تسجيل الدخول

أنوار الصحيحين | كتاب فضائل القرآن 09 | شرح الجمع بين الصحيحين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. الحمد لله عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض. الحمد لله رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل. الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ونسأل الله أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس التعليق على كتاب فضائل القرآن من كتاب الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى. والحمد لله، في المجلس الماضي أنهينا قسم المتفق عليه من كتاب فضائل القرآن، والآن كتاب فضائل القرآن من مفردات البخاري ضمن كتاب الجمع بين الصحيحين. فعندنا اليوم حديثان بإذن الله تعالى، والحديثان متشابهان، يعني متقاربان في قصتين مختلفتين ولكنهما في موضوع واحد في الأصل، وهي في قصة جمع القرآن، وهذه القصة أو هاتان القصتان فيهما فوائد كبيرة وعظيمة جدا.

فنبتدئ بالقصة الأولى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.

قال زيد: وفي رواية وعمر عنده جالس لا يتكلم. قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله يقول زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة، وفي رواية مع خزيمة الأنصاري، لم أجده مع أحد غيره: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حِرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ، حتى خاتمة براءة. وفي رواية: فألحقتها في صورتها. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. وفي رواية قال محمد بن عبيد الله: اللخاف يعني الخزف.

هذا الحديث بوب عليه الإمام البخاري تبويبات متعددة، منها قوله: باب قوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ، من الرأفة. ثم قال: باب جمع القرآن، وقال: باب كاتب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: باب يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا، وقال: باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم، إلى آخر الكلام، وذكر مجموعة من التفسيرات في تمام هذا الباب.

طيب، هذه القصة فيها فوائد كثيرة وهي من القصص العظيمة حقيقة. أول فائدة هي في أهمية متابعة النوازل والمستجدات واتخاذ القرارات الإصلاحية بناء عليها، لأن هذا القرار، قرار جمع القرآن، لم يأت بناء على يعني تباحث نظري في قضية من القضايا الشرعية، لم يأت بناء على دراسة في مصالح جمع القرآن، وإنما أتى هذا نتيجة أحداث صارت في الواقع. فهذه الأحداث التي صارت في الواقع، وهي مقتل القراء يوم اليمامة، هي التي أدت بسرعة الاستجابة لآثار هذه الأحداث والتفاعل معها. والاستجابة هنا كانت من عمر رضي الله تعالى عنه، أتى بها إلى الخليفة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فكلموا زيد بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين. فمن هنا يؤخذ أهمية متابعة النوازل واتخاذ القرارات المتعلقة بها التي تعالج شيئا من الآثار الناتجة عنها.

والفائدة الثانية هي في أهمية السياسة الإسلامية، في أهمية وجود الحكام المسلمين الحريصين على أمر الدين وشان الملة؛ بمعنى أن الخليفة رضي الله تعالى عنه، أبو بكر الصديق، هو صاحب السلطة السياسية، فلما جاءه مثل هذا الخبر ومثل هذا النقاش في هذه القضية واقتنع، اتخذ القرار، التكليف السياسي لخدمة القرآن الكريم بهذه الطريقة.

الفائدة الثالثة في كون أهل القرآن زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن الصحابة هم أهل العمل. فهؤلاء الذين قتلوا يوم اليمامة هم حملة القرآن إلى درجة أنه خيف على حفظ القرآن في الناس، في الأمة، إذا ما عملوا شيئا. لأنه يعني القرآن أساس نقله وهذا سيأتينا إن شاء الله في الصدور، وكان هؤلاء الذين حملوا القرآن في صدورهم قتلوا يوم اليمامة، يعني كثير من قراء القرآن من حفظة القرآن من حملة القرآن من الصحابة رضي الله تعالى عنهم قتلوا يوم اليمامة. وهذا دليل على أن أهل القرآن هم أهل العمل، وهذا الذي ينبغي أن يكون، فلم يكن يعني في مثل حادثة المرتدين وحادثة مسيلمة لم يعتزل القراء وقالوا إنه احنا يعني كل واحد له تخصص، فيعني في هناك مجاهدون وهناك قراء. وهناك طبعا فكرة التخصص ليست خطأ لكنها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان وكذلك في بداية زمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وبعد ذلك تميزت الأمور أكثر من ناحية استقرار الأمور السياسية والتقسيمات وما إلى ذلك.

لكن في البدايات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم كذلك في زمن في بدايات زمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانت الأمور يعني الشخص المسلم هو جاهز لكل شيء. نعم في اختلاف سمات شخصية وفي اختلاف قدرات، في اختلاف إمكانات وبناء عليها تختلف التعيينات، لكن عموما المسلم اللي بين قوسين يسمى اليوم مواطن في دولة، هو هناك كان مستعد لكل شيء. يعني تعرفون زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان هناك صحابة مخصصون للجهاد وصحابة مخصصون للعلم، كان إذا دعا داعي الجهاد الكل يجاهد. وتعرفون لما تخلف ثلاثة وتخلفهم ما يؤثر عسكريا يعني تخلف ثلاثة نزل فيهم القرآن يتلى، والمدينة بأسرها قاطعتهم بقرار النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم وهم من الصالحين وليسوا من المنافقين. فالكل كان يجاهد في سبيل الله، وهذا طبعا غير قضية اختلاف القدرات واختلاف الإمكانات وهذا بطبيعة الحال النبي صلى الله عليه وسلم كان يراعيه، يعني تعرفون خالد بن الوليد له قيادة عسكرية، عمرو بن العاص كذا إلى آخره، كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي اختلاف التخصصات واختلاف القدرات، لكن هذا ما كان يلغي أن الإنسان يقوم في مختلف المقامات التي يستوجبها داعي نصرة الإسلام.

الفائدة الرابعة هي في شدة القتال الذي حصل يوم اليمامة، وأنه كان قتالا رهيبا وعظيما وواسعا وكبيرا، ولذلك ترى عددا من مشاهير الصحابة وعظمائهم وعلمائهم وقرائهم وأبطالهم استشهدوا يوم اليمامة، حتى ممن كان لهم صولات وجولات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أبو دجانة رضي الله عنه كان له صولات وجولات يوم أحد استشهد يوم اليمامة، ثابت بن قيس رضي الله تعالى عنه استشهد يوم اليمامة، زيد بن الخطاب، إلى آخره، كثير جدا من الصحابة قتلوا واستشهدوا يوم اليمامة، ومنهم من الأنصار من سادات الأنصار ومن الخيار. فكان يوما عظيما وحدثا كبيرا، غير الآن قضية مقتل القراء هو بذاته كان حدثا عظيما وهائلا. ويعني الصحابة خاضوا فيه معركة شرسة. ومما يتعجب له أن هذا الحدث الكبير وهذه المعركة الشرسة وهذا الأمر العظيم حصل بعد زمن يسير من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يؤثر ولم يفت في عضد الصحابة ولم يمنعهم عن أن ينصروا دين الله سبحانه وتعالى، لم يفت في عضدهم أن توفي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا قد حزنوا حزنا عظيما وشديدا لكن لم يقعدهم ذلك عن نصرة دين الله سبحانه وتعالى.

الفائدة الخامسة هي ما قد يؤخذ من هذه القصة أيضا من شيء من استشراف المستقبل، لأن هو قال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن. بمعنى أنه بما أنه حصل مثل هذا في اليمامة وبما أن القراء من أهل الجهاد، وهذا يؤكد الفائدة الثانية أو الثالثة، فإن إمكان وقوع خلل في حفظ القرآن في الأمة -الحفظ هنا ليس مقصود الحفظ اللي هو حفظه في أساس كونه محفوظا ينقل- قد يؤدي الأمر إلى خلل في ذلك إذا تكرر هذا الأمر. فهنا استدلال بحدث ماضي وقع اللي هو القتل في اليمامة، وتخوف من حدث مستقبلي أنه قد يمتد هذا الأثر قد يتكرر هذا الحدث. فهنا اعتناء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بالأحداث المستقبلية كذلك بناء على المعطيات الواقعية، أنه بما أن القراء يجاهدون في سبيل الله وبما أنه حصل لهم ذلك في اليمامة فقد يحصل لهم ذلك في غيره فتزداد القضية إشكالا. فهذا أيضا من الفوائد التي يمكن أن تؤخذ.

الفائدة السادسة هي في فضل العلماء الراسخين الذين يعتنون بالنوازل والقضايا ويتنبهون للآثار الشرعية للأحداث. احنا قلنا في البداية أول فائدة كانت أهمية متابعة النوازل واتخاذ القرارات، لكن هنا الذي تنبه أول شيء من هو؟ عمر. عمر هنا لم يكن هو الخليفة، كان يعني عمر رضي الله تعالى عنه كان قريبا من أبي بكر رضي الله تعالى عنه وهو سيد من سادة المسلمين، لكن الذي يميز عمر هنا هو معنى الفقه. ولذلك لما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ، قال عمر: كنت أنا استنبطت ذلك الأمر، اللي هو الآية لما نزلت كانت في حدث مرتبط بالنبي صلى الله عليه وسلم وأهله وما شاع في المدينة من تطليق النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته وما إلى ذلك، فعمر تتبع الأمر إلى أن وصل إلى القضية، فقال: كنت أنا ممن استنبطه. هنا فيه فضل عمر وفضل المعنى الذي فيه عمر، وهو أهل العلم الذين يقومون في مثل هذه المقامات، فعمر رضي الله تعالى عنه هنا ينطبق عليه أنه لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ، فهنا عمر رضي الله تعالى عنه كان ممن استنبط هذه القضية، فله فضل عظيم على الأمة بهذا الرأي.

وأيضا ممكن نأخذ أيضا فائدة سابعة فنقول أهمية الرأي والمشاركة فيه وتقديمه لذوي القرار وأصحاب التأثير، بمعنى أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يكن هو صاحب القرار، وإنما ذهب إلى صاحب القرار، لكن رأيه أثر في مسيرة الأمة. فمن هنا أنه الإنسان أحيانا يبحث عن ثغر معين، قد يكون أحيانا ثغره هو تقديم الرأي، قد يكون ثغره هو تقديم المشورة، بس عاد لا يكون يعني ايش رأيه يعني يتفلسف كثير، لا، الرأي اللي هو فعلا إنسان يشعر أنه استنبط شيئا فيقدم لأصحاب القرار. طبعا أصحاب القرار ليسوا بالضرورة أن يكونوا أصحاب القرار السياسي، بس لما يكون أصحاب القرار السياسي هم ضد أصلا مصالح الأمة الحقيقية فهنا على الأقل من أصحاب القرارات المؤثرة، أصحاب القرارات الإصلاحية، أصحاب القرارات أيا كان. ولا يمنع أنه يكون يعني في استثناءات في أصحاب القرار السياسي أنه يكون عندهم رغبة، على يعني يكون الإنسان يتتبع إذا كان هناك من أصحاب القرار السياسي من لديه حرص على الإسلام والمسلمين فيقدم. ولكن ما يقدم الأمر في غير مكانه. فهذه أيضا من الفوائد.

من الفوائد أيضا الثامنة هي حرص الصحابة على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقفهم عند حدوده، عند الحدود التي وقف عليها صلى الله عليه وسلم. يعني الآن السؤال الذي طرحه أبو بكر وطرحه من زيد، هو ايش كان السؤال؟ كيف تفعل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. الآن هذا السؤال قدم لشيء لم ينه عنه النبي صلى الله عليه وسلم، صح؟ يعني ما عندهم نص أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جمع القرآن، ولكن كذلك ليس عندهم نص في الأمر بجمع القرآن. من الذي قدم السؤال؟ الذي قدم السؤال سادة الصحابة، أبو بكر وزيد بن ثابت، كيف تفعل شيء لم يفعله رسول الله؟ يعني هذا السؤال هو سؤال صحيح ومشروع وأساسي ومهم جدا، وإذا كانوا قد سألوه في شيء لم ينه عنه النبي صلى الله عليه وسلم وفي شيء له مصلحة ظاهرة وله موجب من أرض الواقع حقيقي، فمن باب أولى أن يسأل فيما كان دون ذلك. وهذا السؤال مهم في محاربة البدع، كيف تفعل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا سؤال مهم جدا في محاربة البدع. لكن في نفس الوقت هذا السؤال لا ينبغي أن يلغي الاجتهاد الذي يحقق المصالح العامة للأمة. وهذا ننتقل فيه إلى الفائدة التاسعة وهي...

