الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. الحمد لله المحمود على كل حال. الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا.
أما بعد فنستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس التعليق على كتاب فضائل القرآن من الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى، وهذا المجلس مع حديث أنس في جمع القرآن على زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، وهو من مفردات البخاري، لأننا انتهينا من قسم المتفق عليه في فضائل القرآن وانتقلنا إلى مفردات البخاري، فنستعين بالله ونقرا الحديث.
قال الإامام البخاري رحمه الله في مفرداته، قال: عن أنس رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فافزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسل إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك.
فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم.
ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
وفي حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرا بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وفي رواية: الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين من المؤمنين، رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فالحقناها في سورتها في المصحف.
هذا الحديث من الأحداث المهمة والمفيدة كثيرا، وفيها فوائد يعني متعدده ومن جهات مختلفة.
الفائدة الأولى: ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجهاد في سبيل الله، ونشر الدين في الأرض، والغزو في سبيل الله، وقياده الناس في المعارك بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فحين توفي النبي صلى الله عليه وسلم انطلق أصحابه في الأرض يقومون بنشر دين الله سبحانه وتعالى، وبالجهاد في سبيل الله، وبرد من حاد عن دين الله سبحانه وتعالى كما حصل في حادثة الردة في زمن أبي بكر الصديق، ثم بعد ذلك الفتوحات في أواخر عهد الصديق، ثم بعد ذلك الفتوحات في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وكذلك الفتوحات في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه إلى غير ذلك.
وممن كان له دور في الفتوحات وله قيادة عسكرية كذلك هو حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وقد أفردت لحذيفة رضي الله تعالى عنه مجلسا مفصلا في سيرته وأعماله وسماته وما إلى ذلك ضمن سلسلة خير القرون، وهي معنونه بصاحب السر، وحذيفة رضي الله تعالى عنه له شأن عظيم من أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهنا في الحديث ذكر أنه كان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيا وأذربيجان، وحذيفة رضي الله تعالى عنه كان له كما أسلفت يعني مشاركة وقيادة عسكرية، وهنا ذكر مشاركة حذيفة في فتح أرمينيا وأذربيجان.
وهذه هي الفائدة الأولى، ويؤخذ منها يعني أهمية العمل وأهمية الجهاد في سبيل الله وأهمية مشاركة الكبار في مثل هذه الأعمال التي ينصر بها الدين، وعدم اكتفائهم بما عملوه قبل ذلك، لأن الصحابه كان لهم جهود كبيرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهم سابقه أعمال ولهم تزكية من الله سبحانه وتعالى، ولهم امور كان يعني كان من الممكن لو كان غيرهم ممن لا يعني يدرك هذه النعمة أو يقدرها حق قدرها كان يمكن أن يغتر بمثل ما حصل لهم، ثم يقعدون بعد ذلك عن العمل، لكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يغتروا، وإنما استمروا في جهادهم، واستمروا في قتالهم، واستمروا في نشرهم للدين، واستمروا في تضحيتهم، واستمروا في عملهم، ولذلك انتشرت قبورهم في الآفاق على قدر ما وصلوا إليه من البذل والجهد والغزو في سبيل الله، فمنهم من هو مدفون في اليوم -بتصنيفات الدول الحالية- منهم من هو مدفون جهة تركمانستان أو أوزبكستان، ومنهم من هو مدفون في تركيا، ومنهم من هو مدفون في بلاد الشام، ومنهم من هو مدفون في مصر، وهكذا في أنواع البقاع والأسقاع في هذه الدنيا نتيجه بذلهم وجهدهم وعملهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الفائدة الثانية: هي في إشكالية الأجيال الجديدة التي تدخل إلى العلم وإلى الدين وإلى السياقات الشرعية وعموما يعني تدخل في شان الإسلام؛ إشكالية الأجيال الجديدة التي لا تدرك من الفقه والحكمة والرشد ما ادركته الأجيال الأولى التي تأسست على قواعد الشريعة، وهذا بالاعتبار الأول هو في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما أسس عليه أصحابه ثم ما جاء من الأجيال التالية، لكن أيضا يمكن أن يتكرر في أجيال أخرى إذا وجد مثلا جيل من العلماء والمربين وما إلى ذلك فربوا جيلا معينا، فهذا الجيل قد يكون عنده من الرشد والانضباط والفقه والعلم ما قد لا يتوافر حتى في الأجيال التالية، اللهم إلا حين تنحو الأجيال التالية ما نحته الأجيال الأولى من الوقوف عند أهل العلم والوقوف عند أهل المعرفة وعند أهل الحكمة والتعلم على أيديهم وما إلى ذلك.
