الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: نستعين بالله ونتوكل عليه ونستهدي به، ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار الصحيحين، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعون والمدد، وأن يمن علينا سبحانه بإكمال التعليق على هذا الكتاب وعلى ما وراءه من الزيادات: الجمع بين الصحيحين، ثم الجموع الزائدة على الصحيحين للشيخ يحيى اليحيى، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنه صالح الأعمال.
لا يزال الحديث متصلا في كتاب الإيمان، واليوم وفي هذا المجلس حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن السؤال، والذي فيه السؤال عن أي العمل أفضل، وهذا يشبه الحديث السابق الذي كان فيه السؤال نفسه: أي العمل أفضل؟ الحديث السابق في المجلس السابق كان حديث أبي ذر، والحديث الحالي في المجلس الحالي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهو عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور.
وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى على هذا الحديث عدة أبواب، فقال: باب من قال إن الإيمان هو عمل، لقول الله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قال: عن قول لا إله إلا الله، وقال: لمثل هذا فليعمل العاملون. وأيضا بوب عليه الإمام البخاري: باب فضل الحج المبرور، واختار الشيخ يحيى حفظه الله اختار الباب الأول: باب من قال إن الإيمان هو العمل.
هذا الحديث الكلام عنه في مسائل وفوائد متعددة، ومنها ما هو مشترك مع فوائد الحديث السابق، مثلا الحديث عن أهمية معرفة رتب الدين، وأن الدين على مراتب، وأن الصحابة كانوا يتحرون المراتب العليا، وأن تحريهم لهذه المراتب العليا كان نتيجة لتربية النبي صلى الله عليه وسلم لهم على هذا الفقه، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على فقه مراتب الدين. وكان يربي أصحابه صلى الله عليه وسلم على العلم بأن الخبر في الدين، والأمر في الدين، والنهي في الدين على مراتب متفاوتة، ليست متساوية المراتب. فمنها في الخبر مثلا في آيات الكتاب العزيز ما هو أعظم آية، ومنها ما هو أعظم سورة، ومنها السورة التي تعدل ثلث القرآن، وفي الأوامر هناك أركان الإسلام الخمسة، وهناك الفرائض، وهناك السنن المؤكدة، وهناك السنن، وإلى غير ذلك من المراتب المتفاوتة. وكذلك في المنهيات: هناك السبع الموبقات، هناك أكبر الكبائر، وكذلك الكبائر، وبعد ذلك الصغائر واللمم وما إلى ذلك.
النبي صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه على هذا التفاوت وعلى الفقه فيه، وهذه التربية أحدثت عند أصحابه حرصهم على تحري هذه المراتب وحرصهم على فهمها وحرصهم على إدراكها. وهذا الحرص أحدث حالة من الفقه العظيم في دين الله سبحانه وتعالى، وهذه الحالة من الفقه افتقدت بعد ذلك في بعض مراحل الأمة، حين تستوي أطراف الدين عند المتلقي فلا يدرك الرتب، ولا يدرك المقامات المختلفة، ولا يدرك الدرجات المتنوعة والمتفاوتة، فإن هذا يعد من نقص الفقه في الدين، وحين يدرك هذا التفاوت ثم يعمل بناء على هذا التفاوت فهذا من تمام الفقه في الدين، ولذلك هنا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أي العمل أفضل، وهذا متكرر في أسئلتهم، وهذا سبق الإشارة إليه في المجلس السابق، لا أزال أكرره وأعيده بإذن الله تعالى عند كل مناسبة يظهر فيها هذا الأمر، فهو من محكمات مقامات التفقه في الدين.
أيضا من الفوائد في هذا الحديث: تقديم قضية الإيمان بالله ورسوله على بقية الأعمال. وتم التنبيه كذلك في المجلس السابق على أن من الناس من قد يفوته استحضار فضل الإيمان، وإن كان لا يفوته استحضار أهمية الإيمان في النجاة وأهمية الإيمان للموافاه في الآخرة، فلكن الفضل والثواب المترتب على الإيمان قد يغيب عن كثير من المؤمنين، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يدركون هذا الفضل، وخاصة ما يرتبط بالإيمان أو ما هو من أعلى، بل هو أعلى شعب الإيمان الذي نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، كان الصحابة يدركون ذلك، ورد عن بعضهم عند الموت أنهم مع كثرة أعمالهم وكثرة ما قدموه رضوان الله تعالى عليهم، إلا أنهم وجدوا أن أفضل ما يوافون الله سبحانه وتعالى به عند موتهم هو قولهم لا إله إلا الله، وهذا من عظيم الفقه وعجيبه وعزيزه، وهو مما غاب عن كثير ممن جاء بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
إذا فضل الإيمان، وإذا قلنا فضل الإيمان، فينبني على ذلك بطبيعة الحال فضل أعلى شعب الإيمان؛ لأن الإيمان شعب، فإذا قيل أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله، فإن مما يتضمنه هذا التفضيل تفضيل أعلى شعب الإيمان على غيرها من الأعمال، فإذا قيل أفضل الأعمال الإيمان بالله، فأفضل الإيمان قول لا إله إلا الله، ومن هنا يكون قول لا إله إلا الله أفضل العمل على الإطلاق. وهذه فائدة مهمة كذلك.
وأيضا من الفوائد في الحديث وهذه الثالثة: أن الإيمان عمل، أو أن العمل من الإيمان. الإيمان بطبيعة الحال ليس عملا وحده أو مجردا، وإنما هو اعتقاد وقول وعمل، لكن كما قال الإمام البخاري: باب من قال إن الإيمان هو العمل، ولا شك أن قول الإمام البخاري إن الإيمان هو العمل لا يقصد به الإمام البخاري أنه هو العمل فقط، وأن غير العمل ليس من الإيمان، وإنما يقصد رحمه الله تعالى أن العمل من الإيمان، أو أنه من أركان الإيمان، أو أنه من أهم أركان الإيمان، أو أن الإيمان لا يتم إلا بالعمل. فهذا من الفوائد، ولا شك أن هذا مما وقع فيه خلاف بين الطوائف الإسلامية، وأن هناك من الطوائف من ضل في هذا الباب بالزيادة فيه، ومنهم من ضل في هذا الباب بالنقص عنه، وأن الصواب هو ما ذهب إليه أهل السنة من قولهم إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، وأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه قد يذهب جزء من الإيمان ولا يذهب كل الإيمان بذهاب جزئه، وقد يزداد الإيمان أو تزداد شعب، يزيد الإنسان في شعب من الإيمان فيزداد أصل الإيمان أو تزداد مقامات الإيمان في قلبه، فالايمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. أما القول بأن الإيمان شيء واحد، وأنه إذا ثبت بعضه ثبت كله، وإذا ذهب بعضه ذهب كله، فلا شك أن هذا القول من الأقوال التي ضل أو أخطأ بسببها طوائف من طوائف هذه الأمة. إذا من قال إن الإيمان هو العمل واستدل رحمه الله تعالى بحديث أي العمل أفضل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إيمان بالله ورسوله، إيمان بالله ورسوله.
الفائدة الرابعة في فضل الجهاد في سبيل الله، وقد سبق الحديث عن ذلك كذلك في الحديث السابق، وهذا متكرر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل في حديث أبي ذر أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله، فقارن بينهما، وهنا في هذا الحديث لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، ففي حديث أبي ذر قرن بينهما، وفي حديث أبي هريرة جعل الإيمان أولا ثم الجهاد، وهذا يدل على أهمية الجمع بين الروايات، الآيات والجمع بين الأحاديث والجمع بين المقامات المختلفة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وأحاديثه، فإن الجمع بينها يزيد المتفقه فقها ويعينه على تحديد وتثبيت وتحقيق الحق والصواب فيما قد يختلف فيه الناظرون في هذه القضية وأمثالها.
إذا هنا في هذا الحديث قدم الإيمان ثم الجهاد في سبيل الله، وتقديم الجهاد في سبيل الله على بقية الأعمال ورد في أحاديث، منها حديث أبي ذر السابق وحديث أبي هريرة الحالي وغير ذلك، مثلا حديث أبي هريرة وهو حديث آخر له مقام آخر أخرجه في الصحيحين لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده، وفي رواية: لا تستطيعونه، وهذا يدل على تفضيل الجهاد. وكذلك حديث عائشة في البخاري لما قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: جهادكن الحج، ولما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل عشر ذي الحجة فضل العمل فيهن قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ يعني اختار الصحابة من بين الأعمال عمل الجهاد في سبيل الله، والأحاديث في ذلك معروفة وكثيره، ولا شك أن هذا التفضيل يجعل للجهاد في سبيل الله في قلب المؤمن مكانة علية ومكانة خاصة، ويجعل المتقرب إلى الله سبحانه وتعالى يحرص على أن يكون له سهم في الجهاد في سبيل الله ونصيب حتى يظفر بهذا الفضل العظيم وهذا الثواب الجزيل.
ثم بعد ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: حج مبرور، وهذا التفضيل من النبي صلى الله عليه وسلم للحج المبرور فيه بيان لعظيم فضل الحج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرن الحج بالجهاد والإيمان في الأفضلية، وإن كان بصيغة الترتيب لكن هي مقرونة في الحكم، ففضل الإيمان بالله ورسوله أولا، ثم الجهاد في سبيل الله ثانيا، ثم الحج المبرور ثالثا. والحج المبرور قد وردت فيه أحاديث في فضله، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر فضل الحج إذا لم يرفث الإنسان فيه ولم يفسق، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في فضل ذلك وثوابه أن الحاج يرجع من حجه كيوم ولدته أمه، وهذا فضل عظيم، وكذلك ورد في الحديث أن الحج يهدم ما كان قبله، وهذا فضل عظيم ثواب جزيل، فالأحاديث الواردة في فضل الحج عظيمة وكثيرة، ومن أعظمها هذا الحديث ومن أعظمها هذا الحديث كذلك.
لكن مما ينبغي التنبه له أن هذا الحديث فيه ذكر القيد في أن الحج لا بد أن يكون مبرورا، فقيد النبي صلى الله عليه وسلم أفضلية الحج بأن يكون مبرورا، فإذا كان الحج مبرورا تحقق فيه هذا الفضل، ومعنى ذلك أنه يمكن أن يحج الحاج وينصب ويتعب ثم لا يكون حجه مبرورا. ولذلك الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة البقرة، قال سبحانه وتعالى: فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، إلى آخر الآية. والمبرور يعني ذكر العلماء شيئا من صفاته، وورد في بعض الأحاديث الضعيفة لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحج المبرور فقال: إفشاء السلام وإطعام الطعام، أو إطعام الطعام وإفشاء السلام، وذكر العلماء في قضية الحج المبرور كذلك أنه لا رياء فيه، وذكر العلماء كذلك في الحج المبرور القيام بكل التكاليف التي وردت في الحج وكل التشريعات أو السنن أو الحرص على إتمامها وما إلى ذلك، ولا شك أن من أولى ما يدخل في الحج المبرور هو أن لا يكون فيه رفث ولا فسوق ولا جدال، وهو ما ذكره الله سبحانه وتعالى في قضية الحج.
وهذا ينبهنا على أهمية التقييد أو الصفات المقيدة للأعمال، يعني مثلا الله سبحانه وتعالى لما ذكر الصلاة وذكر المصلين، ذكر الخشوع: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، الشأن كل الشأن ليس في مجرد أداء الصلاة وإن كان الشأن في ذلك عظيما، لكن الأعظم من ذلك أن تؤدى بالخشوع، والشأن كل الشأن ليس في أداء الحج وإن كان مجرد أداء الحج عظيما، وإنما في أدائه أداء يكون به مبرورا. وكذلك في الصيام ليس الشأن كل الشأن في مجرد الإمساك عن الطعام والشراب وإن كان ذلك عظيما، وإنما الشأن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، إذا الصيام لا بد أن يكون فيه من الصفات كذلك ما يجعل هذا الصيام مبرورا ومتقبلا وصياما حقيقيا وصياما تاما وصياما كاملا. وحتى لا إله إلا الله التي هي أفضل العمل جاءت التقييدات فيها، مثلا قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، ومثلا من قال لا إله إلا الله صدقا من قلبه، أو صادقا من قبل نفسه، ونحو ذلك من المقيدات، فالمؤمن الحق والمتفقه المسدد والمتعبد الموفق هو الذي يتحرى الصفات التي وردت مع التكليفات ويتنبه لها ويلتزم بها، فإذا جاء الحث على لا إله إلا الله ينتبه للصفات التي جاءت مع ذلك، الحث على الصلاة ينتبه للصفات التي جاءت مع الصلاة مثل الخشوع وما إلى ذلك، الزكاة كذلك، الحج كذلك، الصيام كذلك.
وغير ذلك من الأعمال، ودائماً نجد أن الأعمال تأتي فيها من التقييدات والصفات الكاشفات عن مناط القبول ومناطات الرفعة في هذه العبادات، وأهمها على الإطلاق في جميع العبادات هو الإخلاص لله سبحانه وتعالى في القول والعمل المطلوب أداؤه. إذاً، هذه وقفة سريعة مع هذا الحديث، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والقبول.
ونسأل الله أن يصلي على عبده ورسوله محمد وعلى آله كما صلى على إبراهيم، ونسأله أن يبارك على محمد وعلى آل محمد كما بارك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنه حميد مجيد. ونسأله أن يؤتي نبيه محمداً الوسيلة، وأن يبعثه مقاماً محموداً الذي وعده، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرته، وأن يجعلنا من الواردين على حوضه، وأن يجعلنا ممن يرافقه في جنة الخلد، ونستغفر الله من ذنوبنا ونتوب إليه.
الشيخ أحمد السيد