السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله جميعًا، يا أهلاً وسهلاً ومرحبًا. الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، الحمد لله ربنا ذي الجلال والإكرام، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا. اللهم يا ربنا صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
أما بعد؛ فهذه مجالس جديدة ضمن سلسلة أنوار الصحيحين، ونتناول في هذه المجالس كتاب فضائل القرآن. وكتاب فضائل القرآن في كتاب الجمع بين الصحيحين موزع على ثلاثة أقسام: القسم الأول: المتفق عليه، يعني بين البخاري ومسلم، والقسم الثاني: ما انفرد البخاري بروايته، والقسم الثالث: ما انفرد مسلم بروايته، على طريقة الشيخ يحيى اليحيى في الجمع. وبإذن الله تعالى هذه المجالس ستتناول الثلاثة أجزاء، يعني سنأخذ أولاً كتاب فضائل القرآن ضمن المتفق عليه، ثم ضمن مفردات البخاري، ثم ضمن مفردات مسلم، وكله سيكون واضحًا بإذن الله تعالى كما يعني يظهر في الشاشة تُكتب الأحاديث مع الدرس.
كتاب فضائل القرآن: هذا القرآن العزيز الله سبحانه وتعالى أنزله وضمّنه الأحكام والأخبار، وضمّنه العلم به سبحانه وتعالى والعلم بالدار الآخرة، وضمّنه الامتداح له في... أو ضمن آياته، يعني الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن وأنزل امتداح القرآن في القرآن، فالله سبحانه وتعالى عظّم من هذا الكتاب، عظّم شأنه، وبيّن منزلته، وأثنى عليه، وبيّن آثاره. ولذلك من المهم جدًا أن يكون موضوع فضائل القرآن حاضرًا عند المسلم، فلا يكتفي المسلم بقراءة القرآن وتلاوته وتدبر معانيه، وإنما يجب عليه أيضًا أن يعلم فضائله ومنزلته ومكانته.
وقد امتدحه الله سبحانه وتعالى في كتابه كثيرًا، فقال سبحانه وتعالى: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، وقال سبحانه وتعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ، وقال سبحانه وتعالى: ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ، وقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ، وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها امتداح القرآن الكريم.
أما المجالس فهي في الأحاديث النبوية التي بينت مكانة القرآن، أو بينت فضائل بعض سور القرآن، أو بينت بعض الأمور العامة المرتبطة بكتاب الله سبحانه وتعالى، من يعني مثلاً شأن من يتلو القرآن، وما إلى ذلك من المعاني التي يتضمنها هذا الكتاب من ضمن أو من صحيح البخاري وصحيح مسلم.
ننطلق مباشرة في الأحاديث المتعلقة بهذا الكتاب بترتيب الشيخ يحيى في جمعه، فقال حفظه الله سبحانه وتعالى وبارك فيه: كتاب فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة، وذكر حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه، من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه.
هذا الحديث حديث عظيم، وقد بوّب عليه الإمام البخاري في عدة مواضع، فقال: باب فضل سورة البقرة، وباب من لم يرَ بأسًا أن يقول سورة البقرة، وباب في كم يقرأ القرآن؟، فهذه ثلاثة مواضع أخرج البخاري فيها هذا الحديث.
هذا الحديث فيه أمر عظيم؛ الأمر الأول الذي في هذا الحديث: أن الدين على مراتب في الأمر والنهي والخبر، وأن الفقه في الدين تبع لإدراك هذه المراتب، كما بينتُ ذلك في كتاب المنهاج من ميراث النبوة وشروحاته، يعني أن القرآن وإن كان جميعه مهمًا وعظيمًا، إلا أن بعضه أعظم من بعض، وقد فضّل الله سبحانه وتعالى بعض سور القرآن وآياته على بعض، ومن المهم جدًا ومن الفقه في الدين إدراك هذه المراتب للآيات، ومن ثم العناية الخاصة بما عظّمه الله أكثر من غيره من هذه الآيات، وإن كانت العناية يجب أن تشمل جميع القرآن، وجميع القرآن معظّم مجيد.
إذًا أول فائدة هي أن الدين -طبعًا هذا ليس فقط في الأخبار وإنما حتى في الأوامر والنواهي- هناك مراتب للأمر، مراتب للنهي، مراتب للخبر، الفقه في الدين من أهم صوره أن يدرك الإنسان هذه المراتب ويعظّم ما عظّمه الله، فيعطي كل مرتبة قدرها الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى إياه، وكذلك ما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من قدر لهذه الأحكام أو لهذه الآيات، يعني حتى الأوامر عندنا مثلاً الأركان الخمسة هذه لها شأن غير بقية الأوامر، في النواهي عندنا مثلاً السبع الموبقات هذه لها خطورة أشد من غيرها، وهكذا.
إذًا لا بد للمتفقه وللمتعلم، لا بد لمن يطلب هذا العلم الشريف، لا بد لمن يتفقه في الإسلام أن يعطي كل حكم قدره، وأن يعطي كل قضية قدرها، ولا شك أن هذا يتطلب علمًا، يعني ليس الأمر سهلاً، يتطلب علمًا. كما تعلمون النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل أُبي بن كعب عن أعظم آية في كتاب الله فقال له أُبي بعد أن فكّر: اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: والله ليَهْنِك العلم أبا المنذر، يهنئه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العلم الذي أدركه، وهو أنه أدرك أن آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله. طبعًا كيف أدرك ذلك؟ لا بد أنه أدرك ذلك من إدراكه العام لموضوعات القرآن وأفضلية الحديث عن الله سبحانه وتعالى، وقد يكون أيضًا بعض العوامل الأخرى. إذًا النقطة الأولى هي أن ندرك فضائل الآيات وأنها متفاوتة، وأن نعطي كل آية أو سورة حقها وحظها الذي أعطاه الله إياها وأعطاه رسوله صلى الله عليه وسلم إياه.
الفائدة الثانية: أن سورة البقرة لها شأن خاص، وفضل خاص، ولها مكانة عظيمة. وما جاء في سورة البقرة على قسمين، ما جاء في سورة البقرة من تفضيل على قسمين: القسم الأول: هو ما جاء في فضل السورة عامة، يعني في فضل سورة البقرة بشكل عام. والقسم الثاني: ما جاء في آيات خاصة في سورة البقرة، أو آيات معينة في سورة البقرة.
أما القسم الأول فقد جاء في ذلك أكثر من حديث، منها حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فِرقان من طير صوافّ تحاجّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البَطَلَة.
والحديث الآخر حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تَقْدُمُه سورة البقرة وآل عمران.
إذًا هذان حديثان عظيمان في فضل سورة البقرة. والحديث الأول فيه يعني أكثر من فضل لسورة البقرة، أولاً سمى النبي صلى الله عليه وسلم سورة البقرة وسورة آل عمران سماهما بالزهراوين، وذكر أنهما يأتيان يوم القيامة يحاجّان عن أصحابهما، ثم خص سورة البقرة من بين الزهراوين فقال: اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة. هذا الحديث عجيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فيه بالقراءة للقرآن أو لشيء منه ثلاث مرات، وبدأ من الأعم إلى الأخص، فقال في بداية الحديث: اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، ثم خصّ من القرآن الزهراوين فقال في نفس الحديث: اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما فِرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، ثم كرر الأمر بالقراءة مرة ثالثة فقال: اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة.
إذًا هذا فضل عظيم لسورة البقرة، وكذلك حديث النواس، وإن شاء الله سنقف مع الحديثين وقفة أطول من ذلك في حين تأتي مفردات مسلم في كتاب فضائل القرآن، كما أسلفت في البداية سيكون هناك تعليق على كتاب فضائل القرآن في مفردات مسلم كذلك.
القسم الثاني: هو ما جاء من فضل خاص في بعض آيات سورة البقرة، وأهم ما جاء في ذلك هو في فضل آية الكرسي، وفي فضل خواتيم سورة البقرة. أما ما جاء في آية الكرسي فهو عدة أحاديث وفيها فضائل عظيمة، لكن الآن التركيز على الحديث الذي معنا في الشرح، وهو الحديث المتعلق بخواتيم سورة البقرة.
خواتيم سورة البقرة أمرها عظيم وشأنها عجيب، ووردت فيها عدة أحاديث، فمنها هذا الحديث المتفق عليه: من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه، وسيأتي بعد قليل إن شاء الله التعليق على معنى الحديث، على معنى الكفاية وما إلى ذلك، لكن هذا الحديث الأول في فضلها.
الحديث الثاني في صحيح الإمام مسلم، وبالله عليكم تأملوا معي هذا الحديث في صحيح مسلم وانظروا فضل خواتيم سورة البقرة، فضل الآيتين في خواتيمها، والله إن شأنهما عظيم، شأنهما عظيم! عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضًا من فوقه -النقيض صوت يعني- فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فُتح اليوم لم يُفتح قط إلا اليوم، فنزل منه مَلَك فقال: هذا مَلَك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أُعطِيته.
لاحظوا كيف التعظيم الشديد لفاتحة الكتاب ولخواتيم سورة البقرة! كيف أنها يعني فُتح لأجلهما باب من السماء لم يُفتح قبل ذلك، ونزل لأجلهما مَلَك لم ينزل قبل ذلك، وكان المخبر عن ذلك جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك أيها الكرام لا ينبغي لأحد يعني يعظّم كتاب الله ويعظّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يعطي لهاتين الآيتين، يعطيهما شأنًا خاصًا من التعظيم والعناية والاهتمام.
وكذلك مما جاء في غير هذا الحديث: حديث ابن مسعود في صحيح الإمام مسلم أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عُرِج به إلى السماء أُعطي ثلاثًا، ومنها خواتيم سورة البقرة، أو آخر آيتين من سورة البقرة، وهذا في صحيح مسلم.
ومن فضائلهما كذلك ما جاء في حديث عقبة بن عامر في مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أُعطيتهما من كنز تحت العرش، قال ابن كثير: هذا إسناد حسن.
هذه الفضائل عجيبة وعظيمة وشأنها كبير، ولا بد أن يكون للمؤمن، يعني لا بد أن يكون عند المؤمن في نفسه لهاتين الآيتين هذا الشأن العظيم، فبعد هذا التعظيم الذي سمعناه مما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لهاتين الآيتين لا يسع المؤمن إلا أن يجعل لهما الشأن الخاص والشأن العظيم.
حسنًا، ثم بعد ذلك نقف مع معنى الحديث، وهذه النقطة الثالثة، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه، طبعًا في ليلة هنا يعني هذا موضع مستحب لقراءة خواتيم سورة البقرة، وهذا الموضع ينبغي الالتزام به، بمعنى أن خواتيم سورة البقرة يمكن أن تُقرأ في كل وقت، لكن من أولى الأوقات التي ينبغي العناية بها هو ما جاء في هذا الحديث من تخصيصها بالليل، فهذا معنى ذلك أن قراءة خواتيم سورة البقرة في الليل لها فضل عظيم مذكور في هذا الحديث، ما هو هذا الفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: كفتاه.
هذه فيها معنى الكفاية، والعلماء يعني ذكروا كثيرًا من الأقوال في معنى الكفاية، يعني في متعلق الكفاية، يعني كفتاه من أي شيء؟ أو في أي شيء؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم يوضح أن قراءة خواتيم سورة البقرة في ليلة تتحقق بهما الكفاية، الكفاية من ماذا؟ فبعضهم جعلها في باب تعبدي، يعني كأن فيهما إجزاء أو كفاية عن عبادة معينة، ما هي هذه العبادة؟ كثير من العلماء قال: قيام الليل، يعني من قرأهما كفتاه عن قيام الليل، طبعًا هذا ليس تزهيدًا في قيام الليل، ولا أنه يعني الإنسان لا يحتاج إلى قيام الليل، لكن هذا تعظيم لهاتين الآيتين وأن فيهما الكفاية. وبعضهم جعلها في الكفاية من الآفات والشرور، وسواء كانت من الشياطين أو عمومًا يعني هي تكون من أهم أسباب الحفظ كفتاه، فإن الله سبحانه وتعالى يكفي العبد بسبب قراءته لهاتين الآيتين في الليل.
ثم ننتقل إلى النقطة الرابعة، وهي النقطة المهمة كذلك، وهي: لماذا كان لهاتين الآيتين هذا الفضل وهذا الشأن؟ الإنسان يحتاج إلى تأمل كبير في هذا المعنى أو في هذا الباب حتى يصل إلى النتيجة، ولا شك أن هاتين الآيتين تتضمنان أمورًا عظيمة.
أول أمر عظيم متعلق بهاتين الآيتين هو سياق نزولهما، يعني هاتان الآيتان متعلقتان بقصة، وهذه القصة تبرز مكانة هاتين الآيتين وتبرز معنى التسليم فيهما؛ لأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لما نزلت الآية التي قبلهما، يعني قبل هاتين الآيتين: لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الصحابة كانوا يتعاملون مع كل آية بتعظيم واهتمام، فلما نزلت هذه الآية خافوا، خافوا من المحاسبة على ما في النفوس وعلى ما في الصدور، فقالوا: يا رسول الله، أُمرنا بالجهاد وأُمرنا بالصدقة وأطقنا أو تحمّلنا، أما هذه فلا نطيقها! فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا كما قال بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا.
فالصحابة مباشرة طوّعوا أنفسهم وطوّعوا صدورهم وطوّعوا قلوبهم ليستجيبوا لأمر الله سبحانه وتعالى ويسلّموا له ويستسلموا، فقالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فلما اطمأنت قلوبهم واستسلموا وسلّموا وفوّضوا أمرهم لله، نزلت هاتان الآيتان: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فخفف الله عنهم بهذه الآية.
فهاتان الآيتان مرتبطتان بمعنى عظيم وهو معنى التسليم؛ لأن فيهما القصة، متعلق بهما القصة، وفيها قول الله سبحانه وتعالى: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. فهنا التسليم والانقياد أمره عظيم يا جماعة الخير، من يتأمل في سورة البقرة يجد أن معنى التسليم معنى مركزي في السورة، معنى مركزي في السورة، أصلاً هي اسمها سورة البقرة، قصة البقرة المذكورة في سورة البقرة مدارها على معنى التسليم؛ لأن بني إسرائيل لم يسلموا، لم يسلموا وأخذوا يسألون ويسألون ويسألون ويسألون: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ. وكذلك جاء في سورة البقرة قول بني إسرائيل حين قالوا: سمعنا وعصينا: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ.
فإذًا سورة البقرة فيها التأكيد على معنى التسليم، طبعًا من يريد أن يتأمل في السورة سيجد الآيات الكثيرة في ذلك، مثلاً أيضًا يعني قصة إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أبرز من شأنه في سورة البقرة أبرز قضية التسليم: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وفيها تسليم الأنبياء والرسل والمؤمنين، يعني لما ذكر الله سبحانه وتعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
إذًا سورة البقرة من أهم محاورها التسليم، ثم تأتي هاتان الآيتان في خواتيم سورة البقرة لتكونا أهم موضع أو من أهم المواضع في السورة لبيان معنى التسليم ومركزية التسليم وما يتعلق به. إذًا هاتان الآيتان فيهما معنى التسليم والانقياد والاستسلام لله سبحانه وتعالى، ولهما شأن عظيم في ذلك، ولذلك يعني هذا من أسباب تعظيم هاتين الآيتين، ومن أسباب تفضيل هاتين الآيتين، على أن هاتين الآيتين كذلك تتضمنان معنى الإيمان، شمولية الإيمان: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وكذلك فيها كما قلت التسليم والاستسلام، وفيها الدعاء والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، إلى غير ذلك.
ونحن يعني نعرف قيمة الآيات وفضلها في الأساس مما جاء فيها من النص، وكذلك ثم بعد ذلك يعني نحاول أن نتفقه لماذا جاء النص بتفضيل هذه الآيات، سواء هذه الآيات أو غيرها مما جاء فيه التفضيل من سور القرآن.
نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، وصلِّ اللهم ربنا على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد