السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلِ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً. استعينوا بالله ونستفتح المجلس السادس من مجالس أنوار الأنبياء، وهو المجلس الأخير من سورة مريم، وغداً بإذن الله تعالى نبدأ في سورة طه مع قصة موسى. ولذلك الآية الأولى اليوم هي المتعلقة بموسى عليه السلام، ولكن سيكون المرور سريعاً حتى نرجئ الحديث المفصل عما يتعلق بموسى عليه السلام في سورة طه. قال الله سبحانه وتعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا. وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا. وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا.
هذه الآيات في موسى عليه السلام، ثم ستأتي في إسماعيل وإدريس؛ هي آيات مختصرة على خلاف الأنبياء الذين سبق ذكرهم في سورة مريم، كانت الآيات في البداية مطولة فيما يتعلق بزكريا ويحيى وعيسى عليه السلام. واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً، وفي قراءة مخلصاً وكان رسولاً نبياً. موسى عليه السلام كان مخلصاً، ومخلصاً ومخلصاً إيش معناها؟ مخلصاً مختاراً مصطفى، الاصطفاء والاختيار كل نبي يمكن أن تصفه بأنه مصطفى ومختار، أليس كذلك؟ إيه، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا إلى آخره. لكن اصطفاء موسى عليه السلام لو تلاحظ في قصص موسى أو في بعض الآيات المتعلقة بموسى، تلاحظ أن هناك مزيد اصطفاء ومزيد اختيار، أيوه؛ ولذلك هو الذي جاء فيه: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي. واصطنعتك لنفسي، وهنا: إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا، وكذلك أنه كان مخلصاً ومخلصاً لله سبحانه وتعالى. ومن أعظم صور الإخلاص هو مواجهته للطاغية فرعون وتحمله أعباء الدعوة، وهذا من أعظم المستندات التي تدل على إخلاصه. طيب، إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا. وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا، وهذا من جملة الاصطفاء والإكرام. وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا، هذه كلها إن شاء الله سيأتي التفصيل فيها في سورة طه: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي، بإذن الله سبحانه وتعالى ستأتي غداً في سورة طه، فلا لن أمر عليها اليوم.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا. الفائدة الأولى من هذه الآية هي مؤكدة للفائدة التي ذكرتها قبل يومين تقريباً، وهي أن الأنبياء يمتدحهم الله سبحانه وتعالى بنوعين من المدائح: نوع مما يمتدحهم به يكون خاصاً بهم ولا يمكن لغير الأنبياء أن يعملوا به، ونوع عام يمكن لغير الأنبياء أن يعملوا به وهو ما لم يكن من شأن النبوة والرسالة. إيش الفائدة اللي ذكرناها؟ مين يتذكر في هذا القسم الثاني؟ أيوه، الصفات الأخرى التي ليست خاصة بوصف النبوة والرسالة إذا أثنى الله بها، فإن الاقتداء بهذه الصفة بالنبي هو من أعظم القربات. هنا الله سبحانه وتعالى يصف إسماعيل بأنه كان صادق الوعد، والمقصود بصادق الوعد أول صورة من صدق الوعد المقصودة هي صدق الوعد مع الله سبحانه وتعالى، ثم صدق الوعد مع الناس ومع الخلق: إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ. الله سبحانه وتعالى يحب الذين يوفون بعهودهم ووعودهم، وخاصة إذا كانت العهود والوعود مع الله سبحانه وتعالى. وإذا وعد الإنسان ربه شيئاً وعاهده ثم لم يلتزم بهذا العهد ولم يلتزم بهذا الوعد، فإن هذا من الأعمال التي يُخشى من عواقبها على الإيمان وعلى القلب، وخاصة إذا كان الإنسان قد تهاون بهذا العهد واستخف به ولم تعرض له من العوارض والتحديات ما يمنعه من الوفاء.
قال الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة عن المنافقين: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ. وأنت في كل صباح ومساء تقول في سيد الاستغفار: وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، فإذا قلت وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، فتذكر إسماعيل صادق الوعد، واجعل واحدة من أنوار الأنبياء الاقتداء بهم في صدق الوعد، وأعلاه وأشرفه صدق الوعد مع الله سبحانه وتعالى، ثم صدق الوعد مع الناس وهو من صفات المؤمنين، وبعكس ذلك الذي إذا كان حاله أنه إذا وعد أخلف، فهذه من صفات المنافقين. طيب، إنه كعادة الفائدة الأولى أنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً. وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا.
الفائدة الثانية أن الأنبياء كانت خيراتهم وبركاتهم تصل إلى مختلف الدوائر المحيطة بهم، ابتداءً بالدائرة القريبة التي هي دائرة الأهل، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا. ويقول في إسماعيل: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ، ويقول للمؤمنين جميعاً وهذا يؤكد قضية الاقتداء، نعم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا. طيب، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا. كان يأمر، يستمر في هذا الفعل، كان يأمر هذه الصيغة تفيد الاستمرار مع التكرار، هذا يعني يفيد معانٍ منها أن الإنسان قد اتخذ هذا منهجاً، قد اتخذ هذا منهجاً وطريقته مع أهله ومع من حوله، منهجه في طريقته معهم أنه يأمرهم بالصلاة والزكاة، يدعوهم دائماً إلى الخير.
إذاً الفائدة الثانية هي أن الإنسان الذي يتبع في الدعوة والإصلاح لا ينبغي أن يحصر نفسه في دوائر بعيدة في الدعوة والإصلاح وينسى الدوائر القريبة، وإنما لتكن بركاتك وخيراتك فائضة على من حولك من المقربين قبل أن تفيض على البعيدين، وهذه من أبرز التحديات التي تواجه الدعاة والمصلحين؛ الداعي والمصلح خاصة في مثل هذه الأزمنة التي تكثر فيها الواجبات والمسؤوليات وإلى آخره، أحياناً يجد صعوبة في أن يكون له خير أو بركة على أهله، لكن الموفق المسدد يحاول قدر المستطاع أن يكون له شيء ولو قليل، لكن لا ينسى، وليجعل قدوته في ذلك الأنبياء في أن يكون له بركة تفيض على أهله بأمر بالمعروف بنهي عن المنكر، بإتيان بمعلم يعلمهم القرآن، بتأديبهم ببعض الآداب، أياً كان، المتابعة التوصية؛ المهم أن يكون من بركات بركة على أهله وليس على الدوائر البعيدة فقط.
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. ثم قال الله سبحانه وتعالى وهذه الآية هي موضع الشاهد في درس اليوم وفي مجلس اليوم: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا. هذه الآية فيها فوائد كثيرة ومتعددة، وهي من الآيات المركزية في قصص الأنبياء.
الفائدة الأولى: أعظم نعمة يمنّ بها الله سبحانه وتعالى على الإنسان هي نعمة الهداية والتوفيق والإصلاح، ولذلك أنت في كل صلاة تقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم هم الأنبياء في أول ما يدخل فيهم. طيب، هذه الآية من المفترض أنها تعيد لدينا تصحيح مفهوم النعمة، ما هي؟ البعض لا يعرف من النعمة ولا ينتظر من النعمة ولا يحتفي بالنعمة إلا بالنعمة الدنيوية المادية؛ فإذا عاش حياة ليست حياة فيها الرخاء الاقتصادي والسعة في المال والرزق، لا يعتبر أنه مُنعم عليه، وإذا عاش بعكس ذلك، فكان في رخاء وسعة ودر من الرزق ولو كان غير متمسك أو مهتدي، فإنه يعتبر نفسه مُنعماً عليه. وأحياناً أنت في طريقة تقييمك للناس ونظرتك لهم، تقول: يا أخي والله فلان أنعم الله عليه، فلان أنعم الله عليه! إيش قصده أنعم الله عليه؟ سيارة جميلة وبيت كبير وزوجة وأولاد والحمد لله رب العالمين أنعم الله عليه، تمام. طيب الثاني، هذاك الثاني اللي حالته المادية ليست بتلك ولكن لا يأكل الحرام، لا يظلم، ملتزم بعهوده ووفائه، محافظ على صلاته، باراً بوالديه، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، والله أخونا المسكين ذا! تمام، هنا إشكال كبير من جهة فهم النعمة وتقدير من هم الذين أنعم الله عليهم، أعظم من أنعم الله عليهم هم الأنبياء. وإذا قست حال الأنبياء على هذه المسطرة الدنيوية المادية فليسوا هم، ما عندهم شيء، فليسوا هم الذين إذا نظرت العين إليهم ارتدت ممتلئة من ناحية النعم الدنيوية المادية، نعم الحمد لله كانوا يعيشون حياة، لكن ليسوا هم، بالعكس الله سبحانه وتعالى يقول للنبي: لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. إذاً الفائدة الأولى من هذه الآية هي إعادة تقييم معنى النعمة وترتيب أولويات النعمة التي يفرح بها، فإذا رزقك الله سبحانه وتعالى نعمة الهداية والعلم به والاستقامة على أمره، وإذا زادك فجعلك متبعاً لأنبيائه في دعوة الخلق وإصلاحهم، فهذه أعظم نعمة يمكن أن ينعم بها على الإنسان، لذلك تجد هؤلاء الذين أنعم عليهم بهذه النعمة هم أطيب الناس نفوساً وأشرحهم صدوراً وأكثرهم طمأنينة ولو كانت التحديات أمامهم والصعوبات والمشكلات وإلى آخره أكثر من غيرهم. أما الآخرون الذين لديهم النعم الدنيوية فهم بخير طالما أن النعم ضارة، فإذا حصلت نكبة أو مشكلة أو مصيبة فقد كل شيء، ربما ينتحر يموت اكتئاب أياً كان. إذاً: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ.
الفائدة الثانية: أن وسيلة النعمة التي أنعم بها على هؤلاء الأنبياء والنبراس الهادي الذي كان يهديهم والمعين الذي كانوا يستقون منه دائماً هي آيات الرحمن. لذلك قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي. النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر إلى القرآن على أنه هداية له قبل أن يكون هداية لغيره، ولذلك لما جاء في البخاري قال: الكتاب الذي هداك الله به أو أخذت به فرفعك الله، آيات الرحمن هي التي رفعت الأنبياء، هي التي هدي بها الأنبياء. هداية الأنبياء نعم الله سبحانه وتعالى يشرح صدورهم ثم يفتح قلوبهم، ولكن المعين الذي يغذيهم بالهداية دائماً هي آيات الرحمن، فأحوج الناس أو عفواً إذا كان الأنبياء يهتدون والوحي ينزل إليهم بآيات الرحمن، فنحن أشد حاجة إلى التمسك بآيات الرحمن حتى يكون لنا هذا المصدر الهادي: إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا.
الفائدة الثالثة: هي أن الهداية والمعرفة والعلم المستقى من آيات الرحمن والذي امتدح الله به أنبياءه هو العلم الهادي للخشوع، ومن أعظم سمات المهتدين أنهم خاشعون، ومن أعظم السمات التي امتدح بها الله سبحانه وتعالى أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم خاشعون، فقال: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ما هو هذه السيما نور؟ قال المفسرون من أبرز الصفات يعني من أبرز ما قيل في المفسرون الخشوع، الخشوع الذي في الوجه من أثر السجود: إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا. آيات الرحمن التي هي العلم والهدى، أثرها عليهم خشوع وسجود وبكاء، وهذا هو المقياس والمسطرة التي ينبغي أن يقيس الإنسان نفسه عليها في تفاعله مع آيات الله سبحانه وتعالى وفي نظرته لهذا العلم، فما لم يكن العلم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى هادياً لقلب الإنسان هداية خشوع، فإن هناك إشكالاً ونقصاً. ولذلك طلاب العلم الشرعي هم أحوج الناس إلى إعادة مراجعة أنفسهم في تقييم علاقتهم بالعلم، وهل أكسبهم العلم هذا المعنى أو لا؟ فإذا لم يكسبهم هذا المعنى فلا بد أن يعيدوا الحساب، إما أن يكون هناك بعض المكونات الناقصة فيما يقرؤون، إما أن يكون هناك بعض الموضوعات التي لم تتناول، في نية غير صالحة، قلب غير مستعد، لكن: إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا. طيب إيش العلاقة بالعلم استمع هذه الآية قال الله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا، هي نفس المعنى الذي في سورة مريم. طيب، إذاً الفائدة الثالثة هي لنعد تقييم علاقتنا بالعلوم الإسلامية والعلوم الشرعية، ولنجعل البوصلة التي يراد الوصول بها أو الوصول إليها هي الخشوع والخشية والاهتداء، فما لم يكن العلم موصلاً إلى هذه المعاني فهناك نقص في المعادلة. الفائدة الرابعة: أن الأنبياء وقد أوتوا المكانة العالية عند الله سبحانه وتعالى، ووهبهم الله ما آتاهم ومع ذلك كانوا أهل خشية لله وبكاء.
من آياته وخوف منه. فالإنسان مهما بلغ في العبادة والقرب لا يجعله هذا بمعزل من الخوف والخشية، وهذا كان هدي الأنبياء. الفائدة الخامسة هي ما العلاقة بين العلم والخشوع؟ يعني لماذا كانوا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن يخرون سجدا وبكيا؟
إيش العلاقة؟ يعني من أين التلازم بين استماع آيات الرحمن وبين أن يهتز كيان الإنسان فيخر؟ شوف لاحظ يخر، هذه يخر فيها معنى الثقل، أليس كذلك؟ يعني أنه في ثقل كبير في النفس جعله يخر ساجدا باكيا. غير أنه يعني فقط تأثر، فين العلاقة؟ طيب كلما زاد العلم زاد الخشوع، طيب ها؟ الحقيقة التي تربط بيننا وبين الله عز وجل جميل أي تمام، إيش الذي وقع على القلب؟ مناسبة للفطر، طيب أولا بس نبعد صورة قد تلتبس، المقصود أنه إذا تتلى علامات الرحمن ليس المقصود الآيات التي فيها الموت ولا يعني ليست هي مجرد الآيات التي فيها المواعظ المباشرة، التي فيها المواعظ المباشرة. أين الآية التي قرأها ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم فذرفت عيناه: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا. طيب.
سأجيب آية ثالثة أيضا حتى بس توضح الصورة، قال الله سبحانه وتعالى عن أناس من أهل الكتاب ممن آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ. طيب، العلاقة بين العلم والمعرفة الآتية من الرحمن سبحانه وتعالى في آياته وبين أن يخر القلب خاشعا ويخر البدن ساجدا هي ليست في مجرد التخويف من عذاب الله سبحانه وتعالى، وإن كان هذا من جملته، وإنما هي في انكشاف أعظم الحقائق للقلب واستشعاره لهذه الحقيقة الكبرى، وهي أن الله بجلاله وكبريائه وعظمته الذي هو الخالق الذي خلقني، الذي هو الحي الذي يراني ويسمعني، ها هو الذي أنزل هذه الآيات، وما فيها هو أعظم حقيقة يمكن أن تتماس مع الإنسان، أعظم حقيقة يمكن أن تتماس مع الإنسان. فاستشعار أنه كلام الله، واستشعار أن الذي أنزله هو الله، واستشعار أن المتلقي هو الإنسان الضعيف الفقير المحتاج الجاهل الذي لا يعلم، حين تمتزج هذه المعاني ببعضها، ما في الآيات من معاني تحدث حالة أن يخر القلب خاشعا وأن يخر البدن ساجدا باكيا، فامتزاج هذه الحقائق ببعضها هو الذي يحدث هذه الحال.
لذلك من أراد أن يتبع الأنبياء في مثل هذا الموقف لما يقرأ آيات الرحمن فليستحضر، فليستحضر حين يقرأ القرآن وحين يقف بين يدي الله في الصلاة فليستحضر أن المتحدث أو أن الذي تكلم بهذه الآيات أو الذي أنزل هذه الآيات هو الله سبحانه وتعالى. ولما تقول هو الله، هو الله العظيم الخالق الرحمن العزيز الذي خلق كل شيء، الذي هو الذي أحدث هذا الكون بعد أن لم يكن، هو الذي أوجدك بعد أن لم تكن، وهو الذي، وهو كل هذه الحقائق تستحضرها، ثم تستحضر أنك أنت، من أنت؟ ارجعوا بذاكرتكم قليلا حين لم تكن شيئا مذكورا، ثم كنت نطفة، ثم مررت أطوار الخلق، ثم كنت رضيعا، ثم كنت صغيرا ضعيفا، ثم كبرت شيئا فشيئا، ثم ها أنت الآن قد وعيت وعقلت وأنت تستمع إلى آيات الله سبحانه وتعالى، ها ثم تتذكر النعمة الكبرى عليك بأن منَّ الله عليك بأن أتاح لك فرصة التعرف عليه والاستماع لآياته والوقوف معها والى آخره. فلما تمتزج هذه ثم يتلقى قلبك معاني هذه الآيات وما فيها، هنا يخضع القلب ويخر البدن وتخشع وتدمع العين وينكسر الفؤاد، وتحدث الآيات فيك الأثر الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون لآياته.
وهناك تتذكر: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ. وإذا قلبت إلى الحالة العكسية المفارقة، حين ترى ذاك الذي يصلي ويسجد ويقرأ القرآن ثم يسرق ويكذب ويخدع، تعرف الحالة الهائلة المفارقة، المفارقة، وأن الدين ليس هو التزام بمجموعة من الأعمال العملية وانتهينا، وإنما هو في حقيقته آيات من الرحمن تتلى لتصلح هذه النفس وتزكيها وتجعلها نفسا خاشعة خاضعة مهتدية، منقادة. إذا هذه الآية في ختام آيات الأنبياء في سورة مريم هي من الآيات التي ينبغي أن تعيد للإنسان المسلم تعريفه للنعمة وتعريفه لموقفه من آيات الرحمن وتعريفه لنتيجة العلم ودلالته، هذه أهم ثلاثة أمور يخرج بها، وإن شاء الله لقاؤنا غدا مع سورة طه مع قصة موسى عليه السلام بإذن الله تعالى، وجزاكم الله خيرا، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين.
الشيخ أحمد السيد