الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. يا ربنا لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. يا ربنا صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار الصحيحين، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. هذه المرة مع حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: آمن بعيسى ثم آمن به، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، وفي رواية: ويؤدي إلى سيده الذي له عليه من الحق والنصيحة والطاعة، ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران. ثم قال عامر: أعطيناكها بغير شيء، قد كان يركب فيما دونها إلى المدينة.
هذا الحديث بوب عليه الإمام البخاري عدة أبواب؛ فمن ذلك قوله: باب تعليم الرجل أمته وأهله، وقال: باب فضل من أدب جاريته وعلمها، وقال: باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده، وقال: باب كراهية التطاول على الرقيق، وقوله: عبدي أو أمتي. وقال الله تعالى: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ، وقال: عَبْدًا مَّمْلُوكًا، وألف يا سيدها لدى الباب، وقال: مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم، واذكرني عند ربك عند سيدك، ومن سيدكم. ليش البخاري يقول كل هذه الجمل المتتالية؟ ليبين جواز قول أمة فلان أو عبد فلان من ناحية الرق. طيب، ثم قال بعد ذلك: باب فضل من أسلم من أهل الكتابين، ثم قال: باب قول الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا. ليش ذكر مريم؟ لأجل عيسى عليه السلام، وثم بدأ يفسر الآيات التي جاءت في مريم استطرادا كعادته؛ فقال: ايش الآية كانت؟ واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها، بدأ يفسر هذه الآية التي بعدها، الكلمات الغريبة: نَبَذْنَاهُ، وألقيناه، اعتزلت، شَرْقِيًّا مما يلي الشرق، فَأَجَاءَهَا، أفعلت من جئت، ويقال: ألجأها اضطرها، تَسَاقَطْ تسقط، قَصِيًّا قاصية، فِرْيَةً عَظِيمًا. قال ابن عباس: نَسِيًّا لم أكن شيئا، هكذا مكتوبة بالكسر، وقال غيره: النسي الحقير. وقال أبو وأئل: علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت: إِن كُنتِ تَقِيًّا، علمت مريم أن التقي ذو نهية، يعني ينتهي إذا نبه وإذا ذكر بالله. وقال وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء: سَرِيًّا نهر صغير بالسريانية. ثم قال: هذا كله الآن باب واحد، ثم قال بعد ذلك: باب اتخاذ السراري ومن أعتق جاريته ثم تزوجها، هذه كلها الآن ايش؟ تبويبات البخاري، ايش اختار الشيخ يحيى منها؟ اختار باب فضل من أسلم من أهل الكتابين وعنونه بها هذا. ويعني كما ذكرنا سابقا الإمام البخاري، تبويبات الإمام البخاري يعني يجب العناية بها، يجب العناية بها بمجموع يعني الحديث الواحد، تنظر فيه كل الأبواب التي بوب بها أو بوبها عليه، فهي مهم جدا.
طيب، هذا الحديث فيه فوائد متعددة وكثيرة؛ منها أولا أن هناك أبوابا في الدين وهناك مجالات ليؤتى الإنسان أجره مرتين. يعني الله سبحانه وتعالى جعل من مجالات الثواب أو من سياقات الثواب مضاعفة الأجور. يعني هناك من يأتي يوم القيامة وقد عمل أعمالا لم يؤت على قدرها فحسب، وإنما أوتي على قدرها ثم على ضعف هذا القدر، ثم على أضعاف كثيرة، وهذا نوع من الثواب أو من الربح الذي يجب على المؤمن أن يسعى لتحقيقه. يجب أقصد من جهة الحرص، بمعنى التاجر في الحياة الدنيا إذا وجد فرصا فيها عوائد استثمارية هائلة وكبيرة وفيها مضاعفات وفيها كذا، يحرص عليها حرصا شديدا. الله سبحانه وتعالى سمى بذل الروح والنفس والحياة التي يعيشها الإنسان لله وفي سبيله مقابل الجنة سماها تجارة: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؟ فالشاهد أن الله سبحانه وتعالى جعل من أصناف الثواب الثواب الذي يؤتى فيه العامل أجره مرتين. وهل أجره مرتين تعني ضعف الثواب؟ أو المقصود أنه يعني الله أعلم قد يكون مثلا كأنه عمل العمل مرتين، كأنه أي قسطين من الثواب، الله أعلم لكن قد لا يكون مجرد مضاعفة، لأن المضاعفة ايش؟ يعني في سائر الأعمال إذا أحسن العبد إسلامه يؤتى الأجر مضاعفا، لكن هنا يؤتى أجره مرتين، هذا شيء عجيب. ولو نلاحظ أنه كل الأعمال الثلاثة المذكورة في هذا الحديث كلها فيها أمران، كل عمل فيه أمرين، فصار إيتاء الأجر مرتين متناسب مع كون كل عمل منها فيه أمران؛ الأول: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. الثاني: عبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه. الثالث: رجل كانت عنده أمة فعلمها فأحسن تعليمها، أو فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها، يرحمك الله، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران.
طيب إذا هذه أعمال ثلاثة فيها أجور مضاعفة أو أجور متعددة يؤتى الإنسان فيها أجره مرتين. لو نلاحظ أن بعض هذه الأعمال فيها نقص، فيها نقص أقصد فيها بعض الغضاضة أو النقص على فاعلها يعني من جهة صفته المرتبطة بالعمل لا بالعمل نفسه، فمن هذه الأعمال عمل عبد مملوك، ومن هذه الأعمال أكثر شيء يظهر في العبد المملوك أنه هو عبد مملوك ولكن جعلت له فرصة أخذ الأجر مرتين، فهذه من رحمة الله سبحانه وتعالى. طيب، هل هناك أعمال أخرى ورد فيها إيتاء الأجر مرتين ولكن مرتين القرآن؟ أحسنت، في سورة القصص، ما هو سياق الآيات؟ ايش سياق الآيات في سورة القصص؟ تشترك بموضوع من وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ، لاحظ، نفس، أيوه ذكر هنا أهل الكتاب إذا هذا يعني يتفق مع الحالة الأولى، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.
فالحمد لله الكريم، وهذه الفائدة الثانية وهي كرم الله سبحانه وتعالى وجوده وإحسانه، وأن عالم الثواب هذا عالم عظيم وعجيب، يعني سبحان الله الإنسان يعمل في هذه الدنيا ولا يدرك حقيقة الثواب العظيم الذي يمكن أن يحصله من عند رب العالمين، الثواب لا يخطر على البال، والثواب هذا عوالم واسعة، يعني هناك منازل في الجنة بصور مختلفة ودرجات متفاوتة، الإنسان إذا أكرمه الله بأن يدخل الجنة سيفاجأ بطبيعة الثواب المعد للمؤمنين، فأجناس من الثواب وهذا يبدأ من، ترى ليس من الجنة، هذا يبدأ من الموت، يعني من الموت هناك أجناس معينة في الثواب يثاب عليها المؤمن، ثم بعد ذلك في البعث. ولذلك مثلا عند الموت في الشهداء؛ الشهداء لهم طريق كرامة خاص يبدأ من عند الموت، وهو السير في عالم البرزخ عند العرش، أرواحهم في قناديل معلقة تسرح من الجنة حيث جاءت. إذا جاء البعث، هناك أحوال من الثواب، هناك مثلا سبعة أصناف يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهناك من يأتي بدمائه، اللون لون الدم والريح ريح مسك، وهناك وهناك أصناف وأنواع وألوان من الثواب. الأمر العجيب، هناك من يكون ثوابه الأمن يوم القيامة: وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ، وهكذا، ثم يأتي دخول الجنة، ودخول الجنة هذا أيضا فيه أجناس ودرجات متفاوتة من الثواب، الدخول ليس الجنة يعني ليس ثواب في الجنة نفسه، أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين بعدهم أو على أثرهم على أشد كوكب دري إضاءة، وهكذا دفعات، كل دفعة لها ثواب لها درجة لها منزلة لها قيمة. ثم بعد ذلك في الجنة، والجنة عاد لا تسأل، أنواع وأصناف، يعني هناك أناس في الجنة يرون من فوقهم كما نرى الكوكب الدري الغابر في الأفق، يعني هم في الجنة هناك أشياء مضيئة في السماء هذه غرف ومنازل لمؤمنين، يعني تخيل الذين في أرض من أراضي الجنة يرون تلك، ما يدرون ايش فيها، يعني في عالم آخر من الثواب في الجنة نفسها. إذا كان المجاهدين فقط، إذا كان المجاهدون فقط أعد الله لهم 100 درجة ما بين كل درجة وأخرى كما بين السماء والأرض، نعم، هذه بس فقط للمجاهدين، معناه أنه في مجاهدين في الـ 100 درجة هذه، في مجاهدين في الدرجة رقم واحد، في مجاهدين في الدرجة رقم 100، هم كلهم مجاهدون، يعني كلهم مجاهدون. الآن هذا التفاضل بين المجاهدين، طيب ما الفرق بين الدرجة رقم واحد وبين الدرجة رقم 100؟ الله أعلم، ايش طيب يعني ايش جنس النعيم الذي يمكن يتفاوت كل هذا التفاوت؟ فهمتوا الفكرة؟ لو قيل لك أنت الآن أعد جوائز ودرجات معينة كذا، يعني ايش الشيء التغيير الكبير الذي ممكن تغيره بين واحد و100؟ طيب إذا كان إذا كان الذي يدخل رقم واحد يظن أنه حاز كل شيء، تعرف أنت مثلا إذا تعطي ثواب في الدنيا جوائز ولا شيء، فلنفترض العشر الأوائل، يعني الذي يأخذ العاشر يدرك أن جائزته، يعني الله يمشي حالك، أو حتى لو كانت ثمينة بس يدرك أنه في جوائز أعلى. الدرجات في الجنة الذي يدخل درجة يظن أنه هو حاز كل شيء، نعم هو يرى أنه في أفق بس هو ما ناقصه ولا شيء أبدا، نعم. طيب إذا كان 100 درجة فقط للمجاهدين، فقط للمجاهدين، وبين كل درجة وأخرى كما بين السماء والأرض، يعني ما هذا! ثم بعد ذلك يعني حدث عن المنازل الأخرى، طيب الصديقين؟ ها الصديقون، وهؤلاء الصديقون قد تكون منازلهم قد تكون أعلى من الشهداء، الله أعلم، لأنه وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ، لكن الدليل الذي قد يفهم منه التفاوت أو على الأقل أنها، فَأُولَٰئِكَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ، نقدم الصديقين بعد بعد النبيين، نعم ممكن. وأيضا وإن كان ليس فيه تفاوت واضح لكنه قد يكون فيه تفضيل، لكنه قد يكون يفهم منه ذلك، الذي هو الحديث الذي فيه أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الوضوء، قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغه أحد غيرهم، فقال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، ومن المعلوم أن كل من يدخل الجنة فهو آمن بالله، صدق المرسلين، لا يدخل أحد الجنة لم يؤمن بالله ولا يدخل أحد الجنة لم يصدق المرسلين. طب لماذا فضل النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الغرف بهذه الصفة التي هي صفة مشتركة بين أهل الجنة؟ واضح، ما أبرز لهم صفة أخرى؟ صح، قال: بلى، الذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، فما الذي فضل به إذا كان كل من في الجنة آمن بالله وصدق المرسلين؟ وتعرف الصحابة لما سمعوا هذا فهموا أنه هذا يعني أعلى تفضيل أو من أعلى لأنه قالوا تلك منازل الأنبياء، أها، أي فهذا التفضيل، يعني إذا كان أبرزت صفة الإيمان والتصديق ومع ذلك أنهم حازوا منها الدرجة العليا، يعني هؤلاء أعلى من آمن بالله وصدق المرسلين بعد الأنبياء، يعني أعلى من آمن وصدق بعد الأنبياء، والتصديق عام ومن أهمه هنا المذكور هنا تصديق المرسلين، فهنا قد يكون المعنى أن هذه منازل الصديقين، نقول قد الله أعلم، لكن قد يفهم من هذا الحديث باختصار أن هذه منازل الصديقين لأنه أبرز فيهم صفة الإيمان والتصديق، فهذه كلها فائدة من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم لهم أجران، كلمة لهم أجران أنه ترى هناك أجناس في الثواب وهناك درجات في الثواب لا تخطر على البال أو فيها بينها تفاوت وبينها مسافات. ومن هنا فإن هموم السلوك سلوك الطريق ينبغي أن تكون متصاعده؛ فيكون الهم الأول هو سلوك أساس الطريق، الاستقامة إلى الله سبحانه وتعالى، ثم يكون الهم بعد ذلك الثبات على الطريق، ثم يكون الهم بعد ذلك حيازة أعلى درجات الثواب الطريق، يعني شوفوا يا جماعة في إنسان، في إنسان إذا سلك الطريق خلاص بإذن الله لا يخاف عليه الانتكاس، آمن إيمانا عميقا ودائما يتوب إلى الله ويستغفر ويجد هذا، وفي غيره يدخل الطريق يا ربي يثبت ولا ما يثبت، يثبت ولا ما يثبت، يصير جهاده في الحياة هو في الثبات، لا، في إنسان في هناك مؤمنون جهادهم ليس في الثبات، خلاص هم مو، خلاص أنهم استغنوا، هم يخافون يعني، بس جهادهم الحقيقي اليومي في الحياة والشهري والسنوي ليس في أساس الثبات، هم ثابتون ما في نقاش، لا، ربما الشيطان أصلا لا يفكر معهم في قضية الانتكاس أصلا، وإنما جهادهم الحقيقي في حيازة الدرجات العليا، ومن المعلوم أنه من ليس صحيحا أن.
يحنافس الإنسان على الدرجات العليا وقدمه لا تزال غير ثابتة، لذلك الاستقامة هي الثبات. فالمنافسة على الدرجات العليا، طيب، المنافسة على الدرجات العليا كيف تكون؟ المنافسة على الدرجات العليا من أهم أسباب يعني مقدمتها الأولى هي العلم. ما هو العلم؟ العلم بموجبات الدرجات العليا، العلم بما يوصل العبد إلى الدرجات العليا. هذا علم، يعني هذا بيان من الله ورسوله، يعني ليس اجتهاداً من الإنسان يجتهد، يقرر أنه هذا الأمر فيه الدرجات العليا.
هناك أناس ترى اجتهدوا وظنوا أن اجتهادهم يوصلهم إلى الدرجات العليا، فقدوا شرط العلم، لم يفقدوا شرط الإخلاص ولم يفقدوا شرط الهمة ولا العزيمة ولا المجاهدة ولا الصبر، لكنهم فقدوا شرط العلم. يعني مثلاً هناك أناس ألزموا أنفسهم بتشديد معين في العبادة وتشديد معين في الكذا، وليس هذا هو أفضل ما تحاز به الدرجات العليا. أصوم فلا أفطر وغيرها يعني حتى لا فضلاً عمن يسلك طريقاً مبتدعاً فيه تشديد على النفس لسلوك الدرجات العليا، فإذاً سلوك الدرجات العليا لا يأتي بالاجتهاد المجرد، يأتي بالعلم أولاً، يعني أن يكون على نور، هذا أول شيء حز العلم الأولي فيما هو الذي يفضل به العبد، يأتي بعد ذلك على طول مباشرةً القلب، صدق القلب في طلب هذه المنزلة.
نعم، بالنسبة للعلم يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. فهذا العلم كما قلنا الأولى، الثاني القلب، والقلب هو فعلاً ميدان للتفاضل بين العاملين. يعني أولاً هو القلب ليس لمجرد عقد العزيمة ولا لمجرد الإخلاص، وإنما لإدراك أن من أعظم ما يتم به التفاوت أصلاً في الدرجات العليا هو ما يقر في القلوب أثناء العبادة. واضح، يعني مثلاً الآن إذا كان مئة درجة بس للمجاهدين فقط، طيب، ما هو الذي يفضل المجاهد الذي في الدرجة العليا على المجاهد الذي في الدرجة الدنيا؟ ما هو الأمر؟ نعم، قد يكون مثلاً طول مدة الجهاد، قد يكون البذل، التعب، الكذا، ممكن، لكن مهما كان، هذه مئة درجة، مئة درجة فلا بد أنك ستجد فيها ما يتعلق بتفاوت الأعمال القلبية من حيث الإرادات والغايات؛ لأنه كما تعلمون أول من تسعر بهم النار أحدهم مجاهد، ولم ينقصه لا بذل ولا تضحية ولا صبر، وإنما الذي نقصه القلب، الإخلاص. فإذا كان العمل نفسه صورة الجهاد مع الإسلام ليست هذه مع الكفر، يعني ليس إنساناً يبطن الكفر وإنما مع الإسلام لكنه أبطن الرياء، ليس فقط أنه لا ينال الدرجات العليا في الجهاد وإنما يكون من أول من تسعر بهم النار، وهكذا قارئ القرآن والمنفق.
إذاً مما ينبغي على المؤمن أن يعتني به أن يعتني بالمنافسة على الدرجات العليا، وهذه المنافسة على الدرجات العليا تحتاج إلى علم أولاً حتى يدرك مقامات العبادات والتفاضل بينها، ثم إخلاص وقلب، ثم بعد ذلك جد واجتهاد. شوف، الدرجات العليا لا ينافس عليها إلا بالجد والاجتهاد. لازم أعطيكم دليلاً أو لنتأمل في دليل مباشر في هذه القضية، اللي يجمع بين العلم وبين الجد والاجتهاد. أيش مين يخطر في العلم بشيء من؟ يعني هو مو علم أنه أنا أقصد أنه مو بالضرورة أنه هو أمر كان مجهولاً، يعني بس على الأقل بالنسبة لنا، بالنسبة لمن حصل له الموقف مع النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بالنسبة لنا إن كان مجهولاً الآن تعلمنا من هذا الحديث أن فيه دلالة على شيء في الدرجات العليا، العلم، السجود. أحسنتم، قال يا رسول الله: أسألك مرافقتك في الجنة، هذا إيش؟ على الدرجات، هذا بالنسبة لنا الآن من هذا الحديث، طبعاً تتمة الحديث قال: أعني على نفسك بكثرة السجود. أعني على نفسك بكثرة السجود، هذا إيش؟ الاجتهاد. إحنا الآن بهذا الحديث ماذا استفدنا من حيث العلم أن كثرة السجود من أسباب مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، أو من أسباب تحصيل الثواب العظيم إلى آخره، فالعلم أولاً؛ مثلاً العبادة في الهرج كهجرة إلي، هذه معلومة ما تجيبها من رأسك، هذه تأخذها من النبي صلى الله عليه وسلم، تحرص عليها، وهكذا. ومنها هذا الحديث: ثلاثة لهم أجران، ومن يطع الله ورسوله ويعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين، وأعتدنا لها رزقاً كريماً، وهكذا.
طيب، مثلاً مما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ثواب التمسك بالدين في آخر الزمان، أجر خمسين منكم، ها، يعني مما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهكذا من العلم تؤخذ المعاني، ثم بعد ذلك يعزم ويعقد القلب على الإخلاص لله في طوقه، ثم لا بد أن تعلم أن تلك الدرجات العليا تحتاج إلى جد واجتهاد، حتى هذه بالمناسبة المذكورة في الحديث ترى كلها فيها جد واجتهاد؛ لأنه ترى رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ممكن يقال ما الجد والاجتهاد فيها؟ الجد والاجتهاد فيها في مخالفة السائد والهوى وما اعتاد عليه الناس؛ لأنه أكبر مشكلة كانت تواجه أهل الكتاب أنهم يخالفوا أهل دينهم، يعني كان صعباً على الكتابي أن يسلم لأن فيه مفارقة هائلة للموروث، وهذا ترى على مر التاريخ، يعني حتى ذكر ابن القيم قصة له مع النصراني معروفة، وأنه إلى أن أقنعه بالحق قالوا ليه ما تسلم؟ قال: الناس تفرش لي وتعظمني وذا كذا، ثم سأفقد كل هذا إذا أسلمت، وهكذا يعني. والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، هذا فيه مشقة وأمر، وكذلك الرجل الذي كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها.
طيب، فهذه بعض الفوائد من الحديث. ثم أيضاً كلمة عامر، من هو عامر؟ الشعبي، هو أصلاً مو مذكور في أنه مختصر، لكن هو عامر الشعبي، قال عامر الشعبي أصلاً إذا قيل عامر في الأسانيد، هذا الشعبي على طول، الشعبي إمام عظيم من أئمة المسلمين من التابعين، فيما أذكر أنه قال: أدركت خمسمئة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو قيل إنه روى عن خمسمئة. الشعبي إمام عظيم من أئمة أهل الكوفة، فقال للذي سمع منه هذا الحديث: أعطيناكها بغير شيء، أعطيناك هذا الحديث بغير شيء، قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة، ها، الناس كانت تتعنى وتركب إلى المدينة حتى تسمع أقل من هذا الحديث. طبعاً ذكر رواية لمسلم، قد تبين شيئاً، قال: ولمسلم عن صالح بن صالح الهمداني قال: رأيت رجلاً من أهل خراسان سأل الشعبي، فقال يا أبا عمرو، إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتقتها ثم تزوجها فهو كالراكب بدنته، فقال الشعبي: حدثني أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه، ثم ذكر الحديث ثم قال: وقد أعطيناكها بغير شيء، قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة.
يعني إيش تلقى أحسن من أنه أنت والله الخرسان يقولون فيقول لك حدثني أبو بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدين لا مو بس أنه يجوز أو هكذا وإنما له أجران، فأعطيناك هذا بغير شيء، قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة. وهذا يعني من الفوائد السلوكية أو اللي فيها من حيث الآداب، أنه لا حرج ولا إشكال، بل قد يُستحسن أن يذكر العالم أو الشيخ أو المدرس ما يؤكد ويعظم قيمة درسه أو قيمة معلومة معينة أو قيمة مادة معينة إذا كان فعلاً يرى فيها من الخير ويرى فيها من الأهمية والفائدة، وما يظهر أهميتها بالنسبة للمتلقين. وقد سار على ذلك العلماء، فلو استقرأت مقدمات كتب العلماء ستجد أنهم كثيراً ما يؤكدون على أهمية كتبهم في مقدماتهم، ويمتدحون كتبهم، وأحياناً يكون الامتداح كبيراً جداً، بحيث إنه لو كان في زماننا لقيل انظروا إلى هؤلاء المغرورين المعجبين بأنفسهم الذين يمدحون كتبهم وما أدري إيش وكذا، ولكن هذا كان مقبولاً، فلو قرأتم مقدمات بعض الكتب لوجدتم أنهم يمتدحون كتبهم امتداحاً سديداً. ممكن مثلاً تقرؤون كلام الإمام أبي داود السجستاني عن سننه، سنن أبي داود، في رسالته إلى مكة، ابتداءً سلاح كبير وعجيب جداً، وممكن أيضاً كثيرة هي جداً، منها مثلاً مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، وكثير من الكتب يذكر لك العلماء أنا مثلاً كم تعبت في هذا الكتاب ورتبته وهذبته واستخلصته ولم آل جهداً في اختيار ما ينفع الطالب ويفيد السالك، واجتهدت في كذا وإلى آخره، أحياناً يذكرون المدة التي جمعوا فيها الكتاب وأنه وهكذا، مما يعطي قيمة بالنسبة للقارئ أنه يعتني بهذا الكتاب ويعتني بهذه المادة.
طيب، ممكن أيضاً نذكر فائدة أخرى وهي ما أعطاه أو ما أعطي العبيد والمماليك من ميزات في الإسلام، وكما تعلمون أن قضية العبودية والرق هي قضية متوارثة في التاريخ، موجودة في التاريخ على مر العصور والقلوب. لما جاء الإسلام جعلت هناك توصيات للسادة وملاك الرقيق، جعلت حقيقة لهم من المكانة ما لم يحصلوا عليه قبل ذلك وما لم يكونوا يحلمون به، وهذا في التعامل الدنيوي، ثم بعد ذلك هنا نجد أنه حتى في التعامل حتى في الأجر الأخروي، أنه ليس فقط في الحقوق الدنيوية، حتى في الأجر الأخروي العبد والمملوك له فرصة أن يأخذ أجره مرتين وليس فقط مرة واحدة، وهذا أمر عظيم ترى، يعني أنا أظن أن المماليك على مر قرون الإسلام كانوا يفرحون بهذا الحديث فرحاً كبيراً، يعني العبيد والرقيق. وطبعاً قضية الرق هي قضية مفهومة على مر التاريخ الإسلامي، سواء في القرن الأخير لما بدأت ثقافة حقوق الإنسان وثقافة المساواة والثقافة المعاصرة وبدأ الطعن والتشكيك في الإسلام من هذه الجهة كثيراً كما تعلمون، والكلام في هذه القضية كثير لا أريد أن أطيل فيه حقيقة، لكن مما ينبغي التنبيه له أن كثيراً ممن ينكر هذا الرق لا يستنكر الرق المعاصر الذي ترزح فيه البشرية؛ فإن البشرية اليوم في ظل أنظمة الدول الحديثة تعيش حالة من سلب الحريات شديدة، تعيش حالة شديدة من سلب الحريات، والرقيق فاقد حريته، العبد فاقد حريته، يعني هو نفس الجنس، المواطن في الدولة الحديثة اليوم هو فاقد لجزء أساسي من حرياته على الأقل في كثير من الدول، هذا فضلاً عن الدول أصلاً التي تعيش حالة من سلب الحرية، السلب الكامل للحريات. والعجيب أن البعض ما أقول إنه صابر على هذه الحالة، لا هو مبسوط بها، سعيد في هذه الحالة، فهذا أول تنبيه، تنبيه على الرق المعاصر وعلى الحياة المعاصرة وما فيها من سلب الحريات سواء من جهة القرار السياسي أو حتى من جهة طبيعة الحياة المعاصرة، وكيف أن كل أهل زمن يتكيفون مع حالة العبودية التي في أزمنتهم بما يتناسب مع العادة والعرف، ولو تغيرت الأسماء، تتغير الأسماء لكن تغيير الأسماء لا يغير الحقائق.
والأمر الثاني هو إدراك أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون هناك تفاوت بين البشر، وهذا التفاوت بين البشر فيه حكمة، وهذه الحكمة تحقق حالة من الصلاح في الأرض، قال الله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا. هذا التسخير في الدنيا أنه في مثلاً طبقات سادة في طبقات، هي مو طبقات اجتماعية بمعنى تقسيم، ولكن درجات، هذه الدرجات هكذا الحياة على مر التاريخ حتى اليوم ترى بالمناسبة، بس اليوم تزين بأنه تتغير الأسماء، أكيد طبعاً صورة الرق غير بعض صور، لكن اليوم هناك أحياناً شبه استعباد لبعض الشعوب وتسخيرهم في خدمة السيد الأبيض، ذي العين الزرقاء، ما فعله الأوروبيون والأمريكان في أفريقيا مثلاً شيء مخيف ومهول بالمناسبة، إلى اليوم ترى، إلى اليوم في سرقة خيرات تلك البلاد وتعييش أولئك أهل البلد الأصليين في حالة من الذل والفقر وهم الذين يخدمون أولئك، لكن مو تحت اسم الرق والعبودية، تحت اسم عقود العمل وإلى آخره، وانظر كم مات منهم في مناجم الذهب وكم مات منهم، وكل في الأخير ليس لهم فيها نصيب، وغير ذلك صور كثيرة جداً، من يقرأ في هذا المجال يكتشف حالة صعبة جداً. فعموماً القصد أنه ترى لم يزل الناس ولم تزل البشرية يخدم بعضها بعضاً، وهناك من يملك وهناك من يخدم وهناك من هو سيد وهناك من...
هو خادم، وهناك من هذه يعني البشرية حتى اليوم وهي تتخلص من الرق بالاسم لم تستطع أن تتخلص من هذا التفاوت، صح ولا لا؟ في ناس عايشين في قصورهم، في ناس حياة عايش في الحياة خادم.
ها أساس هذا التفاوت ليس خطأ، هذه البشرية لا يمكن أن تستمر إلا هكذا، تخيل البشرية كلهم سادة، كلهم سادة وكلهم أغنياء وكلهم ملاك يعني أراضي كبيرة وفلل وقصور، تخيل تخيل فعلاً لو البشرية بهذه الطريقة إيش اللي راح يصير من أشكال الطغيان؟ لا غير الطغيان هذا أكيد يعني.
ما في أحد حيقدر يسوي ولا شيء، يعني طبيعة السيد هو لن عارف يشتغل كل يوم في حصاد الفواكه والخضار وتنظيفها ومادري إيش وتنظيف دورات المياه وغسل المواعين والمادري إيش وترويض الخيل وتنظيف الفرس وشو اسمه عارف كز الشجر، ما راح يسويها، لازم في لازم في طبقة أخرى من الناس أو في أناس بأعيانهم يعيشون حياة معينة هم مسخرون لمثل ذلك، ما في مرحلة في التاريخ البشري جاءت أنه ما في ناس يخدموا ناس سادة، ما في، واضح؟
فهي هذا قال قال الله سبحانه وتعالى: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ.
فلذلك يعني طيب ما الذي جاء به الإسلام؟ جاء الإسلام ليقول لأولئك السادة لا تظلموا هؤلاء العمال والعبيد لا تظلموهم، أعطوهم حقوقهم سواء كانوا عمالاً يعني استؤجروا بالأجرة وسخروا لعمل معين أو كانوا عبيداً ورقيق.
فهؤلاء العمال الذين استؤجر لهم حقوق متى تعطيه الأجرة وكيف تتفق معه فيها وإلى آخره، وأولئك العبيد والرقيق لهم حقوق، وهذا كله ليس يعني هذا ليس تفصيلاً في الجواب عن الشبهات، هذا يعني فقط إشارات سريعة، المبحث مشهور ومعروف وفيه مصادره ومراجعه، ونستغفر الله ربنا ونتوب إليه، ونسأله أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله.
الشيخ أحمد السيد