الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
نستعين بالله ونستفتح المجلس الثاني من مجالس التعليق على الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى. ولا يزال الحديث متصلا بكتاب الإيمان، وهذا الحديث الرابع وهو حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. هذا الحديث بوب عليه البخاري رحمه الله تبويبات كثيرة، فقال مثلا: باب فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، وقال: باب فضل استقبال القبلة، يستقبل بأطراف رجليه، كما أو قال أبو حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك ذكر عدة أبواب منها: باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوة، وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله. وكذلك: باب قتل من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة، وباب الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. إلى آخر ما بوب به البخاري رحمه الله.
واختار الشيخ يحيى تبويبا من عنده، فقال: باب أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. هذا الحديث من الأحاديث العظيمة، سأقرأ الحديث أولا ثم أبتدئ بالتعليق عليه بإذن الله تعالى. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاه، فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عقالا -وفي رواية: عناقا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. قال ابن بكير وعبد الله عن الليث: عناقا، وهو أصح.
ثم قال: وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فاذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله. وفي حديث أنس: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فاذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. وفي رواية: فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تغفر الله في ذمته. هذا الحديث برواياته حديث مهم جدا، طبعا هناك أيضا رواية في مسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به. وكذلك رواية أخرى في مسلم في حديث طارق بن أشيم رضي الله تعالى عنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله.
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة: الفائدة الأولى في عظم الفتنة حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم، أو عظم الفتنة بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم وعظم المصيبة التي اجتمعت على أصحابه وخلفائه من بعده، فما لم يلتئم جرحهم بل لم يعني لم يمر شيء من الوقت على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى انفتق عليهم هذا الجرح العظيم، وهو جرح ارتداد العرب. وهذه الفتنة تكاد تكون أعظم فتنة حصلت في التاريخ، تاريخ هذه الامة، من جهة تهديدها لأصل وجود المسلمين. يعني الفتن التي حصلت بعد ذلك، حتى وإن كانت كبيرة، وإن كان فيها التباس، وإن كان قد وقع فيها شر عظيم، وإن كان قد امتدت آثارها لأربعة عشر قرنا، إلا أن هذه الفتنة هي الوحيدة التي هددت أصل وجود الاسلام، أصل وجود الاسلام، لأن عامة أهل الجزيرة العربية ارتدوا، لم يبق من المسلمين إلا في مواضع يسيرة جدا؛ في المدينة ومكة والطائف، وشيء في شرق الجزيرة العربية أعداد قليلة وأحوال يعني أو مدن يسيرة، في مقابل جزيرة عربية كاملة ارتدت عن الدين، عندك في اليمن وفي عمان وفي نجد وفي شمال الجزيرة العربية وفي شرق الجزيرة العربية، هذه القبائل لم ترتد فقط وإنما التفت حول مشروع آخر، حول يعني مشروع فاسد، التفت حول راية فاسدة، التفت حول من ادعى النبوة كذبا، وأبرز هؤلاء هم مسيلمة الكذاب بطبيعه الحال. مسيلمة الكذاب كان يعني كان مشروعه الإفسادي ومشروعه الارتدادي في غاية الخطورة، وكذلك مجموعة من المتنبئين ومجموعة من القادة والزعماء.
فانتقضت الجزيرة العربية بعد اجتماعها، وكفرت بعد إسلامها، ولم يبق كما قلت إلا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وبعض المدن الأخرى كما ذكرت قبل قليل، فكانت فتنة عظيمة، والجرح في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال حيا ساخنا بوفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم وبفقدانهم إياه. فهذا كله جعل هذه الفتنة فتنة عظيمة. وبالفعل بدات التحركات تجاه المدينة، واشتدت الأحوال وادلهمت الخطوب، وفي ذلك الوقت أرسل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه جيشا إلى بلاد الشام مع أن الجزيرة العربية مهددة، ومع أن المدينة مهددة، والأحوال صعبة، إلا أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أبى أن يعني أبى أن يغمد سيفا سله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان في هذه الحركة خير، بحيث أن الناس يتعجبوا كيف يعني يرسل هذا الجيش، فاستدلوا به على وجود القوة الكبيرة في المدينة المنورة.