وهذا حصل كذلك في الأجيال الجديدة في زمن الصحابة لما كان هناك من الأجيال الجديدة من لم يدخل في هذا الطريق الذي يبني الرشد والحكمه والعلم، ومنهم من دخل وهم سادات التابعين كسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن البصري والزهري وغير هؤلاء من الأئمة الكبار، لكن هناك أيضا شرائح أخرى من التابعين لم يدخلوا فيما دخل فيه سادات التابعين وطلبة علمائهم، وإنما يعني كانوا من عموم الناس الذين يعني يحبون الإسلام وينصرون الدين ولكن قد يكون عندهم قدر من نقص العلم وما إلى ذلك، ولذلك حصل فيهم الاختلاف في القراءة، وحصل فيهم الاختلاف في القراءة بدرجة كان ممكن أن تؤدي إلى تمزق المسلمين، وهذا الذي أفزع حذيفة رضي الله تعالى عنه.
وهذا يقودنا إلى الفائدة الثالثة: وهي أهمية وجود الأمناء على الشريعة والأمناء على الدين الذين يتنبهون إلى ما يمكن أن يطرا في الواقع من صور الخلل والنقص التي تطرا على الدين فيسعون بدافع الأامانة الشرعية إلى تعديل وإصلاح هذا النقص الذي حصل وهذا الفساد الذي حصل، سواء بقيامهم على الأمر مباشرة أو بإيصال الأمر لمن يمكنه أن يصلح وأن يقوم، وحذيفة كان أحد هؤلاء الأمناء رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
كان من الأمناء الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أصحابي أمنة لأمتي، فحذيفة كان أحد هؤلاء الأمناء الذين كانت لهم مسؤولية في حفظ الدين ومسؤولية في استقامة سير الناس على هذا الدين، وأن لا يدخل نقص أو خلل إلى هذا الدين، فمما حصل من تغيرات أن بعض الأجيال الجديدة في تلك المرحلة اختلفت في القراءة في قراءة القرآن اختلافا عظيما، وهذا الاختلاف كان في أساسه رخصة بقضية الأحرف السبعة التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا في هذه السلسلة.
كان رخصة، ثم بعد ذلك لما حصلت هذه الفتوحات والتوسع والأجيال الجديدة وما إلى ذلك انتقلت من كونها رخصة من جهة الأثر إلى كونها أحدثت حالة من الاختلاف والتفرق، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر إنما طلب من الله سبحانه وتعالى أن ينزل القرآن على سبعة أحرف حتى يسهل على الناس الذين يدخلون في الدين، يسهل عليهم قراءة القرآن، ولا يجدون صعوبة أو عسرا في هذه التلاوة وفي هذا الارتباط بكتاب الله سبحانه وتعالى، وقد تحققت هذه الثمرة وتحققت هذه النتيجة.
وبعد ذلك لما توسعت الأحوال كما أسلفت، حصل شيء من الفتنة في هذه الرخصة التي وقعت، ولذلك هذه الأمور رأى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم -أو هذه القضية- رأى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أنها مرهونة بالمصلحة، فهي رخصة ثم أتت في زمن معين كان يمكن أن تؤدي إلى اختلاف وتفرق شديد جدا، فلذلك اجتهدوا رضي الله تعالى عنهم في أن يجمعوا الناس على مصحف واحد، وهذا اجتهاد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعوا عليه عامتهم، يعني أجمع عليه، ولذلك لما انتقد عثمان رضي الله تعالى عنه من الخوارج قال علي رضي الله تعالى عنه: إن عثمان لم يفعل ذلك إلا على ملأ منا، كما هو معلوم في الروايات المتحققة، وإن كان وقع من عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مخالفة في هذه القضية، لكن عامة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وافقوا عثمان رضي الله تعالى عنه.
