تسجيل الدخول

أنوار الصحيحين | كتاب الإيمان 06 | شرح الجمع بين الصحيحين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، هذا مجلس جديد من مجالس أنوار الصحيحين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتم علينا هذه المجالس على خير، وهي مجالس نجدد فيها العهد بميراث النبوة ونتذاكر فيها شيئاً من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وشيئاً من سنته، متلمسين الخير والبركة في هذه المجالس وفي هذا الميراث النبوي العظيم.

لا يزال الحديث مستمراً في كتاب الإيمان من الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى اليحيى، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيه خير الجزاء، وهذه المرة في حديث جندب رضي الله تعالى عنه، وهو الذي قال فيه الإمام البخاري رحمه الله: باب الرياء والسمعة، وكذلك أخرجه في موضع آخر بعنوان: باب من شاق شق الله عليه.

عن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سمع سمع الله به، وفي رواية: يوم القيامة، ومن يرائي يرائي الله به. وفي رواية عند البخاري: ومن يشاقق يشقق الله عليه يوم القيامة، فقالوا: أوصنا، فقال: إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع ألا يأكل إلا طيباً فليفعل، ومن استطاع ألا يحال بينه وبين الجنة بملء كفه من دم أهراقه فليفعل.

هذا الحديث العظيم فيه شيء من بيان الجزاء الذي ينال الإنسان يوم القيامة إذا هو أساء في بعض أحواله وفي بعض أعماله، والجزاء يوم القيامة جاء الحديث عنه مطولاً ومنوعاً ومفصلاً في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاءت النصوص الكثيرة على نوعين فيما هو متعلق بالجزاء يوم القيامة؛ النوع الأول هو النصوص المجملة التي فيها ذكر الوعيد وذكر التخويف وأهوال يوم القيامة على وجه الإجمال، وأنه يوم يعني صعب وشاق وعسر. والنوع الثاني النصوص المفصلة والتي تذكر أعيان الجزاء وأعيان العقاب وأعيان المشاق يوم القيامة، وهذه النصوص على نوعين كذلك، أو على قسمين؛ القسم الأول منها هو ما يذكر أو ما فيه ذكر الأعمال المعينة التي أدت إلى العقاب المعين يوم القيامة، والنوع الآخر ما فيه ذكر العقاب المفصل دون ذكر السبب المفصل لهذا العقاب.

وهذا الحديث معنا من القسم الثاني من النوع الثاني، يعني أن هناك جزاءً معيناً يوم القيامة بسبب عمل معين في الدنيا جاء النص عليه؛ ما هو هذا العمل؟ هذا العمل هو الرياء والسمعة والمشقة على الناس أو الإشقاق على الناس. فهذا جزاؤه يوم القيامة من جنس هذا العمل، وهو جزاء مسمى ومفصل ومعين؛ فمن سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به، ومن يشاقق يشقق الله عليه يوم القيامة.

إذاً الأعمال الموجبة لهذه العقوبة المفصلة هي الرياء والسمعة والشقاق أو المشقة على الناس. طبعاً من يشاق اختلفوا فيها، اللي هي من المشقة، يعني من يجلب المشقة للناس فيما يكون عليه من أمورهم، أو من الشقاق وهو الخلاف، فهذا ذكر العقاب المفصل على العمل المفصل، أو على العمل المعين هنا؛ الأعمال هي الرياء والسمعة والشقاق.

فالرياء عقوبته يوم القيامة أو من عقوباته يوم القيامة أن الله سبحانه وتعالى يرائي بالمرائي، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يفضحه على رؤوس الخلائق، هو يبين للناس الذين راءى هذا المرائي لأجلهم، يبين لهم أنه إنما فعل تلك العبادات لأجلكم ولم يفعلها لأجلي، ويفضح هذا الإنسان الذي كان يتصنع حال العبادة لله في الدنيا، يفضح يوم القيامة على رؤوس الخلائق، وهذا عقاب مخيف ومخزٍ، ودائماً الخزي مرتبط بالفضيحة، فإذا فضح الإنسان أصابه الخزي، فنعوذ بالله من الخزي في الدنيا وفي الآخرة.

وبالمناسبة، فقد يعاقب المرائي بشيء من ذلك في الدنيا؛ حتى العلماء في شرح الحديث اختلفوا: هل هذه العقوبة، عقوبة الرياء أنه يفضح أمام من رآه، أمام الناس الذين حرص على أن يكون له عندهم محل ومكان، هل هذا يكون في الآخرة أم في الدنيا؟ فمنهم من ذهب إلى أنه يكون في الدنيا، ومنهم من ذهب إلى أنه يكون في الآخرة، ورواية الحديث تدل على أنه في الآخرة من حيث الأصل: من سمع سمع الله به يوم القيامة، ومن يشاقق يشقق الله عليه يوم القيامة، لكن هذا لا يمنع أن يكون هناك شيء من هذه العقوبة أو نسبة من هذه العقوبة في الدنيا. وهذا النوع من العقوبات هو مما يقال فيه: الجزاء من جنس العمل.

والرياء والسمعة يعني متشابهان، غير أن الرياء مرتبط بالنظر، والسمعة مرتبطة بالسماع؛ فالذي يرائي هو يعمل أعمالاً في ظاهرها الخير، ولكنه يريد أن يرى الناس منه ذلك، والذي يسمع فهو يعمل أعمالاً يريد أن ينتشر بين الناس في أخبارهم وفي كلامهم أنه كذلك، أنه على هذا الخير، أنه على هذا البر، أنه على هذا التقوى، ليقول عنه الناس كذا ويقول عنه الناس كذا. وكما أسلفت، هذا المذكور في الحديث هو صورة من صور العقاب وليس كل العقاب، مما جاء في العقاب لمن يفعل مثل ذلك وهو أشد مما ذكر في الحديث، نسأل الله العافية، أنهم أول من تسعر بهم النار، كما في الحديث الصحيح، حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أول من تسعر بهم النار فذكر ثلاثة من الناس أو ثلاثة أجناس، والجامع المشترك فيما بينهم هو الرياء، وأنهم عملوا العمل الصالح لغير الله، فنسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية.

أيضاً مما جاء في الحديث: ومن يشاق يشقق الله عليه يوم القيامة، وهذه الجملة فيها توجيه وتحذير، وينبغي أن يستفيد منها المسلم الذي يقوم على شيء من أمور المسلمين، مما بيده أن يشق فيه على الناس أو أن يرفق فيه بالناس، فينبغي عليه أن يتخذ جانب الرفق وجانب اللين، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على من ولي من أمر أمته شيئاً فشق على الناس، ودعا لمن ولي من أمر أمته شيئاً فرفق بالناس. فالمطلوب على كل مسلم تولى شيئاً من أمر المسلمين، صغيراً كان ذلك الأمر أو كبيراً؛ من الولاية المرتبطة بمعاملات الناس وحقوقهم إلى الولاية العامة المرتبطة بسياسة الناس وحكمهم، أن يجتنب الحاكم أو الوالي أو المسؤول أو المدير أن يشق على الناس، أن يشق على عباد الله، أن يشق على المسلمين، فإن فعل ذلك فقد دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم وسيشق الله عليه يوم القيامة، يوم أن يبحث المرء بكل ما يستطيع عن الرفق وعن الفرج وعن الرحمة وعن الخروج من الضيق، لكن نسأل الله العفو والعافية قد يأتي المرء يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ولكنه يعاقب بأن يشق الله عليه يوم القيامة في ذلك اليوم العسير، لأنه كان يشق على الناس في الدنيا، والجزاء من جنس العمل، فهذا مما ينبغي الحذر منه والحرص على اجتنابه. هذه يعني كلها بمجملها يمكن أن نقول هي الفائدة الأولى في الحديث.

أيضاً بعد ذلك الفائدة الثانية في قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع ألا يأكل إلا طيباً فليفعل. الوصية بأكل الطيبات وأكل الحلال واجتناب الحرام في المطعومات، والحرص والتحري التام لئلا يدخل إلى جوف الإنسان إلا حلالاً، هذا من أظهر المعالم التي حرص عليها عباد الله الصالحون ممن سلف هذه الأمة، وقد كان العلماء من الصحابة ومن التابعين ومن بعدهم ومن العباد كان من أبرز ما يميزهم من الخلال والخصال تحري الحلال من المطعومات وتحري الطيبات والبعد عن الحرام والبعد عن ما يشتبه من أسباب الرزق، بحيث لا تكون من أسباب الرزق المحرمة. والنبي صلى الله عليه وسلم نبه على ذلك، بل وجاء ذلك في كتاب الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا، وغير ذلك من الآيات والأحاديث، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومأكله حرام ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟

وها هنا في هذا الحديث في البخاري النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيه: فمن استطاع ألا يأكل إلا طيباً فليفعل. وحقيقة هذا المعنى وهذه القضية تزداد تأكداً في مثل زماننا هذا الذي كثر فيه اختلاط الحلال بالحرام والطيب بالخبيث والصافي بالمشتبه. ونحن نسأل الله سبحانه وتعالى الحليم الكريم الذي لا إله إلا هو أن يعفو عنا، رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

حقيقة من يعيش في هذا الزمن، فإنه قد يضطر أو لا ينتبه أو يشتبه عليه الحال في كثير من الأمور المرتبطة بالمطعومات، لأننا اليوم في زمن المادية وزمن الرأسمالية وزمن التسويق الذي لا حدود له للسلع بدون حدود وبدون قيود وبدون ضوابط، وفي زمن العولمة وزمن التجارة العالمية وزمن اختلاط السلع ببعضها، والأمور اختلطت، هذا فضلاً عن المعاملات التجارية الحديثة التي فيها اشتباه كبير جداً جداً. كثير من الأمور يعني أحياناً بعض المطعومات يظهر عنها كلام وتظهر عنها دراسات وتظهر عنها أحوال، فحقيقة هذه الأمور بالنسبة لزماننا هي أمور صعبة وحرجة، والصالحون من عباد الله لا يطيب لأنفسهم ولا يطيب لأحوالهم أبداً أن يتهاونوا في هذا الأمر أو يتهاونوا في هذه القضية، بل قضية أكل الحلال عندهم قضية لا تقبل المساومة، قضية أكل الحلال عندهم لا تقبل المساومة، فلذلك نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا وأن يجعلنا ممن يتحرى الحلال في أكله وشربه، في مطعمه وملبسه، والنبي صلى الله عليه وسلم كما سلف حذر كثيراً، وهذا الحديث فيه إشارة إلى شيء مما يمكن أن يعاقب به الإنسان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاع ألا يأكل إلا طيباً فليفعل. فنسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية، ويعني هذا حرص أو تحريض وتذكير لهذه القضية، وأن يتحرى الإنسان الحلال فيما يأكل والحلال فيما يشرب.

ثم بعد ذلك النقطة الثالثة والفائدة الثالثة في قوله سبحانه وتعالى: ومن استطاع ألا يحال بينه وبين الجنة بملء كفه من دم أهراقه فليفعل. هذا فيه كذلك شيء من الجزاء المعين والمسمى في الآخرة، وهو الحرمان من الجنة، الحرمان من الجنة وهذا أشد شيء يمكن أن يصاب به الإنسان يوم القيامة أن يحرم من الجنة، وإذا حرم من الجنة فقد دخل النار، وإذا دخل النار فما الذي يهون به بعد ذلك؟ نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية، والسبب أيضاً معين ومسمى وهو إهراق الدم أو قتل المسلمين، سفك دم المسلم. من استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة بملء كف من دم أهراقه فليفعل، فهذا الباب كذلك باب عظيم وباب خطير وباب ورد فيه الوعيد الشديد في كتاب الله: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ. فهذا الباب باب خطير جداً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. فكذلك مما قد يحول بين المرء وبين دخول الجنة يوم القيامة هو أن يأتي يوم القيامة وقد أصاب دماً حراماً، فلذلك من وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد قالوا له أوصنا، من وصيته لهم قال: ومن استطاع أن يحال بينه وبين الجنة بملء كف أو كفه من دم أهراقه فليفعل. ولا شك أن هذا يدل على غلظ تحريم دم المسلم، وأن جزاءه يوم القيامة شديد، فنسأل الله العفو والعافية ثم نسأل الله العفو والعافية ثم نسأل الله العفو والعافية.

ثم بعد ذلك قال: باب أي الرقاب أفضل، وباب الإيمان بالله أفضل الأعمال. هذا اختيار أو تبويب الشيخ اليحيى نفسه، وأما الباب الأول فهو من تبويب الإمام البخاري رحمه الله: باب أي الرقاب أفضل. والحديث الذي أخرجه في هذا الباب هو حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وحديث أبي ذر كالتالي: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله. قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أعلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك. هذا الحديث العظيم فيه فوائد متعددة، منها طبيعة أسئلة الصحابة وعنايتهم بالسؤال عن المقامات العلية، وأن الدين على مراتب وليس على مرتبة واحدة، فالصحابة كانوا يحرصون على السؤال عن أعلى المراتب، فلذلك يكثر في أسئلة الصحابة سؤال: أي العمل أفضل؟ أي العمل أحب إلى الله؟ أي الإسلام خير؟ أي الإسلام أفضل؟ هذا السؤال عن أعلى المراتب، وينبغي على من يتبع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ويسير على هديهم، هدي خير القرون رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، أن يحرص غاية الحرص.

على التتبع أفضل الأعمال والسعي لتحقيقها، والحرص عليها، وإدراك أن الدين على مراتب متفاوتة في الأمر والنهي والخبر، وأن الفقه في الدين تبع لتلك المراتب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على هذا التفاوت في رتب الدين، وكان يقول لبعض الصحابة: أي آية من كتاب الله معك أعظم، وعلمهم أعظم سورة في القرآن، وعلمهم السورة التي تعدل ثلث القرآن، وهكذا كان يربيهم النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم.

فهنا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، وها هنا أبو ذر هو الذي سأل فقال: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ فهذه الفائدة الأولى وهي مأخوذة من أسئلة الصحابة، ولا شك أن أسئلة الناس مقياس لمقدار فهمهم ولمقدار اهتمامهم ولمقدار عنايتهم بشأن الدين. إذا تغيرت أسئلة الناس من السؤال عن المعالي والسؤال عن الأفضل والسؤال عن الأهم والسؤال عن الأولى والسؤال عن الأمر العملي الذي يقود إلى عمل ويفيد عملاً، إلى الأسئلة التفصيلية الفرعية التي لا تنتهي، وخاصة تلك الأسئلة التي يكون فيها قدر من التنطع؛ فإن هذا مما يذم الناس لأجله. وقد جاء عن الشعبي رحمه الله تعالى وعن غيره من التابعين أنه قال: لو نزل القرآن في زمانكم لكان عامة القرآن يَسْأَلُونَكَ يَسْأَلُونَكَ، وهذا على سبيل الذم. وكما تعلمون النبي صلى الله عليه وسلم كان يمنع أصحابه من المسألة، لكن هذا النوع من الأسئلة الذي فيه السؤال عن أفضل الأعمال وما إلى ذلك فهذا من الأسئلة المحمودة، وهو من الأسئلة التي تقود إلى العمل.

الفائدة الثانية في شرف الإيمان وفضله وعظيم مكانه وأنه من العمل، فإن السؤال كان عن العمل أي العمل أفضل؟ وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن أفضل العمل الإيمان والجهاد، فهذا دليل على أن الإيمان من العمل، وأن الإيمان ليس اعتقاداً مجرداً، وهذا دليل واضح. والأمر الآخر دليل على أفضليته، وأن من أعظم ما يدخره الإنسان للآخرة ومن أعظم ما يدخره الإنسان للقاء الله سبحانه وتعالى هو إيمانه. ولذلك لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة رضي الله تعالى عنه قال: إن أعظم ما ندخر لا إله إلا الله. وهذا من أعظم ما ينبغي أن يُستحضر، الإيمان بالله هو أعظم ما يدخر، ولا إله إلا الله هي أعظم ما يوافى به يوم القيامة. فلذلك على الإنسان أن يفرح بإيمانه وأن يحرص عليه وأن يقويه وأن يحفظه وأن يزكيه، وأن يجعله يحرص على تقويته وأن يكون صلباً قوياً بعيداً عن المهددات والمشككات، ويحرص على أن لا يداخله شك وأن لا يداخله ريب، وهذا كله من الفضل العظيم الذي يدخر للآخرة.

ثم الفائدة الثالثة في فضل الجهاد وعظيم مكانه عند الله سبحانه وتعالى وأنه أفضل العمل، أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله. فالجهاد في سبيل الله له شأن عظيم في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن الإنسان إذا كان فقيهاً في الدين فإنه يحرص على التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بأفضل الأعمال، فهذا من موجبات الحرص على قضية الجهاد في سبيل الله أنها من أفضل أو أفضل الأعمال.

طيب بعد ذلك قال أبو ذر للنبي صلى الله عليه وسلم: فأي الرقاب أفضل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها. وهذا الحديث وهذا الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم فيه فضل الإنفاق من الأمر الثمين وتحري الأمر العالي والطيب في الإنفاق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ. فهناك من إذا جاءت النفقة وإذا جاءت الزكاة وإذا جاء إعتاق الرقاب وإذا جاءت الصدقات فإنه لا يختار إلا الأردأ من أنواع هذا الذي يخرج والأقل ثمناً، بينما النبي صلى الله عليه وسلم هنا لما سئل أي الرقاب أفضل؟ قال: أعلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها، أعلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما ضحى حرص على أن يضحي بأفضل ما يضحى به، وهكذا كان شأن الصالحين وشأن المؤمنين أنهم يحرصون إذا أنفقوا أن يكون من خير الأموال ومن أواسطها، يعني ليس بالضرورة أن يكون ما ينفق هو أعلى شيء، وإن كان لو تحرى الإنسان ذلك احتساباً فهذا حسن، لكن ليس هذا هو المأمور به، كما أن إخراج الخبيث من الأموال ومن البهائم وما إلى ذلك فهو منهي عنه. ذلك فالاخراج من الوسط، وإذا كان المسؤول عن الصدقة هو الذي يجمع الصدقات، وإذا كانت الصدقة هي التي تؤخذ من الناس من جهة الإمام أو كذا، فإنه يجتنب كرائم الأموال وتجتنب كذلك خبيث هذه الأموال ورديئها. لكن هنا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر على أن أفضل الرقاب أي التي تعتق هي أعلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها.

قال أبو ذر: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق. والأخرق هو الذي لا يحسن الصناعة ولا يحسن أن يعمل شيئاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين وجوه الخير، وأن الإنسان إذا لم يستطع أن يعتق أو لم يملك أن يعتق، أو ليس بيده أن يعتق، فإنه يعين صانعاً أو يصنع لأخرق، يعني يمكنه أن يفعل شيئاً هو أقل من ذلك ولكنه بيده ويعتمد على جهده البدني، وليس على ما يملك من المال؛ لأن الإعتاق يتطلب امتلاك الرقبة، لابد أن الذي يعتق يملك الرقبة أو على الأقل يملك المال الذي يشتري به الرقبة ويعتقها، أما هذه فدون ذلك سواء من جهة الأجر أو من جهة عدم الاحتياج إلى دفع شيء من المال. وهذا فيه من الفائدة أن أبواب الخير كثيرة وواسعة، وأن مراتب العمل متعددة، وأن الإسلام جاء إتاحة الفرصة لكسب الأجور بالنسبة للمسلمين على مختلف مقدراتهم. فالغني له أبواب لكسب الأجور، والفقير له أبواب لكسب الأجور، وصاحب القوة له أبواب لكسب الأجور، والضعيف له أبواب لكسب الأجور، فهذا الإسلام دين واسع، وهذه أبواب العبادة واسعة كبيرة.

وكما في هذا الحديث، إن الإنسان إذا كان سيعتق الرقبة فهذه أفضل الرقاب أن تكون بهذه الصفة، أن تكون أعلاها ثمناً وأن تكون الأنفس عند أهلها، ثم بعد ذلك يمكن للإنسان أن يعين صانعاً أو يصنع لأخرق، فهذا من باب التنويع في الأجور ومن باب توسيع أبواب الحسنات والأعمال الصالحات، وهكذا ينبغي أن يكون المصلحون القائمون على أمور الناس والقائمون على تربيتهم والقائمون على تعليمهم والقائمون على تزكيتهم والقائمون على استصلاح أحوالهم، أولئك المصلحون الربانيون يجب أن يوسعوا للناس منافذ الأعمال الصالحة ويوسعوا للناس منافذ الأجور، لا يحصروا الناس في شيء واحد، ليس كل الناس يجب أن يكونوا علماء أو أن يكونوا طلبة علم أو أن يكونوا دعاة، وإنما الربانيون حقاً هم الذين يسوسون الناس سياسة صحيحة، ومن جملة السياسة الصحيحة الصالحة أن يفتحوا لهم أبواب الأعمال الصالحة التي تناسب مختلف الفئات والأعمار والهيئات والأحوال.

ثم بعد ذلك النقطة التالية في قوله: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك. وهذا أمر عظيم في الخير، عظيم في البر، عظيم في الإحسان، أن يجعل الله كف الإنسان شره عن الناس أن يجعل ذلك ويكتبه صدقة، فهذا والله أمر عظيم وأمر عجيب، يعني قد يوافي الإنسان ربه يوم القيامة بصدقات وهو لم يدفع فلساً واحداً ولا درهماً ولا ديناراً، وإنما أتى بصدقة كف الشر عن الناس، فهذه صدقة يتصدق بها الإنسان على نفسه ويحسن إلى نفسه. وكان في قول النبي صلى الله عليه وسلم: صدقة تصدق بها على نفسك، كان في ذلك الإشارة إلى الإحسان إلى النفس، أن الإنسان يحسن إلى نفسه إذا كف شره عن الناس. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

أكتفي بهذين الحديثين في هذا المجلس الذي كانت الظروف المحيطة به صعبة حقيقة، وربما يظهر شيء من ذلك في التسجيل، لكن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا، وأن يجعلنا من المستنيرين المهتدين بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن يصلي عليه ويسلم ويبارك ويؤتيه الوسيلة ويبعثه المقام المحمود الذي وعده. جزاكم الله خيراً، ونلتقي إن شاء الله في لقاء أو في درس جديد من أنوار الصحيحين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.