الله وبركاته، يا أهلاً وسهلاً ومرحباً. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، حياكم الله جميعاً، أسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم القبول.
استعينوا بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس سلسلة أنوار الأنبياء، هذا المجلس هو المجلس السابع، المجالس الست السابقة الحمد لله انتهينا من سورة مريم في آيات الأنبياء التي في سورة مريم.
اليوم سننتقل إلى سورة طه، قصة أو آيات جديدة متعلقة بالأنبياء، وهي الآيات المتعلقة بموسى عليه السلام، قال الله سبحانه وتعالى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ.
هذا المقطع هو اللي راح ناخذه الليلة إن شاء الله، ثم غداً: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، إن شاء الله. طيب، وهل أتاك حديث موسى؟ هذا الأسلوب فيه تعجيب وتعظيم ولفت انتباه، وحسبك بقصة وحدث يصدره الله بقوله: وهل أتاك حديث، كذا يعني أنت الآن لما تريد أن تخبر صديقك أو أحداً عن حدث عظيم وحدث عجيب ما تقول له صار كذا، إيش تقول له أول شيء؟ ما أدري إيش صار صح، تعجب. أي يعني ما أدري إيش صار، يعني تخيلوا يصير حدث كبير فتجي تقول لواحد السلام عليكم صار كذا، تقول له نكتة جميلة يعني.
لا، أنت تقول ما تدري إيش صار؟ تقول لك إيش صار خير إن شاء الله يا رب؟ تقول له كذا كذا كذا، طيب هذا أنت الآن تمام؟ الله سبحانه وتعالى يقول: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. وهل أتاك حديث موسى؟ يعني الآن استعد الموضوع يتطلب انتباهاً، حدثاً استثنائياً، أمراً ليس بالعادي. وهل أتاك حديث موسى، وهل أتاك؟ طيب إيش نستفيد من هذا؟ إيش نستفيد من هذا الأسلوب من هذه الآية؟ نستفيد منها أن الأمور أو أن من الأمور المتعلقة بالأنبياء ما ينبغي أن يعطى الاهتمام الخاص والأولوية والعناية والتركيز والانتباه، بحيث إنه ما تؤخذ القضية أنها أمر عادي: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى.
ونستفيد فائدة أخرى وهي فائدة أن يستعمل الإنسان من الأساليب، أساليب الخطاب ما يناسب مقام الحديث، هذي من الهدي القرآني: إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى. أولاً من ناحية الحدث، موسى عليه السلام كان راجعاً من مدين إلى مصر وكان معه أهله في الليل في برد بمنطقة صحراوية وأودية وجبال في ذلك الوقت وفي تلك الحال، أنس موسى عليه السلام ناراً رأى ناراً. من الأشياء التي توقف أنه قال لأهله امكثوا إني إيش آنست ناراً، بعض خلنا نقول بعض الباحثين المعاصرين في التفسير وعلوم القرآن لفت لفتة جميلة في هذا المعنى، تساؤل أنه لماذا لم يقل هل ترون هذه النار؟ وكأنه رآها وحده لأنه قال: إني آنست ناراً، مع أنهم مع بعض اليس كذلك؟ إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها، يعني لو كانوا رأوها جميعاً لربما قال: هل ترون هذه النار؟ دعوني أذهب إلى هذه النار التي، لكن آنست ناراً فقد تكون فيها شيء خاص لتمهيداً لما سيحدث. إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. الفائدة المهمة التي نخرجها نستخرجها من هذه الآية هي أنه إن الله سبحانه وتعالى قد يريد ببعض عباده أموراً عظيمة، يعني أن يصلوا إلى مراحل عظيمة وكبيرة جداً ويجعل لهم من الأسباب ما لا يخطر لهم أن يكون هذا السبب هو الموصل إلى تلك النتائج، يعني موسى عليه السلام حين ذهب إلى تلك النار كانت الغاية التي يريد أن يستفيد منها من ذهابه إلى تلك النار أحد أمرين، إما أن يأخذ قبساً من النار يستدفئون به أو يجد من يسأله الطريق، يجد على النار هدى. هذه هذا ما جعل موسى يذهب إلى النار، أما ما الذي حدث بعد ذلك إذا جئت تعلق على ما الذي حدث فستفقد المعنى قيمته، أنت تقول فقط إنه كان موسى يريد الذهاب إلى النار ليصطلي أو ليجد على النار هدى، فحدث ما أخبر الله عنه، ما يحتاج أنت تقول فحدث ذلك الشيء العظيم، لأنك مهما تتكلم فستجعله أقل من حجمه، وتقول خلاص استمع لبقية الآيات ما الذي حدث. فمن هذه الآية نستفيد معنى أن الله سبحانه وتعالى قد يجعل مقدمات للأمور العظيمة وقد يجعل أسباباً لا يظن الإنسان أنها أسباب، ثم تكون مقدمات وأسباباً لعظائم الأمور.
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى. الله سبحانه وتعالى يجعل للأمور العظيمة مقدمات ومعاني تجعل لها في النفس هيبة، نعم هي البداية كانت النار وذهب، لم يكن يعلم. لكن لما وصل حصلت من الأمور العظيمة ما يجعل موسى عليه السلام يدرك أنه مقدم على شيء عظيم وكبير جداً، وهذا كما قال الله سبحانه وتعالى في إبراهيم: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. وهذا كما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فغطّه حتى بلغ منه، ثم أرسله، ثم أخذه فغطّه الثانية ثم أرسله، ثم أخذه فغطّه الثالثة، وقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، ثم ذهب يرجف فؤاده وترجف بوادره إلى خديجة وهو يقول: زملوني زملوني. طيب كان يمكن أن ينزل الوحي مباشرة بدون هذه المقدمات، ولكن من سنة الله سبحانه وتعالى أن الأمور العظيمة تكون لها مقدمات عظيمة تشعر بشأنها وقدرها ومكانتها.