ومن هنا ناخذ أنه أن اختلاف الأجيال قد لا يستوعب معه الناس ما هو من الحق في ذاته، يعني الآن قضية الأحرف السبعة هي من الحق، وهي أمر من التخفيف على هذه الأمة، فليست الإشكالية في هذه الأحرف ولا في تعدد القراءات، وإنما الإشكال هو في طبيعه المتلقين، ومن هنا ننتقل إلى الفائدة التالية: وهي أهمية مراعاة أفهام الناس ومراعاة مستوياتهم ومراعاة عقولهم، وعدم التعامل مع الحقائق الشرعية بنفس المستوى من جهه البلاغ لكل الناس، وإنما هذا الأمر له فقه وله حكمة، وقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه بل أن الله سبحانه وتعالى اعتنى بنفسه بذلك حيث أنزل القرآن بترتيب معين وبتدريج معين، وسياتينا إن شاء الله في الحديث التالي قول عائشه رضي الله تعالى عنها: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الاسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم واني لجارية أَلعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. هذا اخرجه البخاري رحمه الله عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
فهذا شأن عظيم في تبليغ الدين وفي فقه الناس وتفقيههم وإدراك مراتبهم وإدراك مستوى أفهامهم، ولذلك حتى موضوع القراءات التي هي يعني شائعة في الأمة ينبغي أن يختار لها الفئة المناسبة.
يعني إذا كان قراءة إذا كان اعتاد الناس على قراءة معينة، ثم جاءت يعني إذا جاء من يقرا القرآن بقراءة أخرى من القراءات الصحيحة لكن عند فئة لا تستوعب عقولها هذا الاختلاف، فليس صحيحا أن يقول القارئ: والله يجب عليهم أن يعلموا الحق وأنا لا يضرني، لا، هذه القضية تابعة لقضية الحكمة كذلك.
وإذا كانت الأحرف السبعة هي رخصة من الله أنزلها من السماء وطلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك لما رأى الصحابة الاختلاف جمعوا الناس على مصحف واحد فيه حرف واحد كما هو القول المشهور عند كثير من العلماء أن في المصحف حرفا واحدا، فإن أمر القراءات وإن كان مختلفا وليس مطابقا لموضوع الأحرف السبعة حتى في هذه القضية، لكن أساس معنى الاختلاف وأساس معنى إطاقة العقول لمثل هذه الأمور معتبر، أساس المعنى معتبر.
فلا ينبغي الإنسان يذهب إلى أناس في غاية الجهل ثم يقول لهم: أريد أن أقرأ عليكم -هم يعني مثلا بالكاد يقرؤون القرآن مثلا على قراءة حفص، بالكاد يقرؤونها، يقرؤون السور يقرؤون الآيات بطريقة صحيحة بالكاد- وليس لديهم من العلم ولا من الفقه ولا من الاستماع عن العلماء ولا من المعرفة ما يكفي، ثم ياتي من يقول: والله أريد أن أقرأ عليكم قراءة أي قراءة من القراءات التي يعني خاصة التي يظهر فيها الاختلاف، وقد يعدون هذا يعني لا تطيق عقولهم هذا، فهذا أيضا من يعني لا يوجد شيء يوجب، لا يوجد شيء يوجب أن يتعمد الإنسان مثل هذا الإقراء أو مثل هذه القراءة، وإنما هذا أمر يتعلم في ميادين كليات القرآن وفي عند القراء وأهل العلم بالقراءات ويقرا على طلبة العلم وما إلى ذلك، وربما حتى في المنابر الإعلامية المفتوحة قد يكون هذا من باب التسهيل على الناس مثل المنصات الآن في شبكات الإنترنت وشبكات التواصل، أنه والله مثلا يوجد شخص يقرا بقراءة معينة قد يحتاجها يحتاجها الناس ممن يقراون بهذه القراءة، لكن أن يراعى أي فقه في ذلك في مخاطبة الناس، فهذا فيه إشكال حقيقه وينبغي التنبه إليه.
الفائدة التالية هي في أهمية وجود الساسة المسلمين الحريصين على شأن الدين وعلى رعاية وعلى رعاية تحقق هذا الدين في الناس وعلى حمايته وحفظه، وقد ذكر علماء السياسة الشرعية أن من واجبات الحاكم المسلم رد الشبهات عن الدين، ولا شك أن هذه المرحلة ابتلي الناس
فيها يعني كثير من الناس ابتلوا بحكام هم الذين يروجون الشبهات في الدين، وليسوا يدافعون عن الدين. أما هنا في هذا الحديث، فهذا يبين قيمة السياسي المسلم الذي يملك القرار، ويحرص على رعاية أمر الدين في الناس.
فعثمان رضي الله تعالى عنه حفظ الله به هذا الدين بجمعه للقرآن باجتهاده رضي الله تعالى عنه في أن يجمع الناس على هذه المصاحف حتى لا تحصل فتنة كبيرة، وحذيفه رضي الله تعالى عنه وإن كان عالما وإن كان مؤتمنا وإن كان أمينا، إلا أنه لم يكن بامكانه أن يعمل هذا القرار ويطبقه في الواقع ويجمع الناس على مصحف واحد، لأنه لم يكن صاحب سلطة سياسية تمكنه من القيام بهذا الشأن. وهذا يبين أن تمام الإمامة في الدين وتمام تحقيق أمور الشريعة إنما يكون بالسياسة.
ولذلك من الجرائم الكبرى التي تقدم لأفهام الناس وأفهام المسلمين أن يقال لهم يعني لا علاقة للدين بالسياسة، وأنه يعني يجب أن يبقى أهل الدين في الدين، وأهل السياسة في السياسة، وأهل السياسة أدرى بها، وأهل الدين أدرى به وما إلى ذلك. هذا العزل وهذه العلمانية في الفصل مصيبة من المصائب. ولذلك تجد الساسة يرتكبون أنواع القبائح، ليس الشخصية ما نتكلم عن الفسق والفجور الشخصي، وإنما أنواع القبائح في شأن الدين، وفي تنظيم الإفساد في المجتمع، وفي بث أنواع تغيير سلوك الناس وأخلاقهم، ورعاية المنابر التي تضلل الناس، ورعاية المنابر التي سواء في معتقداتهم أو في أخلاقهم، ثم يأتي بعض حملة الشريعة فيقول يعني لا نحن لا نتدخل في السياسة.
أصحاب السياسة هم أبصر بها، حتى في الشؤون العامة وفي الشؤون الحربية وما إلى ذلك يقولون هم أبصر، هم أبصر حين يكونون حريصين على شأن الإسلام والمسلمين وعلى شأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومن أهل الاختصاص، وأصلا ذكر العلماء أن الحاكم يشاور أهل العلم، أما أنه يقال بمجرد المنصب السياسي أنه هو أبصر هكذا بمجرد المنصب السياسي هذا غير صحيح، بل أحيانا يكون صاحب المنصب السياسي هو السبب في جر المصائب على الأمة الإسلامية، وهذا موجود حتى في التاريخ.
مثلا علاء الدين الخوارزمي حاكم الدولة الخوارزمية وهي دولة مسلمة، هو الذي جر المغول إلى الأمة الإسلامية بحماقة سياسية، وانتقده الناس وكتبوا في التاريخ انتقاده، ولم يقولوا والله هو السائس هو الحاكم هو ولي الأمر أبصر بالتصرفات السياسية، هو ليس معصوما، كيف هو يعني يبرر كل شيء؟ لا، ذهب وقتل أمراءه يعني حملة قافلة أو حماة قافلة من قوافل جنكيز خان اللي هو زعيم المغول، فأرسل جنكيز خان إلى علاء الدين الخوارزمي يطلب منه هؤلاء الذين قتلوا أصحاب القافلة التجارية.
فماذا عمل علاء الدين الخوارزمي بكل غطرسه؟ قتل هؤلاء الرسل الذين أرسلهم جنكيز خان، جنكيز خان عبر إليه بجنود لا قبل له بها، وقتل في المسلمين ما لم يحصل مثله في التاريخ إلى الآن، حتى الآن مع وجود القنابل ووجود يعني الدمار الشامل، ما حصل في التاريخ على المسلمين قتل بالأعداد التي قتلها المغول إلى الآن في معارك معينة يعني في جولات معينة ما حصل أبدا. في بغداد وحدها قتلوا قيل ثمانمئة ألف شخص، وقيل بعض الروايات أوصلتها إلى قرابه المليونين شخص، يعني كانوا يدخلون مدنا يمسحونها عن بكرة أبيها.
إيش السبب؟ طبعا أكيد هناك يعني ربما عوامل متعددة، وأكيد أن هذه الأمور التاريخية لها يعني أسباب وتراكمات، وفصلت شيئا منها في سلسلة خاصة عن هذا المعنى وبمراجعه المصادر التاريخية الأصلية في تلك المرحلة، اللي هي سلسلة الأمة بين احتلالين، لكن من أهم الأسباب هو ما فعله علاء الدين الخوارزمي، وهذا السبب هو أوثق من السبب الذي يدعيه البعض، وهو أن الدولة العباسية هي التي أرسلت المغول وطلبت منهم الدخول، وإلى آخره. هذه ادعاءات تاريخية ادعاها البعض، ولكن عند التحقيق لا يوجد شيء واضح ثابت يقطع به بسببها، وإنما التصرف الثابت الواضح المعروف في كتب التاريخ هو ما فعله علاء الدين الخوارزمي، وهو السبب المباشر في هذه القضية، هذا السبب المباشر في هذه القضية بلا شك.
فهذا تصرف سياسي أحمق جر على أمة الإسلام الويلات والويلات والويلات، فيعني مثل هذه الأمور يجب أنه يكون فيها وعي، لا يصلح أن يكون هناك يعني غفله في النظر إلى قضايا الأمة باعتبار أنه خلاص يوجد من هو مسؤول سياسي وهو يتصرف ونحن لا نتدخل. لا، أهل العلم يتدخلون، وأهل البصيره يتدخلون، وأهل الحكمة يتدخلون بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر وبالكلام وبالبيان وبما إلى ذلك.
هذا الآن الكلام والبيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طبعا الذي يتدخل ليست هي التدخل اللي هو أن تصير القضية فوضى كل واحد يبدي رأيه وهو ليس عنده من المؤهلات ما تؤهله، لكن القصد أيضا من الجهة الأخرى أنه لا يصلح أن يكون التأصيل العام أنه يا طلبة العلم ويا مشايخ ويا علماء ويا يعني هل يا أيها المهتمون من رموز الأمة الإسلامية لا علاقة لكم بأي شيء مرتبط بالسياسة والمجريات السياسية والأحولات والتصرفات السياسية، لأن هناك قسم في العالم اسمه الساسة، هم الذين يتصرفون وهم أعرف بمثل هذه الأمور.
كما قلت هذا الكلام فيه تفصيل، أولا لا يصح فصل الدين عن السياسة. ثانيا السائس نفسه والحاكم يجب عليه أن يشاور أهل العلم مشاور حقيقية وليس أنه يعني كما البعض يتخذهم مطية. ومن جهة ثالثة كذلك، فإن الساسة على درجات، نعم هناك ساسة يجب أن يحترم رأيهم ويعني يسلم لهم في كثير من التصرفات السياسية، وهم يجمعون ما بين الرشد السياسي وما بين الحرص على تحقيق مصالح الأمة حتى لو لم تظهر للناس، لكن أن توجّه بوصلته السياسية لتكون مصالحه تنفيذ أجندات لأعداء الله سبحانه وتعالى ثم يقال هو أبصر، فهذا الكلام يعني فيه نظر شديد جدا.
نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد