تسجيل الدخول

أنوار الصحيحين | كتاب الإيمان 13 | شرح الجمع بين الصحيحين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضاه. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم إنا نسألك أن تؤتي عبدك ورسولك محمدا الوسيلة، وأن تبعثه المقام المحمود الذي وعدته، وأن تحيينا على سنته، وتميتنا عليها، وأن تجمعنا به في جنة الفردوس يا رب العالمين.

هذا مجلس جديد من مجالس أنوار الصحيحين، نسأل الله السداد والتوفيق، وهو في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع من كن فيه كان منافقا، وفي رواية خالصا، أو كانت فيه خصلة من أربع، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وفي رواية: إذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.

وفي حديث أبي هريرة: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. ولمسلم في حديث أبي هريرة: من علامات المنافق ثلاث، وأيضا في رواية أخرى: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. طيب، هذا الحديث أو هذان الحديثان -حديث ابن عمر في الصفات الأربعة للمنافقين وحديث أبي هريرة في الصفات الثلاث- الكلام عليهم وجوه.

الوجه الأول: في تبويبات الإمام البخاري رحمه الله، بوب عليه تبويبات، طبعا على مجموع الحديثين؛ لأن من طريقة الشيخ يحيى في الكتاب أنه إذا أتى بحديثين يسرد تبويبات البخاري بدون أن يميز هذا للأول أو الثاني بما أن الحديثين بنفس الموضوع.

فقال: باب علامة المنافق، وهذا الذي اختاره الشيخ يحيى كتبويب، وأيضا باب إذا خاصم فجر، وأيضا بعض من أمر بإنجاز الوعد وفعله الحسن، وذكر إسماعيل أنه كان صادق الوعد، وقضى ابن الأشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب، وقال المسور بن مخرمة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وذكر صهرا له فقال: وعدني فوفى لي. قال أبو عبد الله: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع.

وأيضا أخرجه البخاري في باب قول الله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}، وأيضا أخرجه البخاري -طبعا في هذا الباب البخاري ذكر معلقات كثيرة في موضوع الوصية وإنفاذها للمريض وما إلى ذلك- وأيضا أخرج الحديث البخاري في باب إثم من عاهد ثم غدر، وقول الله: {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ}، وأيضا أخرجه البخاري في باب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، وما ينهى عن الكذب. إذا، يعني البخاري كل مرة ينظر فيه إلى خصلة من الخصال ويبوب عليه بحسبها أو بحسب المتعلقات الأخرى.

لكن الفوائد التي يمكن أن تستخلص من الحديث كثيره، منها عناية النبي صلى الله عليه وسلم ببيان صفات المنافقين والمجرمين، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يربي أصحابه على الخير ومعالمه، كان يربي أصحابه على الحذر من الشر وصفاته، والجمع بين الأمرين هو من أهم عناوين التربية؛ أنه يكون هناك بناء لصفات الخير والتحذير من صفات الشر، لذلك لا يصلح أن يكون البناء فقط أو معيار الحق فقط، مثلا بعض ما يسمى اليوم القيم الإيجابية أو القيم الصالحة أو الأخلاق الحسنة أو الصفات المشتركة الحسنة بين الناس، الأخلاق اللي هي تكون في البناء، هذه بغض النظر الآن عن تمحيصها في ذاتها؛ لأن بعض صفات الخير قد يشترك فيها أهل الخير وأهل الشر، لكن أيضا يجب تمييز صفات أهل الشر؛ بحيث أن المطلوب من المسلم أن يجمع بين تحقيق صفات أهل الخير واجتناب صفات أهل الشر.

هذه قضية مهمة، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان كما يبين الحق، يبين ما هو الباطل وما علاماته وما علامات أهله حتى يجتنب. وكما أنه الآن مثلا في أمور الحياة، الأب يعلم ابنه يقول له افعل كذا ولا تفعل كذا، هذا صح هذا غلط، بعض الناس اليوم يريد أن يحذف كلمة "هذا غلط" إذا جاء الأمر للدين، مع كل شيء في الحياة غير الدين كثير من الناس يقبل فيه أنه يكون في قانون، مثلا يقول هذا جائز وهذا غير جائز ولا كذا، لكن إذا جاء الأمر للدين يقول لك الصفات الإيجابية والقيم الحسنة، لا، هناك صفات مكروهة أو محرمة أو مشدد عليها يجب اجتنابها، وهذا موجود طبعا في القرآن كثيرا جدا. فمثلا ممكن واحد يقول لك والله التسامح صفة حسنة، نعم صفة حسنة، طيب وأيش أيضا، يقول لك الرحمة صفة حسنة ممتاز، والعدل صفة حسنة ممتاز، طيب وبعدين تلقاه موالي للكفار عن المسلمين، بسحب من صفات المنافقين، جيد، مثلا تلقاه يكره شيئا مما أنزل الله، وهكذا، فيعني حتى على المستوى الأخلاقي وجد أخلاق مذمومة، ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهكذا. فإذا القضية أن هذا من الفوائد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه ويبين لهم علامات الشر وأهل الشر، أهل النفاق، أهل الكفر، حتى تجتنب، وهذا من بيان سبيل المجرمين الذي هو مؤسس في كتاب الله سبحانه وتعالى.

الأمر الثاني: بالنسبة للنفاق، اصطلح كثير من العلماء على تقسيم النفاق إلى قسمين: نفاق اعتقادي ونفاق عملي، أو نفاق أكبر ونفاق أصغر، وطبعا التقسيمان بينهما أيضا فروق، ولا شك أن أساس التفريق بين خصال النفاق صحيح، بمعنى أنه فعلا ليس كل عمل من أعمال المنافقين يكون في رتبة جميع الأعمال التي وصف بها المنافقون؛ فإن من أعمال النفاق ما لا يخرج صاحبه من الإسلام بلا شك، ومن أعمال النفاق ما يخرج صاحبه من الإسلام. وهل عموما التفصيل فيها وتحرير ما يدخل في النفاق الاعتقادي وهل كل ما كان اعتقاديا يخرج من الإسلام أو لا، مقامه آخر، لكن الشاهد أنه خصال المنافقين على درجات متفاوته، ليس كل من كانت فيه خصلة من النفاق فهو منافق نفاقا خالصا، وليس خارجا من الملة، بينما هناك بعض الصفات أحيانا صفة واحدة من صفات المنافقين تخرج، خاصة إذا كانت الصفة الأظهر بطبيعة أفعالها، لأن النفاق إذا كان النفاق في درجته العليا فهو أساسا فيه إبطان الكفر، وبالتالي هذا لا خلاف ولا شك في كون صاحبه كافرا، لكن أيضا بعض صفات المنافقين الأخرى تأثيرها على الاعتقاد خطير وتأثيرها على إخراج الإنسان من الإسلام خطير كذلك، وهو باب مثلا من العلامات هذه، غير استبطان الكفر وإظهار الإسلام، مثل ما كان من باب الولاء للكفار، هذا الباب باب خطير وهو من صفات المنافقين، طبعا أيضا هذا باب على درجات، ليس كل من كان فيه ولاء للكفار فهو كفر أكبر مخرج، وإنما هو على درجات، أعلى أو أخطر هذه الدرجات على إيمان الإنسان هو مظاهرة أولئك الكفار على المسلمين.

فهذه المظاهرة إذا حصلت -مظاهرة يعني إعانة مباشرة لهم على حرب المسلمين- فهذه نقلت فيها بعض إجماعات العلماء في كونها كفرا أكبر مخرج، وهناك بعض المباحثات الشرعية في قضية أنه هل يشترط أن يكون هذا الولاء لأجل دينهم أو يكفي أن يكون دنيويا؟ أو عفوا حتى لو كان دنيويا، فأيضا يكفر الإنسان أو لا؟ وحقيقة استبعاد الحكم بكفر الشخص إذا لم يظاهر الكفار المسلمين لأجل دينهم، هذا الاستبعاد فيه نظر كبير جدا، خاصة أن بعض صور المظاهرة لا يقبل معها أو لا تجتمع هي والإسلام، لا تجتمع هي والإيمان، وبالتالي كونها نفاقا أكبر مخرجا من الملة، هذا يعد قولا قويا جدا، خاصة بعض صور المظاهرة.

هم مثلا ايش يقولون؟ يقول لك والله مثلا حاطب بن أبي بلتعة عمل شيئا من المظاهرة ولكنه لم يكفر، المشكلة أنهم يجعلون هذا عنوانا لكل صور المظاهرة، يعني هي الآن صورة واحدة اللي فعلها حاطب مرة واحدة في عمره لفعل واحد معين، وبالمناسبة فعله متأولا، فهو ليس فقط فعله لأجل مصلحة دنيوية وليس مصلحة دين، لا، أيضا فعله متأولا، بدليل الرواية في مسند الإمام أحمد أنه قال حاطب لما فعل ذلك: "قد علمت أن الله ناصر رسوله"، بمعنى أنه هو متأول أن فعله لن يضر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأصلا حاطب لن يفعل شيئا يضر، حتى لو كان هذا الفعل الذي فعله من الكبائر، لأنه حاطب ممن فدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فهو لن يفعل شيئا يؤدي إلى هلكة المسلمين أبدا، هذا أصلا لا يتصور منه، لكن غلبته عاطفته فيما يتعلق بأهله في مكة فخاف عليهم، ففعل تلك الفعلة متأولا، ومع ذلك نزل فيها ما نزل. فكل ذلك التغليط لا يستوي هذا وشخص يسخر جيوشه وعمره في المظاهرة التامة للكفار ضد المسلمين في أنواع المعارك وأنواع صورها على المستوى العسكري والمستوى المالي والمستوى الفكري والمستوى كذا، بعدين يقول لك حاطب بن أبي بلتعة لم يكفر، هذا جمع بين المفترقات وقياس مع الفارق لا يجمعه جامع أصلا، فلذلك مجرد القول أو مجرد الاستدلال بحديث حاطب على إخراج كل صور المظاهرة من الكفر، واستخراج المعيار من حديث حاطب أنه هو لأجل الموالاة الدنيوية وليس لأجل الموالاة الدينية وانتهى هذا الأمر، في نظر كبير جدا وفي إشكال كبير جدا.

وأصلا المسألة تؤخذ من مجموع النصوص، حديث حاطب ليس هو أصل المسألة، حديث حاطب هو حادثة معينة وقعت في المسألة، فهذه الحادثة تعتبر وينظر سياقها وينظر مجموع ما فيها وتقاس على بقية النصوص، فالنصوص القرآنية كثيرة في هذا الباب: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، {وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ}، {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} إلى آخره من الآيات في القرآن وفي السنة، وهذا الموضوع له ارتباط بالنفاق بشكل واضح. ايش الدليل؟ آيات سورة النساء: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}، إذا هذه الآيات ربطت هذه الصفة، صفة الولاء للكفار، ربطتها بالنفاق، هذه من صفات المنافقين، إذا هذا مهم جدا الوعي بصفات المنافقين.

وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم هذه التنبيهات، ذكرت هنا أن صفات المنافقين متفاوتة، فمثلا شخص يكذب، غير شخص يوالي الكفار ويظاهرهم على المسلمين، هذه من صفات المنافقين وتلك من صفات المنافقين لكن على درجات متفاوتة، الأولى مظاهرة الكفار على المسلمين قد يخرج الإنسان فيها من الملة، بينما إذا حدث كذب لا يخرج فيها الإنسان من الملة، وهكذا تفاوت صفات النفاق.

أيضا الحديث يدل على أنه تؤثر أو يؤثر اجتماع صفات النفاق في الشخص، ولو لم تكن الصفة بذاتها مخرجة من الملة أو من النفاق الأكبر، لكن يؤثر اجتماع صفات النفاق في الشخص الواحد، فيزداد إمكان أو معيار وصفه بالنفاق بقدر هذا التراكم. واضح؟ يعني مثلا هنا: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، أو كانت فيه خصلة من أربع، كانت فيه خصلة من النفاق"، طيب إذا فيه اثنتان أكثر من واحدة، إذا فيه ثلاث أكثر من اثنتين، إذا الأربع كان منافقا خالصا، فهذا يؤثر، يعني قد يكون في الشخص خصلة واحدة من خصال المنافقين، فهذا لا يقال فيه منافق، وإنما يقال فيه خصلة من خصال النفاق، اتق الله، هكذا.

ثم بعد ذلك نأتي لهذه الخصال في النقطة التالية، اللي هي خصال ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، مجموع الحديثين ذكر خمسة، في الحديث الأول: إذا حدث كذب، إذا وعد أخلف، إذا عاهد غدر، إذا خاصم فجر، حديث أبي هريرة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، هذه مذكورة في الحديث السابق، وزاد عليه: إذا اؤتمن خان، فهي إذا خمس صفات مذكورة في هذين الحديثين. نحن نلاحظ هنا أن هذه الخصال هي خصال مرتبطة بالسلوك كذلك، يعني الكذب في الحديث مرتبط بقضية اللسان، وإخلاف الوعد والغدر والفجور في الخصومة وخيانة الأمانة كلها تصنيفها سلوكي، مرتبطة بالسلوك بالأخلاق بالتعامل. وهذا من الأشياء التي يستدل بها على أن الأبواب السلوكية في الدين لها تأثيرات عقدية، لها ارتباطات عقدية وليست مجرد كماليات، طيب أحيانا ممكن صدق الحديث يقول لك والله ممكن شيء حسن أنه يكون صادق الحديث أو يكون أمين، كان صفات كمال فقط، فهي ليست مجرد صفات كمال، هي صفات كمال من جهة ومن جهة أخرى هي مرتبطة بالعقيدة، والنقص فيها يؤثر على الإيمان ويؤثر على القلب، وقد يوصف من يرتكب هذه الصفات المذكورة في الحديث بأنه قد يوصف بالنفاق، ومن لا يلتزم بالاعمال.

المناقضة لها في حالة خطأ، يعني إذا القضية، عفواً قلت يعني من يقع في هذه الأفعال المذكورة في الحديث يكون حاله من الجهة العقدية ومن الجهة الإيمانية خطيراً جداً، وبالتالي من لا يترك الكذب، من لا يترك في الوعد، من لا يترك الغدر، من لا يترك الفجور في الخصومة، من لا يترك الخيانة، فهذا منافق. إذاً الارتباط بين السلوك والعقيدة مهم، طبعاً مما يدل على ذلك عكس هذا الحديث، يعني هذا الحديث في بيان صفات المنافقين، في أحاديث في صفات أهل الإيمان وتذكر أمور سلوكية، فهنا هذا يؤكد المعنى، المعنى ليس فقط مثلاً مذكور أن فيها ثواباً معيناً، وإنما مذكور أنها من صفات أهل الإيمان، مثلاً المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، هذا عكسه هنا في الحديث: إذا اؤتمن خَان. هناك المؤمن من أمنه الناس، إذاً الأمانة هي صفة من صميم صفات الإيمان. ليش قلنا من صميم صفات الإيمان؟ أنه جاءت كأنها تعريف للإيمان في الحديث كصياغة لفظية بلاغية، المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، إذاً تعلم أن هذا الائتمان هو أساس أو خصلة أساسية في خصال الإيمان، فلذلك ذكرت بهذه الصياغة التي تدل كأنها تعريف للإيمان، ومثلها المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، هذا أيضاً أمر مرتبط بالأخلاق وبالناحية السلوكية كذلك، فالباب عظيم وخطير وليس كما يتصور البعض، وبالمناسبة يعني بعض من يربطون الأمور العقدية بمجرد بعض المباحث العقدية النظرية، ويبالغون في القضية ويستهينون فيما جاء في الشريعة من الأمور الأخلاقية والسلوكية المربوطة بالاعتقاد، سبحان الله قد يؤثر هذا على سلوكهم هم، ليش؟ لأنه هو يرى ويقرر أنه ما دام أن عقيدته في الأسماء والصفات سليمة فالأمور ماشية، فقد يتهاون أصلاً في أمور كثيرة، بينما هذه الأمور التي قد تهاون فيها هي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم من صفات المنافقين، صفات المنافقين يعني دخلنا في العقيدة، فلذلك هذه التجزئة تجزئة خطيرة جداً جداً، يعني والله المستعان.

أيضاً من النقاط التي يمكن أن تذكر أن طبيعة أو صياغة ألفاظ الحديث كأنها والله أعلم تدل على التكرار وليس على الوقوع النادر؛ لأنه قال: إذا حدث كذب، إذا وعد أخلف، إذا عاهد غدر، إذا خاصم فجر. جيد، يعني هل من كذب مرة واحدة يصح أن يقال فيه إنه إذا حدث كذب؟ لا، واضح إذا كثرة فعل شيء من الخصال المذكورة تؤثر في مقدار وصفه أو في مقدار تضمنه لخصلة من خصال النفاق، إذا حدث كذا معناه هذا فيه تكرار، فهمت الفكرة؟ مثلاً عن شخص تقول إذا مشى يهز الأرض، مو معناه أنه مرة واحدة لا دائماً هذا الرجل، مثلاً إذا تكلم أسمع، معناه أنه دائماً في خطبه في كلامه هو هذا، وليس مرة، هكذا إذا حدث كذا هو يتكرر هذا، إذا وعد أخلف وهكذا، ولذلك هذا أيضاً يفسر القضية كون هذا نفاقاً بمعنى أنه قد يزل الإنسان، قد يغره طمع، قد، لكن أن يستمر هكذا هذا لا يكون إلا من منافق، لا يكون إلا منافقاً، وبالتالي من عُهد عنه مثل هذه الأمور فهذا لا شك ولا ريب أن لديه خللاً في قلبه مرتبطاً بالإيمان، وليست القضية مجرد طمع دنيوي أبداً، وعموماً حتى الطمع الدنيوي هو له ارتباط بالقلب يعني، لكن ليس مجرد، لا يمكن أنه يكون الإيمان مستقراً استقراراً حقيقياً في قلبه ثم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر، لا يمكن، هذا منافق، فهذه مصيبة كبيرة هي يعني وأمر عظيم كما نبهت للفائدة التي قبلها في موضوع ارتباطها بالعقيدة.

أيضاً يعني احنا قلنا التكرار يؤثر، أيضاً حتى طبيعة الفعل نفسه مثلاً إذا وعد أخلف، ينبه العلماء مثلاً بعض التنبيهات مثلاً يقول لك ابن حجر مثلاً ذكرها وذكرها الغزالي رحمه الله مثلاً وذكرها في الفتح وذكرها الغزالي، اللي هو: أنه لا يكون الإنسان مخلفاً للوعد إلا إذا عزم أو حتى قارن إبرامه للوعد نيته في الإخلاف، أي إذا قارن إبرامه للوعد نيته في الإخلاف، أنه قد يبدو للإنسان بعد الوعد يطرأ أمر لم يكن في الحسبان مثلاً أو شيء يضطره إلى تقديم أو إلى تأخير أو إلى إلغاء، هنا لا ينطبق عليه مثل هذا الحديث، لكن يقال لا ينبغي للمؤمن أن يتهاون في هذا الوعد ولو كان طرأ عليه ما طرأ، بمعنى أنه لا أقل من أن يعتذر، لا أقل من أن يعتذر، يقول والله ما استطعت أن آتي، ما استطعت أن أقضي هذه القضية، أنا وعدتك لكذا، وعدتك أن أنجز لك شيئاً، أعتذر والله مثلاً طرأ لي مرض، طرأ لي تعب، طرأت لي أشغال عارضة، كنت أظن أنني أستطيع، لكن متى تكون خصلة من النفاق؟ وهو أول شيء تكرر، الشيء الثاني هو يعد وهو يعلم أنه سيخلف، يعلم أنه سيخلف، مثلاً خلاص إن شاء الله سأساوي لك الموضوع كذا إلى آخره وهو عارف أنه ما راح يسوي، مجرد إخلاف، طبعاً هذا غير لما يكون التعليق للمشيئة وهو ما يدري سيفعل أو لن يفعل وإنما يتركها بتياسيره، فهذا التعليق بالمشيئة يخرج الإنسان من أمور من الحرج، مثلاً قال: ستأتي، فقلت لك إن شاء الله، طيب أنت إيش نيتك لما قلت إن شاء الله؟ نيتي أنه والله تحت المشيئة ما أدري بالتيسير، جيد فهذا تخرج الإنسان أيضاً من الحرج حتى بالحلف كما تعلمون، أنه الحلف إذا قُرن بالمشيئة يسقط قضية الحنث والكفارة، مثلاً قال: والله الذي لا إله إلا هو لن أفعل كذا إن شاء الله، هنا مجرد ذكر إن شاء الله هذه تسقط عن الإنسان الحنث والكفارة.

طيب، إذاً هذه كلها تنبيهات في هذه القضية، كل واحد من هذه الخصال تستحق الوقوف، الكذب في الحديث، خلاف الوعد، الغدر بالعهد، الفجور في الخصومة، خيانة الأمانة، وكل واحدة منها موضوع بذاته وكل واحد من هذه الخصال فيه ما فيه من النصوص الشرعية، ودائماً هذه الخصال النصوص الشرعية فيها على قسمين: قسم يؤكد أهميتها وفضلها، وقسم يؤكد أهمية عكس هذا الفعل، وقسم يحذر من هذا الفعل بعينه، بمعنى إذا حدث كذب عكس الكذب الصدق، فستجد نصوصاً كثيرة في الصدق وأيضاً نصوصاً بالتحذير من الكذب، وهكذا في الوعد ستجد نصوصاً في امتداح إتمام الوعد ونصوصاً في التحذير من إخلاف الوعد، وهكذا في الوفاء بالعهد، وهكذا في التحذير من الغدر، وهكذا في التأكيد على العدل في الخصومة وعدم الفجور، وهكذا في التأكيد على التحذير من الفجور في الخصومة، وهكذا في التأكيد على الأمانة، وهكذا في التحذير من الخيانة، فمن مجموع هذه النصوص ستجد عشرات إن لم يكن مئات النصوص الشرعية في هذه الخصال الخمس، في هذه الخصال الخمس فقط قد تجد مئات النصوص في القرآن والسنة، إما آمرة لما يضاد هذه الخصال الخمس أو ناهية عن هذه الخصال الخمس، إما ذاكرة لفضل من فضائل ما يضاد هذه الخمس أو ذاكرة لوعيد أو ما يحذر من هذه الخصال الخمس، فمجموع هذا الباب في الشريعة عظيم يعني، إذا جمعنا كل ما يتعلق بالصدق في الشريعة ويحذر من الكذب وكل ما يتعلق بالوفاء بالوعد والأمانة والوفاء بالعهد وعدم الفجور في الخصومة، وبعكس ذلك ما يحدد عكسه، نجد الشيء الكثير جداً، عشرات أو مئات النصوص في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على مركزية هذا الباب في الدين وعلى أهمية هذه الخصال وأهمية هذا الخلال من جهة ما يضاد هذه المذكورات في حديث النفاق وخطورة ارتكاب هذه الأفعال التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم.

إذاً الخلاصة أنه هذا باب مرتبط بالعقيدة، وهو باب متفاوت الأفعال التي يمكن أن تنسب إلى النفاق مما جاء في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه هذه الأشياء المذكورة في الحديث أو الخصال المذكورة في الحديث هي إنما يصدق على الإنسان أن يكون فيه خصلة من النفاق إذا كانت متكررة، ومن جهة أخرى اجتماع خصال النفاق يؤثر في الحكم على الشخص أو في مدى نفاقه بينما تفرق هذه الخصال يعني تعد خصلة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله العافية ونعوذ بالله من النفاق، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.