ثم بعد ذلك لما قرر أبو بكر الصديق بحزم وقوة أن يقاتل هؤلاء، وقد كانوا أصنافا: منهم من ارتد عن الإسلام صراحة، ومنهم من امتنع عن شعائره الظاهرة، وأبرز شعيرة امتنعوا عنها هي شعيرة الزكاة، وقد رفضوا أن يدفعوا الزكاة إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فهنا وقف أبو بكر الصديق هذا الموقف الحازم الشديد القوي، وعقد الألوية وأرسل السرايا والبعوث والجيوش إلى أنحاء الجزيرة العربية، وقد ذكرهم المؤرخون، سموا هذه الجيوش وسموا قادتها، وكل جيش إلى أين ذهب، وحصلت المعارك وبعضها لم تطل وإنما رجعوا سريعا، وبعض المناطق حصل فيها قتال شديد، وأكثر وأشد قتال حصل كان في منطقة اليمامة بقيادة من جهه الكفار بقيادة مسيلمة الكذاب، والمسلمين بقيادة خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في معركة اليمامة المشهورة، وهي معركة نفر إليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السابقين الأولين ومن أهل بدر ومن الأنصار ومن القراء وحملة كتاب الله سبحانه وتعالى، وقتل منهم الكثير، حتى إن فقدان هؤلاء الصحابه في تلك المعركة كان سببا لجمع القرآن في زمن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
وهذا حقيقه أمر عظيم وفيه فوائد كثيرة جدا، منها: أهمية التربية النبوية لخلاصه الصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فمن المعلوم أن الذين قاتلوا أولئك المرتدين هم خلاصة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها فضلهم وشأنهم وعظمتهم وعظمة مكانتهم وإتمانهم على الدين، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصحابي أمنة لأمتي، فاذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد. وقد كانوا أمنة لهذه الأمة رضوان الله تعالى عليهم، فحفظوا لنا الدين بعد أن كاد أن يصطلم. وفيه فضل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الأحداث أشير إليها في كتاب الله تعالى في قوله سبحانه: قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ. وكذلك بعضهم فسرها بقول الله سبحانه وتعالى، أو فسر قول الله سبحانه وتعالى بهذه الأحداث: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ. ورضي الله عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى الله على محمد الذي رَبَّى هذه النخبة وعلمهم وزكاهم وتعب معهم وبذل معهم سائر اوقاته صلى الله عليه وسلم أو كثيرا من اوقاته من بداية الدعوة حين أسلم أبو بكر الصديق ثم أسلم من بعده من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وبعد ذلك في التربية الطويلة في المرحلة المكية وفي دار الأرقم وفي غيرها، ثم بعد ذلك في المدينة حيث تربوا معه صلى الله عليه وسلم بالحضر والسفر والسلم والحرب، فتعلموا وتشربوا هذا الدين والإيمان، ثم لم يرتدوا عنه كما ارتد من لم تخالط أو من لم يخالط الإيمان بشاشة قلبه. فجزاهم الله عنا خير ما جزى حماة الدين، وخير ما جزى المصلحين، وخير ما جزى حملة الدين وحفظته، وصلى الله على محمد وسلم.
هذه إذا الفائدة الأولى. والفائدة الثانية هي في أهمية الاجتهاد والاستنباط وتنزيل النصوص على الواقع من أهل الاجتهاد، وذلك أن هذه حادثة لم يأت فيها نص مباشر، حادثة الردة ومنع الزكاة لم يأت فيها نص مباشر من النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان حديث ابن عمر المذكور روايته بعد ذلك يعني هو أكثر صراحه من الحديث الاول، لكن لم يأت على الأقل النص على هذه الفئة أو النص على فئة كانت مسلمة ثم ارتدت، وإنما يعني النص عام، خاصة النص الذي عند أبي بكر وعمر لأنه ليس فيه: ويؤتوا الزكاة. وقد ذكر العلماء أنه ربما لم يسمعوا هذا اللفظ وإلا كان ربما فيه حل للإشكال. فهذا فيه أهمية الاجتهاد، فقد اجتهد أبو بكر رضي الله تعالى عنه في هذه الحادثة بأن سوى بين الصلاة والزكاة، وقال واجتهد في فهم: إلا بحقه، من قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، أنه من حقوق لا إله إلا الله الصلاة، ثم قال: فإن الزكاة حق المال، وأيضا إذا من حقوق لا إله إلا الله الزكاة، وكان هذا استنباطا واجتهادا في أناس منعوا الزكاة وهم يقولون لا إله إلا الله.
وكذلك عمر رضي الله تعالى عنه كان يعني وقف عند ظاهر المسألة، فامتنع أو يعني توقف عن هذا القتال أو عن الرأي فيه، الرأي في الإقدام على هذا القتال، وناقش أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في هذه القضية، فهذا كله فيه دليل على أهمية الاجتهاد، والصواب هنا كان بلا شك مع أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وكما قلت هو استنبط ذلك استنباطا وجعل ذلك اجتهادا. وفيه أن مما يفرع عن هذه الفائدة أن الاجتهاد قد يقطع المجتهد به، قد يقطع المجتهد بصحة رأيه، فإن أبا بكر الصديق كان قاطعا بصواب ما كان عليه وكان متمسكا به مع أنه ترتب على هذا الاجتهاد دماء وقتال، ولكنه كان مستمسكا بهذا الرأي استمساكا شديدا، وهو رأي اجتهادي كما اسلفت يعني هو لم ليس عنده فيه نص واضح وإنما اجتهد فيه اجتهادا. حتى إن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إنما اقتنع بسبب ما رأى من موقف أبي بكر رضي الله تعالى عنه من تمسكه بهذا الرأي وجزمه به وانشراح صدره له وأقباله عليه، وهو يعرف فقه أبي بكر وفضل أبي بكر وعلم أبي بكر وإدراك أبي بكر لمرادات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن الأمر القاطع للنزاع هو حجة معينة، فالمسألة اجتهادية كانت. وإذا كما قلت يفرع من هذا أن الاجتهاد قد يقطع به قطعا وقد يحلف عليه، وإن كان أصل الاجتهاد في أساسه ظنيا، لكنه قد يكون في أصله ظنيا من حيث أساس معنى الاجتهاد، لكنه قد تاتي مواطن معينة للاجتهاد يقطع المجتهد فيها بصحة رأيه وقد يعني يحلف على ذلك. فهذه هي الفائدة الثانية من هذا الحديث.
الفائدة الثالثة في تغير مراحل القتال والتدافع بين الحق والباطل، وذلك أن هذا الحديث من أواخر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وهذا موافق للآية التي في سورة التوبة والتي تعرف بآية السيف، وفيها: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. وهذا لم يكن في أول الإسلام، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في بداية الإسلام بالكف عن قتال المشركين، وهذا في المرحلة المكية. ثم بعد ذلك حصل التدرج في تشريع القتال، وهذا كله يدل على أن الإسلام يراعى فيه أحوال الفئة المؤمنة التي تحمل الرسالة وتحمل الحق، وأن موقفها من الأعداء قد يتغير من حيث المواجهة المباشرة، القتال بالسيف، والسعي للهدنة والصلح وما إلى ذلك، بحسب القوة والضعف والظروف والملابسات. فإن الأصح والله تعالى أعلم أن الأمر بكف اليد وما إلى ذلك ليس منسوخا، وإنما هو راجع إلى الحال، كما ذكر ابن تيميه رحمه الله وغيره من العلماء، قال ابن تيميه: فمن كان من المسلمين بأرض هو فيها مستضعف فليأخذ باية العفو والصفح، ومن كان من أهل التمكين فليأخذ بآية السيف، أو كما قال رحمه الله تعالى. فلأجل ذلك هذا الحديث هو مما يؤخذ منه هذه المراحل هذا.
الحديث من آخر ما قيل في مراحل القتال، وفي مراحل الموقف من المشركين ومن أعداء الله ورسوله.
من يتأمل في سورة الأنفال وسورة التوبة يجد الفرق بينهما، في سورة الأنفال: وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا. بينما في سورة التوبة البراءة من معاهدات المشركين وما إلى ذلك، إلا باستثناءات معينة ذكرها الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد؛ الفائدة الرابعة: أن لا إله إلا الله وحدها لا تكفي في استقامة حال الفئات التي تنتمي إلى الدين. الفئات يعني أقصي فئات قبلية، فئات مجتمعية، فئات... وإنما في إقامة الدين يجب أن يكون هناك انقياد للشريعة، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وكذلك في حديث أنس: فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا... هذا التزام شعائر الإسلام أو شرائع الإسلام.
يعني قد يُشدد في الفئات وفي الطوائف ما لا يُشدد في الأفراد، بمعنى أن تارك الزكاة وحده لا يُعامل بالشدة والتغليظ بالقدر الذي تُعامل به الفئة أو الطائفة التي تمتنع عن أداء الزكاة. فإن من العلماء من يرى أن هذه الطوائف -قياساً على ما فعله أبو بكر مع المرتدين الذين امتنعوا عن الزكاة، وإن كانوا يقولون لا إله إلا الله، وأنه قاتلهم رضي الله تعالى عنه- فقياساً على ذلك قالوا: إن هذا يجري على الطوائف التي تمتنع عن شعائر الإسلام أو شرائعه الظاهرة المتواترة. وبطبيعة الحال هذا له شروطه وله ضوابطه، ويعني له أحواله وسياقاته، لكن هذا من حيث أساس المسألة.
ففي الأساس يعني إنما يُطلب من الإنسان في ابتداء إسلامه أن يقول لا إله إلا الله، ثم بعد ذلك عليه أن يلتزم بالشعائر الإسلامية الظاهرة، فإن للإسلام حقوقاً وللا إله إلا الله حقوقاً، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إلا بحقه. وفي حديث ابن عمر: إلا بحق الإسلام. وفي حديث أنس: إلا بحقها -أي لا إله إلا الله- وحسابهم على الله. فهذا إذاً لا إله إلا الله؛ حقوق الإسلام له حقوق يجب أن تُؤدى، فإذا لم تُؤدَ كان ذلك دليلاً على خلل في أساس الإسلام الذي أتى به الشخص في إسلامه. يكون في... يكون ذلك دليلاً على الخلل، وخاصة إذا كان هذا من طوائف، كما ذكرت ابن تيمية رحمه الله من أكثر من توسع في التأصيل لهذه المسألة، خاصة في المجلد الثامن من مجموع الفتاوى، فيمكن... يمكن مراجعه هذا المجلد للتوسع في قضية الطوائف الممتنعة وما إلى ذلك.
وقد ذكر العلماء يعني كلاماً كثيراً في هذه المسألة: هل كان مانعو الزكاة في زمن أبي بكر الصديق هل كانوا مرتدين أم كانوا بغاة أم يعني ما هو تصنيفهم؟ لأنهم يقولون لا إله إلا الله وامتنعوا عن الزكاة، فما هو تصنيفهم؟ وهذا كلام أيضاً كما قلت فيه نقاش طويل وكثير، ويراجع مجموع الفتاوى الثامن ففيه تأصيل لهذه القضية.
وفي الحديث فوائد أخرى، يعني اكتفي بهذه الفوائد ثم انتقل إلى الحديث التالي، والذي هو حديث قصة أسامة بن زيد رضي الله تعالى... عفواً حديث المقداد، حديث المقداد رضي الله تعالى عنه، وقد بوب عليه البخاري قال: باب قول الله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ. وبوب عليه الشيخ يحيى قال: باب عصمة دم من قال لا إله إلا...
الحديث عن المقداد رضي الله عنه، وكان شهد بدراً، قال: يا رسول الله، إن لقيت كافراً فاقتتلنا، فضرب يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة وقال: أسلمت لله، أقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله. قال: يا رسول الله، فانه طرح إحدى يدي ثم قال ذلك بعدما قطعها، أقتله؟ قال: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يكون كلمته التي قال. وفي حديث ابن عباس عند البخاري معلقاً قال النبي صلى الله عليه وسلم للمقداد: إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل.
نعم، هذا الحديث هو في بيان يعني عظم ومنزله كلمة لا إله إلا الله، وأن هذه الكلمة وإن كانت كلمة في أساسها، إلا أنه ينبني عليها كل شيء، ينبني عليها عصمة الدم، عصمة المال، تنبني عليها موالاة ومعاداة، ينبني عليها ثواب وعقاب، وتنبني عليها دخول الجنة والنجاة من النار. ولذلك كثرت الأحاديث في فضل الشهادتين وفي ذكر هذه الكلمه. وكان هذا من... وكانت هذه إحدى فضائل لا إله إلا الله، وهي أنها تعصم قائلها، تعصم دم قائلها، حتى لو كانت القرينة الظاهرة تدل على أن قائلها إنما قالها تعوذاً، إنما قالها تعوذاً.
لأنه يعني مقداد ذكر مثالاً صعباً جداً؛ رجل كافر جاء في قتال فضرب المسلم، فضرب الكافر يد المسلم بالسيف فقطعها، ثم فر فحاصره المسلم، فلما رفع سيفه ليقطع يده كما قطع الكافر يده أو ليقتله قال: لا إله إلا الله، أو قال: أسلمت لله. وطبعا أسلمت لله رواية البخاري، ولمسلم في رواية قال: فلما أهويت لأقتله قال: لا إله إلا الله. ما ظاهر الحال هنا؟ ظاهر الحال أنه قالها لينجو من السيف. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال.
يعني هو وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال، يعني ليس في الكفر، كما قال العلماء: لا تكفر، وإنما أنت بمنزلته في عدم عصمة دمك، فإنك تستحق القتل بهذا القتل.
فهذا... هذه... هذا الحديث وهذه القصة، وكذلك قصة حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، وهي القصة القادمة، قصة في الحديث القادم، تدلان على هذا المعنى.
وفي الرواية التي في البخاري: إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار وأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك أنت تخفي إيمانك بمكة من قبله. وهذا فيه يعني ذكر الاحتمالات التي قد يكون عليها الناس، خاصة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قد يكون هناك من خرج يعني مكرهاً، ومن خرج ومن كان يظهر أنه كافر ولكنه يكتم إيمانه. ولما جاء صلح الحديبية وجاء قول الله سبحانه وتعالى يعني موافقاً لمثل هذا الحال فقال سبحانه: وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ وَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً.
فهذا... هذه أهم فائدة من هذا الحديث. ثم بعد ذلك قصة أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، وهي في نفس المعنى. وبوب عليه البخاري بقوله: باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى الحرقات قاتل بن جهينه، وباب قوله: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ. وباب قول الله تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا، وباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: الفتنة من قبل المشرق.
نعم، الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهُم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري طعنته برمحي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذاً. قال: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
هذا... هذا الحديث هو الحديث الأصل في هذا الباب. ثم ذكر الشيخ في جمع بين الصحيحين الباحثين مجموعة من الروايات في... في البخاري، وكذلك رواية في مسلم. ومنها ولمسلم في رواية فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين، يعني أسامة. قال ولمسلم من حديث صفوان بن محرز أن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة ابن الزبير فقال: اجمع لي نفراً من إخوانك حتى أحدثهم. فبعث رسولاً إليهم فلما اجتمعوا جاء جندب وعليه برنس أصفر فقال: تحدثوا بما كنتم تحدثون به حتى دار الحديث، فلما دار الحديث إليه حسر البرنس عن رأسه فقال: إني أتيتكم ولا أريد أن أحدثكم عن نبيكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً من المسلمين فذكره بمعناه، يعني ذكر قصة أسامة فدعاه فسأله فقال: لما قتلته؟ فقال: يا رسول الله، أو وجع في المسلمين وقتل فلاناً وفلاناً وثمى له نفراً، إنِّي حملت عليه فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلته؟ قال: نعم. قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: يا رسول الله استغفر لي، إلى آخر الحديث.
ثم ذكر ألفاظ عند البخاري يعني ملحقة بهذا حديث، وإن كانت ليست من أصله، لكن ضمها الشيخ إلى هذا المكان. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقال: إن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. فقال: ألم يقل الله: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغيره.
وفي رواية: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول في دين فتنة، وليس كقتالكم على الملك. وفي رواية: يا ابن اخي أغتر بهذه الايه ولا أقاتل أحب إلي من أن أغتر بهذه الآية التي يقول الله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُُّّتَعَمِّداً... إلى آخرها.
نعم، وكذلك في رواية أن رجلاً أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا الآية، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلنا عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلاً، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما يعذبونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة.
نعم، هذه روايات متعدده لحديث أسامة، ثم لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وفيها تأكيد على ما تم ذكره في حديث المقداد رضي الله تعالى عنه. وهي الفائدة الأولى: في عظم لا إله إلا الله وما تعصمه من دم صاحبها، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة على حرمة دم المسلم وشدد على ذلك وحذر أصحابه رضوان الله تعالى عليهم من أن يحصل بينهم بعد ذلك قتال، وأن يسفك بعضهم دماء بعض. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على هذه القضية، حتى قال في يوم النحر قائماً في الناس: أي يوم هذا؟ حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى. قال: أي شهر هذا؟ فظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. أليس شهر ذي الحجة؟ ليس الشهر الحرام شهر ذي الحجة؟ قالوا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ أليس البلد الحرام مكة؟ أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يعني بهذا المعنى، ثم قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. فالأمر عظيم، وقد حرص عليه النبي صلى الله عليه وسلم حرصاً كبيراً وشديداً.
الفائدة الثانية: في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا من أصحابه وكان يتيح لأصحابه العمل لأجل الدين مع وجوده، ولو كان هناك زمن يعذر فيه أصحابه بالقعود عن العمل للدين لكان الزمن -باحتجاج أن هناك يعني أناس من أهل الفضل وهناك علماء وهناك دعاة- لكان الزمن الذي كان فيه الصحابه مع النبي صلى الله عليه وسلم هو ذلك الزمن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم موجود، وقد يقول قائل: وما جدوى العمل؟ أو وما معنى أن يعمل الإنسان لدين الله وينصر دين الله ويبلغ دين الله ورسول الله موجود قائد المسلمين وقائد... قائدهم في الجهاد وفي السلم وفي العلم وفي كل شيء؟
ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل أصحابه للدعوة وللجهاد ولتبليغ دين الله ولتبليغ الرسائل إلى الملوك، ويببعث بعض أصحابه ليعلم أناساً من الناس القرآن، ويعلمهم الدين، وليقضي... وليقوم بين الناس. وهذا فيه ميزة: أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أصحابه ورباهم لمثل هذه الأيام التي يقومون فيها بمسؤولياتهم، ويعملون فيها على عينه صلى الله عليه وسلم. فكان يرسلهم فيعملون ثم يعودون إليه صلى الله عليه وسلم فيشكر لمحسنهم، ويقوم مسيئهم صلى الله عليه وسلم. وهذا جزء أساسي من التربية العملية من التربية النبوية... عفواً.
