تسجيل الدخول

أنوار الصحيحين | كتاب الإيمان 03 | شرح الجمع بين الصحيحين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

نستعين بالله ونستفتح المجلس الثالث من مجالس أنوار الصحيحين في التعليق على الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى اليحيى تقبل الله منا ومنه صالح العمل. ولا يزال الحديث في كتاب الإيمان، وكنا قد وصلنا عند الحديث السابع، وهو حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث بوب عليه البخاري رحمه الله بقوله: باب وجوب الزكاة، وقول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ. وأيضا بوب عليه بقوله: باب فضل صلة الرحم. والشيخ يحيى اختار بابا من عنده وهو: باب خصال الإيمان وثواب ذلك.

الحديث عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال القوم: ما له، ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَرَبَ مَالِهِ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، ذَرْهَا. قال: كأنه كان على راحلته.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملتُه دخلتُ الجنة. قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا. فلما ولى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا.

ولمسلم: أن أعرابيا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله أو يا محمد، أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار. قال: فكف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نظر في أصحابه ثم قال: لَقَدْ وُفِّقَ أَوْ لَقَدْ هُدِيَ، كيف قلت؟ فأعاد.

هذا الحديث من الأحاديث التي تحكي شيئا من واقع الأسئلة التي كانت، أو كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بها من قبل أصحابه ومن قبل الأعراب خاصة؛ لأنه كما تعلمون في الحديث: كان أحدنا إذا هاجر منع من المسألة، فكان يعجبنا أن يأتي الأعرابي العاقل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من أسئلة الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا السؤال الذي في الحديث امتدحه النبي صلى الله عليه وسلم.

والأسئلة التي كانت توجه للنبي صلى الله عليه وسلم على أقسام؛ منها ما كان يحبه النبي صلى الله عليه وسلم ويظهر فيه حبها، ومنها ما كان يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم ويظهر على وجهه أو في قوله ما يدل على كراهيته لهذا السؤال، وقسم ثالث يعني يجيب فيه النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يكون هناك بيان في الحديث عن كون النبي صلى الله عليه وسلم أحب هذا الأمر أو كرهه.

وهذا الحديث، وهذا السؤال الذي في الحديث هو من القسم الذي فيه محبة النبي صلى الله عليه وسلم للسؤال. الدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في رواية مسلم: لقد وفق أو لقد هدى، وهذا باصابة الأعرابي لأمر المهم في سؤاله. وكذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: أَرَبَ مَالِهِ. يعني أَرَبَ يعني حاجة. لما قالوا: ما له ما له؟ قال: أرب ما له، يعني له حاجة معينة أتت به. له حاجة يعني، كما قال ابن الجوزي: له حاجة مهمة مفيدة جاءت به. فهذا الآن يعني قد يكون ماله ماله أرب كلام الصحابه أرب ماله كلام النبي صلى الله عليه وسلم يعني قد يكون هذا قبل السؤال أنه يعني اتى قبل أن يبين ما هو السؤال وإنما له حاجة. ثم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد وفق ولقد هدي، هذا دليل على امتداحه صلى الله عليه وسلم لهذا السؤال.

إذاً، ليست كل الأسئلة مذمومة، وكذلك ليست كل الأسئلة محمودة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب من أصحابه الالتزام بالعمل والامتثال لما تعلموه منه صلى الله عليه وسلم. فهذا الحديث، أو فهذه النقطة الأولى في التعليق على الحديث في أقسام الأسئلة التي توجه للنبي صلى الله عليه وسلم.

أيضا مما يمكن الوقوف عليه في هذا الحديث أن يعني مشهد الوقوف، الأعرابي عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، وهذا بالمناسبة هو سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ذَرْهَا في اللفظ المتفق عليه. قال: ذرها، وقد يكون يعني اللفظ مجملا غير يعني، قد يكون مجملا لا يستبين للقارئ من المقصود بذرها والمقصود به والله تعالى أعلم: ذرها يعني ذر الناقة. فالرجل الأعرابي اخذ بخطام الناقة وبزمامها يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أجابه وانتهى الجواب قال: ذرها. قال: كأنه كان على راحلته نعم.

أيضا مما يدل على امتداح النبي صلى الله عليه وسلم لسؤاله أنه قال: إن تمسك بما أمر به دخل الجنة. وفي رواية: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.

إذاً، هذه النقطة الأولى. النقطة الثانية هي في تنويع الإجابات بحسب أحوال السائلين. الرجل سال عن، أو طلب: أخبرني بعمل يدخلني الجنة. سؤاله وطلبه أن يخبره النبي صلى الله عليه وسلم بعمل يدخله الجنة، وهذا النوع من الأسئلة وهذا النوع من الاستفصال وهذا النوع من الاستيصاء هو مما ميز أسئلة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجيب عن هذا السؤال أو عن طلب الوصية لم يكن يجيب عن هذا النوع بجواب واحد، وإنما كان يجيب بإجابات مختلفة. وتنوع الإجابات مبني على تنوع أحوال السائلين، وبمجرد أن ندرك أن تنوع الإجابات مبني على تنوع أحوال السائلين، هذا فيه أمر عظيم مرتبط بقضية فقه الواقع. ولأن فقه الواقع باب واسع، فقه الواقع منه ما هو متعلق بواقع الأعداء، منه ما هو متعلق بواقع بالواقع الفكري، منه ما هو متعلق بواقع التاريخ، منه ما هو متعلق بأمور كثيرة، من جملتها فقه الواقع واقع الناس والمعرفة بأحوال الناس، ومن ثم التفاعل معهم بما يتناسب مع أحوالهم. فالدين دين واسع، وما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كبير، وليس كل أحد يناسبه كل شيء، يعني يناسب حاله، وقد يكون بعض ما جاء في الدين من، وكل ما جاء في الدين حق، قد يكون بعض ما جاء في الدين إذا لم يكن، إذا لم يكن مقدما بشكل صحيح في المكان المناسب في الوقت المناسب، ربما يكون لبعض الناس فتنة.

كما قال البخاري رحمه الله تعالى، يعني سياتينا أصلا بعد قليل يعني لعله في اللقاء القادم، بس بعد قليل في موضع الأحاديث اللي هو حديث معاذ، قال يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا. البخاري بوب عليه، قال: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا. وأيضا هناك من الأحاديث، هناك أحاديث أخرى فيها مثل هذا المعنى.

على أي حال، النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوع الإجابات بناء على أحوال السائلين. وهذا مهم لورثة الأنبياء من العلماء وللقائمين بتبليغ الدين أن يراعوا أحوال الناس. ليست القضية هي مجرد حفظ ثم إعادة الحفظ، أو أنه الإنسان حضر دروسا معينة ثم يعيد إلقائها كما سمعها، وإنما يخص بالعلم قوم ويخص ب، يعني يخص بشيء أو بأبواب أخرى من العلم قوم آخرون بناء على أحوالهم وما يناسبهم. ولذلك القرآن نفسه نزل أصلا منجما مفرقا على الأحداث.

طيب، إذاً هذه النقطة الثانية. النقطة الثالثة في التعليق على الحديث هو في العناية بالابواب الكبرى في الدين وأهمية ذلك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفتا يذكر بهذه القضية. دائما النبي صلى الله عليه وسلم يعيد التأكيد على قضية الصلاة والزكاة والصيام والحج وأبواب الدين الكبرى أركان الإسلام وغير ذلك من الأبواب، ودائما يكرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى. ليست القضية أنه أمر مستقر علمه عند الناس فلا يعاد التذكير به أبدا، لم تكن هذه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك في كتاب الله عز وجل، فكان ما ينزل من القرآن ينزل في الآية ثم الآية ثم الآية في السورة ثم في السورة ثم في السورة، يعاد التذكير بمثل هذه الحقائق ومثل هذه القضايا الكبرى. ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل بمثل ذلك.

والنقطة الرابعة في فضل صلة الرحم، كما بوب البخاري رحمه الله على هذا الحديث فقال: باب فضل صلة الرحم. والنبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بالتوحيد أولا قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، ثم بإقامة الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة. وجعل مع هذه الوصايا بالامور العظيمة جعل معها صلة الرحم. ولا شك أن هذا يبين أهمية صلة الرحم، وحقيقة باب صلة الرحم في الإسلام باب عظيم، وباب من الأجور كبير، وباب قد يغفل عنه بعض من يشتغل بالعلم ويعني بالدعوة والإصلاح وما إلى ذلك قد ينشغل عنه. وحقيقة هذا الباب عظيم وأجره كبير، والإنسان يطلب رضا الله سبحانه وتعالى بصله رحمه.

وأعظم من ذلك بطبيعة الحال بر الوالدين، وقد قرن الله سبحانه وتعالى بر الوالدين بالتوحيد في مواضع من كتابه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. إلى غير ذلك من الآيات.

وصلة الرحم جاء فيها أحاديث كثيرة وفيها فضائل عظيمة. وأيضا يوم القيامة على الصراط ترسل الرحم والأمانة إلى جانب الصراط، فقد، فهذا يعني مصير الإنسان الأخروي من متعلقاته الرحم والأمانة. فلذلك يعني هذا أمر عظيم، وهذا باب كبير.

ثم بعد ذلك الحديث التالي، وهو حديث عبادة رضي الله تعالى عنه، والذي بوب عليه البخاري قوله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ. ثم ذكر تفسير الآيات.

وثم قال عن عبادة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل. وفي رواية: من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء. وفي رواية: وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته.

هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي تبين قيمة التوحيد وقيمة الإيمان وقيمة الاعتقاد، قيمة العقيدة، وأن هذا الامر هو عند الله بمكان عظيم. الدين هذا هو مبني في أساسه على الاعتقاد القلبي بأن الله واحد لا شريك له، وبأن محمدا عبده ورسوله، وبأن الجنة حق وأن النار حق، إلى آخره من مفردات الإيمان. هذه هذه قضية كبرى في الدين، هذه هذه أساس الدين.

ولذلك ربما بعض الناس، خاصة في هذا الزمن، ربما يهون من هذه القضية في مقابل الجانب الأخلاقى مثلا، وفي الحقيقة كله من الدين، لكن الجانب الأخلاقي وحده لا ينفع إذا فقد، إذا فقدت هذه الشهاده من القلب. ولذلك لما سألت عائشة رضي الله تعالى عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان أحد المشركين في الجاهلية، كان صاحب إحسان للناس، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أنه هل هذا ينفعه في الآخرة أنه كان يصل الرحم ويطعم المساكين وكذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. إذاً، هناك حق لله، هناك حق لله سبحانه وتعالى، القضية ليست مجرد حقوق العباد والإحسان إليهم، وإنما هناك حق لله يجب أن يحققه العبد حتى يدخل الجنة وينجو من النار.

هنا هذه المفردات العقدية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، شهد أن الجنة حق يعني والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل. وهذا أيضا فيه قيمة التوحيد لله سبحانه وتعالى والإيمان الجازم به وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وأهمية نية الشهادة لعيسى عليه السلام بأنه عبد الله ورسوله وابن أمته وأنه كلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن هذه القضية من القضايا العظمى التي تقرب الإنسان من الجنة بإذن الله تعالى، بل إذا جمع معها هذه المفردات الأخرى يدخل من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء. وهذا أمر عظيم، يعني لا ينبغي للمسلم أن يغفل عنه، ولا لطالب العلم أن يستهين بمثل هذا الباب، ولا أن يعني يغفل عن التقرب إلى الله عز وجل باب الاعتقاد بأبواب التوحيد، بكلمة التوحيد، بكلمة لا إله إلا الله. الإيمان بضع وستون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، يعني اعظم ما يتقرب الإنسان إلى ربه به أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن يقول لا إله إلا الله. وهذا باب عظيم.

ثم بعد ذلك حديث سلمة رضي الله تعالى عنه. وقد بوب عليه الشيخ، اختار الشيخ يحيى بابا قال فيه: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله واني رسول الله. قال عن سلمة رضي الله تعالى عنه قال: خفت أزواج القوم وأملقوه، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم فأذن لهم. فلقيهم عمر فأخبروه فقال: ما بقاؤكم بعد

أبلغهم، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناد في الناس فيأتون بفضل أزوادهم. فبسط لذلك نطع، وجعلوه على النطع، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا وبرك عليه، ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى الناس حتى فرغوا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.

ولمسلم من حديث أبي رہریة رضي الله عنه: فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره، وذو النواة بنواة. قال طلحه بن مصرف لمجاهد: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء.

أما مسلم فرواه بلفظ: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فأصابنا جهد حتى همنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم فجمعنا مزاودنا، فبسطنا له نطعا، فاجتمع زاد القوم على النطع. قال: فتطاولت لأحزره كم هو، فحزرته كربضة العنز ونحن أربعة عشر، قال: فاكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهل من وضوء؟ قال: فجاء رجل بإداوة له فيها نطفة فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة عش، قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرغ الوضوء.

ولمسلم هذه الآن كلها روايات للحديث في مسلم كلها في الحاشية أقرأها من الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى، لكن نسخة الباحثين وهي النسخة التي يعتمدها في التعليم، قال: ولمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه. وفي رواية عن أبي هريرة أو أبي سعيد رضي الله عنهما قال: لما كان غزوة تبوك اصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا. قال: فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزواجهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. ثم ذكر الرواية وفيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة.

الله أكبر، حديث عظيم وقصة عجيبة والتعليق عليها في نقاط.

النقطة الأولى: في أهمية التفقه في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الأحاديث وليس عن طريق أو دون الاكتفاء بكتب السيرة العامة، لأن كتب السيرة العامة تذكر الأحداث المرتبطة بالمغازي والأحداث الكبرى والمعالم بأحداث السنوات في السيرة النبوية، أما الأحاديث فتذكر تفاصيل من داخل هذه الأحداث، ليست بالضرورة مرتبطة بالشان أو بالسياق العام للحدث، ولكن يكون في السفر وفي الجهاد تكون هناك أحكام، تكون هناك مواقف، يكون هناك سؤال وجواب، يكون هناك أمور كثيرة فيها فوائد عظيمة للمتفقه ولتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا ينبغي الاكتفاء بكتب السيرة العامة، وأيضا لا ينبغي الاكتفاء بكتب الحديث والروايات -روايات أحاديث الأحكام خاصة- لا ينبغي الاكتفاء بها عن أو دون كتب السيرة العامة، لأن فيها أيضا ما ليس في كتب الحديث، ولذلك الجمع بين الامرين هو الهدي التام بإذن الله تعالى. وهذا الحديث من جملة الأحاديث التي فيها فوائد وعبر ودروس، وكذلك عامة الأحاديث التي فيها القصص، وكما قلت فإن هدي النبي صلى الله عليه وسلم يتعلم من الأحداث العامة ومن الأحداث الخاصة كذلك.

النقطة الثانية: في عظمة وشده إيمان وتصديق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وذلك أنه قال كما في رواية مسلم: قال يا رسول الله، ادعهم بفضل أزواجهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك. يعني عمر رضي الله تعالى عنه بما علمه، بما هداه الله سبحانه وتعالى وعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان له هذا القدر من الإيمان واليقين، وجمع هنا بين الامرين بين الاخذ بالاسباب، لأن نحر الإبل سيؤدي إلى قلة الظهر، قلة الركوب على الدواب في مثل هذه الحاجة في مثل هذا السفر، وفي نفس الوقت يقينه وايمانه بالبركة التي يجعلها الله سبحانه وتعالى وبالمعجزة التي يعطيها لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل هذا الامر مستندا فيه إلى إيمانه ويقينه وحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى أن يكون له أو أن يجعل الله سبحانه وتعالى في هذا الامر لنبيه صلى الله عليه وسلم معجزة تسد بها الحاجات ويسد بها الجوع الذي أصاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

والامر الثالث أو النقطة الثالثة: هو أو هي في الشدة التي لاقاها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا حقيقة باب عظيم ينبغي العناية به كثيرا والاستفاده منه في حياة الإنسان، ما أهون الدنيا على الله سبحانه وتعالى إذ جعل النبي صلى الله عليه وسلم وجعل أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم يعانون فيها من الجوع والشدة واللأواء وتسلط الأعداء، فلو لم تكن الدنيا هينة على الله سبحانه وتعالى لما جعل لهذه الأوجاع والآلام ما جعل لها سبيلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهنا اللفظ لفظ مجاعة، كان كما في رواية مسلم من حديث عن أبي هريرة أو أبي سعيد قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة. أصاب الناس مجاعة، هذه إذا مجاعة حصلت للصحابة رضي الله تعالى عنهم، والقصص في ذلك كثيرة، حتى يعني في الرواية الأخرى: جاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره، وذو النواة بنواة. فقال طلحه بن مصرف لمجاهد: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ يعني هذا النوى محتفظ، كانو محتفظين بها، يعني التمر للاكل، البر للاكل، لكن ما يصنع الانسان بالنوى؟ يجعله معه من شدة الجوع ومن شدة النصب، كانوا يحتفظون بالنوى كما قال مجاهد قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء. وهذا وهم في جهاد وهم في سير وهم في خروج إلى نصرة دين الله سبحانه وتعالى، كما قال الله سبحانه وتعالى: لَقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ. فهذه الشدة كانت ظاهرة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي حياة أصحابه، وكم عانوا وكم تعبوا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد. ويعني القصص في ذلك كثيرة جدا، وبعض الصحابة في أسفارهم في السرايا جاعوا جوعا شديدا حتى كادوا، حتى كادت أجسامهم أن تسقط على الأرض.

وحتى في المدينة نفسها، يعني ليس فقط في الأسفار والسرايا، كان أبو هريره رضي الله تعالى عنه كما ذكر في الحديث الصحيح قال: كان يسقط على الأرض من الجوع، قال: ويظن الناس أنني مجنون، وما بي إلا الجوع. الجوع كان يحفر في أجساد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، هذا وهم في المدينة، هذا في حالة السلم ليس في حالة الحرب، يعني ليس مثلا بسبب حصار الأعداء وبسبب أنه، لا، هذا في الحالة العادية التي هم يعيشون فيها، كان هناك جوع وقلة ذات يد، وطبعا كان هناك تفاوت لا شك، يعني كان هناك بعض الصحابه أغنياء وعندهم نخل وعندهم كذا وعندهم من الأنعام، ولكن كان هناك من الصحابة فقراء فقر شديد جدا، والحالة العامة هي حالة قلة ذات يد، لا أقول إن الحالة العامة هي حالة جوع في حالة الاستقرار في المدينة، لكن الحالة العامة هي حالة قلة ذات يد، وتأتي أحيانا لحظات أو اوقات جوع وشدة، ولذلك تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ما شبعنا من التمر إلا حين فتحت خيبر.

إذا هذه النقطة التي تؤخذ من هذا الحديث كذلك، وهي من الأمور المهمة.

الامر الرابع: في بيان بعض الألفاظ، وكان هذا المفترض يكون في البداية، لكن عموما النطع هو يعني يفرش من الجلد، كما ذكر ابن حجر يفترش من الجلود، وفي نطعه عدة الفاظ وفيه لغات، يقول ابن حجر: فتح النون وكسرها وسكون الطاء وفتحها، والأفصح كسر النون وفتح الطاء، يعني نطعا. وكذلك من الألفاظ: ندغفقه دغفقه، هذه في رواية مسلم، يعني نصبه صبا شديدا، ذكروا في شرحها. وكذلك فحرزته كربضة العنز، وضبطت أيضا ربضة العنز، يعني بعضهم قال كحجم العنز الباركة، كقدرها، أنه جمع الطعام إلى هذا الحد. فهذا بعض بيان بعض الألفاظ التي، طبعا أملقوا كذلك: أملقوا فني زادهم، بمعنى خفت أزواج القوم وأملقوا أي فني زادهم.

إذا هذا في بيان بعض الألفاظ، ثم في الرابعة في المعجزات التي بها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كانت هذه المعجزات كثيرة متنوعة، منها ما كان لإقامة الحجة في أساس الدين وأساس الاستقامة والاستجابة لله سبحانه وتعالى، وفي أساس صحة الإسلام، وفي أساس الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي الله، وهذه مدارها على القرآن الكريم، وقد كان التحدي به والإعجاز به، ولكن أيضا كانت هناك معجزات مادية كانت تحصل للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك في سياق إقامة الحجة على الكفار، وإنما كانت تحصل تأييدا من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن حصول مثل ذلك فيه زيادة في الإيمان وزيادة في اليقين بالنسبة للمؤمنين الذين كانوا يرون مثل هذه المعجزات التي تحصل أمامه، منها ما حصل في هذه القصة، والتي علق عليها النبي صلى الله عليه وسلم بما يدل على ذلك بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فهذا الامر الذي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم أمر عظيم، وهو متكرر كذلك في حياته وفي سيرته مرارا، حصل له مثل ذلك، وهو معجزة تكثير الطعام، معجزة تكثير الطعام حصل هذا في غزوة تبوك، وحصل هذا في غزوة الخندق، وحصل هذا في الحديبية، تكثير الماء وأيضا غير ذلك، بل حصلت بعض الكرامات لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كله ببركة الإيمان والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا باب عظيم، فهنيئا لأصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم ما شهدوه وما رأوه وما عاينوه مما يزيد إيمانهم ويزيد يقينهم. ونحن نؤمن بذلك ونشهد به، وإن لم نكن قد رايناه بأعيننا، فإنا نصدق هذه بهذه المعجزات ونصدق بالكرامات التي حصلت لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ونؤمن بأخبار الثقات العدول الذين عرفت أحوالهم وضبطت أوصافهم وأمورهم، وصنف العلماء في سيرهم، وجمعت الطرق والأسانيد وضبطت ونقدت وفحصت حتى استقر الأمر على قانون معلوم عند المشتغلين بالحديث، فإنهم وإن فاتهم رؤية مثل هذه الأحداث بأعينهم فقد رأوها بقلوبهم وصدقوا بها بناء على ما في هذه النقول من الأخبار، أخبار الثقات، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المصدقين، وأن يجعلنا من الموقنين، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا في الآخرة، أن يجعلنا في الآخرة مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

إذا هذه بعض الفوائد أو التعليقات على هذه الأحاديث الثلاثة، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، ونسأله أن يتم علينا إكمال هذه السلسلة، وصلي اللهم على نبينا محمد.