مراعاة مصلحة الأمة واتخاذ بعض أو القيام ببعض الأعمال ذات المصلحة العامة للأمة، ولو لم يفعل مثل هذا الفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لا يتعارض مع شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وفي نفس الوقت له موجب من الواقع وله موجب في تحقيق مصلحة حقيقية وفي حماية، لأنه هنا المصلحة ليست مجرد مصلحة زائدة، هنا المصلحة مصلحة فيها حماية لأصل القرآن، يعني حماية لأصل القرآن سيذهب من الناس. فاحنا هذه هاتان فائدتان، الفائدة الأولى أنه إذا كانت المصلحة واضحة وظاهرة والقراء قتلوا ومع ذلك سأل الصحابة سؤال: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهذا يدل على مشروعية هذا السؤال في مختلف القضايا اللي يعني تستجد. ولذلك يعني البعض يتحسس من هذا السؤال ومن هذه النقطة، أو عنده الأصل كل شيء بدعة حسنة بدعة حسنة بدعة حسنة، بينما هذا السؤال يعني سؤال مشروع وقدمه أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم في نفس الوقت هذا السؤال هنا أيضاً تقدم من جهة أخرى لمن يجمد على هذا السؤال ولا ينظر أيضاً في المصالح العامة للأمة، فيقال له أيضاً هؤلاء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم سألوا هذا السؤال وتوقفوا عنده، ثم رجحوا المصلحة العامة للأمة وقدموا هذه القضية. وهذه كم الحين تسع فوائد.

الآن ننتقل للعاشرة، طيب. الفائدة العاشرة هي في مراعاة خلينا نقول جوانب ما أريد أن أسميها فقط التخصص، يعني التخصص من جهة والتميز من جهة، وما وهب الإنسان من جهة أخرى، أنه قد يقدم الإنسان ويراعى ما تميز فيه وما أعطي فيه حتى لو لم يكن بالاعتبار الاجتماعي وبالاعتبار العرفي هو يعني إيش المقدم بين الناس، تقديم من يستحق التقديم ولو كان صغيراً في السن، تقديم من يستحق التقديم إذا كان أهلاً للتقديم. هنا الذي قدم زيد بن ثابت، زيد بن ثابت لم يكن شاباً، لم يكن كبيراً، كان شاباً في ريعان الشباب، يعني إمام من إمام الشيوخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أمام كبار السن، أنت الآن أمام أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعامة الصحابة، يعني هم أكبر من زيد بن ثابت، عامة الصحابة المشهورين المعروفين، حتى الصحابة الذين حين أسلموا كانوا يعني صغاراً في السن هم أكبر منهم، يعني الذين أول ما أسلموا في مكة طلحة والزبير وعلي بن أبي طالب وكذا لما أسلموا كانوا صغاراً، لكن هذا كان قبل 23 سنة فهم الآن كبار، أما زيد بن ثابت فكان شاباً صغيراً، لكنه شاب ذكي وأمين وصالح وتميز في الضبط. ولذلك واضح أنه زيد بن ثابت واضح كان له عقل ورشد، ولذلك يعني لا عجب أنه تكرر، تعرفوا حتى المرة الثانية في جمع عثمان كان أيضاً إيش زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، بس المرة الثانية إحنا يبدو أن لن ندرك القصة الثانية.

فالقصة الثانية عثمان قال: فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص إلى آخره، إذاً أيضاً زيد بن ثابت موجود في الحادثة الثانية، وكان من الواضح أنه يعني شاب عاقل رشيد متمكن. ولذلك هو أيضاً هنا أبو بكر قال له قال له بالنس قال: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فهنا مراعاة رشد هذا الرجل، مراعاة عقله، مراعاة كونه يعني هذه المهمة طبعاً تحتاج طاقة وجهد وبذل وتتبع، فأيضاً تحتاج إلى شباب، وأيضاً تخصص، إيش التخصص والتجربة هنا؟ أن هو كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم. ومن هنا طبعاً بعدين في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه عبد الله بن مسعود كان يرى أنه هو أعلم بكتاب الله من زيد بن ثابت وأنه يعني كان الأولى أنه هو يكلف بهذه المهمة، عبد الله بن مسعود لا أحد يزايد عليه في قضية القرآن وضبط القرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً زكاه في هذه القضية، لكن هذه المهمة تحديداً مهمة الجمع اختير لها زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، ولذلك ابن مسعود استحضر هذه القضية أن زيد بن ثابت أصلاً صغير في السن وأنه عبد الله بن مسعود جمع القرآن وكان زيد بن ثابت يعني صغيراً وكذا، لكن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ارتأوا تقديم زيد بن ثابت في هذه المهمة التي تتطلب يقظة واهتماماً وقوة ورشداً وعقلاً وضبطاً وتثبيتاً، ومناسبة أن الاختيار المناسب لزيد أن هو أيضاً يعني في المدينة يجمع القرآن في مكانه الأصلي الذي خرج منه، في مكان الصحف هناك، الصحابة هناك، الحفاظ هناك، وكل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أهل لمثل هذه المهمة لو كلفوا بها، لكن اختيار زيد حقيقة فيه نبراس لأصحاب القيادات الإصلاحية في اختيار الكفاءات، فاختيار زيد هو عنوان في تاريخ المسلمين أساسي في اختيار الكفاءات، أنه حتى لو كان صغيراً، حتى لو وجد اعتراض، لأنه تعرفوا النبي صلى الله عليه وسلم أمر أيضاً من كانت هناك في إمرته عند بعض الصحابة نوع من الانتقاد على الصحابي وليس على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم هذا ذكره في الحديث الصحيح: إن كنتم تطعنون في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إنه لخليق للإمارة وإنه لمن أحب الناس إلي، هذا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، فإذاً اختيار الكفاءات مثل هذا الاختيار النبي صلى الله عليه وسلم له بصيرة عظيمة وعجيبة في اختيار الكفاءات وتعيينها، وقد لا يبصر كل أحد هذه الحكمة، وكذلك اختيار أبي بكر وعمر لزيد بن ثابت.

