تسجيل الدخول

أنوار الصحيحين | كتاب الإيمان 11 | شرح الجمع بين الصحيحين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار الصحيحين، وهذا هو المجلس الحادي عشر، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.

الحديث في هذا المجلس هو حديث أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. وفي رواية عند البخاري: لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى.

هذا الحديث بوب عليه الإمام البخاري عدة أبواب، منها قوله: باب حلاوة الإيمان، وهذا الباب هو الذي اختاره المصنف الشيخ يحيى، وبوب عليه البخاري كذلك باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان، وكذلك بوب عليه بقوله: باب الحب في الله، وبوب عليه بقوله: باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر.

طيب، هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي هي دائرة حول المعاني القلبية المرتبطة بالحب والبغض، وآثار ذلك من الحلاوة. والمعاني القلبية تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا، فالقلب هذا الذي لا يبدو أنه يعني يحتوي على كثير من الأمور في ظاهر الأمر، لما تتأمل النصوص الواردة فيه في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تدرك أنك أمام مضغة كأنها تسع الأرض كلها من ناحية الشعور ومن ناحية الإرادة. ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى الفلاح والشقاء والصحة والمرض، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل مدار صلاح بقية الأمور كلها دائرة على هذه المضغة، على صلاح هذه المضغة أو فسادها. والأمور المتعلقة بهذا القلب كثيرة، ومنها ما ذكر في هذا الحديث.

الثمرة المذكورة في هذا الحديث هي حلاوة الإيمان، الطرق الموصلة إلى حلاوة الإيمان المذكورة في هذا الحديث هي أمور قلبية، هذه الأمور القلبية ينبغي أن تكون محل عناية بالنسبة للمؤمن. الأمر الأول، طبعا قبل أن ندخل في الأمور القلبية الموصلة إلى الحلاوة، نتحدث قليلا عن معنى حلاوة الإيمان، النبي صلى الله عليه وسلم أثبت للإيمان حلاوة، وهذه الحلاوة معناها أنها شيء يحس ويشعر به، يعني قد يكون الإيمان مجرد اعتقاد بالنسبة للإنسان وقد يكون اعتقادا مصحوبا بثمرة شعورية يستلذها الإنسان، وهذا الاستلذاذ أو هذه اللذة التي يجدها الإنسان وهذه الحلاوة التي يجدها الإنسان هي حلاوة معنوية قد تصل بالإنسان أن يعيش في أعلى درجات السعادة والطمأنينة والسكينة نتيجة هذه الحلاوة التي يشعر بها.

وللصالحين قصص في هذه الحلاوة وفي آثارها وفي شعورهم بها وفي إدراكها وفي استغنائهم بها، من أعظم ما يثبت الإنسان على دين الله سبحانه وتعالى هو أن يعيش في حلاوة الإيمان، ومن أعظم ما يؤدي إلى السقوط هو فقدان حلاوة الإيمان، وفقدان حلاوة الإيمان إذا حصل في قلب إنسان، يبدأ يهيئ القلب أو يتهيأ القلب لحالة القسوة، يعني حالة الحلاوة مرتبطة بحالة اللين، وحالة المرارة أو عدم الشعور بالحلاوة أو حالة الجفاء تهيئ للقسوة. فالمؤمن يفر من قسوة القلب ويسعى إلى لين القلب، وهذا اللين بابه الحلاوة، وتلك القسوة بابها عدم الشعور بالحلاوة، فلذلك المؤمن مطالب بأن يسعى لتغذية حلاوة الإيمان في قلبه حتى يلين قلبه. فإذا لان قلبه، يحصل إذا لان القلب، عفوا، يحصل عند الإنسان المؤمن عدة ثمرات: الثمرة الأولى: التأثر والخشوع إذا سمع كلام الله: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ. الأمر الثاني: الاستجابة، القلب يستجيب إذا لان، وهذا حتى مفهوم حتى من الناحية الفيزيائية يعني، وإن كانت هذه معاني معنوية، بمعنى أن القلب يسهل عليه الحركة، يسهل عليه الاستجابة، يسهل عليه التغير، أما القلب إذا قسى فإنه يجمد، وبالتالي الحلاوة طريق إلى اللين، اللين يقود إلى أمرين عظيمين: الأمر الأول هو الخشوع والتأثر، الأمر الثاني هو الاستجابة والامتثال.

فأقول الحلاوة تقود إلى اللين، اللين يقود إلى التأثر من جهة ويقود إلى الاستجابة العملية من جهة أخرى. القسوة من أهم أسبابها الجفاء وعدم الحلاوة، وبالتالي من أهم ما ينبغي على الإنسان أن يحرص على تحقيقه في قلبه الشعور بحلاوة الإيمان، الشعور بحلاوة الإيمان ثمرة عظيمة تحقق في الإنسان ثمرات أكثر منها وأعلى منها وأوسع منها. قسوة القلب ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. هذا الخشوع هو الأثر الأول الذي ذكرناه، الذي هو التأثر، حالة الاستجابة الشعورية، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، قسوة القلب مصيبة عظمى. كما قلت موضع الشاهد من الحديث حلاوة الإيمان، من كان فاقدا لحلاوة الإيمان فلا بد أن يسرع في تدارك هذا الفقدان؛ لأن فقدان حلاوة الإيمان قد تقود إلى قسوة القلب، فالمصيبة العظمى ليست في فقدان الحلاوة، المصيبة العظمى في قسوة القلب، لكن فقدان حلاوة الإيمان مؤشر على طريق قسوة القلب، وبالتالي الإنسان يحرص على لين قلبه وحلاوته.

طيب، ما هي الطرق التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم لحلاوة الإيمان؟ الأول: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، الثاني: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، والثالث: أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. لو تلاحظون هذه الثلاثة أعمال التي تقود إلى حلاوة الإيمان كلها في المحبة والكره، يعني حلاوة الإيمان من أهم أسباب الوصول إليها أعمال قلبية مرتبطة بالمحبة والكره. إذن لا يصل العبد إلى حلاوة الإيمان إلا إذا أصلح موضع الحب والبغض من قلبه، وصحح متعلقات هذا الحب والبغض، وبالتالي النبي صلى الله عليه وسلم هنا ينبه الأفهام وينبه القلوب وينبه المؤمنين إلى أن باب حلاوة الإيمان هو باب محبة وكره، ليس باب محبة فقط وإنما باب محبة وكره، وهذا أيضا أمر آخر، لأن البعض يظن أن حلاوة الإيمان أو ما يسميه يعني يمكن البعض يستعيض عن ذكر حلاوة الإيمان بمسمى محدث السلام الداخلي، يظن أن طريق هذا هو الحب فقط، لا هو الحب والبغض، يعني حلاوة الإيمان من أسبابها بغض كذلك، وهذا المبين في الحديث: الأول أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، الثاني أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، الثالث أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، فإذا كره الباطل وكره العود فيه هو من أسباب حلاوة الإيمان، فلا يكفي الحلاوة المرتبطة بمحبة الله ورسوله، والحلاوة المرتبطة بمحبة المرء لله، وإنما الحلاوة كذلك تتحقق من كراهية ما يضاد ذلك كله وهو الكفر.

طيب، ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، هذا الأسلوب النبوي، ثلاث، أربع، وغير ذلك من الأعداد هو أسلوب بياني، وهذا الأسلوب البياني متكرر في الأحاديث النبوية، وهذا الأسلوب البياني المتكرر في الأحاديث النبوية لا يراد منه الحصر، فحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم مثلا: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، هذا لا يستلزم أنه غير السبعة لن يدخلوا في هذا الثواب الذي هو أن يظلهم الله في ظله، يعني مثلا ورد في صحيح مسلم، أظن من يسر على معسر أظله الله في ظله، وهذا غير المذكور في السبعة، وكذلك مثلا: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، ومن المعلوم أن خصال النفاق أكثر من هذه الأربعة، وآية المنافق ثلاث، ومن المعلوم أن الآيات التي تدل على النفاق أكثر من هذه الثلاث. وهذا الحديث: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، ليس معنى ذلك أنه لا يمكن أن يكون هناك عمل آخر يقود إلى حلاوة الإيمان سوى هذه.

