تسجيل الدخول

أنوار الصحيحين | كتاب الإيمان 12 | شرح الجمع بين الصحيحين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضاه. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار الصحيحين، أسأل الله العون والتوفيق والبركة والتمام على خير. لا زلنا في كتاب الإيمان، والحديث اليوم حديث أنس: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. قبل ذلك بوب البخاري على هذا الحديث، طبعا الشيخ اليحيى ذكر هذا الحديث وذكر حديث عمر اللي هو "الآن يا عمر"، وذكر أبواب البخاري على كل ذلك، فقال كما العادة نقرأ أولا أبواب التبويبات البخاري، قال: باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، واختار الشيخ يحيى هذا الباب أو هذا التبويب على الحديث.

ثم قال كذلك البخاري: باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي رضي الله عنه. وأيضا قال: باب المصافحة، وقال ابن مسعود: علمني النبي صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه، وقال كعب بن مالك رضي الله عنه: دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني. وأيضا قال: باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم، فقال سعد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وقال أبو قتادة: قال أبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم: لَا، إذا قال والله وبالله وتالله.

طبعا تبويبات البخاري لو لاحظتم يعني أغلبها ليست كصميم في الموضوع الأساسي للحديث، وإنما ذكر المصافحة وذكر كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم. طبعا المقصود اليمين هنا ليس اليد اليمين، القسم يعني؛ لماذا؟ لأنه في الحديث، حديث عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فلأجل هذه "والذي نفسي بيده" قال البخاري: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك. طيب، إذا هذا تبويبات البخاري، بعد ذلك نقف مع الحديثين.

الحديث الأول عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ.

هذا حديث في ذكر شيء من خصال الإيمان التي لا يتم الإيمان إلا بها، ومن يتأمل في الأحاديث النبوية يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما يتعلق بالإيمان من أعمال، ذكرها على طريقتين: الطريقة الأولى أن يقول صلى الله عليه وسلم هذا العمل من الإيمان، والطريقة الثانية أن يقول: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى... جيد أو بنحو هذا اللفظ. يعني تارة يثبت كون العمل من الإيمان باللفظ المباشر مثل ايش؟ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ، وتارة بأن ينفى الإيمان عمن لم يعمل هذا العمل فيعلم أن هذا العمل من الإيمان، جيد، ولذلك ايش بوب البخاري: باب حبك رسوله صلى الله عليه وسلم.

أيهما في الجملة عموما أيهما من حيث الأسلوب أكد، أن يقال هذا الفعل من الإيمان أو أن يقال لا يؤمن أحدكم حتى كذا؟ الثانية. طيب إحنا الحين في الأساليب حتى نتفقه في أساليب النبي صلى الله عليه وسلم وأساليب العربية. طيب، الآن إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا من الإيمان أو لا يؤمن أحدكم حتى كذا، فمن حيث الأسلوب الثاني أكد. طيب في الأول اللي فيه الإثبات هل هناك تفاضل فيما فيه الإثبات في الأسلوب كذلك؟ أيوه نقول، جيد، نعم هناك تفاضل، أما أن يكون التفاضل بالنص على أن هذا أفضل من هذا، يعني الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، هنا نص واضح على أن لا إله إلا الله أفضل شعب الإيمان. طيب، هل هناك أسلوب آخر في الإثبات أكد من غيره في إثبات كون هذا العمل من الإيمان؟ القسم.

طيب، من الأساليب المستعملة سواء تأتي في لفظ الإيمان أو في لفظ الإسلام أن يؤتى بالعمل باعتباره تعريفا للإيمان، هذا دليل على تأكيده، مثلا: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، هنا هذا اللفظ أكد من أن يقال هذا الفعل فعل من الإيمان، واضحة الفكرة؟ طبعا هذا الآن كما قلت في الجملة يعني باعتبار اللفظ والأسلوب، لكن قد يأتي في عمل معين قيل فيه بالأسلوب العادي غير المؤكد تأتي فيه نصوص أخرى تؤكدها، هذا شيء آخر واضح، لكن نحن نتكلم الآن على اللفظ المباشر. إذا ما يتعلق بالإيمان، الإيمان لفظ عظيم وكبير والنصوص المرتبطة به كثيرة جدا جدا جدا، هناك قدر من النصوص في فضل الإيمان، وهناك قدر من النصوص في شعب الإيمان، هناك قدر من النصوص في نفي الإيمان عمن لم يفعل كذا وهكذا، فالمتعلقات المرتبطة باسم الإيمان ووصف الإيمان كثيرة وكبيرة ومهمة.

من أهم ما ينبغي الوقوف عنده إن كان ليس موضوع الحديث اليوم، لعله لا أدري أنا ربما هو مر عن الحديث، ربما وقفت مع هؤلاء ما أتذكر، اللي هو ما يتعلق بفضل الإيمان، ليس للكافر، وإنما للمؤمن، أن يدرك المؤمن فضل إيمانه، وأن يحتسب فضل إيمانه، وأن يعد من أعظم قرباته إلى الله الإيمان، أن يعد إيمانه من أعظم قرباته عند الله أو أعظم قرباته عند الله، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيل الله، أو الإيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور، في أكثر من حديث إيمان بالله ورسوله والجهاد، وفي إيمان الإيمان بالله ورسوله أفضل، أين الإيمان؟ لما نفى الله عن الأعراب إيمانهم وأثبت لهم إسلامهم قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا، هذا في شدة الإيمان والتصوير، طيب إذا هذا تعليل على ايش؟ على أسلوب لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى.

والفائدة المستقاة الآن خلاصة ما هي؟ أن هذا العمل الذي أتى بعد النفي هو من أهم خصال الإيمان فينبغي العناية به، ما هو لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. نلاحظ أيضا بالأسلوب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل من الإيمان مجرد محبته، الحديث ليس بلفظ لا يؤمن أحدكم حتى يحبني، إنما لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ، وهذا معناه أن المطلوب من المؤمن ليس مجرد محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما تجريد قلبه من أن يحب أحدا من البشر كحب النبي صلى الله عليه وسلم، يجب أن يكون حبه للنبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.

وهنا ندخل إلى هذا العمل في النقطة الثالثة، عمل المحبة، المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، محبة النبي صلى الله عليه وسلم عمل عظيم وعمل شريف وعمل متصل اتصالا مباشرا بحلاوة الإيمان، يعني هو تكليف من جهة، وهو من جهة أخرى من أهم ما يقود إلى الشعور الحقيقي بحلاوة الإيمان، وهذا معروف بالواقع، وقبل ذلك بالشرع من قوله صلى الله عليه وسلم: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، ايش؟ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فهذه محبة هي طريق إلى حلاوة الإيمان.

محبة النبي صلى الله عليه وسلم جعلها الله في قلوب المؤمنين به دون أن يتكلفوها، مع كون الأمر فيه تكليف، لكن الأصل أنه لا يوجد مؤمن إلا وهو يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن قد يقع الإنسان في إشكالية أولوية المحبة أو إشكالية الشعور بالمحبة، وإلا فأس المحبة لا يتصور إنسان مؤمن لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم، هذا يعني كأنه افتراض يعني محال في الواقع فضلا عن كونه يعني خلل في تدين الإنسان، أو مناقضا لباب من أعظم أبواب الدين.

فلكن أساس المحبة هذه موجودة في قلوب المؤمنين، التكليف الآن الذي ينبغي أن يسعى الإنسان لتحقيقه، وأن يفاضل أو أن يقدم هذه المحبة على غيرها، أن يشعر بها ويتنفس هذه المحبة ويعمل بمقتضاها، وهذا التكليف الثالث. التكليف الثالث أن يعمل بمقتضى هذه الأفضلية في المحبة، والشعور بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم. إحنا قلنا أول شيء التكليف بأيش؟ أن تكون هي الأولوية، هذه اللي فيها قصة عمر اللي بعد قليل، أنه والله إني لأحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي، قال لا يا عمر، قال إني أحبك أكثر من نفسي، قال يا عمر.

إذا أول شيء التكليف بأن تكون هذه المحبة أعلى من كل المحبة من الناس والبشر. الثانية الشعور بهذه المحبة، يعني إحنا قد يحتاج بحث نسميها تكليفا، لكن هي قد تكون نتيجة أصلا أكثر من كونها تكليفا، هي الشعور بهذه المحبة، هي حين يقوم الإنسان حقا بتقديم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على محبة الناس أجمعين، يشعر بهذه المحبة، إذا شعر شعر بهذه المحبة، هنا يعيش الإنسان في حديقة أو جنة من الشعور بحلاوة الإيمان، نتكلمنا عنها بعد قليل.

التكليف الثالث هو العمل بمقتضى هذه المحبة، وهذا أظهر شيء في التكليف بعد الأول، يعني إذا نحن اقتصرنا التكليف نقول ربما في هاتين الدائرتين، التكليف بأن تكون هذه المحبة مقدمة على غيرها، والتكليف بالعمل بمقتضى هذه المحبة، لأن هذا الأمر محل إشكال وانحراف في تاريخ المسلمين، اللي هو الشعور بالمحبة والقيام، تكون قائمة في القلب ولكن دون العمل بمقتضاها، ومن هنا ينبغي أن يقال أن هناك معايير لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم، كلما ظهرت في شخص فهي دليل على كون أحب لرسول الله من محبة غيره.

ولا شك ولا ريب أن من أظهر علامات هذه المحبة بلا شك الاتباع، لا شك الاتباع، والاتباع على درجات والاتباع فيه مقامات والاتباع يتطلب فقها، لكن لا يتصور من جهة المحبة الحقيقية أن يكون المحب مبتدعا، لا، لا ينبغي، لا يتسق، يعني كيف تكون محبا ثم تكون مبتدعا، يعني كيف تكون محبا ثم تخترع شيئا لم يأت به النبي صلى الله عليه وسلم، كيف تكون محبا وأنت يعني كأنك تقول أي ما تقول بلسان مقالك طبعا أنه فعلت النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول كذا على شيء، وإنما تفعل وتخترع أشياء، يعني تحبه، الزم طريق أبي بكر، طريق الصديقية، وطريق عنوانه: الزم غرزه فإنه على الحق، فهذا أمر مهم جدا، وإلا فالمزايدات في محبة النبي صلى الله عليه وسلم حين تكون بالشعارات وبالأناشيد وبالكذا وما إلى ذلك، فهذا حقيقة ليس هو المعيار، وليس هو الميدان الذي يظهر فيه الصادق.

من أظهر الميادين التي يظهر فيها صدق المحبة ميدان الجهاد في سبيل الله، لأنه النبي صلى الله عليه وسلم الله سبحانه وتعالى لما ذكر الجهاد وذكر المحبة، صح ذكرها في آية الجهاد والمحبة صح، سورة التوبة، لما ذكر المحبة ذكر الرسول، كذلك الآية هي قوله سبحانه وتعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وهذه الآية جاءت في سياق أصلا الولاء والبراء والجهاد.

فمن أظهر الميادين التي تبين أو تظهر فيها المحبة هي ميدان الدفاع عن الإسلام، التضحية في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله، الصبر في ذات الله على ما يصيب الإنسان في إقامته لدين الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالميدان الحقيقي هو ميدان العمل، خاصة العمل الذي فيه التضحية، خاصة العمل الذي فيه إقامة دين الله، إقامة منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا ميدان تثبت فيه المحبة. أما أن يجعل بعض الناس كما حصل في تاريخ الكثير من مراحل كثيرة من تاريخ المسلمين، أن يجعل مدار المحبة على قدر ما تنشد وقدر ما تضرب بالدف وقدر ما تتغنى في أناشيد المدائح، وأنه هذا هو المعيار، وأنه إذا شخص ما فعل هذا فمعناه أنه لا يحب الرسول صلى الله عليه وسلم، من الذي جعل هذا المعيار؟ من هو؟ هل هو حبيبنا وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل هذا المعيار بحيث نتبعه في ذلك؟ هل من الذي جعل هذا المعيار حتى تكون المزايدة هنا؟ ليش ما تكون المزايدة في الموت في سبيل الله دفاعا عما بلغه رسول الله؟ ليش ما يكون الميدان الاختبار والحقيقي هو في إحياء منهاج المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي الصبر على ذلك؟ ليش ما يكون الميدان الحقيقي وفي تقديم ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهواء النفوس ورغباتها وهكذا؟ وفي نفس الوقت كثرة الصلاة عليه هي من أظهر علامات المحبة وغير ذلك من الوسائل، فهذا الأمر التكليف المرتبط بالعمل بمقتضيات هذه المحبة أمر مهم. طيب، مما يزيد في العمل بمقتضيات المحبة...

لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يكون الإنسان في زمن يكثر فيه الطعن على سنته وسيرته وما إلى ذلك، فهنا يكون هناك ميدان لإثبات المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، بالدفاع عنه وعن سنته وعن سيرته وعن شخصه صلى الله عليه وسلم. اليوم تعرفوا مثلا التشكيك في السنة النبوية، في حجية السنة، الطعن في بعض الأحاديث، الدفاع عن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم هو حب له.

إيش الدليل؟ الدليل أنه هو حرص أن يبلغها، حرص أن يبلغها لهذه الأمة. أن يأتي شخص يطعن في، ما بالك أنه طعن في أساسها، في أساس النقل، في أساس النقلة، لا هنا مشكلة، هنا مصيبة، لازم يكون في ميدان. طيب ماذا لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون منهاجه هو المنتشر، وهو السائد، وهو المهيمن، ثم يكون منهاج غيره هو السائد والمهيمن؟ إذاً السعي لتمكين منهاج النبوة هو كذلك من علامات المحبة له صلى الله عليه وسلم.

طيب، ثم قال وفي حديث عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر: يا رسول الله، فأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، والذي نفسي بيدي، حتى أكون أحب إليك من نفسي، فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر.

هذه قصة كما بوب البخاري عليها باب مناقب عمر، قصة من قصص عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه القصة فيها صدق عمر وصراحة عمر، وكما نعبر اليوم شفافية نفسه، يعني فهو قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يسير معه في مسير، فتحفه المحبة وتحفه الرحمة، وهو آخذ بيد عمر، هذا الشاهد، يعني آخذ بيد عمر ولذلك البخاري بوب إيش؟ باب المصافحة، وعلمني، ثم ذكر كلام ابن مسعود: علمني النبي صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه. هنا: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر. طيب احنا قبل ما نسترسل في الموضوع الأساسي، خلينا نقف عند أخذ بيد عمر هذه.

أخذ بيد عمر ممكن نضع لها عنوان استقرائي في السنة النبوية، وهو أنه كيف النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع الصحابة فيما فيه مصافحة، أو فيما فيه تماس، لأن هذا في أحاديث كثيرة، منها حديث ابن عباس في البخاري: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره، ثم قال: اللهم علمه الكتاب. ومنها حديث عمر هذا: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر، فقال إلى آخر الحديث. ومنها حديث مر معنا آخر شيء في خير القرون، حذيفة كان الرجل إذا أتى النبي صلى الله عليه وسلم مسح مسحة أو مسح عليه ودعا له، فحذيفة كان جنباً فابتعد عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن المسلم لا ينجس.

في حديث حذيفة، وغير ذلك، وغير ذلك، فمثلاً حتى فضرب في صدر أبي وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر، وهكذا يعني في أحاديث كثيرة في هذا الباب، يعني باب يُستقرأ في السنة النبوية في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، ومن هذا: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه، ما أجملها كفي بين كفي النبي صلى الله عليه وسلم! وتخيلوا جالس أمام النبي صلى الله عليه وسلم واضع يده هكذا، والنبي صلى الله عليه وسلم يحيط كفي ابن مسعود بكفيه ويقول له: قل التحيات لله، التحيات لله والصلوات والطيبة، السلام عليك أيها النبي، وهكذا تعلم التشهد، وأيضاً يقول: كما يعلمني السورة من القرآن، يعني هذا التلقين كذلك، فهذا يعني بعض.

على أية حال، كان عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الحال الذي تحف السكينة والمحبة، فقال عمر من عنده مبادراً: لا، أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، ويقولها بعفوية وبصدق ويعني صراحة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم معلماً ومرشداً: لا، والذي نفسي بيدي، حتى أكون أحب إليك من نفسك. إنه هذا الآن ما له دخل، لا، ما هي حقوق شخصية، ما لها دخل، هذا الآن إيمان، ومن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه الإيمان، أنه حتى وإن كانت هذه القضية متعلقة بشخص النبي صلى الله عليه وسلم في ظاهرها، إلا أنها في الحقيقة مرتبطة بالإيمان، ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يبينها لعمر، فقال له: لا، والذي نفسي بيدي حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر، الآن يا عمر، نعم الآن هكذا في هذا التقديم تكون قد أصبت، تكون قد حققت ما ينبغي أن تحققه من المحبة، فصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، ثم رضي الله تعالى عنه.

نختم بالحديث الأخير، قال فيه البخاري: باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. هذا الحديث كما مر معنا قبل قليل يؤكد، يعني من المؤكدات على صفات الإيمان، وخصال الإيمان، أن تأتي بصيغة النفي: لا يؤمن أحدكم حتى، وهنا لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. هذا تأكيد على أهمية خصلة حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، إذاً هذه من خصال الإيمان.

ابن رجب رحمه الله قال: لما نفى الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، دل على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته، فإن الإيمان لا يُنفى إلا بانتفاء بعض واجباته، فجعل ابن رجب هذه قاعدة في تفسير الأحاديث التي فيها "لا يؤمن أحدكم"، أنه ما ينفع بعد "لا يؤمن" إلا ما هو من واجبات الإيمان، إذا لم يحقق، إذاً يُنفى الإيمان عنه إذا لم يحقق. فإذاً هذا من واجبات الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك. إذاً هذا ليس من باب تمام المحبة وتمام الأخوة المستحبة فقط، لا، وإنما هو من تمام الإيمان الواجب، من تمام الإيمان الواجب.

وهذا يعني أتى النص ضمن نصوص أخرى كثيرة، يؤكد فيها النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى، على معنى الأخوة، وعلى معنى المحبة، وعلى معنى اجتماع الكلمة، وعلى معنى التألف بين المؤمنين، وعلى معنى كل ما يصب في هذا الباب. النصوص فيه كثيرة جداً جداً، وبمجموع هذه النصوص تدرك أن هذه القضية قضية مركزية في دين الله سبحانه وتعالى، قضية من الأسس الكبرى، وأيضاً من محبة النبي صلى الله عليه وسلم السعي لتحقيق هذه القضية، خاصة إذا وجدنا في زمن تكون التفرقة من شعاراته ومشكلاته الكبرى، فهنا كل ما من شأنه التقريب بين المؤمنين هو مما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم، مما دعا إليه، مما أكد في كتاب الله.

لو نلاحظ: حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. طبعاً هنا التكليف مرتبط بالمحبة القلبية، صح؟ يعني ليس التكليف مرتبطاً بأن تسعى وجوباً في أن تعطي أخاك أو أن يكسب أخوك ما كسبته أو ما أخذته، وإن كان هذا مما ينبغي، لكن التكليف الأساسي في المحبة. طيب لما يكون التكليف الأساسي في المحبة تحب لأخيك ما تحب لنفسك، إيش اللي يتعارض مع هذا التكليف؟ هو الشيء المرتبط بالصدر أيضاً وبالقلب. أيوه، وبالتالي تأملوا معي ماذا قال ابن رجب، قال: وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه إذا سَلِمَ من الحسد والغل والغش والحقد، وذلك واجب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا.

إذاً، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، هذا التكليف متوجه إلى المعاني القلبية وما في النفوس، وبالتالي مدار تحقيق هذا النص على أبعاد؛ أولاً خطوة أولى على إبعاد العوائق التي تعيق الإنسان عن أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. يعني أحياناً، أحياناً الإنسان، شوف، متى يكون يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه؟ إذا تسنّم على القمة، قمة الخير والطهر والنقاء والصلاح، إذا كان في القاع، فحتى يصل إلى أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، كأنه يحمل على صدره جبلاً. هو شعور، بس هو شعور. يعني تخيل أنت الآن لم تكلف بأن تحقق لأخيك ما حققته لنفسك، لم تكلف من حيث الوجود، صح؟ نعم. إذاً لم تكن تلك النصرة واجبة، يعني الآن فأنت الآن لا تكلف، يعني مثلاً أنت حصلت علماً، لا تكلف تكليفاً على أن تنقل هذا العلم لأخيك حتى يكون كمثلك، صح ولا لا؟ من حيث الوجوب ما تكلف بهذا. طيب أنت تكلف إيش؟ أن تحب أن أخاك أن يحصل ما تحب نفسك، تخيل هذا الآن تكليف الشعور ومع ذلك هو صعب جداً جداً جداً، وهو شعور، يعني هو شيء في النفس، يعني ما أنت، يعني الآن إذا أحببت لأخيك ما تحب لنفسك، أنت ما تخسر ما كسبته، صح ولا لا؟ فهو شعور، تكليف بشيء شعوري قلبي، ومع ذلك يصعب على الكثير جداً أن يحبوا فقط محبة لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم، وكأن خزائن السماوات والأرض بيد هذا الإنسان، يخاف أنه إذا أعطى ينفد العطاء، بينما فضل الله واسع ترى، يسعك ويسع غيرك.

فإذا تميزت بشيء، ولنقل مثلاً بما أننا بسياق طلب العلم والدعوة والإصلاح، وهذا فضل دين، وهو أشرف من الفضل الدنيوي، فإذا تميزت في شيء، فهم معين، ذكاء في فهم النصوص، حفظ، قدرة على البيان، ثغر معين أنت قائم عليه، فلا تكره لأخيك أن يكون في مقامك، بل أحب له، ولذلك أيضاً ابن رجب رحمه الله ذكر قول ابن عباس قال: إني لأمر بالآية من القرآن فأفهمها، فأود لو أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم. إيش يخسر الواحد؟ يعني ما الذي يخسره؟ طبعاً هو طبيعي يكون صعب، إحنا جالسين نتكلم عن بتجريد عقلي الآن، يعني عقلياً ليش، ما في مشكلة، بس هي ما هي مجرد شيء عقلي، هي نفوس، هكذا قدر الله وابتلى النفوس البشرية بأن يجعل فيها ما يجعل، يعني واحد يحب التميز، يحب أنه هو يكون لحاله، يحب أنه يكون اللي عنده ما عند غيره، هذا شيء مجعول في النفوس سبحان الله. جعل الله التكليف ليس فقط في أن تؤدي أعمال الجوارح، جعل الله التكليف حتى في هذه النفوس المرتبطة بالتعامل فيما بين الناس.

أخذ أفضل مني درجة، الحمد لله، أنا أخذت أفضل منه، الحمد لله، يا ريت إخواني زيي. يعني هي نرجع مرة أخرى نقول هي من حيث لو جربت بالعقل وبالتفكير تقول إيش المشكلة؟ ما في مشكلة، لكن لما تلامس النفس تبدأ تدخل النفس وليس العقل، والنفس لها تدخل ولها حظوظ ولها هواء، بل ولها سلطان، النفس لها سلطان، ليس مجرد رغبات، فهي سبحان الله رحلة في العمر في ترويض النفس. إذا استطاع الإنسان يروض نفسه خلاص، تصير هي كأنها الفرس وهو الفارس، يوجهها يمين يوجهها يسار ويمشي. إذا ما روض الإنسان نفسه يصير هو الفرس وأي الفارس؟ بل يصبح هو البعير وهي القائد الذي يمشي أمامه ويمسك بخطامها، ماخذها يمين وماخذها شمال، يتحكم فيها. فهذه هي النفس.

سبحان الله، أنت إيش في شيء في الدنيا يحتاج إلى تهذيب أسهل من تهذيب النفس؟ إيش في شيء يحتاج إلى ترتيب أسهل من ترتيب النفس؟ إيش في شيء يحتاج إلى علاج أسهل من علاج النفس؟ كل شيء أسهل، النفس رحلة العلاج معها طويلة جداً طويلة، وقصة طويلة جداً، فتحتاج إلى تهذيب، ومع طيب ليش إحنا نسعى لتهذيب النفوس؟ هل لمجرد أن نكون أفضل؟ جيد أن نكون أفضل، لكن ليس لهذا فقط، وإنما لأن هناك تكليفاً واجباً، لأن هناك تكليفاً واجباً لا يتم إلا بتهذيب النفس، ومنه هذا الحديث. متى يمكن أن تطبق هذا الحديث؟ حتى تحب لأخيك ما تحب لنفسك، هو ليس شيئاً يحدث فجأة، إنما يحتاج إلى قدر من التهذيب على الاستجابة والامتثال لمثل هذا النص.

نكتفي بهذا القدر ونسأل الله التوفيق، ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تنكر علينا، واهدنا يا ربنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، واجعلنا لك ذاكرين، لك شاكرين، لك راهبين طائعين مخبتين، وتقبل توبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، وسلل سخيمة قلوبنا. اللهم أنزل السكينة على قلوبنا، اللهم أنزل السكينة على قلوبنا، اللهم أنزل السكينة على قلوبنا، وارحمنا برحمتك وأنت أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك أن تفرج عن المأسورين من المسلمين في كل مكان، نسألك أن تفك أسرى المأسورين في سبيلك في غزة وفي سائر بلاد فلسطين وفي كل مكان، نسألك اللهم أن ترحم أهل غزة.

وأن تؤويهم في هذا الشتاء من المطر والبرد والريح يا رب العالمين، وأن تعفو عنا وتعافينا.

اللهم انتقم من المجرمين الظالمين، اللهم انتقم من المجرمين الظالمين، اللهم انتقم من المجرمين الظالمين. لا حول ولا قوة إلا بك، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك.