تسجيل الدخول

أنوار الصحيحين | كتاب الإيمان 04 | شرح الجمع بين الصحيحين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله جميعاً، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والستر والعافية، ونسأل الله الهدى والتقى والعفاف والغنى، وأن يعز عباده المسلمين، وينجي المستضعفين من المؤمنين في كل مكان.

أما بعد، فهذا استفتاح للمجلس الرابع من مجالس سلسلة أنوار الصحيحين في التعليق على كتاب الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى اليحيى سدده الله وتقبل منه صالح العمل. ومجلس اليوم سيكون مجلساً قصيراً في التعليق على حديث واحد، ويصعب جمع الحديث التالي إلى هذا الحديث؛ لأن الحديث التالي -وهو حديث عتبان رضي الله تعالى عنه- سيكون التعليق عليه مطولاً، ولا يمكن الجمع بينه وبين هذا الحديث، ولذلك نكتفي بهذا الحديث؛ حديث معاذ رضي الله تعالى عنه.

على أنني أنبه، كما نبهت في أول المجلس، أنني أقرأ من الجمع بين الصحيحين للباحثين، ولا بأس بالمتابعة من الجمع بين الصحيحين للحفاظ؛ فالأحاديث نفسها، لكن جمع الباحثين أو نسخة الباحثين فيها بعض الزيادات في الروايات، وكذلك فيها عرض لأبواب البخاري؛ لتبويبات البخاري، عفواً، للحديث الواحد، فالفايدة فيه أكثر وإن كان يعني الأصل كافياً، وإن كان الأصل كافياً، وكذلك ما يعرض في الشاشة أثناء الدرس هو من نسخة الحفاظ وليس من نسخة الباحثين. أحببت التنبيه على هذه القضية والتذكير بها.

حسناً، حديث اليوم حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. عن معاذ رضي الله عنه قال: بين أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: على حمار يقال له عفير، ليس بيني وبينه إلا آخِرة الرَّحْل، فقال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قلت: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك. فقال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق العباد على الله ألا يعذبهم. وفي رواية: فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا.

وأيضاً بعد ذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه، وهو يعني في قصة معاذ كذلك موجود، هذه الزيادة في نسخة الباحثين. وفي حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل، قال: يا معاذ بن جبل! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثاً. قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار. وفي رواية: من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا. وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً.

إذاً، هذا هو الحديث. وفي قصة إرداف النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وتعليمه هذا الـ هذا المعنى الذي جاء في الحديث، الإمام البخاري رحمه الله بوب على هذا الحديث عدة أبواب. وهناك عناية بالغة عند العلماء بتبويبات البخاري، واعتنى بذلك الشراح والعلماء والفقهاء، ولا شك أن هذا هذه العناية مستحقة. فتبويبات الإمام البخاري تبويبات عجيبة ومهمة جداً، وهي نموذج على الاستفادة أو على ذكر الفوائد من الحديث، ونموذج على تنويع الفوائد من الحديث الواحد؛ وأن الحديث وإن سيق في موضوع أساس أو في موضوع أساسي، فإن هذ هذه الـ فإن هذا الموضوع لا ينبغي أن يغفل الناظر والباحث والمتامل والمستهدي، لا ينبغي أن يغفله عن النظر في بقية جوانب الحديث والاستفادة منها.

يعني مثلاً، الإمام البخاري في هذه القصة -والقصة لها موضوع أساس واضح، في حق الله على العباد وحق العباد على الله، هذا هو موضوع الحديث حسناً- الإمام البخاري من جملة الأبواب التي بوب بها على الحديث، قال: باب اسم الفرس والحمار. باب اسم الفرس والحمار، يعني لاحظوا كيف أنه الإمام البخاري التقط هذه الالتقاطة! من أين التقطها؟ من قول معاذ رضي الله تعالى عنه: بين رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير؛ يعني اسم الحمار عفير. وهذا يعني أمر عجيب حقيقة ومهم ودقيق وضروري أن ينتبه له وأن يعتنى به.

إذاً، هذه فائدة في تسمية الدواب وتسمية الآلات وتسمية الأشياء، كما قال كما ذكر من ذكر من العلماء أن هذا من شأن العرب أنهم كانوا يسمون الأشياء، فكان من جمله ما يسمى الحيوانات الحمير والخيول وما إلى ذلك. على كل حال، الإمام البخاري رحمه الله بوب بقوله: باب اسم الفرس والحمار. وكذلك قال: باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا، وقال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، اتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ إذاً، البخاري بوب هذا الباب اللي هو: من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا، وذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين سأله: أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا. لا تبشرهم فيتكلوا، سيأتي التعليق إن شاء الله على هذه النقطة.

وأيضاً بوب عليه البخاري: باب إرداف الرجل خلف الرجل، وكذلك بوب عليه بقوله: باب من أجاب بلبيك وسعديك، وكذلك بوب عليه: باب من جاهد نفسه في طاعة الله، وكذلك بوب عليه بالباب الذي اختاره الشيخ يحيى في هذا الكتاب أو لهذا الحديث، فقال: باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى.

إذاً، هذه مواضع متعددة ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى في هذا الحديث. طبعا كل تبويب ماذا يعني؟ يعني أن البخاري ذكر فيه هذا الحديث، إذاً البخاري كرر هذا الحديث في عده مواضع: الموضع الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس. إذاً كرر الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث ست مرات أو خمس مرات، وهذا كله دليل على تكرار أو على تنويع الاستنباط للفوائد، وأهمية التكرار، وأهمية النظر للحديث من عدة وجوه. وما يقال في الحديث يقال في آيات القرآن من باب أولى، وأن يعتنى بفوائدها وما يمكن أن يهتدى من خلال هذه الآية يهتدى به من خلال هذه الآية؛ من إصلاح التصورات والأفهام، ومن الفرائض والأوامر والنواهي، وذكر الآخرة إلى غير ذلك من الأمور المختلفة والمتنوعة.

إذاً، هذه القضية الأولى في تبويبات الإمام البخاري رحمه الله تعالى على الـ على الحديث.

النقطة الثانية هي في أن الأحاديث النبوية نقلت لنا كثيراً من المشاهد التي حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابـ صحابه، وأن من النقص الكبير أن يكتفي طالب العلم، وأن يكتفي المسلم الذي يطلب هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، أن يكتفي بالنصوص القولية. نصوص القولية يعني هناك مثلاً من العلماء من جرد الأحاديث اللفظية القولية، وهناك من العلماء من اعتنى باختصار الأحاديث اختصاراً كبيراً دون ذكر الأسباب اللهم إلا ما كان لا يمكن اختصاره عن قصته. وهذا التجريد -وإن كان يعني مسوغاً من بعض الجهات- إلا أنه قد يحرم المتفقه والمستهدي، قد يحرمهم كثيراً من الفوائد المرتبطه بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ولذلك دائماً إذا سمعت قصة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذهابه ومجيئه وخلطته وحواره وجهاده وغزوه، يعني مسيره مع أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، دائماً اهتم بها اهتماماً كبيراً؛ فمن خلال القصة ومن خلال الهدي العملي تعرف كثيراً من أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويسهل عليك الاهتداء بهديه والاستنان بسنته صلى الله عليه وسلم. وهذا ما كان يلاحظه الإمام البخاري في تبويباته؛ الإمام البخاري ينتبه إلى كل لفظ في الحديث وإلى المشهد الكلي وإلى دقائق الأمور، ويبوب عليها بناء على ذلك، مثل ما مر معنا قبل قليل لما لاحظ تسمية الدابة أو لما الـ قضية من خص بالعلم قوماً دون غيرهم ونحو ذلك.

إذاً هذه النقطة الثانية.

النقطة الثالثة أو الوجه الثالث هو في أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم التعليمي. أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم؛ النبي صلى الله عليه وسلم كان معلما ووصف نفسه بأنه معلم كما في الحديث الصحيح، قال: إنما بعثت معلما، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم معلم، ومنه، ومن أحاديثه، ومن هديه ينبغي أن تستقى أساليب التعليم، يعني مبادئ التعليم والآلات وخلينا نقول وآلية التعليم.

النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوع في أساليب التعليم كثيراً، وهذا الحديث فيه مشهد في التعليم وفيه أساليب في التعليم؛ منها، يعني لاحظوا الآن المعطيات التعليمية التي تعين الطالب على الاستماع والفهم، والتي كذلك يعني تفتح لذهنه آفاقاً في فهم ما يقال، وأيضاً تحفر هذه المعلومة في ذهنه بحيث لا ينساها: أولاً، قرب قرب الطالب من المعلم وقرب المعلم من الطالب. النبي صلى الله عليه وسلم اردف معاذاً خلفه، فهو يعني كان معه على ظهر الدابة وهذه حالة القرب المتكررة.

وذكر بعض العلماء -وهذا من من لطيف العلم ومن الجهود الكبيرة التي بذلها العلماء- ذكر ابن حجر رحمه الله أن ابن منده أفرد أسماء من أردفهم النبي صلى الله عليه وسلم فبلغوا ثلاثين نفساً. وهذا ملحظ لطيف، يعني كان يعتني به العلماء. العلماء حللوا السنة تحليلاً دقيقاً، يستقرئون استقراءات عامة وشامله وكلية. لم يرد مثلاً في حديث واحد فيما أعلم عدد الذين أردفهم النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا يعملون؟ يجمعون من أطراف السنة النبوية مما ورد فيه لفظ الـ يعني ما ورد فيه قضية الإرداف فيستخرجون ويعدون، وهذا ذكره ابن منده رحمه الله على وجه الإجمال وعلى وجه الاستقراء. وقد يكون يعني فيه في إفراد نصوصه ما يعني خلينا نقول يتطلب تدقيقاً وبحثاً، ولكن هذا في يعني على سبيل الإجمال، لكنه مبحث لطيف وعناية فريدة من العلماء رحمهم الله تعالى بمثل هذا المعنى.

إذاً أولاً، قرب الطالب أو قرب المعلم من الطالب، وهذا التقريب هدي من المصطفى صلى الله عليه وسلم وكان متكرراً في حياته صلى الله عليه وسلم. ومن المهم جداً أن يعتني المربي والمعلم والداعيه والمصلح الذي يعلم دين الله سبحانه وتعالى، من المهم أن يعتني بقرب الطالب والقرب وتقريب الطلاب، وأن يكون هو قريب منهم. وأنا حقيقة أتعجب من كثير ممن يبلغ دين الله ويعلم العلم الشرعي كيف يعني كيف يصنع لنفسه حالة من البعد عن الطلاب! وكأن هذا البعد هو الذي يؤدي إلى الهيبة وإلى المكانة في النفوس. أبدا! هذا يعني قد يؤدي إلى حالة من الهيبة المشوبة بالخوف، وليست الهيبة المشوبة بالحب، بينما النبي صلى الله عليه وسلم كان يعني كان يكون مع أصحابه هكذا، اردف معاذاً خلفه.

وهذا بحد ذاته، هذه الحالة من القرب تعين الطالب وتعيني المستمع وتعين المتعلم على أن يتلقى العلم بحالة من الارتياح النفسي والسكون والسكينة والتلقي والتلهف لما يقال.

وأيضاً من أساليب التعليم الواردة في الحديث: أسلوب السؤال، وحتى يعني التكرار. يعني الأول قلنا التقريب القرب النفسي، ثم السؤال، ثم التكرار. يعني السؤال: يا معاذ بن يا معاذ بن جبل! هل تدري ما حق الله على العباد؟ يعني كان ممكن أن يقال مباشرة الحديث: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من فعل ذلك مثلاً، لكن لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ابتداءً، وإنما جعل ذلك على سبيل السؤال. لماذا؟ لأن هذا الأسلوب أبلغ في ثباته في نفس المتعلم. هذا الأسلوب أبلغ في ثباته في نفس المتعلم.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً غاية الحرص على أن يبلغ الكلام والحق الذي يبلغه، أن يبلغ إلى نفوس المستمعين وأن يصل إليها، وأن يتلقوا ذلك بحسن الفهم وححسن الاستعداد للعمل وما إلى ذلك، ولذلك كان يتخذ الأسالب المناسبة. على أنهم أمام المصطفى صلى الله عليه وسلم -يعني لو قال قائل: النبي صلى الله عليه وسلم- يعني لو قال قائل: الصحابة رضوان الله تعالى عليهم سيستمعون للنبي صلى الله عليه وسلم وسيهتمون بكلامه على كل الأحوال بغض النظر عن الأسالب التعليمية؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم وهم يحبونه ويعظمونه، فسيستمعون لكل ما يقول وسيهتمون بكل ما يقول. ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني باساليب التعليم، ويتخول الصحابة بالموعظة كراهية السامة عليهم، وكان يراعي الأحوال البشرية والأحوال النفسية.

يا جماعة الخير، الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون في مختلف الأحوال؛ يعني هذه سنة، لا أدري كيف يعتني الناس ببعض السنن الدقيقة التي حتى ربما لم تتكرر -لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرات قليلة- يعتنون بها عناية بالغة، وأحياناً تأتي في أحاديث ضعيفة، وأحياناً تأتي في أحاديث في ثبوتها خلاف، وأحياناً يوالى ويعاد عليها، مثل ما حصل يعني في في بعض المراحل السابقة، كانت هناك موالاة ومعاداة على بعض السنن التي في الصلاة، وبعضها غير ثابت أصلاً، وقصص طويلة حصلت وخلافات ونقاشات، ثم لا يعتنى بالهدي الأكثر تكراراً والأكثر عناية من جهة من النبي صلى الله عليه وسلم به؛ يعني هذا الآن الذي نتحدث به عن التعليم وأساليبه والتربية وعناية النبي صلى الله

عليه وسلم بأصحابه وما إلى ذلك، هذه سنة. يعني هذه سنة مؤكدة، هدي دائم مستمر على طول الطريق. كيف يأتي يعني طالب العلم، أو الشيخ، أو المعلم، أو أيا كان الداعي ولا يعتني بمثل ذلك؟ هذا تقصير في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك في عموم منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، مثلاً في تلقي القرآن؛ النبي صلى الله عليه وسلم له منهج دائم في تلقي القرآن وتلقينه للصحابة، هذا المنهج استمر لمدة ثلاثة وعشرين سنة، يعني من بداية ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه القرآن وتلقاه هو صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، هناك منهج لهذا التلقي، وهذا منهج مبين وموضح، وكيف كان فيه التأني، وكيف كان لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيهن من العلم والعمل، وكيف وكيف، وأحاديث كثيرة في هذا المعنى. ومقاصد التعامل مع القرآن بينها الله في كتابه في آيات كثيرة جداً، ثم تختزل كل هذه في الحفظ والتلاوة فقط، بينما هدي النبي صلى الله عليه وسلم يعني هناك سنة للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى.

فالقصد أن هناك معالم لمنهاج النبوة ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين، في تعليم الدين، في تلقين الدين، في التربية عليه، هذه معالم. وهذه المعالم يعني اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيها، واتباعه فيها أولى من اتباعه فيما لم يثبت عنه إلا مرة أو مرتين وبغير صيغة مؤكدة، أو حتى يعني فضلاً عما لم يرد في حديث ثابت صحيح وإنما روي يعني روي في حديث فيه ما فيه في إسناده. هذه القضية حقيقة من الخلل في الأولويات ومن الخلل في فقه الدين.

ولذلك من المهم جداً في مثل هذا المعنى العناية التامة باتباع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الشمول، وفي هديه المتكرر الشامل لأبواب الدين المختلفة، وليس الخاص ببعض السنن العملية المرتبطه بصور أداء العبادات والفرائض. وهذا كل وعموماً كل ذلك من الدين وكل ذلك من السنة، ولكن هذا ينبغي التأكيد عليه. وهنا يحسن أن أحيل إلى مادة مرئية؛ سلسلة قدمتها قريباً بعنوان أحياء منهاج النبوة، وذكرت فيه أربعين معلماً من معالم منهاج النبوة موزعة على ثلاثة أبواب كبرى: الباب الأول منهاج النبوة في تلقي الدين، الباب الثاني منهاج النبوة في التربية عليه، الباب الثالث منهاج النبوة في الإصلاح دعوة وتمكيناً، والتمكين يشمل السياسة والجهاد. فهذه ثلاثة أبواب وأربعون معلماً، وفيها كثير مما يعني يتعلق بشأن تبليغ الدين وتعليمه والتربية عليه وما إلى ذلك.

حسناً، إذاً هذا الحديث يتضمن مجموعة من الأساليب التعليمية التي تؤخذ أو التي ينبغي العناية بها وأخذها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الفائده الرابعة هي في عظم حق الله سبحانه وتعالى على العباد، وأن العبادة هي حق لله على عباده، وينبغي أن تعرف بهذا التعريف، وأن ينطلق المسلم في عبادته لله بناء على أنها حق لله على العباد. فالله سبحانه وتعالى هو الذي أوجدنا، وإيجادنا لم يكن على اختيار منا، فالله هو الذي خلقنا، وقد جعل سبحانه وجودنا في هذه الحياة مرتبطاً بعهد بيننا وبينه، وهذا الععهد هو أداء العبادة وأداء حق الله وإخلاص العمل له وتوحيده سبحانه وبحمده، والإيمان به وبلقائه وبكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهكذا يعني. وهذا ما يجدد يومياً في دعاء سيد الاستغفار الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه لفظ العهد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت. هذا تجديد للعهد صباح مساء.

فالشاهد أن العبادة حق لله على عباده، وهذا الحق واجب علينا يعني يجب علينا أن نؤدي هذا الحق، ولذلك الإنسان ليس له أن يعترض على خالقه سبحانه وتعالى كما هو ديدن كثير من أبناء هذا العصر الذين يقدمون حقوقهم على حقوق الله سبحانه وتعالى، ويظنون أنهم سادة هذه الدنيا يقول لماذا خلقت ولماذا أمرني بالعبادة ولماذا كذا. العبادة عبادة حق لله هو يستحقها سبحانه وتعالى، وهذا الاستحقاق لله سبحانه وتعالى استحقاقه للعبادة هذا الاستحقاق يجب علينا أن نقوم به، يجب علينا أن نؤديه.

فهذا من المعاني العظمى التي ينبغي أن تعرف بها العبادة وأن يستحضرها العابد. ثم الله سبحانه وتعالى جعل حقاً للعباد إذا تم الالتزام بهذه بأداء الحق لله سبحانه وتعالى بأن يعذب عباده سبحانه وبحمده، والعبادة الواردة في الحديث قال: حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وهذا اللفظ يشمل التوحيد في أساسه، ويشمل ما أمر الله سبحانه وتعالى به في أدائه يعني من الفرائض، وما نهى الله سبحانه وتعالى عنه من المحرمات وخاصة الكبائر، هذا كله داخل تحت اسم العبادة: أن يستجاب لأمر الله سبحانه وتعالى ويتذلل له ويتبع أمره وأن يجتنب ما نهى عنه سبحانه وبحمده.

ثم الفائدة التالية بعد ذلك هي في ختام هذا الحديث: أفلا أَبشر الناس؟ قال: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا. بوب عليه البخاري بقوله: باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا. حسناً، أولئك القوم الذين كانوا موجودين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: لا تبشرهم بهذه البشرى، وقال البخاري: كراهية ألا يفهموا. هؤلاء كانوا عرباً وكانوا يفهمون كلام النبي صلى الله عليه وسلم يفهمون الألفاظ، ولكن ليس الشان في مجرد فهم الألفاظ على يعني جملها المفرقة وعلى كلماتها المفرقة، وإنما الشان في إدراك الغور في هذا اللفظ، وفي فقه هذا اللفظ، وفي الجمع بينه وبين بقية النصوص.

لأن الله سبحانه وتعالى وصف الراسخين بالعلم لما ذكر سبحانه المحكم والمتشابه آية قال، ذكر عن الراسخين في العلم قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا. فمن علامات الرسوخ في العلم النظر في المجموع، والإيمان بالمجموع، وحمل المتشابه على المحكم وما إلى ذلك. وأيضاً من شأن الفقيه ليس فقط الفهم اللفظي أو حتى فهم أبعاد المعنى من جهة الإدراك فقط لا، وإنما من جهة الاستجابة والعمل. فالفقيه يدرك حقيقة هذا اللفظ ولا يغتر بظاهره فيعمل بالفرق والخوف والوجل من الله سبحانه وتعالى، ولو كانت هناك بشريات من النصوص النبوية في أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب من قال لا إلا الله يبتغي بذلك وجه الله وما إلى ذلك من النصوص، والذي إن شاء الله سياتي تفصيل لهذه القضية في الحديث التالي بإذن الله تعالى.

لكن القصد أن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد يخص بالعلم أقواماً دون آخرين، وأن الأفهام تتفاوت. وأن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وإن لم يكن من كبار الصحابه سناً إلا أنه كان من كبارهم علماً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك إدراكاً عظيماً عجيباً لتفاوت رتب أصحابه. وهذا حقيقة ينبغي أن يفرع في فائدة تالية، فيقال الفائده التالية في عظيم علم النبي صلى الله عليه وسلم بتفاوت رتب أصحابه، وبمعرفة طبائعهم وسماتهم. فكونه خص معاذاً بهذا الخبر فهذا لعلمه بمعاذ، ولمعرفته بأن مثل هذا الحديث سيحمله معاذ على وجهه رضي الله تعالى عنه، وهذا أمر عظيم، وهذا من قرب النبي صلى الله عليه وسلم الشديد بأصحابه وخلطته لهم أصلاً، اللقب هم أصحاب يعني هم أصحاب يصاحبونه في كل حال. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك أحوالهم ويعلم أحوالهم، ولذلك اختلفت التكليفات التي كلف بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بناء على هذا الاختلاف والتفاوت.

فمنهم من جعله قائد جيش وإن لم يكن في الفقه في الدين على أعلى رتبه كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، ومنهم من جعله معلماً وأرسله معلماً وقاضياً كمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه كما في الحديث الصحيح لما بعثه إلى اليمن، وكذلك بعث علي بن أبي طالب وبعث أبا موسى الأشعري، وابقاً في مكة بعث مصعب بن عمير إلى المدينة ليسقه يعلم الناس، وبعث سالم ابن أبي حذيفة، وهكذا. اختلاف وتفاوت الأشخاص وتفاوت الشخصيات هذا كله مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعيه حق المراعاة.

وهذا شأن عظيم وهدي شريف وامر أثره في الواقع كبير، هذا بخلاف من يتعامل مع جميع الطلاب يعني على أنهم شيء واحد، والعلاقة هي ورقة الاختبار، الفيصل هو ورقة الاختبار ورصد الدرجات والسلام عليكم. أين هذا من شأن المصطفى صلى الله عليه وسلم حين كان يربيهم ويعلمهم ويدرك تفاوت رتبهم ويكلفهم التكليفات المختلفة كل بحسب حاله ويخص بعضهم بالحديث دون بعض؟ فهذا شأن، وذاك يعني شأن الذي يعني الذي يعمله كثير من الناس بعيد غاية البعد عن شأن المصطفى صلى الله عليه وسلم.

نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والقبول والمغفرة والرحمة والستر والعافية. اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم ارحم أهل غزة، اللهم فرج كربتهم، اللهم يا ربنا وحرر بيت المقدس من اليهود الظالمين، اللهم يا ربنا واجعل لنا من تحريره أوفر الحظ والنصيب. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.