طيب، ماذا نستفيد من هذا الأسلوب؟ نستفيد من هذا الأسلوب أهمية تقريب المعلومة؛ لأن العدد يسهل الحفظ ويسهل الاستيعاب، فلما يقول لك مثلا: احفظ عني هذه الثلاث، ترى هذه الأشياء أسبابها خمسة أمور مثلا، إذا أردت أن تضبط الدرس فعليك بثلاثة أمور، هذه لما تحددها في درس أو في موضوع، فأنت تسهل على المستمع حفظها وضبطها وما إلى ذلك.

إذن الأمر الأول، نحن قلنا الحين الفائدة البيانية، نأتي إلى الثلاث، الأمر الأول: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، نلاحظ هنا أنه القضية لم تحصر في مجرد الحب، وإنما جعلت مرتبطة بأحب الحب أو أعلى الحب، يعني أن يكون الله ليس أن يحب الله ورسوله فقط وإنما أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فمن أعظم طرق حلاوة الإيمان أو تحقيق حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله بالنسبة للمؤمن أحب إليه مما سواهما، وهذا من المهم أن يكون شعارا في الحياة وعنوانا أمام طريق الإنسان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

وكلمة أحب إليه هذه بعض العلماء ذكر فيها ضوابط في الحديث التالي، اللي هو حديث: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، بعض العلماء ذكر فيها شيء، يعني كيف يكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين؟ هي ليس الأمر تكلفا، هو المعنى مفهوم، لكن بعض العلماء سهل القضية من ناحية ضوابط معينة، وهي ماذا؟ قال: إن إذا خير الإنسان بين محبوباته أو شيء من محبوباته العظيمة وبين أن يفقد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، شوف ليس أن يرى أو أن يفقد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، أن تفقد والدك أو تفقد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، أن تفقد ولدك أو تفقد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لو أمكن طبعا رؤيته بالنسبة للغابة، أن تفقد الناس أجمعين أو أحبابك أو مالك أو أيا كان، أو تفقد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، هذا من المعايير. ومن الجميل أنه ابن حجر نبه بعد ذلك قال: وليس الأمر في مجرد الوجد والفقد.

أقرأ عليكم النص كاملا لأنه نص ثمين يمكن نبهت عليه أيام غيث الساري، قال: ومن علامة الحب المذكور أن يعرض المرء على نفسه أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم إن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أشد عليه من فقد شيء من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، واضح الكلام ولا الكلام الجميل؟ الآن الزائد على هذا، قال ابن حجر: وليس ذلك محصورا في الوجد والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر والنهي عن المنكر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واضحة الجملتان الأخيرة؟ واضحة أكيد، طيب لأنه هي مهمة جدا.

إذن قلنا نحن حلاوة الإيمان غاية مقصودة إذا تحققت، لأن القلب إذا لان القلب تأثر بذكر الله واستجاب لأمر الله، واضح التسلسل؟ حلاوة تؤدي إلى لين، لين يؤدي إلى تأثر واستجابة، هنا الشأن كل الشأن في الطريق الموصل إلى هذه الحلاوة، لأن الحلاوة صارت بوابة تؤدي إلى تلك الثمرات، في الطريق الموصل إلى تلك الحلاوة هنا مذكور في هذا الحديث ثلاثة، قلنا الأمر الأول: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وهنا يعني أيضا الطريق الموصل إلى هذا الطريق، يعني أنت أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، إذا تحققت تتحقق حلاوة الإيمان. طيب، السؤال التالي هو كيف يصل الإنسان إلى أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؟ وأنا برأيي أن مدار هذا الأمر على العلم، كلما كان الإنسان بالله وبرسوله أعلم، كان له ما أحب، وكلما كان الإنسان بما سواهما أعلم، كان فيهما أزهد، كان في هذا في غير محبة الله ورسوله أزهد، كان في هذه الأشياء أزهد، واضح الفكرة؟

إذن أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كيف نصل إلى هذا التقديم؟ المفتاح الأساسي هو العلم، العلم بالله والعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا حصل العلم، المفترض أنه يحصل من آثاره ما يقود إلى هذه المحبة، إيش آثار العلم؟ آثار العلم بالله الخشية، اليقين كذا، فهنا تحصل المحبة. العلم عموما العلم هو مفتاح لكل الأمور لكل الأبواب الخير، لكل حتى الأعمال القلبية، يعني العلم بالله مفتاح.

لأعمال القلوب، العلم بالله مفتاح لليقين، وبه صح، واليقين مفتاح للتوكل والصبر وما إلى ذلك. العلم مفتاح للمحبة، مفتاح أساسي للمحبة، والمحبة مفتاح لأيش في أعمال القلوب؟ الإنابة، يا سلام عليك، الإنابة. طيب والعلم مفتاح لأيش كمان؟ باقي عمل قلبي أساسي، الخشية. الخشية. طيب صار عندنا العلم يقود إلى المحبة، والعلم يقود إلى اليقين، والعلم يقود إلى الخشية، صار الأمر على العلم، فهي الثلاثة أعمال الكبرى، ثلاث أعمال قلبية كبرى؛ المحبة واليقين والخشية. مفتاح وين العلم؟

العلم طبعاً ليس أي علم، يعني مو العلم اللي هو واحد ينشغل بالمتون وفك الألفاظ ويقول يعني، هذا العلم الموصل إلى هذه الأعمال القلبية وما إلى ذلك.

والعلم برسول الله قائد إلى محبته، العلم برسول الله صلى الله عليه وسلم كان للصحابة بالخلطة المباشرة أو بالرؤية المباشرة، فهذا علم يتحقق هكذا بالصحبة وبالرؤية. بالنسبة لمن بعدهم يتحقق هذا العلم بالعلم بأحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولكن لا يكون العلم تام الأثر، العلم برسول الله تام الأثر، حتى يكون مصحوباً بفقه في تتبع هذه الأحوال؛ فإن أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، أحواله وهديه وأحاديثه وميراثه، فالفقه في إصابة العلم برسول الله صلى الله عليه وسلم يقود إلى هذه المحبة.

طيب، الثاني: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ويحب المرء لا يحبه إلا لله. طيب، أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، إحنا عندنا ثلاث درجات: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، أعلى شيء أن يحب المرء لله لشيء آخر، والأمر الثالث: أن يحب المرء لشيء آخر غير المحبة لله لغرض من الأغراض. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا لا يتحدث عن مجرد وجود شيء من الحب في الله مع وجود خلط آخر، وإنما يتحدث عن الحب الصرف في الله، أن يحب لا يحبه إلا لله، يعني هذا نفي عن وجود سبب آخر أو وجود باعث آخر. طبعاً هذا الباعث الآخر المنفي، قد يكون في شيء منه لا يتخلص منه أمر فطري؛ لأن المرء إذا أحب لله فقد يكون هناك من جملة الخصال التي في تلك المرأة تجذب الإنسان إليه، وهذا لا يتعارض مع الحب في الله، لكن المقصود هنا الأغراض الأخرى. يعني أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، طيب هل يتصور أن يحب الإنسان المرء لله ولغرض آخر غير الشعور الفطري العادي؟ غير الشعور الفطري العادي، لكن أن يحبه لله ويحبه لغرض آخر نعم طبعاً، يعني في أشياء كثيرة تدعو الإنسان لأن يحب، حتى مثلاً ليست أشياء مذمومة، ولكن شيء من الأغراض البشرية، المنفعة الدنيوية مثلاً، جاه معين مثلاً كذا، وهذه كلها من الأشياء الداعية للحب، لكن هنا الحديث لا يتحقق أو السبب الداعي إلى حلاوة الإيمان هو الحب في الله لا في سواه، أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فهذا نفي مع إثبات لا يحبه إلا لله.

ولقائل أن يقول: كيف يتحقق، مثل ما قلنا في الأول، كيف يتحقق هذا الحب وما علامته وما إلى ذلك؟ إحنا ذكرنا العلامة في الأول صح، ذكرنا العلامة، قلنا الفقد والوجد واللو خير الإنسان بينه وبينه، وكذلك أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، يعني أن تتخيل الإنسان الذي تحبه في الله لو زالت عنه كل العوامل التي تدعو إلى حبه من الأغراض الأخرى، حتى لو أنت كنت ما أحببته إلا لله، لكن أحياناً يظن المرء أنه لا يحبه إلا لله، لكن لما يجرد الإنسان المحبوب عن المعاني الأخرى التي لأجله أحبها سوى محبته لله وفي الله، قد يكتشف أن حبه ليس صرفاً، وإنما فيه مزج وخلط. فلذلك أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، هذه مهم الإنسان أن يجردها، يجرد الإنسان المحبوب عن الأغراض الأخرى حتى يعرف جيداً إذا أن يحبه لله سبحانه وتعالى. وبالتالي المفترض إذا كانت المحبة لله أن تزداد كلما ازداد الرابط المتعلق بالله سبحانه وتعالى؛ يعني إذا كنت أحب أمراً لله، فإذا زادت طاعته لله واستقامته على أمر الله فالمفترض أن أزيد في محبتي له، وإذا قل المفترض أن تقل تلقائياً، يعني ممكن تبدأ المحبة لله وبعدين خلاص تصير صداقة عادية، صداقة بمعنى أنه والله أنا أحبه في الله لكن هو يعني خلاص إحنا تصاحبنا؛ فإذا نقص ذاك من طاعة الله وتسلل إليه شيء من معصية الله وبقيت محبتك كما هي بنفس الدرجة وبنفس المستوى، لم ينقص مقدارها ولا قل منسوبها كما يقال، فهذا معناه أنها ليست صافية. وأنا ما أتحدث هنا عن اليوم والليلة وعن العمل المفرد، وإنما أتحدث عن مسيرة الإنسان، إذا تغيرت مسيرة الإنسان وقلت طاعته وقل معنى محبته لله سبحانه وتعالى، فإن هذا من الأمور التي ينبغي أن تعيد للإنسان تعريف أو السؤال حول محبة الله.

مسكر هذا، مسكر.

طيب، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. هذا الدين قائم على من، من أهم معالمه في قضية العبادة وما سواها، أنه يلاحظ فيه الانحراف وسبل المنحرفين، وال خلينا نقول من ضل السبيل، كما يلاحظ فيه الصراط المستقيم؛ يعني هذا الدين ليس قائماً على ملاحظة الصراط المستقيم فقط، وإنما هو قائم على ملاحظة الصراط المستقيم واتباعه، وملاحظة السبل الأخرى وتعمد اجتنابها، واضح؟ يعني هذا مبدأ عظيم في الدين، ولذلك إبراهيم عليه السلام كان يمدح بأنه حنيف، والحنيف هو المائل عن الشرك، ولذلك في الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. الدين هذا حتى كلمته الأساسية ليست مجرد إثبات، كلمة التوحيد الأساسية الممدوحة في النصوص الشرعية ليست هي الجملة المثبتة، وإنما هي الجملة التي تجمع بين النفي والإثبات: لا إله إلا الله، أَنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ، وهكذا.

هنا حلاوة الإيمان لا تتحقق بمجرد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وإنما لا بد أن يجمع مع ذلك كراهية للكفر الذي خرج الإنسان منه إن كان أسلم بعد كفر، أو للكفر الذي عليه بعض الناس، فيكره أن يعود إليه، يكره أن يذهب إليه، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. هذه الكراهية أساسها قلبي، لكن لها دلائل عملية، ولذلك الإمام البخاري من فقهه بوب على هذا الحديث بناءً على الجملة الأخيرة بقوله: باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر. يعني هذه ثمرة عملية، لأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، قال: باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، وهذا اختيار دقيق وجميل.

طيب، إذاً الخلاصة، هذا الحديث فيه أسلوب بياني من النبي صلى الله عليه وسلم، تحدث فيه عن ثلاث خصال تؤدي إلى حلاوة الإيمان، وهذه الخصال وهذا الأسلوب لا يعني الحصر. ثم قلنا إن حلاوة الإيمان من أهم أسباب الثبات على الدين، وفقدان الحلاوة من أهم أسباب الانتكاس والسقوط. وقلنا إن حلاوة الإيمان ليست خصلة مستقلة مفردة، وإنما هي لها أسباب من جهة، ولها ثمرات من جهة، وأن أهم ثمرة لحلاوة الإيمان هي لين القلب، وأن لين القلب يؤدي إلى الخشوع والشعور من جهة، والاستجابة العملية من جهة أخرى، وبعكس ذلك فإن فقدان الحلاوة يقود إلى الجفاء والقسوة، وإذا قسى القلب كان جاهزاً للانتكاس.

ثم بعد ذلك قلنا إنه النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة أمور تقود إلى هذه الحلاوة، الأمر الأول: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن الشأن ليس في مجرد المحبة وإنما في تفضيل محبتهما على محبة من سواهما، وأن هذه المحبة لها معيار ذكره العلماء، وأن هذا المعيار لا يقتصر على مجرد الوجد والفقد في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أو فقدها، وإنما هو أيضاً متصل بدينه وشريعته ونصرتها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما إلى ذلك، فهي من علامات المحبة.

والأمر الثاني: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وقلنا إن هذه ليست مجرد إثبات حلاوة الإيمان بحلاوة المحبة في الله، وإنما فيها نفي للأغراض الأخرى.

والأمر الأخير اللي هو أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، وقلنا إنه هذا يتسق مع حقيقة الدين في كونه إثبات ونفي، كونه حب وبغض، وفي كونه ليس مجرد محبة فقط، لا، الإنسان يجب أن يكون كما يحب الحق يكره الباطل، وكما يحب أهل الإيمان يكره أهل النفاق، وليس فقط يكره النفاق، أو كما قال ذاك القائل: إنه يعني أكره إسرائيل ولكن أحب نتنياهو مثلاً، يعني هذه التناقضات الحديثة من البدع، طبعاً هذه من البدع الحديثة التي فيها تكلف أصلاً في الشعور، وفي نفس الوقت فيها مناقضة لحقائق الإيمان. فالكفر ليس معنى معلقاً في الهواء، والنفاق ليس معنى منثوراً في الأرض، وإنما هي صفات معلقة بقلوب وأشخاص، فإذا تحققت هذه الصفات في القلوب والأشخاص يبغض هؤلاء الأشخاص، وليس فقط يبغض ما عندهم، اللهم إلا لو اجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، شعب من شعب الإيمان وشعب من شعب النفاق ونحو ذلك، طاعة ومعصية، فيحب بقدر ذلك ويبغض بقدر ذلك، وهذا يجتمع كما يجتمع في الابن أن يحب أباه المحبة الفطرية والمحبة للإحسان، وكذلك أن يكره، كره يعتلي قلبه أحياناً موجات كره من الضرب ولا من العقوبة ولا من مادري ايش والكذا، وهذه طبعاً هذا ليس تبريراً لهذه القضية بس أنا أقول يعني فطرياً يجتمع مثل هذا الأمر. كذلك حتى الكافر نفسه لو كان أحسن إلى الإنسان إحساناً معيناً، هذا الإحسان يؤدي إلى شعور فطري معين إذا كانت كتابية، زوجة، لكن في الأساس وفي الأصل لا يكره النفاق، يكره كخصلة ويكره كمنافق من كان كذلك، وهكذا الكافر. فإذا اجتمع مع الكفر أو مع النفاق معاداة للحق فهنا ازدادت، ازداد الموجب لهذه الكراهية، وهو أصلاً موجب فطري كذلك؛ لأن المعتدي يكره فطرةً، لكن الشريعة جاءت بمكون آخر وهي الكراهية كذلك أو البغض لما يبغضه الله سبحانه وتعالى، وأعظم ما يبغضه الله سبحانه وتعالى هو الشرك به وادعاء الولد له، وما إلى ذلك من القضايا التي وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والمغفرة والرحمة، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بسم الله.