الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
هذا أول لقاء في هذه السلسلة، وهي حقيقة سلسلة يعني كنت أنوي الحديث أو إطلاقها منذ مدة؛ لأن الموضوع المرتبط به هذه السلسلة هو موضوع يعني قريب جدا إلى النفس وحبيب جدا إليها، وهو الانتقاء من سير أئمة المسلمين وعلمائهم وصالحيهم، خاصة من المتقدمين في هذه الأمة، والوقوف عند بعض عباراتهم ومواقفهم والأحداث التي مروا بها. بمعنى أنها ليست سيرا تتعلق بتتبع السيرة الكاملة للشخص، مثل بعض السلاسل السابقة مثلا سيرة عن الزهري، عن الحسن البصري؛ لا، الآن في المجلس الواحد تكون هناك مواقف لعدة أشخاص، أحيانا تكون هناك اشتراك موضوعي في الدرس الواحد بحيث أنه يكون عدة مواقف لموضوع معين، أو تكون مواقف متفرقة، ولكن الفكرة هي انتقاء بعض المواقف ومن ثم التعليق عليها والوقوف عندها والاستفادة منها.
البداية ببعض المواقف لشخصيات من الشخصيات الكبرى التي على المستوى الشخصي يحبها كثيرا، وهي شخصيات لبعض أئمة المسلمين الذين عاشوا في البصرة، عاشوا في البصرة زمن رواية الحديث، وتحديدا في القرن الثاني للهجرة، وتحديدا في النصف الأول من القرن الثاني؛ يعني نحن نتكلم عن عام 120، 130، من 110 إلى هذه الحدود إلى قرابه الـ 150 تقريبا، حتى بعد ذلك. في تلك المرحلة في البصرة كان هناك عدد من العلماء والمحدثين الكبار، الذين إذا قيل البصرة مباشرة تضع هذه الاسماء بحيث أنها تكون هي المعبرة عن البصرة، وإذا افتخر أهل البصرة بشيء فإنهم يفخرون بهؤلاء الأعلام. ومن أشهرهم وأبرزهم أيوب رحمه الله تعالى، وعبد الله بن عون، وبعد ذلك حماد بن زيد.
هم طبعا في ثلاثة كانوا هم يعني في نفس الوقت وكانوا هم المعبرين عن البصرة، اللي هم أيوب وابن عون ويونس بن عبيد. الطبقة التي قبل هؤلاء هي أيضا تعتبر الطبقة المؤسسة في البصرة، اللي هي طبقة محمد بن سيرين والحسن البصري، فهذه طبقة مشايخ ابن عون، يونس، وأيوب. حقيقة هناك مواقف جميلة جدا لافتة للانتباه في سير الأئمة والعلماء، أنهم مع أن هؤلاء يعني المجال الأساسي لهم هو الحديث، إلا أنك إذا قرأت سيرتهم ستجد أن المواقف المتعلقة بالسلوك والعبادة والأخلاق هي مواقف كبيرة جدا؛ ليست في القضية مجرد أن هو كان لديه سعة في الرواية أو في المحفوظ، أبدا.
ابن عون رحمه الله تعالى، الإمام يحيى بن سعيد القطان الإمام الكبير المعروف اللي هو شيخ الإمام أحمد، يقول: ما ساد ابن عون الناس بانه كان أتركهم للدنيا، وما ساد الناس يقول لك ما سادهم لأنه كان أتركهم للدنيا، ولكن إنما ساد ابن عون الناس بحفظ لسانه، ولكن إنما ساد الناس بحفظ لسانه. وكذلك سلام بن أبي مطيع قال: كان ابن عون أملكهم لسانه، كان ابن عون أملكه بلسانه. وابن المبارك رحمه الله تعالى، ومن المناسبة عبد الله بن المبارك الإمام اللي هو من أعظم أئمة المسلمين على الإطلاق، كان يتعلم من عبد الله بن عون الأدب والأخلاق، كان يتعلم من عبد الله بن عون الأدب والأخلاق.
ابن المبارك رحمه الله يقول: قيل لابن عون: ألا تتكلم فتؤجر؟ قال: أما يرضى المتكلم بالكفاف؟ ولذلك قال عبد الله بن عون أيضا: ذكر الناس داء، وذكر الله دواء. الذهبي كعادته في السير يقتنص بعض المواقف والعبارات ليعلق عليها، لما جاء إلى هذه العبارة: ذكر الناس داء وذكر الله دواء، علق عليها في السير بالتعليق التالي، قال: أي والله، أي والله، فالعجب منا ومن جهلنا، كيف ندعو الدواء ونقتحم الداء؟ كيف نضع الدواء ونقتحم الداء؟ يقول الذهبي: قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، ولذكر الله أكبر، الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بذكر الله. ولكن لا يتهيا ذلك إلا بتوفيق الله، ومن أدمن الدعاء ولازم قرع الباب فتح له. يقول الذهبي: وقد كان ابن عون قد أوتي حلما وعلما ونفسه زكية، ونفسه زكية تعين على التقوى، فطوبى له، تعينه على التقوى فطوبى له.
هذه يعني تعليقات عن عبد الله بن عون رضي الله تعالى عنه رحمه، تبين جانبا من الجوانب المهمة في سير الأئمة، في سير العلماء، في سير الصالحين، وهي جوانب حتى إن قلنا إن كثير من الناس اليوم فقد القدوه في حياته مثلا، أو قل من القدوات من يختلط به، ففي الاقتداء باولئك المتقدمين والوقوف عند سيرهم وعبر وقصصهم عبرة وقدوة كذلك. قدم ابن المبارك رحمه الله تعالى قدمه فقيل له: إلى أين تريد؟ قال: إلى البصرة. قال: من بقي؟ قال: ابن عون، أخذ من أخلاقه، أخذ من آدابه. هذا ابن عون المحدث، المؤدب، الخلوق، صاحب الذي يكف لسانه، كان على الجهة الأخرى مجاهدا في سبيل الله وغازيا، ولذلك قال بكار بن محمد: كان ابن عون يغزو على ناقته إلى الشام، فاذا صار إلى الشام ركب الخيل. قال: وبارز ابن عون روميا فقتله.
طيب، هذه يعني شيء متعلق بعبد الله بن عون، وأرجع أيضا إليه مرة أخرى، وأقف أيضا مع بعض العبارات لابن عون مهمة جدا. لكن أنتقل الآن إلى حماد بن زيد، وحماد بن زيد كما قلت هو في الطبقة التي تلي طبقة عبد الله بن عون وأيوب السختياني، وهو حماد بن زيد أثبت الرواة فيمن في أيوب يعني على الإطلاق؛ يعني حماد بن زيد من أثبت رواة الحديث عموما، وكان من العلماء الكبار.
لفت انتباهي في موقف عند حماد أو لحماد بن زيد رحمه الله تعالى، قال عنه سليمان بن حرب، سليمان بن حرب من أثبت تلاميذ حماد بن زيد، قال سليمان بن حرب: سمعت حمادا بن زيد يقول في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، قال: أرى رفع الصوت عليه بعد موته كرفع الصوت عليه في حياته. إذا قرى حديث رسول الله وجب عليك أن تنصت له كما تنصت للقرآن. هذا كلام حماد بن زيد استدلالا يعني بالعموم لقول الله سبحانه وتعالى: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، فيرى أن تقدير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل في هذه الآية، داخل في هذه الآية.
وحقيقة هذا المعنى يعني كان يلفت انتباهي حقيقه في سير أولئك، أنه أنهم يروون الحديث ويعظمون الحديث، لا يرون الحديث فقط هكذا، وإنما يرونه رواية فيها تعظيم. ولذلك هنا مثلا عن أيوب السختياني اللي هو شيخ حماد بن زيد الذي يقول هذا الكلام، ولاحظوا القضية فيها يعني تلقى، حتى التعظيم يتلقى، الأدب يتلقى. أيوب رحمه الله تعالى قال عنه الإمام مالك، وهذا في الكامل لابن عدي، قال عنه الإمام مالك: قال: كنا إذا دخلنا على أيوب السختياني فذكرنا له النبي صلى الله عليه وسلم وحديثه بكى حتى نرحمه، ونقول: ما راينا أحدا أرقى منه، ما راينا أحدا أرقى منه. هذا أيوب، وحماد بن زيد تربى عند أيوب، وهذا التعظيم متوارث، ولذلك حتى يعني عبد الله بن عون رحمه الله تعالى ورضي عنه أيضا منقول عنه هذا، اللي هو يعني التعظيم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والخشوع عندهم.
يقول هنا الضحاك بن مخلد: قال رأيت هشام بن حسان، هشام بن حسان من نفس الطبقة، هشام بن حسان من تلاميذ ابن سيرين، يقول: رأيت هشام بن حسان إذا ذكرت الجنة أو النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى تسيل دموعه، ورايت ابن عون تدور الدموع في عينيه ولا تخرج إلى ذكر نفس الشيء، يعني ذكرت الجنة أو ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
وصية عجيبة وخلاصه مهمة جدا من عبد الله بن عون رحمه الله تعالى، قال سليم بن الأخضر، يقول: سمعت ابن عون يقول غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث، يعني كان دائما يكثر من هذه الوصية، ماذا يقول؟ يقول: ثلاث أحبهن لنفسي ولاصحابي: واحد: أن ينظر الرجل هذا القرآن فيتدبره، اثنين: عفلا، أولا: أن ينظر الرجل هذا القرآن فيتدبره ويعمل به بما فيه، اثنين: وينظر هذا الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتبعه ويعمل بما فيه، ثلاثة: ويدع هؤلاء الناس إلا من خير. طبعا هذه الوصية لما تكون مستصحب فيها أنه عبد الله بن عون، أنه ساد الناس بحفظه لسانه، فتكون هذه الوصية متصور أنها يعني خرجت من نفسه، من قلبه.
هذه حقيقة هذه الأسماء البصرية التي ذكرت فيها، طبعا قلت محمد بن سيرين والحسن البصري، لكن هؤلاء يعني ساقف معهم في لقاء آخر ان شاء الله، لكن محمد بن سيرين، الحسن البصري، ثم طبق التلاميذهم أيوب، ابن عون، يونس وحتى هشام، ثم طبق التلاميذ محمد بن زيد وأمثال هؤلاء. هذه مدرسة تتوارث يعني فيها خصائص معينة، ومن جملة الخصائص التي فيها على المستوى الحديث، مشهور عنهم التوقي والتحوط في الإسناد والرواية؛ يعني إذا رووا الحديث، فشك أدهم هل الحديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم أم موقوف، ينزل فيجعله موقوفا، يعني يحتاط لما ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم شيئا ليس متأكدا منه، وهذا مشهور عن تلك المدرسة.
ابن عون أيضا يقول جملة مهمة في قضية التلقي والأخذ عن يعني الناس وعن المتحدثين في العلوم الشرعية، يقول ابن عون: لا يؤخذ هذا العلم إلا ممن شهد له بالطلب، لا يؤخذ هذا العلم إلا ممن شهد له بالطلب. يعني هذا العلم شريف وعزيز، لا يؤخذ من أي أحد، فرس القضية أنه انسان حفظه محفوظات معينة أو قرأ كتب معينة، وإنما يجب أن يكون مشهودا له بالطلب.
طيب، حماد بن زيد أيضا أحد رواد هذه المدرسة البصرية، طيب احنا بنقول إنه يعني تلقوا وتوارثوا العلم والأدب والمنهج الحديث والتعبد، وكم تلقى هذا عن هذا، وكم اخذ هذا من هذا من حيث الزمان؟ قال يحيى، إمام الجرح والتعديل، قال حماد بن زيد: جالست أيوب 20 سنة، جالست أيوب كم؟ 20 سنة، بعض الدروس وبعض المجالس، وإنما جالسه 20 سنة، فلا عجب بعد ذلك أن يأخذ من علمه ومن أدبه ومن أخلاقه.
قال سليمان بن حرب، العبارة التي قبل قليل من الذي جلس عند الثاني؟ حماد بن زيد جلس عند أيوب 20 سنة. قال سليمان بن حرب، اللي هو تلميذ حماد بن زيد، سليمان بن حرب طبعا أيضا من الكبار جدا، قالت: طلبت الحديث سنة 58 ومئة، فاختلفت إلى شعبة، فلما مات شعبة جالست حمادا بن زيد ولازمته حتى مات، قال: جالسته تسعة عشرة سنة، جلسته تسع عشرة سنة. صار سليمان بن حرب جلس عند حماد 19 سنة، حماد جلس عند أيوب 20 سنة. هذه أظن أنه يعني أن سافردها بعد ذلك فيه، لأني جمعت فيها كثير، كثير جلس هذا، جلس عند هذا 20 سنة وأحيانا أكثر من 20، وبعضها أسماء كبيرة جدا، لكن الآن فقط ذكرت يعني هذين الاسمين، سليمان بن حرب جلس عند حماد 19 سنة، حماد جلس عند أيوب 20 سنة.
قال سليمان بن حرب تأكيدا على قضية التعظيم المتوارث في المدرسة هذه المدرسة البصرية، قال: كان حماد إذا حدث فرأىنا نتكلم لم يحدثنا، وقال: أخاف أن يكون هذا داخل في قوله تعالى: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، نفس الكلام السابق في قضية التعظيم والاحترام.
الإمام عبد الله بن المبارك كان حفيا بهذه المدرسة، وكان حفيا بحماد بن زيد وابن عون، ولذلك عبد الله بن المبارك تعرفون هو شاعر (عنده أبيات ينظم الشعر)، فكان مما نظمه من الابيات الخفيفة، يقول: أيها الطالب علما ايت حماد بن زيد فضل العلم بحلم ثم قيده بقيد لا كسر وكجم (عبيدة من المبتدعون المعروفين)، يقول: اطلب العلم بحلم ثم قيده بقيد لا كسور وكل عبيدة.
طبعا الإمام مالك كان في المدرسة المدنية، ولكن لاحظت أيضا له بعض الحفاوة بالمدرسة البصرية لما سأل لما ايش قال؟ مر علينا مالك وين؟ مر علينا ابن عون ولا في حماد ولا في أيوب. مالك هنا فطر بن حماد يقول: دخلت على مالك إنس فليسألني عن أحد من أهل البصره إلا عن حماد بن زيد.
أختم هذا المجلس بشيء لطيف في مجلس حماد بن زيد؛ حماد بن زيد طبعا من كان يجلس عنده؟ طبقة تلاميذ حماد بن زيد هي طبقة شيوخ، تحديدا أحمد بن حنبل، الإمام أحمد شيوخه هم طبقة تلاميذ حماد بن زيد، جيد، وعلى راسهم إسماعيل بن علية، إسماعيل بن علية من أشهر شيوخ الإمام أحمد، وهو من أثبت تلاميذ حماد بن زيد، وأيضا عبد الرحمن بن مهدي، عبد الرحمن بن مهدي معروف الإمام الكبير، عبد الرحمن بن مهدي كان من تلاميذ حماد بن زيد.
يقول هنا أيوب بن المتوكل: كان حماد بن زيد إذا نظر إلى عبد الرحمن بن مهدي في مجلسه تهلل وجهه، وهذا أيضا فيها أكثر من موقف، أن الشيخ يحب الطالب الصادق الذي يلمس فيه يعني أن هو سيحمل عنه العلم وينتفع، ومن أهل الفضل إلى عبد الرحمن بن مهدي في مجلسه تهلل.
هذه أول إطلالة إطلالة سريعة على مجموعة من المواقف والسير، ليست هذه المواقف من المواقف التي تحتاج إلى التعليق الطويل بوضوحها، وكذلك وضوح العبرة منها، لكن ستاتينا إن شاء الله بعض المواقف هي المواقف أن تكون كلها.
تعبدية وسلوكية وتزكوية، وإنما ستكون هناك وقفات منهجية.
سيكون هناك وقفات عن مثلا ما يتعلق بالنقد وحسد الأقران، وما يتعلق يعني بعض الأخطاء التي يمكن أن تقع ويعلق عليها العلماء والأئمة وما إلى ذلك؛ فالسلسلة بإذن الله تعالى ستكون متنوعة الموضوعات، اليوم التركيز فيها على الجانب الأخلاقي والتزكاوي، يعني تعظيم اللي همم حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن همم يغفر لهؤلاء همم العلماء وأن يلحقنا بهم، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
الشيخ أحمد السيد