السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله يا أهلا وسهلا ومرحبا. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، ونستأنف مجلسا جديداً من مجالس أنوار الصحيحين التي فيها التعليق على كتاب الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى اليحيى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنه صالح العمل. وهذا المجلس هو مجلس متصل بكتاب الإيمان، حيث لا زلنا في الأحاديث التي جمعها الشيخ من البخاري ومسلم في كتاب الإيمان. وهذه المرة حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ياتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته.
هذا الحديث الإمام البخاري أخرجه في عدة مواضع، ولذلك بوب عليه عدة أبواب، وسأذكر هذه الأبواب كالعادة، لكن في باب من الأبواب ذكر الإمام البخاري فيه مجموعة من الأخبار المعلقة عن بعض التابعين والصحابة في تفسير آيات، وهذا مما ينبغي أن ينبه عليه في طريقة الإمام البخاري رحمه الله، يعني أحياناً الإمام البخاري يأتي بباب معين وفي حديث معين، لكن يأتي بآيات من كتاب الله متعلقة بالباب، وفي هذه الآيات كلمات غريبة، فأحياناً يقتصر عليها، يعني يقتصر على الكلمات الغريبة وتفسيرها وشرحها، وهي طريقة تتفق مع فكر الإمام البخاري وعقله وطريقة تفكيره، حيث يكتفي أحياناً بالإشارات، حتى يبقى على القارئ والباحث أن يلتقط كامل السياق.
فهنا لما ذكر الإمام البخاري في أول مرة تبويبه، في عرض الشيخ يحيى حفظه الله، ولعله في أول مرة كذلك في الصحيح، قال: باب صفة إبليس وجنوده. لما ذكر هذا التبويب أتى بمجموعة من الآيات التي فيها ذكر الشياطين وذكر إبليس وذكر جنود إبليس، واقتصر فيها على الكلمات الغريبة مع تفسيرها. ولذلك الآن أقرأها حتى يفهم ما ذكرت، قال: باب صفة إبليس وجنوده. وقال مجاهد: يقذفون يرمون، دحوراً مطرودين، واصب دائم. وقال ابن عباس: مدحوراً مطروداً، يقال مريداً متمرداً، بتكة قطعة معه، واستفزز استخف، بخيلك الفرسان، والرجل الرجالة واحدها راجل مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر، لأحتنكن لأستأصلن، قرين شيطان.
وبهذا انتهى بيان الغريب عند الإمام البخاري في هذا الباب، ولو لاحظتم أتى بالآيات وبالكلمات الغريبة من الآيات المتعلقة بالشياطين في كتاب الله وفسرها في هذا الموضع، فهذا من جميل ما في صحيح البخاري، رحم الله الإمام وجمعنا به في جنة الخلد. ثم أيضاً أخرج الحديث في موضع آخر فقال: باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، وقوله تعالى: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. ثم بوب الشيخ يحيى على هذا الحديث بقوله: باب قطع الوسوسة في الإيمان، وأختار هذا التبويب على هذا الحديث. إذاً هذه النقطة الأولى في ذكر صنيع الإمام البخاري رحمه الله تعالى في إخراج هذا الحديث.
طبعاً هذا الحديث جاء بعدة روايات ذكرها الشيخ اليحيى في الجمع بين الصحيحين للباحثين، ففي مسلم في الحاشية ذكر قال في روايته: من خلق كذا، من خلق كذا، من خلق السماء، من خلق الأرض، حتى يقول: من خلق ربك؟ وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه: لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟
إذاً هذا الحديث له روايتان: الرواية الأولى من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والرواية الأخرى من طريق أنس رضي الله تعالى عنه. الرواية الأولى: يأتي الشيطان أحدكم، والرواية الثانية: لن يبرح الناس يتساءلون، وكلاهما متفق عليه. وفي رواية مسلم: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ وأيضاً في رواية مسلم لحديث أنس قال: الله عز وجل: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا، ما كذا، حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟ أيضاً مسلم له رواية أخرى في حديث أبي هريرة أو من حديث أبي هريرة: لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟ وفي رواية: فمن وجد ذلك أو من ذلك شيئاً فليقل آمنت بالله. وفي رواية: ورسله. قال: وهو آخذ بيد رجل فقال: صدق الله ورسوله، قد سألني اثنان وهذا الثالث، أو قال سألني واحد وهذا الثاني. وفي رواية لأبي هريرة: جاءني ناس من الأعراب فقالوا يا أبا هريرة: هذا الله فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصى بكفه فرماهم ثم قال: قوموا قوموا، صدق خليلي صلى الله عليه وسلم.
إذاً هذا الحديث برواياته وبتبويب الإمام البخاري عليه يدل على أن هنالك منزعين مرتبطين بهذا الحديث وبهذه القضية؛ المنزع الأول هو كيد الشيطان، والمنزع الثاني هو تكلف الإنسان، وهذان المنزعان هما المبينان في الروايتين: الرواية الأولى: يأتي الشيطان أحدكم، والرواية الثانية: لن يبرح الناس يتساءلون.
إذاً ما الذي أدى إلى هذه القضية المشكلة في الإيمان والمؤثرة والقادحة على صفاء النفس والمزعجة لروح الإنسان المؤمن وقلبه؟ ما الذي أدى إلى ذلك؟ الذي أدى إليه أمران: الأمر الأول هو كيد الشيطان فإنه يسعى لإثارة مثل هذه الوساوس والخواطر في نفس الإنسان المؤمن، والثاني هو تكلف الإنسان وسيره بطريقة خاطئة تؤدي إلى مثل هذه الوساوس والأفكار. وبهاتين الروايتين نعلم مصدر الداء الذي يوصل الناس إلى الوسوسة في العقيدة وإلى الوسوسة في الإيمان، ولا ينبغي أن يهمل أحد هذين المنزعين عند النظر إلى قضية الوسواس العقدي وإلى قضية التأثير على قلب الإنسان وفكره، وما يحصل من تساؤلات وإشكالات، وهذا حقيقة من أهم الأمور التي ينبغي استحضارها عند من يتعامل مع مثل هذه القضايا.
وهذان المنزعان يختلفان عن القضية الثالثة، وهي قضية ما إذا حصل للإنسان شبهة عقدية بسبب قضية معرفية، فهذا باب ثالث باب مختلف؛ يعني قد يكون الإنسان ليس من جهة التساؤل المتكلف، وإنما من جهة اتصاله بأصحاب شبهات معينين، من جهة قراءته لكتب فيها من الشبهات العقدية ما فيها، فيحصل عند الإنسان قدر من الشك أو قدر من الوسوسة أو قدر من التساؤل العقدي، وها هنا يكون المصدر معرفياً، وكون المصدر معرفياً لا يلغي أن يكون الشيطان هو الذي نزغ في نفسه وقلبه حتى يذهب ويتوجه إلى مثل هذه المصادر المتعلقة بالشبهات، لكن الأمر المرتبط بالوسواس والخواطر هو بأحد هذين السببين المذكورين في الرواية: إما بسبب كيد الشيطان، وإما بسبب تكلف الإنسان. وهذا حقيقة يفتح للإنسان المؤمن باباً للتأمل والتفكر في مصادر الإشكال التي يمكن أن تطرأ على النفوس.
الفائدة الثانية هي في بيان كيد عظيم، كيد الشيطان بالإنسان وتنوع الوسائل والطرق التي يدخل من خلالها على الإنسان، وخاصة الإنسان المؤمن، فإن كيد الشيطان بالمؤمنين يزداد، ويتفنن الشيطان ويتفنن إبليس وجنوده في تنويع الوسائل التي تؤدي إلى الإشكالات في نفوس المؤمنين، ما بين وساوس في الصلاة وخواطر، وما بين إزعاج بالشبهات، وما بين حظ على الشهوات، وما بين فت في العضد، وما بين تخويف وتهويل وتحزين، وما بين تسليط لأوليائه من الإنس ليتسلطوا على عباد الله المؤمنين، فهذه وسائل وأبواب كثيرة ومتنوعة، وحتى الضرر الحسي المباشر قد ثبت في بعض الأحاديث ما يدل عليه.
فالمطلوب من الإنسان المؤمن الذي يستقي تصوراته من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة في باب الغيب، أن يكون على تحفز دائم في صراعه مع الشيطان، وأن يدرك أنه في غدوه ورواحه وفي يومه وليلته وبين هو يظن أنه في مأمن ويظن أنه في سلام لأنه لا يبصر عدواً من الكفار أمام عينيه يوجه إليه سلاحه، فليعلم أن هناك عدواً آخر، وأن هذا العدو لا يغفل عن عداوة المؤمن، وأن هذا العدو شديد العداء للإنسان المؤمن، وأن هذا العدو قد أوتي من القدرات والإمكانات ما لم يؤت الجندي الكافر الذي يقاتل بسلاحه، فهذا عدو ينتمي إلى عالم الغيب، إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ، فقد غاب عنا رؤية هؤلاء الشياطين، ولكننا نؤمن بوجودهم ونرى من آثار إضلالهم ووسوستهم وأذاهم وكيدهم، ولذلك من أهم ما ينبغي استحضاره في اليوم والليلة في الصباح وفي المساء أن يستحضر هذا المعنى في الصراع، وأن يستحضر أن الإنسان المؤمن يصبح ويمسي على عداوة هذا الشيطان وجنده.
ولذلك جاء في بعض أذكار الصباح والمساء هذا التعوذ، ومن ذلك مثلاً ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أذكار الصباح والمساء: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، فهذا من أذكار الصباح والمساء، وقد ورد كذلك قراءة المعوذتين دبر كل صلاة، عند دخول الخلاء، عند قراءة القرآن وغير ذلك من المقامات التي يستعاذ فيها من الشيطان الرجيم، فهذه عداوة حتمية وعداوة محققة لا ينبغي على المؤمن أن يتهاون فيها، ومن أهم أسباب التهاون فيها الغفلة عن استحضارها، ولذلك دوام الاستحضار لوجود هذه المعركة هو من أهم أسباب الانتصار فيها بإذن الله تعالى.
فنعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم نعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم نعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقد لقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم دعاء في الاستعاذة من الشياطين فقال في سورة المؤمنون: وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ.
إذاً هذا الحديث كاشف عن جانب من جوانب كيد الشيطان، وهذا الكشف عن جانب من جوانب كيد الشيطان يفسر لنا أيضاً كثيراً من الأحداث وكثيراً من المواقف الفكرية؛ ليس كل من يتبنى موقفاً فكرياً أو عقدياً ضالاً فبضرورة أن يكون ذلك بسبب قراءة معرفية مجردة، وإنما قد يكون بسبب أن الشيطان قذف في قلبه مثل هذه الشبهات: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ اليوم هذه الشبهة المذكورة في الحديث هي من أكبر الشبهات المتداولة بين الملحدين المعاصرين، حتى إن بعض العلماء والباحثين ألفوا كتباً في الرد عليها، ولم يؤلفوها من باب التكلف، المنطلق في ذلك ليس هو باب التكلف بقدر ما أن هذه الشبهة أخذت بعداً عميقاً معرفياً في الوسط الإلحادي المعاصر، ولا شك أنه يعني بعد متكلف، ولكن ارتباط الشياطين بمثل هذه الشبهة هو ارتباط وثيق، وكثير من الناس يعني مبتدأ الإشكال عندهم هو مبتدأ شيطاني، مبتدأ الإشكال العقدي عندهم مبتدأ شيطاني، الشياطين لا تحض على الشهوات فقط وإنما تحض على الشبهات كذلك، فليعلم هذا وليفهم وليعتقد، ومن ثم ليتقى كيد الشيطان في مثل هذه المجالات، فهذه الفائدة الثانية وهي من أهم ما يخرج به من هذا الحديث.
الفائدة الثالثة هي في قطع التكلف وهو ما ذكر في الحديث الثاني في حديث أنس: لن يبرح الناس يتساءلون، وأيضاً مذكور في رواية أخرى لحديث أبي هريرة في القصة أنه لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟ أو كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قطع التكلف، نعم قد يقع الإنسان في شيء من الشبهات والإشكالات والوساوس والخواطر المزعجة والمؤذية، ليس بسبب الشيطان وحده وإنما بسبب تكلف من الإنسان، بسبب سير خاطئ للإنسان في طريق لا يحبه الله سبحانه وتعالى مرتبط بالمعرفة وتحصيلها، ومن يتأمل في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يجد كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه على العمل وعلى الإخبات لله سبحانه وتعالى وعلى ترك التكلف، وهذا له أثر عجيب في وقاية القلب من الانحراف، يدرك هذا إلا المؤمنون المخبتون الخاشعون الذين قنتوا لله سبحانه وتعالى واستسلموا له.
سبحان الله، بعض الناس يظن أن الإجابة عن الشبهات دائماً هي معرفية، وقد حصل لي يعني بعض المواقف في ذلك، أتذكر مؤخراً كانت هناك إحدى الأخوات عندها شبهات وإشكالات عقدية كبيرة وعميقة وتبحث بحثاً عن إجابات معرفية، وأنا أعلم جيداً أن إجابتها الحقيقية تكون في إصلاح قلبها وإصلاح عبوديتها لله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك حين تستقبل الإجابة المعرفية ستستقبلها بعقل آخر وبقلب آخر وبمنطق آخر، هذا ليس إلغاءً للإجابة المعرفية، لكن الإجابة المعرفية تتطلب قلباً سليماً صالحاً متواضعاً مخبتاً غير متكبر، حتى يستطيع أن يتلقى الإجابة الشرعية المرتبطة بتعبيد الناس لله سبحانه وتعالى يتلقاها بشكل صحيح، وهذا حقيقة أمر في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة، أحياناً تجد من يقول: أنا لم أجد أحداً من العلماء ولا أحداً من المشايخ ولا من الباحثين أجابني جواباً يشفي صدري، عندي شبهات مرتبطة بالقدر، عندي شبهات مرتبطة بالعقيدة، عندي شبهات مرتبطة بالله سبحانه وتعالى، وكذا، وهذه الشبهات تكون أقلقتْه وأزعجتْه وتأخذ معه سنوات، والسر في عدم اقتناعه بالإجابات ليس هو ضعف الإجابة المعرفية وإنما هو فساد قلبه، وسيظل هكذا وسيظل في رحلة التيه إن لم ينقذه الله سبحانه وتعالى، سيلقى الله سبحانه وتعالى بهذا القلق أو بهذا الشك بحسب درجته، فنسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية، نسأل الله العفو والعافية.
الإيمان بالله سبحانه وتعالى وترك التكلف والاستجابة لأمر الله، ومن أهم ما تتقى به الشبهات الشيطانية التي يثيرها في النفوس، كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على العمل، يربي أصحابه على الالتزام بما تعلموا، على الالتزام بما عرفوا، وعدم التكلف وكثرة الأسئلة وكثرة الافتراضات. أما اليوم يا جماعة الخير وحتى تحت عنوان...
الحرية وحرية البحث وحرية الاعتقاد وحرية السؤال والحرية الشخصية وما إلى ذلك، تأتي يعني أشياء كثيرة، يعني خلينا نقول تزييف للإنسان وعيه الحقيقي، وتزييف على الإنسان إيمانه وصفاء قلبه، وهو يظن أنه يمارس يعني حقه في التفكير. نمارس حقك في التفكير، لكن اعلم أن قضية الإيمان ليست قضية قابلة للتهديد والتجربة، أنه يلا إيش رأيكم نجرب نفكر في أي شيء، وأي تساؤلات، وأنه الإنسان يظن أنه البطل المغوار الذي يستطيع أن يكسر كل شيء. لا يا أخي، القلب له سر، لا تعرضه للفتن والمشاكل، لا تعرضه للشبهات، لا تعرضه للإشكالات، وغذه بالإيمان والعبودية لله سبحانه وتعالى.
فإذا جاء الميدان المعرفي واضطر الإنسان لخوض بعض القضايا، يخوض فيها بالحجة والبرهان والعقل والدليل، ولا يكون ضعيفاً. يعني لا نحن لا نقابل الحجج المعرفية بمجرد أنه نقول نحن مؤمنون انتهى، لا عندنا إجابات. لكن في نفس الوقت لا ينبغي أن يهدد الإيمان باستهتار، ثم يقال والله حرية التفكير والبحث وإيماننا قوي، ثم يأتي الإنسان يبكي آخر اليوم على إيمانه، لا، إذاً هذه قضية مهمة في نبذ التكلف ونبذ كثرة السؤال وتشقيق المسائل، وإنما التسليم لله سبحانه وتعالى.
هذه القضية الثالثة، القضية أو الأمر الرابع أو الفائدة الرابعة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر في هذا الحديث عن العلاج والدواء الذي تعالج به مثل هذه الإشكالات ومثل هذه الوساوس ومثل هذه الخواطر التي تطرأ على النفوس، وذكر العلاج في أمرين اثنين: الأمر الأول ليستعذ بالله، الأمر الثاني لينتهِ. المطلوب أولاً استعاذة بالله من الشيطان، وهذا قطع للسبب الغيبي الشيطاني الذي يؤز الإنسان ويثير في نفسه الوساوس وهو لا يشعر. استعذ بالله من الشيطان لينتهي هذا السبب النفسي الفكري المرتبط بالتفكير، يعني وأنه الإنسان لابد أن يقطع هذا التفكير، وإن قطع هذا التفكير هو جزء من العلاج، بل هو جزء أساسي في العلاج، لابد من قطع التفكير، لابد من عدم الاسترسال.
ولذلك دائماً الذي يسترسل مع وساوسه وخواطره لأنه يظن أنه إذا استرسل فإنه يعالج هذه القضية، هو لا يعالجها في الحقيقة، بل ينميها من جهة إشكالها، ويسقي الشبهة أو الخاطر الوسواسي يسقيه بمزيد من الموقد أو الموقدات لنار الشك ونار الوسوسة. لذلك ما المطلوب؟ المطلوب هو أن ينتهي الإنسان، فلا يعني يسترسل مع هذه الأفكار، وهذا علاج نبوي، علاج نبوي لمثل هذه الخواطر والقواطع والعوارض التي تعترض الإنسان المؤمن.
ثم بعد ذلك مما يستفاد من الحديث، الفائدة الخامسة هو أن هذا الحديث وبالجمع مع الأحاديث الأخرى يعلم أن هذه الخواطر المقلقة والمزعجة هي في ذاتها، يعني في أساس وجودها ليست هي الشك، ليست هي يعني تختلف عن الشك من جهة كونها خواطر ووساوس شيطانية تزعج الإنسان المؤمن طالما أنه يرفضها ويكرهها ولا يعتقد بها ولا يؤمن بها. وإنما الإشكال هو إذا استرسل الإنسان معها حتى استقرت فادت إلى ضعف عبادته أو تركه للصلوات أو نسأل الله العافية أدت إلى اعتقاده بمقتضاها.
أما مجرد وجودها ومجرد دورانها في النفس فإن هذا من كيد الشيطان الذي يعمله مع المؤمنين، وعمله مع الصحابة، وانزعجوا من هذه الخواطر فأتوا يشتكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: وقد وجدتموه؟ ذاك صريح الإيمان، وفي رواية: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة. هذا كيد شيطاني يوسوس فيه الإنسان، لا ينزعج الإنسان إذا جاءه مثل هذا يظن أنه قد كفر أو أنه خرج من الملة أو أنه منافق أو أنه كذا، لا، هذا يأتي هذا مصدر شيطاني، لكن المطلوب ليستعذ بالله من الشيطان ولينتهِ. أما إذا تعامل مع هذه الوساوس بطريقة خاطئة فقد لا ينتبه لحقيقة نتائجها السيئة، نسأل الله العفو والعافية.
رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ. اللهم يا ربنا إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، ونعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
الشيخ أحمد السيد