طيب الفائدة الحادية عشرة في الدليل الخاص الذي قد يجده الإنسان في نفسه زيادة على الدليل العام، بمعنى الدليل الخاص الذي هو من داخل النفس اللي هو انشراح الصدر، وهذا الدليل ارتياح القلب وانشراح الصدر ينبغي ألا يتهاون به، هو دليل مهم، ولكنه دليل مهم ليس لكل أحد بطبيعة الحال، وإنما لأهل العلم بالله ولأهل العبادة ولأهل العلم بالشريعة، فأمر قلوبهم وصدورهم معتبر. لأن هنا قال: فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. يعني هو ما زال يراجعني، هذا هو الإقناع الآن، لكن ما جعل معيار الاقتناع عنده أنه هو في حجة معينة انتبه لها، يعني من مجموع الكلام كذا انشرح الصدر، فهذا انشراح الصدر مهم، معيار مهم. قال عمر: هذا والله خير، هذا الحين اللي قلته قبل شوي لزيد، بس حتى الآن في أبي بكر، أبو بكر قال لعمر كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، هذا كلام أبي بكر، نفس الشيء يعني أبو بكر أولاً حصل له هذا، ثم زيد، عمر رضي الله تعالى عنه اقتنع بهذه القضية، استنبط هذه القضية فكلم فيها أبا بكر، فأبو بكر اعترض بالسؤال، فلم يزل يراجعه حتى شرح الله صدره، ثم كلموا زيد، زيد اعترض بنفس سؤال أبي بكر، فلم يزل يراجعه أبو بكر حتى شرح الله صدره، فانشراح الصدر مهم، ولذلك هنا تأتي أحاديث الإثم: ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، وكلام ابن مسعود: الإثم حواز القلوب، وكذلك واستفت قلبك وإن أفتاك المفتون، هذه كلها النصوص ليست في تعطيل الحكم الشرعي، وإنما هذه النصوص في اعتبار الأمر القلبي وفي اعتبار الأمر الصدري فيما يحز في الصدور والنفوس، فيما فيه اشتباه، فيما فيه إشكال، ليس في أمر شرعي واضح، وبعدين واحد يقول والله ما ارتاح قلبي، هذا تعطيل الشريعة، لكن هو في الأمر الملتبس، يعني مثلاً ممكن قضية مشتبهة، فيها خلاف، فيها اشتباك، ويفتى للإنسان بجوازها وهو يعرف أنه في خلاف وفي اشتباه، لكن ما اطمأن قلبه ما ارتاح، فمثل هذا يقال شعورك معتبر، فتغلب جانب الورع والاحتياط. هذا الشعور أكثر شيء هو في جانب الورع والاحتياط، لذلك ربط هو بالإثم، يعني الإثم ما حاك في نفسك، فهو ربط بقضية الإثم، أنه قد تجد من يفتيك في قضية ملتبسة أو مشتبهة بالجواز والإباحة ولكن يبقى في قلبك ما يبقى وفي نفسك ما يبقى، اجتنبه، الإثم ما حاك في صدرك. هنا تأتي القضية، ما لم يتضح البرهان، فإذا اتضح البرهان فلا مجال للتورع، ما لم يتضح البرهان خلاص ينجلي الإشكال تماماً بالحجة، فهنا يختلف الأمر، ومثلوا له بحادثة حلق الرأس في الحديبية، لما حلق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه كان الصحابة يستشكلون القضية ويجدون في نفوسهم ما يجدون، فهنا هذا غير معتبر؛ ليش؟ لأنه اتضح البرهان لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، انتهت القضية وهكذا.

أيضاً من الفوائد الثانية عشرة في هذا الحديث هي في أن القرآن محفوظ في الصدور ومحفوظ في السطور، محفوظ بهذين القسمين من الحفظ، ولا ينبغي ألا أو لا ينبغي أن يتهاون في إحدى الطريقتين، فالقرآن حين كتب القرآن ولم يكتب كتابة جامعة، لم يكتب كتابة جامعة وإن كانت الكتابة هي وسيلة من وسائل الحفظ، لذلك القرآن كله كان مكتوباً حين جمعه الصحابة، لكنه كان مكتوباً مفرقاً. والركن الآخر من حفظ القرآن من حفظ الله للقرآن هو حفظه في صدور الناس وتناقله بالتلقين، فهذه وسيلة من أهم وسائل حفظ القرآن. فحفظ القرآن لا ينحصر في كونه مكتوباً، وإنما أيضاً من أركانه هو كون القرآن منقولاً ومتوارداً عليه النقلة ومتواتراً في نقله، وهذا الذي يؤكده ماذا؟ يؤكده أنه لما قتل القراء أرادوا أن يجمعوا القرآن، يعني لما زال أو هدد أو تأثر الركن الأول من ركن حفظ القرآن اللي هو في الصدور، توجه الصحابة إلى حفظه في السطور، وهذا أمر مهم جداً، وهذا الأمر أيضاً مما يستدل به على تثبيت السنة النبوية، لأن من الشبهات التي تطرح ضد السنة النبوية أنها غير مكتوبة، فنحن نقول لهم كون الأمر غير مكتوب فلا يدل على أنه ليس محفوظاً، بدليل أن القرآن نفسه كان محفوظاً بالنقل، فالطعن في قضية النقل هو طعن في أساس ما حفظ به القرآن، وإن كانت الكتابة مزيد من التوثيق ودعم كبير لتوثيق أي أمر عموماً، والله سبحانه وتعالى أمر بالكتابة في الديون وما إليها وليكتب بينكم كاتب بالعدل إلى آخر الآيات. فشاهد أن الطعن في كون النقل وسيلة معتمدة ومعتبرة في الحفظ، فهذا طعن في كتاب الله سبحانه وتعالى. ولذلك أصل في القرآن: ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم، هذه الأثارة من العلم تكون منقولة، وأيضاً: فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، وهذا الإنذار هو تبليغ، وهذا معناه أنهم حفظوا وسمعوا ثم بلغوا وهكذا.

نعم، نكتفي بهذه الفوائد، هذه اثنتا عشرة فائدة، كان النية أن نأخذ الحديث التالي أيضاً نطيل فيه ذكر الفوائد، لكن مضى الوقت في هذا في هذا المجلس في الحديث الأول، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والهدى والرشاد. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك المصير، لك الحمد سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. اللهم لك الحمد رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد يا رب السماوات، يا نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد يا قيوم السماوات والأرض ومن فيهن. اللهم لك الحمد يا ربنا ورب كل شيء، اللهم لك الحمد يا رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم يا ربنا اشرح صدورنا ويسر أمورنا واكفنا ما أهمنا، اللهم يا رب أنزل السكينة على قلوبنا، اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع. اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع، اللهم إنا نعوذ بك من دعوة لا يستجاب لها. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وجهلنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم إنا نسألك أن تلطف بعبادك المسلمين المستضعفين في كل مكان، وأن تهلك الظالمين المجرمين يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تهيئ لهذه الأمة من أمرها رشداً يا رب العالمين، اللهم وهيئ لنا من أمرنا مرفقاً.

لا حول ولا قوة إلا بك ولا قوة إلا بك ولا قوة إلا بك يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، وأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك المصير.