الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، نحمد الله ونثني عليه ونشكره سبحانه على ما يقدر من الخير، ونحمده على أن بلغنا هذا الشهر الكريم الذي هو نعمة من الله سبحانه وتعالى كبيرة علينا، فالحمد لله أولا وآخرا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل الطاعات، وأن يتقبل الدعاء، وأن يزيدنا من فضله، إنه هو السميع العليم.
أيها الكرام، تستعينوا بالله ونستفتح مجال أو مجلسا جديدا من مجالس أنوار الأنبياء، وهي المجالس التي تعودنا عليها في هذا الشهر الكريم للسنة الثالثة، ونحن في هذه السنة مع سورة يوسف، ووقفنا عند قول الله سبحانه وتعالى: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ، وقال للذي ظن أنه ناج منْهما: اذكرني عند ربك.
يوسف عليه السلام لما أخذ الرؤيا من الرجلين أو من الفتيان كما مر معنا في مجلس أمس، لم يعبر الرؤيا مباشرة، وإنما قدم لهما بالتعريف بالإسلام والتعريف بالله، وذكر الأدلة على وحدانية الله وعلى صحة هذا الطريق، وبين لهما فساد الباطل الذي هم عليه، وبعد أن بين ما ينفعهما وما يحتاجانه في الأصل، أعطاهما ما يطلبان وهو تعبير الرؤيا، فعبر لهما رؤياهما، فقال لأحدهما: أو بشره بأنه سيخرج من السجن، وسيكون خروجه خروج عز، وسيكون مقربا من الملك، وسيكون من الخدام أو يعني المختصين من عنده، وأما الآخر فسيخرج من السجن إلى القتل، وسيصلب وتأكل الطير من رأسه.
وهذا فيه دلالة على أن الرؤى أما أن تكون مبشرة وأما أن تكون محذرة ومنذرة، ونجد حقيقة من يتأمل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، ومن يتأمل في كتاب الله في سورة يوسف وغيرها، يجد أن للرؤيا في الإسلام قدرا كبيرا، وسياتي إن شاء الله عند رؤية الملك ذكر بعض الأمور المتعلقة والرؤى.
المهم الآن أنه عبر لهم الرؤيا وقال لهما: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ. بناء على تعبيره للرؤية وعلى ما فهمه يوسف عليه السلام من أن أحدهما سينجو وسيكون قريبا من الملك، قال له: اذكرني عند ربك، يعني إذا وصلت إلى الملك الذي هو ربك، هنا ربي معناه سيدك يعني، كما يقال رب البيت رب الدابة كذا إلى آخره، فإذا وصلت إليه وكنت ممن حوله، فتذكر أن هناك في السجن الذي كنت فيه رجلا اسمه يوسف، واذكر للملك هذا الامر وبين له وأنت تعلم أنني مظلوم.
قال الله سبحانه وتعالى: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. هنا اختلف المفسرون على قولين، منهم من قال إن الهاء في قوله فانساه تعود إلى يوسف عليه السلام، يعني أن يوسف عليه السلام نسي أن يذكر ربه في هذا الموطن ويساله أن يخرجه من السجن فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في السجن بضع سنين، وهو قول مشهور ومتداول في كتب التفسير، ولكن الأصح والارجح أنه غير صحيح، وهناك دلائل متعدده ساذكرها إن شاء الله في هذا المجلس تبين أن الارجح وأن الصواب أن المقصود بالذي نسي هو الذي نجا فلبث يوسف في السجن بضع سنين.
وكان هذا كيدا من الشيطان ليبقى يوسف في السجن، يعني الشيطان ألها ونسى ذاك الرجل الناجي، والغرض من هذا الفعل الشيطاني هو أن يظل يوسف عليه السلام في السجن، وهذا هو الراجح إن شاء الله وهذا الذي تعضده الأدلة. ومن الأدلة التي تبين ذلك، كم كم دليل من الآيات يمكن أن نستخرج أن نستخرجه ليرجح هذا القول؟ طيب، الأول بعد عدة آيات قال الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ. وهذا النص اللي هو وادكر بعد أمة يفهم منه أنه قد ذكر أنه نسي، ولم يذكر شيء في السياق أنه نسي إلا في الآية الأولى اللي هي فانساه، ولو وصلتها لقلت فانساه بعدين وادكر، فالسياق متصل جدا في قضية أنه انساه ثم الذكر يعني تذكر، هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني، يوسف عليه السلام في كل النقاط السابقة أو الآيات السابقة يعني الموضوعات السابقة التي ذكرت في الآيات كان لا يذكر ربه؟ فهل إذا أتت هذه يعني هو أولا قال: لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، جيد، وبعدين قال بعد أن قال الهداية وكذا قال: ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ، وهو أصلا في السياق يقول: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، وفي السياق في نفس الآيات يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، فمن هذا السياق هذا لا يعني لا يتناسب كثيرا مع أن تقول بعد ذلك فانساه الشيطان بذكر ربي، وهو أصلا يذكر ربه في كل في كل فقرة من هذه الفقرات، فمعنى ذلك أن الذي أنسي هو الفتى وليس يوسف عليه السلام.
الامر الدليل الثالث، هو أن الفعل الذي فعله يوسف عليه السلام هو فعلا شرعي أصلا، يعني يوسف عليه السلام هذا الفعل الذي فعله ليس فيه نسيان لله أصلا، هو بذل للسبب من جهة أنه قال: اذكرني عند ربك، وهو هذا الرب المسؤول اللي هو الملك هو صاحب القرار في هذه القضية وهذا الرجل سيكون قريبا عنده، فيوسف عليه السلام يقول له: إذا صرت عنده فاخبره أن هناك في السجن ما في شيء حتى يقال فيه يعني أنه نسي ذكر ربه، فهو من جملة اتخاذ الأسباب الصحيحة الصالحة.
هذا الدليل الثالث، الدليل الرابع، وهو أن الله سبحانه وتعالى وهذا ذكره ابن تيمية رحمه الله يقول: إن الله سبحانه وتعالى لا يذكر الأنبياء ذنبا إلا يذكر بعده مباشرة توبتهم من هذا الذنب، وبما أنه لم يذكر توبة يوسف من هذا من هذا الذي فعل فمعناه أنه ليس ذنبا أصلا، وبالتالي ليس هو المقصود في هذه الآية، هذا الدليل الرابع.
الدليل الخامس هو ذكر الترتيب الفعل بالفاء: اذكرني عند ربك فانساه الشيطان، مما يدل على أن النسيان حصل بعد ذلك، فانساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين، وهذا أشار إليه بعض المفسرين المتاخرين، ويوجد بعض الأدلة الأخرى لكن هذه الأدلة أظن فيها الكفاية، فيها الكفاية وفيها الدلالة الواضحة على أن المقصود بقوله: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، أنه الفتى الذي نسي أن يفعل ما أوصاه به يوسف.
وبما أن هذا القول هو الراجح، فيؤخذ من هذا فائدة، وهي أن الإنسان وإن كان قريبا من الله سبحانه، وإن كان متوكلا عليه، وإن كان دائما الدعاء له، فلا يمنع هذا من أن يتخذ الأسباب، ولو كانت الأسباب متعلقة بأن يذهب فلان إلى فلان أو يكلم فلان أو شفاعة عند فلان، فهذا لا يتنافى مع القرب من الله ولا مع التوكل، والدليل والدليل من جهتين في هذه الآية، الجهة الأولى أنه فعل يوسف عليه السلام، والجهة الثانية أن الله نسب ما يخالف هذا الفعل إلى الشيطان، قال: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، وهذه أشار إليها الإام ابن العربي رحمه الله المالك الفقيه فقال: والذي يدل على جواز ذلك نسبة ما جرى من النسيان إلى الشيطان، كما جرى لموسى صلى الله عليه وسلم في لقاء الخضر لما قالوا: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، جيد.
طيب، إذا اتخاذ الأسباب ولو كان الإنسان قريبا من الله دائما الدعاء دائما التوكل فهو لا يتنافى مع التوحيد ولا مع التوكل ولا مع الدعاء ولا مع القرب من الله سبحانه وتعالى.
طيب، فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، احنا قلنا كما تقدم بالادله أن المقصود هو الفتى، هذه الآية فيها دلالة على أن الشيطان لا يفتأ يستعمل الوسائل المختلفة ليحارب الصالحين وليحارب المصلحين، والحرب هذه ليس بالضروره أن تكون موجهة إلى المصلح نفسه وإنما قد توجه إلى من حوله ليؤذى المصلح، والذي فعله هنا أنه انسى الفتى الذي سيخرج أو الذي خرج ذكر السبب الذي سيخرج به يوسف عليه السلام، وكان هذا من جملة الكيد من الشيطان بيوسف، وهذا أشار إليه أو ذكره ابن كثير أن هذا من جملة مكائد الشيطان ليوسف عليه السلام، وهذا فيه إشارة مهمة جدا إلى أهمية التيقظ والادراك والفهم لامتداد مساحة المعركة مع الشيطان، وأن الشيطان يحشد أدواته وآلاته وجنده في سياق الحرب للإسلام والحرب على الصالحين.
طيب، فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، هذه فلبث في السجن بضع سنين كلمة مختصره جدا: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، ولكنك إذا بسطتها وغصت في متعلقاتها ستجد أن هذه البضع سنين الله أعلم كم فيها من الكربات، ومن الغربة، ومن الشدة، ومن يعني لأنه الوضع والحال كما يعني سلف يوم أمس، أنه يوسف عليه السلام اجتمعت عليه ثلاث كربات في هذه المرحلة: كربة السجن، وكربة الغربة، وكربة تشويه السمعة، فثلاث كربات اجتمعت في وقت واحد في مكان ضيق الذي هو السجن، وهذا طبعا احنا ممكن نزيد عليها الرابعة اللي هي طول المدة، هذه المتعلقه بتشويه السمعة صحيح، لكن طول المدة أيضا، وطول المدة هذه أشار لها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في البخاري قال: لو لبثت هكذا في البخاري قال صلى الله عليه وسلم: لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي. لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لعجبت الداعي، المقصود لأجبت الداعي، الداعي الأول لما قال الملك أتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك، ما أجابهم، قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو لبست في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي. فهذا يدل على أنه أيضا طول المدة هذه لها شدتها ولها كربتها ولها يعني حولها ولها ضغطها ولها أثرها.
فصلى الله على يوسف وصلى الله على نبينا محمد، هذه القصة يعني فيها عبرة عظيمه جدا، وفيها يعني سلوان للمأسورين والمكروبين والمهمومين والمطرين، هذه يعني القصة فيها عبر وفوائد عظيمة.
لما انقضت هذه الأعوام وأراد الله سبحانه وتعالى ليوسف عليه السلام أن يخرج من السجن دبر له سبحانه وتعالى وقدر له بلطفه سببا لطيفا، وهو أيضا كما اعتدنا في قصة يوسف عليه السلام رؤيا، وهذه الرؤيا لم يرها هو وإنما راها الملك، وهنا وصل للمستوى إلى المقامات الكبيرة، الآن الرؤيا للملك مباشرة، والملك هنا يستيقظ، وكما سياتينا إن شاء الله في هذا المجلس وحتى المجالس القادمة بإذن الله، واضح أن الملك اللي كان في زمن يوسف عليه السلام أنه كان رجلا عاقلا، وبين قوسين بالعامية مو سهل يعني ما كان يعني يمشي الأمور المهمة ويلقيها إلى الحاشية ويسمع أي كلام، لا، كان يفكر وكان ينتبه لمصالح مملكته حتى لو كانت يعني على خلاف سنن الملوك المتجبرين، سياتينا هذا إن شاء الله تفصيله، لكن واضح أن الملك أصلا مجرد اهتمامه بهذه الرؤية وعدم اعتباره لقول الحاشية، لأنه لما قال: وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ، قالوا: أَضْغَاثُ أَحْلامٍ.
أحلام هذه مترتب عليها خمسة عشر سنة جاية، مترتب عليها اقتصاد البلد كاملا، مترتب عليها خطة اقتصادية عجيبة، وترتب عليها مجاعة وغنى، وأضغاث واحلام! وهذا يدلك على أنه كثيرا ما يكون ممن يعني حول أصحاب المناصب أنهم ناس يعني ما تعنيهم مصلحة المجتمع ولا مصلحة، وإنما يعني ايش ايش الكلام اللي ممكن يقال ويجعل الإنسان يعني له حظه عند عند المسؤول وخلاص، أَضْغَاثُ أَحْلامٍ! طيب أنت الحين تقولوا أضغاث أحلام، تكمل الآية: وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ.
الملك كان عاقلا ومن الواضح أنه لم يقتنع بهذا الكلام وهو الذي رأى الرؤية، يعني دلالات الرؤية والرموز التي فيها ليست قضية أضغاث أحلام، وهي الرؤية بالمناسبه يعني من أقوى الرؤى، الرؤى المرموزة الرؤى التي يكون فيها رموز يعني ليست هي في هناك الرؤى الصريحة اللي هي تاتي مثل فلق الصبح ترى شيئا ويقع، وهذا الذي بدات به النبوة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في المنامات التي يراها الإنسان هناك أضغاث أحلام وهناك شيء من الشيطان لإفزاع الإنسان وتحزينه وهناك رؤى من الله سبحانه وتعالى كما قسمها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح.
هذه الرؤى كما يقول العلماء هي عبارة عن أمثال، أمثال تضرب للإنسان، والمثل معناه أنه ليس هو نفس الأمر الواقع وإنما ما يشبهه، ما يشبهه، فالمثل هذا المضروب ياتي من يفتح الله عليه في التعبير فيستخرج من هذا المثل ما يوافق الواقع، ولذلك هنا تاتي ساعة الاستعمال من جهة الأعراف ومن جهة دلالات اللغة ومن جهة يعني باب واسع بالمناسبه، يعني باب الرؤية باب التعبير باب شريف، ساقرا عليكم الآن كلام الشيخ ابن سعدي رحمه الله في التفسير يقول: إن علم التعبير أما في التفسير أو في فوائد قصة يوسف، قال: إن علم التعبير من العلوم الشرعية ويثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، ويثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، ولذلك كانوا يعظمون القول في التعبير وما يزعلون القضية وبعضهم يجعلها من الفتوى، أيضا الشيخ ابن سعدي يقول: تعبير المرائي داخل في الفتوى، فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤية من غير علم، فالقضية ليست لعبا.
على أي حال، هذا الملك لما رأى الرؤيا وكانت مثلا ضرب له، لما رأى الرؤيا قصها على الملأ، قالوا: أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ، هنا.
تذكر الفتى الذي نجا، ذلك المجلس الذي جمعه في السجن مع يوسف عليه السلام لما قال له: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا، لما قال له: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا، وكان يوسف عليه السلام يعبر له الرؤيا، وحصل وتحقق له هنا الذكر بعد أمّه تذكر بعد مرحلة بعد فترة، وعرف مباشرة أن يوسف عليه السلام عنده حل هذه الرؤيا للملك.
فمباشره قال واستعمل أسلوباً يعني استعملوا أسلوباً يحفز للاستجابة فأثار الانتباه فقال: أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ.
ثم ذهب إلى يوسف عليه السلام وقال: يوسف أيها الصديق، ولاحظوا كيف تكرر من هؤلاء الذين يخالطون يوسف عليه السلام، تكرر منهم وصف يوسف عليه السلام بالصفات الحسنة لما رأوه منه، فبداية قالوا: نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، ثم هنا: أيها الصديق، وين الثالثة؟ وين الثالثة؟
أحسنت، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُصَدَّقِينَ، صح؟ أنا نراك من المحسنين، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُصَدَّقِينَ، طيب.
الآن نرجع إلى رؤية الملك وإلى قول الفتى: أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ.
أرسلوه، راح إلى يوسف، يوسف عليه السلام استقبل هذا الفتى، إيش كنت راح تسوي يا أبو عمر إذا كان نسيك كل هذه السنوات ولا به في السجن بضع سنين ولا خبرته بشيء ولا فعلت وأوصاك وصية وهو الذي أحسن إليك والذي عبر لك ما يتعلق بمستقبلك وعشت هذه أيام العز وكل شيء، والآن جايت آت يطلب إثم يطلب يقول: يوسف أيها الصديق أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ.
يوسف عليه السلام حليم وعظيم وكريم كريم النفس وكريم الخلق وكريم اليد، ولذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: من أكرم الناس؟ قال: يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن نبيل.
يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه.
يوسف عليه السلام مباشرة فهم من هذه الرؤيا أنها رؤيا خطيرة وأنها رؤيا متعلقة بالشأن العام، وأن البلد مقبل على مجاعة كبيرة جداً، وأن الموضوع ليس فقط خبراً، وإنما الموضوع يتطلب اتخاذ تدابير اقتصادية يعني يقوم بها الملك ويقوم بها الشعب، وأن الموضوع يجب أن توضع في خطة طويلة الأمد مدتها ١٤ سنة، فقال: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ، هذا للتخزين، وإذا كان الحب بقي في السنبل يكون أحفظ له، إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ، يعني هذه السبع سنوات خفضوا على أنفسكم فيها، ترى ما راح يكون فيها مجاعة، وإنما إيش؟ سيكون فيها ما يتطلب الحفظ للسنوات القادمة، إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.
قبل ما نقف الآن مع التعبير، كم كان سيفوت على الناس من المصالح والخير إذا اتبع الملك كلام أولئك الملأ الذين قالوا: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ؟ إيش اللي كان راح يصير في البلد؟ ترى بالمناسبه يعني صارت سبع شداد، ولكن من رحمة الله سبحانه وتعالى أن الناس مهيأ لها نفسياً ومهيأ لها من حيث الإعداد، ومن أعظم رحمة الله بهم أن الذي تولى تنفيذ هذه الخطة الاقتصادية هو يوسف عليه السلام بنفسه، لأنه لما خرج قال: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ، هي هذا هي هذا الوظيفة المتعلقة بالناحية الاقتصادية تحديدا، فالذي عبر الرؤيا يوسف، والذي أوصاهم يوسف، والذي نفذ الخطة الاقتصادية يوسف عليه السلام، ولذلك يبدو أن هذه كما أشار بعض المفسرين أنه هذه الأزمة ليس لم تكن فقط في مصر وإنما ضربت ما حولها، ولذلك إيش؟ ولذلك إيش؟ جاء إخوة يوسف، ليش جاءوا يوسف لمصر؟ لأنه مصر كانت موفرة، مصر كانت موفرة وكانت متخذة خطة وكانت مستعدة لهذه القضية، بينما من حولها كانوا يعيشون تلك الأزمة.
تعرفوا: فأوف لنا الكيل وتصدق علينا وكذا، وكانوا في حال، وكل واحد والكيل كان يعني ما هو كان محدد، هذا معناه أن الأزمة لما صارت صارت كبيرة وصارت ضاربة.
طيب، هنا نعلم مقدار الخسارة التي تخسرها مقدار الخسائر التي تخسرها الأمم والتي تخسرها الشعوب حين يكون الذين يتصرفون في الأمر ويتخذون القرارات سفهاء وغير أهل العلم وغير أهل الاختصاص.
لو كان الذي حصل غير ما حصل لا راح الشام في داهية، لكن يوسف عليه السلام أولاً أولاً قبل يوسف عليه السلام الله سبحانه وتعالى رحم الناس بأن أرى الملك تلك الرؤيا، فكان نتيجة ذلك، وهذا كله من رحمة الله سبحانه، نتيجة ذلك أن حصل التعبير فكانت الرحمة مضاعفة، هذه الرؤيا فيها رحمة مضاعفة، فيها رحمة بالتدبير للناس والاستعداد لتلك المجاعة الاقتصادية أو الأزمة الاقتصادية، وكان فيها رحمة بيوسف أن كانت سبباً بخروجه من السجن، فجاء الفتى وقص على يوسف، ويوسف عليه السلام عبر له، ثم بعد أن انتهى من ذكر السبع والسبع اللي هي في الرؤيا: سبع بقرات سمان وسبع بقرات عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، سبع وسبع لما عبر له ذلك قال له: ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.
وها هنا يثار السؤال الذي أثاره المفسرون واجتهدوا في تحريره وفي الإجابة عنه: من أين عرف يوسف عليه السلام ما يتعلق بالعامل الخامس؟ من أين علم يوسف عليه السلام ما يتعلق بذلك العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون؟ على ثلاثة أقوال.
القول الأول: أن ذلك كان من الوحي، يعني جزء من التعبير تعبير، وجزء من التعبير كان مما أوحى الله سبحانه وتعالى أو مما ألهم الله به يوسف عليه السلام وهو نبي، هذا قول.
القول الآخر: قالوا لا القضية أن أنها فهم من يوسف عليه السلام بسنن الله سبحانه وتعالى وأن العسر يعقبه يعقبه اليسر، فبما أنها سبع شداد فإن من سنة الله سبحانه وتعالى أن بعد العسر اليسر وأن التخفيف والرحمة يوسف عليه السلام فهم ذلك من ذلك، وفي ذلك يقول ابن عاشور: وهو من لازم انتهاء مدة الشدة ومن سنن الله تعالى في حصول اليسر بعد العسر.
ومن سنن الله في حصول اليسر بعد العسر هذه الجمله الثانية هي التي تدل على هذا المعنى.
القول الثالث: هو قول ابن سعدي رحمه الله تعالى، ويقول: لم أره لأحد من المفسرين بصراحه خطير يعني رحمه الله تعالى يقول: بل هذا يفهم من الرؤيا.
يقول: بل فهم ذلك يوسف عليه السلام من الرؤيا.
خلينا نشوف مين منكم عنده كذا، لا لا من الرؤيا شيء مفتوح لك لأنه حدد سبع عجاف فبعدها جميل جميل صحيح، يعني تقريبا إيش يقول إيش يقول السعدي رحمه الله؟ يقول: لأنه فهم من التعبير، لاحظوا، لأنه فهم من التعبير بالسبع الشداد أن العام الذي يليها تزول به شدتها، لأنه لن يكون شديداً، طيب ومن المعلوم، أشوف الاستنباط: ومن المعلوم أنه لا يزول الجدب المستمر سبع سنوات متواليات إلا بعام مخصب جداً وإلا لما كان للتقدير فائدة، يعني لو كان هذه السبع الشداد من شأنها إذا ما أتى بعدها عام استثنائي في الخصب وفيه يغاث الناس لاستمرت آثار المجاعة سنوات، لكن بما أنه حددها بسبع فهذا يدل على أنها ستنتهي دفعة واحدة، ولذلك قال: ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.
وبرأيي أن ابن عاشور في كلامه السابق يفهم منه أيضاً هذا، لأنه قال: وهو من لازم انتهاء مدة الشدة، لكنها إشارة مجملة ومقتضبة.
هذه الآيات العظيمة فيها عبر كثيرة: عبرة في الصبر على البلاء لبث في السجن بضع سنين، وفيها عبرة في تقدير الله وألطافه بأن قدرت تلك الرؤيا للملك، وفيها العبرة بما يتعلق بالرؤى ورحمة الله سبحانه وتعالى، وأن مما قد ياتي من الخير للناس بشكل عام وليس حتى للأفراد الخاصين بعض الرؤى التي قد تنفع، ومقدار الخير الذي يحتاجه تحتاجه الشعوب بوجود أهل العلم وجود أهل الإصلاح، وأنه كما قلت: لو لم يكن هناك يوسف، لو لم يسخر الله يوسف عليه السلام لتعبير هذه الرؤيا وإرشاد الناس إليها لعاشوا أزمة عظيمة جداً، ولتضرر شعب عظيم بآراء مجموعة من المنتفعين من أصحاب المناصب بينما القضية كانت تحتاج إلى أصحاب علم وإلى أصحاب اختصاص.
وكذلك فيها الدلالة على عقل صاحب الملك، لأنه لم يأنف من أن يرجع الأمر إلى مين؟ إيش وصفه بالنسبة له؟ سجين! تخيلوا واحد يأتي من حاشية الملك يقول: اللي راح يحلك يا الملك اللي هذا ترى واحد في السجن أنت أنت تخيل يعني يعني ترى مقتضى المنصب ومقتضى هذا يسجن ثاني معه، هذا مقتضى يعني الأيش الشعور بالقوة، لكن الملك كان عاقل القضية قضية متعلقة بمصلحة الناس وقضية ما هي سهلة، بما أن اللي ممكن يحلها موجود في السجن عادي روح ارسل كلمة نسمع نسمع شوف إيش القضية راح سماع القضية والله عجيب صحيح.
إلى غير ذلك من الفوائد والعبَر والدروس والحكم التي هي في هذه القصة العظيمة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعلنا من أهل القرآن ومن أهل التدبر ومن أهل الفهم ومن أهل الخشية، وإن شاء الله اللقاءات مستمرة في تدبر قصة نبي الله يوسف عليه السلام من سورة يوسف ضمن هذه السلسلة سلسلة أنوار الأنبياء التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها مباركة طيبة.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله أولاً وآخراً.
الشيخ أحمد السيد