وفي هذا الجزء عدة مقامات من مقامات التربية النبوية؛ المقام الأول: مقام التمكين العملي الإصلاحي، والمقام الثاني: مقام التصويب للأخطاء التي تقع أثناء العمل الإصلاحي. هذا جزء أساسي من التربية النبوية فليفهم ذلك جيداً من يقوم أو من يرث النبي صلى الله عليه وسلم من العلماء والدعاة والمصلحين الذين يقومون في الناس مقام النبي صلى الله عليه وسلم في حمل هذا الدين وتبليغه.
والفائدة الثالثة هي في...
منهج التعامل مع الأخطاء، وأن الخطأ الشرعي قد يغلظ فيه القول؛ أي إذا كان إذا كان خطأ كبيراً قد يغلظ فيه القول إذا كان خطأ كبيراً، قد يشدد فيه في الأسلوب إذا كان خطأ كبيراً؛ مثل هذا الذي فعله أسامة رضي الله تعالى عنه وهو في سفك الدم، سفك دم قال: لا إله إلا الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتهاون مع أسامة في الإنكار عليه، وفي بيان خطاه، وفي ذكر وفي شدة الأسلوب الذي يعني كان في نفس الموقف، لكن لم يكن ذلك سببا في أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم أسامة أو يهجره أو يعزله عن مقامات نصرة الدين والقيادة والتأثير وما إلى ذلك.
فانتم تعلمون أنه بعد هذا الموقف قد عقد النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد، عقد له قيادة جيش فيه خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبارهم، ومع ذلك عقد له في هذا الجيش، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وكان جيش أسامة في منطقة يعني في أطرف المدينة، في منطقة الجرف كما ذكره بعض المؤرخين أو نحوها، فكان أسامة قائدا لذلك الجيش مع كونه ارتكب هذا الخطا قبل ذلك، مع كون الخطا الذي ارتكبه متعلقا بالقتال، لكن لم يعزله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبعده.
هذا يذكرنا ما حصل مع خالد بن الوليد رضي الله رضي الله تعالى عنه من خطا في القتال، فلم يعزله النبي صلى الله عليه وسلم، بل قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وهذا فيه التبرؤ من الخطا وفيه إنكار المنكر، ولكن لم يبعده النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هؤلاء رضي الله تعالى عنهم لم يكونوا أهل انحراف، ولم يكن ما فعلوه ناتجا عن صفة سوء لازمة في النفس، وإنما كان ناتجا عن تأويل وعن خطا وعن اجتهاد خاطئ، ولو كان الخطا كبيرا.
فرق بين أن يكون الخطا بسبب اجتهاد، بسبب بتأويل، ولو كان كبيرا وخاصة حين يكون مرتكب هذا الخطا من عرف عنه الاستقامة وعرف عنه مخافة الله سبحانه وتعالى، وبين أن يرتكب الخطا من هو متهاون، من هو مستهين بالحلال والحرام وبأوامر الشريعة، فهذا مما يؤخذ من هذا الحديث من فوائد، يعني أن هذه القصة لم تمنع أن يؤمر أسامة بن زيد زيد مرة أخرى رضي الله تعالى عنه.
وأيضا فائدة رابعة؛ وهي التمكين للشباب، أن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه كان صغيرا في السن حين وقعت منه هذه الحادثة، كان مكلفا ولكنه كان صغيرا، وحتى حين عقد له النبي صلى الله عليه وسلم بقياده الجيش الذي كان في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم كان أسامة صغيرا كذلك، فهذا كله من التمكين للشباب وفتح الفرصة لهم للعمل لدين الله سبحانه وتعالى ولنصره الإسلام.
فهذا طبعا مسألة أو فائدة رابعة أو خامسة أخيرة، وهي مما ذكره بعض العلماء ومنه ابن تيمية رحمه الله تعالى في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أسامة بدية ولا بكفارة مع كونه أنكر عليه هذا الفعل وهذا الخطا، فقال قالوا: إن هذا بسبب التأويل، وأن هذا التأويل كان سببا في سقوط هذا عنه، وفي المسألة تفصيل وخلاف بين العلماء، يعني تراجع هذه المسألة في موضعها.
نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد