بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد يا ربنا ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم لك الحمد في الأولى والأخرة، ولك الحكم وإليك المصير، صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد.
نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس التعليق على كتاب فضائل القرآن من كتاب الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى اليحيى حفظه الله وبارك فيه، وهذه المجالس هي ضمن سلسلة أنوار الصحيحين، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.
بدايةً، كما أحب أن أنبه حقيقة في بعض المجالس أن الابتداء بالحمد والثناء على الله في بداية المجالس هي نعمة من الله سبحانه وتعالى ينبغي أن تقدر قدرها، لأن هذا قد يزهد فيه البعض أو لا ينتبه إليه البعض ولا يستحضر فيه هذا المعنى، وكونها ولا يستحضر كونها من أعظم العبادات، نظرا لأنه أمر معتاد اعتياد الناس أن يبدأوا حديثهم في مجالس العلم بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، ولكن الاستحضار في ذلك هو أمر مهم، فهذه عبادة عظيمة ونعمة جليلة.
نقف اليوم عند أو حيث انتهينا أو نبتدئ من حيث انتهينا في المجلس السابق، وها هنا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أسيد بن حضير رضي الله عنه قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس فسكت، فسكت فقرا فجالت الفرس فسكت وسكتت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ ابن حضير، قال: فاشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم.
والحديث التالي وهو يشبه هذا الحديث وهو حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف والى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر، وفي رواية: فجعل الرجل فخرج الرجل فنظر فلم ير شيئا، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: اقرأ فلان، تلك السكينة تنزلت بالقرآن.
هذان الحديثان عظيمان، وهما قصتان مختلفتان ليست واحدة، وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى على القصة الأولى قصة أسيد بقوله: باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن. وأما القصة الأخرى التي رواها البراء رضي الله تعالى عنه فقال: باب علامات النبوة في الإسلام، وقال: باب هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وقال: باب فضل سورة الكهف.
هذان الحديثان فيهما فوائد متعددة، الفائدة الأولى هي في عظيم تأثير القرآن وعظيم بركته، وذلك أن القرآن العظيم إذا تاملنا فيما ورد فيه في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نجد أنه كان عظيم الأثر على من يستمعه، وقد ذكر الله مشاهد تأثير القرآن وذكر لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف متعدده في سيرته معه ومع يعني بحضوره أو بحضور أصحابه فيها ذكر لأثر القرآن على من يستمع إليه، ومن ذلك مثلا ما ذكره الله عن الجن أنهم استمعوا إلى القرآن فقالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، وذكر الله سبحانه وتعالى حالتهم حين ذهبوا إلى قومهم منذرين، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ.
وكذلك ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، ذكر هذا عن أناس من أهل الكتاب صدقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلًا.
وكذلك هذه الاحاديث تبين أثر القرآن على الملائكة وانهم نزلوا يستمعون القرآن، وحتى انه كان يعني كان نزولهم على هيئة تخالف الحالة الحالة المعتادة، الحالة المعتادة أن الناس لا يرون الملائكة، لكن هنا لهذا الارتباط الخاص بالقرآن نزلت الملائكة على هيئة المصابيح، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم.
وكذلك ما ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة النجم يعني سورة النجم حين نزلت وقراها النبي صلى الله عليه وسلم على الناس أجمعين في مكة، أخرج البخاري في صحيحه أن الناس حين سمعوا سورة النجم حتى المشركين منهم سجدوا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ختامها: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا، قال: سجد المشركون والجن والانس، يعني كل من حضر وسمع ذلك المكان سجدوا لسطوة القرآن وهيبه القرآن وجلال القرآن وتأثير القرآن وتعظيم القرآن.
وقد قال الله سبحانه وتعالى في سورة الحشر: لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فهذا أثر القرآن على الجبال وعلى الملائكة وعلى الجن، بل وحتى على المشركين حين زلزلهم القرآن، وأيضا في الصحيح لما كان المشركون يعني يحاربون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم ياتون بالليل يستمعون إلى قراءة أبي بكر الصديق مختفين مستترين ياتون ليستمعوا قراءته، فهذا هذا كله من سطوة القرآن ومن تأثير القرآن ومن عظمة القرآن ومن جلال القرآن، فنسال الله سبحانه وتعالى أن يجعل قلوبنا قلوبا تتاثر بالقرآن وتمتلئ بالقرآن وتهتدي بالقرآن يا رب العالمين.
الفائدة الثانية في علاقة المؤمنين بالملائكة، وهذه العلاقة مهمة جدا ومن الضروري استحضارها، الانسان هنا في هذه الحياة في هذه الأرض لا يعيش وحده، البشر لا يعيشون وحدهم، قد خلق الله سبحانه وتعالى في هذه الأرض مخلوقات أخرى لا نراها، وهذه المخلوقات التي لا نراها نحن نؤمن بها لان الله تحدث عنها وذكر كثيرا من أحوالهم ومنهم الشياطين ومنهم الملائكة.
وهذه الملائكة تنزل تنزل من السماء لأعمال معينة أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون متعلقة بالناس الذين يعيشون في هذه الأرض، وأهم أعمال الملائكة إحصاء الأعمال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وكذلك من أعمالهم الحفظ ومن أعمالهم قبض الارواح: حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ، ثُمَّ رُدِّدُوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ، وغير ذلك من الأعمال، وهذه حقيقة مهم أن يستحضرها الانسان.
ومن جملة العلاقة علاقة الملائكة الخاصة بالمؤمنين من جهة حضور مجالسهم، مجالس الذكر ومجالس تدارس القرآن، وكذلك حضورهم في المساجد فهم يحضرون ويتعاقبون فينا: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، وكذلك يحضرون مجالس الذكر، وكذلك يستمعون للقرآن وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذه علاقة عظيمة ومهمه، ومنها أيضا أن المؤمن إذا صلى وجلس في مصلاه بعد الصلاة فان الملائكة تستغفر له وتقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وإلى غير ذلك من الأدوار، وقد ذكرت يعني شيئا كثيرا من التفصيل في ذلك في سلسلة الحقيبة الشرعية في ماده العقيدة، هناك درس كامل مخصص لهذا المعنى ولهذه القضية التي من المهم استحضارها ومن المهم استذكارها، فان لها أثرا في النفوس عظيما، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل هذه النصوص.
والفائدة الثالثة هي أن الملائكة يمكن أن يراهم غير الأنبياء، وذلك على هذه الصور والهيئات التي ذكرت في الأحاديث مما ثبت أن غير النبي صلى الله عليه وسلم راهم عليها، يعني بمثل هيئة المصابيح والظلة التي هي السحابة يعني التي فيها المصابيح، أو بمثل هيئة يعني التمثل بصورة أناس أو رجال كما ثبت أن في الصحيح القصة المشهورة لما جاء جبريل الى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أصحابه وتمثل بصورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه الصحابه وكان ذلك جبريل، وراه الصحابه لكن لم يروه على هيئته، وكذلك ورد في بعض الأحاديث أيضا لما كان يتمثل في صورة دحية الكلبي، فهذا دليل على ذلك.
الفائدة الرابعة هي في أن القراء قراء القرآن يتفاوتون فيما بينهم في فضل قراءتهم ومكانة قراءتهم عند الله سبحانه وتعالى، فأسيد بن حضير قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه: تلك الملائكة دنت لصوتك، وكان هناك يعني في قراءة أسيد بن حضير كان فيها يعني معنى خاصا من الخشوع ومن حسن الصوت ومن حسن التلاوة ومن حضور القلب ومن الصدق أو ما شاء الله سبحانه وتعالى من المعاني التي يعني نزول الملائكة في تلك القصة لا شك أنه للقرآن، ولكن لقارئ القرآن أيضا دور في مثل ذلك النزول، فهذا يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: تلك الملائكة دنت لصوتك.
وأسيد بن حضير من خيار أصحاب رسول الله ومن أفاضلهم ومن يعني المقدمين فيهم ومن الصالحين من خيار الصالحين، وسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه كان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حصلت له كرامة أخرى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لما التقى به وكان في الليل فلما انصرف من عند النبي صلى الله عليه وسلم وذهب إلى بيته كان في يعني أكرمه الله بنور كان في صوته ينير له الطريق، وذلك كرامة لاسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه، وايضا من كان معه وهو عباد بن بشر رضي الله تعالى عنه.
إذا القارئ للقرآن له أثر يضاف على أثر القرآن، لأن كتاب الله سبحانه وتعالى يقراه المؤمن والمنافق ويقراه المخلص وغير المخلص ويقراه من يتكثر به ومن هو صادق في قراءته، وحتى من هو صادق في قراءته يتفاوت يتفاوت المؤمنون والصادقون في مقدار علمهم بالله سبحانه وتعالى وعلمهم بمعاني الكتاب وفي مقدار خشوعهم، وهذا كله له تأثير على ما ينتج من أثر لكتاب الله سبحانه وتعالى لمن يستمع مثل هذه التلاوات.
إذا هذه فائده أخرى، والفائدة التالية هي في فضل سورة البقرة وسورة الكهف، وذلك أن أسيداً رضي الله تعالى عنه كان يقرأ سورة البقرة، وأما الصحابي الآخر الذي ذكر قصته البراء رضي الله تعالى عنه فكان يقرأ سورة الكهف.
وقد أخرج أبو عبيد القاسم سلام رحمه الله تعالى، وأبو عبيد القاسم بن سلام امام عظيم من الأئمة له كتاب خاص في فضائل القرآن ينبغي العناية به، أخرج في هذا الكتاب أثرا يدل على يعني فضل سورة البقرة في هذا المعنى فقال: حدثنا عباد بن عباد عن جرير بن حازم عن عمه جرير بن يزيد أن أشياخ اهل المدينة حدثوه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: ألم ترى ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح؟ قال: فلعله قرأ بسورة البقرة، قال: فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة، قرأت سورة البقرة.
وهذا الحديث يعني كما قال ابن كثير إسناد جيد الا أن فيه أبها با ثم هو مرسل، يعني يقبل في مثل هذه يستانس به في مثل هذه المعاني، فهذا فضل أيضا ثالث، الآن احنا قلنا قبل قليل أن قارئ القرآن إذا قرأ بصدق وكان صوته حسنا وبإخلاص وبعلم بمعاني كتاب الله أن هذا يزيد من أثر القرآن، أيضا يمكن أن يضاف أنه أيضا سورة عن سورة من سور القرآن قد يكون لها مزيد من الأثر، كما ثبت أن سور القرآن متفاوته الفضل كما مر معنا في الأحاديث السابقة.
وطبعا من الفوائد كذلك التي يؤخذ تؤخذ من هذا الحديث فضل أسيد بن حير رضي الله تعالى عنه أنا ذكرت فضله لكن أيضا هذا الحديث يدل على فضله، يعني هذا الحديث هو يعني إضافة جديدة يستدل بها على فضل بن حضير رضي الله تعالى عنه.
وأيضا من الفوائد يعني أن المصلي إذا راعى الظروف الطارئة حوله أن هذا لا يخل بالخشوع، لأنه لما حصلت هذه الحركة من الفرس أسيد بن حضير يعني تنبه لأنها قد تضر بابنه وأن هذه الحركة تؤثر وكذا، ف يعني انصرف من الصلاه وكان هذا يعني حتى لا يقع هذا الضرر على ابنه يحيى.
فمراعاة مثل هذه الأمور وتنبه المصلي لمثل هذه المعاني هذا لا يخل بأصل خشوعه طالما أنه في أساس صلاته هو خاشع ومتدبر ومتفكر، لكنه قد تطرا بعض الأمور في الصلاة فيراعيها، مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم قال في صلا قال في حديثه الصحيح: إني أدخل في الصلاة وأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف في الصلاة لما أعلم من وجد أمه من بكائه.
فمراعاة أحوال المامومين الطارئة أثناء الصلاة هذا لا يخل بالاخلاص ولا يخل بالخشوع.
والخلاصه من هذا كله أن هذا أن هذين الحديثين من الاحاديث العظيمة التي تبين أثر القرآن وتبين قيمة الصوت الحسن والقلب الخاشع الحاضر، وايضا تبين علاقة المؤمن بالملائكة وتبين أن الملائكة يمكن
أن يراهم المؤمن من على غير صورتهم الأصلية، وكذلك فيها فضل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك فيها بعض فضائل سور معينة من سور القرآن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل القرآن، وأن يغفر لنا ويرحمنا، ونسأله أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد.
الشيخ أحمد السيد