قد ما تظن أنه فيها إشارة إلى حكم.

لماذا؟ لأنه هو قاصد هذا المعنى، والبحث والتدقيق في قضية المسائل الفقهية، من الأمثلة: كتاب التفسير والبيان للشيخ الطريفي كتاب عجيب في هذا المعنى، يعني تقرأ يفصل في مسائل ولا تكون الآية يعني فيما تصنف الآية أنها من آيات الأحكام، وإنما من معنى معين في الآية.

يعني ايش يستخرج المعنى؟ يعني مثلاً، مثلاً: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بَرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا، هذه ليست من آيات الأحكام صح؟ أو من السور المكية صح ولا لا؟

فهو ايش تكلم؟ تكلم عن عدة مسائل فقهية وتوسع فيها في مسألة ركوب البحر، فهمت؟ لأنه تعرف أصلاً في خلاف كان في أنه ركوب البحر ما في إشكال، بعدين تتكلم عن مسألة غزو البحر وهل الغزو في البحر أجره أعظم من غزو البر ولا لا؟

لماذا؟ لأنه في أشياء واردة في هذا، في آثار واردة، ثم اتكلم عن شهيد البحر وشهيد البر لأنه أيضاً في آثار واردة، وهكذا.

فاللي يكون مشغول بهذا المعنى قد ينتبه لأشياء لا ينتبه لها غيره، ولذلك لا يكفي الذكاء وحده، الذكاء وما إلى ذلك لازم يكون في مادة علمية، لأنه الذكي أصلاً إذا ما عنده مادة علمية يخربط رأسه، يعني سبحان الله العقل يحتاج مادة يشتغل فيها، إذا كان الإنسان من أهل الذكاء لابد أنه يكون في مادة يشتغل فيها حتى يعني ايش.

على أي حال، الإمام البخاري بوب على ذلك بهذا: باب شهادة الأعمى، وأيضاً تبويبات أخرى، منها: باب نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا؟ وأيضاً: باب من لم ير باسآ أن يقول سورة البقرة وسورة كذا.

لماذا؟ طبعا قال هذا الباب لأنه أيضاً في بعض الآثار عن بعض المتقدمين في قضية أنه ما يقال سورة البقرة، وإنما السورة التي يذكر فيها البقرة، وهكذا، وإن كان استقر الأمر واستقر العمل على أنه تقال سورة البقرة، سورة آل عمران وفي أدلة لها من الحديث.

وأيضاً: باب قول الله تعالى وَصَلِّ عَلَيْهِمْ. من أين أخذها باب قول الله تعالى وَصَلِّ عَلَيْهِمْ؟ يرحمه الله يعني وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ايش معنى صلي عليهم؟ ادعو لهم يعني.

نعم، طيب هذه إذاً القضية الأولى اللي هي قضية التبويبات، ثم بعد ذلك الفوائد.

الفائدة الأولى: فيما يتعلق بلفظ النسيان، وهذا مر معنا في الأحاديث السابقة اللي هو: لا يقولن أحدكم نسيت آية كذا وكذا، بل نسي النبي صلى الله عليه وسلم، قال هنا: أنسيتها، ما قال نسيتها، وهذا هو اللفظ الوارد والمأمور به، والتفصيل في المسألة مر لماذا كذا؟ مر معنا في الأحاديث السابقة، وأنه هذا يعني من باب أدب الألفاظ وأنه حتى ما، لأنه لفظ النسيان يدل على الغفلة وعلى ترك الكتاب وترك المراجعة وترك كذا، وكذلك: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ، كَذَلِكَ أَتَأْتِكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا إلى آخره.

الفائدة الثانية: في اشتغال الجيل الأول بقيام الليل وكونهم عرفوا بذلك، هذا السمع النبي صلى الله عليه وسلم قارئاً يقرا من الليل في المسجد، وفي رواية: تهجد النبي صلى الله عليه وسلم في بيته فسمع صوت عباد، هذا نوع من الأحاديث في أحاديث كثيرة، منها أحاديث مرت معنا في كتاب فضائل القرآن، مثلاً حديث رفيق عباد.

هذا عباد بن بشر من رفيقه؟ من رفيق عباد بن بشر اللي هو حصل لهم موقف مع النبي صلى الله عليه وسلم، هؤلاء ترى من صلحاء الأنصار، من أفاضل الأنصار، من خيار الصحابه.

ذكرت زمان كان عندنا حلقه اسمها ايش اسمهم؟ الانصار الثلاثة، مو الأنصار، اسمهم كان الثلاثة، ثلاثة كذا، الأنصار الثلاثة أو نسيت والله.

هؤلاء الثلاثة كان منهم اثنان اللي هم عباد وأسيد بن الحضير اللي حصلت لهم كرامة لما جاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم بالليل، هي قصة صحيحة، كانوا يتكلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم بالليل، طبعا الليل ليل يعني ما في كهرباء، ما في كذا.

فلما افترقوا عند فلما خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بيوتهم، جعل الله سبحانه وتعالى لكل واحد منهم في صوته نوراً يضيء له الطريق، كان نوراً واحداً، فلما افترقاهما كل واحد إلى بيته افترق معهم النور، كل واحد صار معه نور.

فهذه من الكرامات التي حصلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم السادة الثلاثة أيوه اللي هم هذا عباد بن بشر، عباد بن بشر هذا أحدهم وأسيد بن حضير رفيقه والثالث سعد بن معاذ، هؤلاء من خيار خيار الأنصار رضي الله تعالى عنهم اجمعين.

فالعجيب أنه يعني أيضاً رفيقه له موقف مع القرآن مر معنا قريبا في كتاب فضائل القرآن، اللي هو هو الذي كان يقرأ بالليل وجاءت الظلة من الغمامة اللي فيها المصابيح، فخاف على ابنه يحيى لأنه كان يقرأ بالليل ونزلت الملائكة فاضطربت الخيل اللي عنده، وابنه يحيى كان قريباً، فخشي على ابنه من اضطراب الخيل فقطع القراءة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: نرجع لنص قال: وتدري ماذا؟ قال: لا. قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرات لصبحتي ينظر الناس إليها لا تتوارى منه، هذا في البخاري، هذا في مسلم وفي البخاري معلقاً قال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، فإذا في في، فإذا مثل الظل فيها أمثال المصابيح.

فهذا رفيقه عباد بن بشر رضي الله تعالى عنه أيضاً كان يقرأ من الليل وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أذكرني آية كذا وكذا أسقطتها أو أنسيتها، أصوت عباد هذا؟ قالت: قلت: نعم. قال: اللهم ارحم عباداً، رحمه الله رحمهم الله تعالى ورضي عنهم وأرضاهم.

طبعا من الفوائد كذلك تهجد النبي صلى الله عليه وسلم وقيامه، وذكروا أيضاً طبعا هذا معروف يعني والكلام فيه كثير، والعامة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل هي أحاديث عملية أصلاً وليست قولية.

ثم ذكروا أيضاً فوائد أخرى يعني فرعية منها أنه ما في إشكال الإنسان يرفع صوته في القراءة في المسجد إذا ما كان هناك أحد ينزعج بقراءته أو يتضرر من قراءة قراءته.

وغير كذا من الفوائد الأخرى يعني ونكتفي بهذا القدر، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.