فموسى عليه السلام بعد أن رأى النار وذهب إلى ذلك المكان حصل الأمر العظيم بقوله سبحانه وتعالى إيش؟ اخلع نعليك. أول شيء إيش أوجد أنه فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك، إني أنا ربك، هذي أول شيء النداء، أول شيء نودي الله سبحانه وتعالى ناداه وكلمه، و(إني أنا ربك)، ثم قال له اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى، أنت أنت الآن بمكان مقدس، وطوى هو اسم الوادي، واخلع نعليك لهذه البقعة الطاهرة هذه البقعة المقدسة. إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى. موقف كما قلت لا تستطيع أن تصفه بأكثر من أن تتلو الآيات، لأنك إذا وصفته فستنزل به، أنت فقط حاول فقط أن تعيش الحدث وأن تتخيل موسى وهو ذاهب ليأخذ ناراً يصطلي بها، فإذا به ينادى من الله سبحانه وتعالى نداءً مباشراً: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ، ثم يقول له: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. موقف مهيب عظيم تعجز الألسن عن أن تصفه، وتعجز الأفهام والأذهان عن أن تعيش حقيقته أو تتصوره حقيقته اللهم إلا أن تفهم معناه في هذه الآيات.
من الفوائد أن الرسالة والنبوة اختيار من الله سبحانه وتعالى، لا مجال فيها للاجتهاد، لا مجال فيها للمحاولات، انتهى، أنا اخترتك. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، وقال: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ، وهذه هذا الاختيار قد انتهى بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي وصفه الله بأنه خاتم النبيين، وقال عليه الصلاة والسلام: لا نبي بعدي. طيب، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى، فاستمع لما يوحى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ... إلى آخر الآيات.
أعظم درس يمكن أن يستفاد من هذه الآيات أو من أعظم الدروس على الإطلاق هو أن المصلح قبل أن ينطلق لإصلاح غيره يجب أن يمتلئ هو بالمعاني الإيمانية وبوضوح العقيدة وبوضوح الرؤية وبالعمل الصالح حتى يستطيع أن يواجه التحديات الإصلاحية، قبل أن يقول الله لموسى اذهب إلى فرعون، قال له: فاعبدني وأقم الصلاة لذكري، وقال له إيش؟ أيوه أكمل: لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ. إذاً الدرس العظيم المستفاد من هذه الآيات لمن يريد أن يقتبس من أنوار الأنبياء ويسير على طريق الأنبياء، أنه قبل أن ينطلق الإنسان في مسيرته الإصلاحية، قبل أن يأخذ الإصلاح والدعوة على أنها وسائل يتعلمها، أولاً هو يجب أن يمتلئ تعظيماً لله سبحانه وتعالى، وأن يكون عابداً لله، وأن يمتلئ قلبه من توحيد الله سبحانه وتعالى ويكون عنده زاد، أقم الصلاة لذكري، ثم بعد ذلك اذهب إلى فرعون إنه طغى، وما يشابه ذلك من أي مسيرة إصلاحية يتبع فيها طريق الأنبياء.
وفائدة أخرى قريبة منها وهي أن الله سبحانه وتعالى قد جعل المخرج للأمة الإسلامية في تلك المرحلة التي كان البلاء فيها مستحكماً، والظلم فيها مطبقاً، وهيمنة فرعون كانت هيمنة شمولية، والأذى الذي كان قد وجهه للناس أذى في الغاية من التسلط والقهر والتقتيل للأبناء، أن الله قد جعل المخرج للناس من ذلك البلاء ومن ذلك الظلم هو أن صنع إنساناً أو أخرج من يحمل رسالة الله سبحانه وتعالى يبينها للناس. وهذا يذكرنا بالدرس الأول أو الثاني في قصة زكريا، لما خشي زكريا على الدين من بعده وقال: إِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي، أي أن لا يقوم بشأن الدين، قال: فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، فكان المخرج من حمل هم الدين في أمر زكريا أن طلب من الله من يحمل هذا الدين، وكان المخرج من الظلم الفرعوني والتسلط الفرعوني هو أن أخرج الله سبحانه وتعالى من يحمل رسالته ومن يحمل دينه. والمعنى المستفاد من ذلك وقد انتهت الرسالة والنبوة، هو أنه لا يصلح حال المسلمين عند استحكام الفساد وإغلاق وإطباق الشر إلا بوجود أناس يحملون المعاني الإيمانية الصحيحة والعقيدة الإسلامية الصحيحة، ويبلغون رسالة الله سبحانه وتعالى، ويتبعون طريق الأنبياء، وهؤلاء يجب أن يسلكوا ما سلك بموسى أن بدأ بإيش؟ أيوه بدأ بأولاً وضوح العقيدة والسلوك العبادي، ثم بعد ذلك القضية الإصلاحية، وأنه بقدر ما تكون هذه القضية محكمة، بقدر ما يكون الثبات أمام الأعباء والتحديات الإصلاحية.
طيب، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. طيب أول شيء إني أنا ربك صح، فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى. فإحنا قلنا فائدة في تلك الآية، ولكن فائدة أخرى وهي تتمة فقط لقضية أنه الله إذا جعل الأمور العظائم يجعل لها مقدمات عظيمة، وهي أنه يستحسن لمن يسير في طريق طويل يتبع فيه الأنبياء، خاصة إذا كان الطريق هذا فيه دعوة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وصبر على الأذى، يستحسن له أن يسلك من الوسائل التي تبين له مكانة هذا الطريق وشرفه وعظمته، حتى يستطيع أن يستقبل ما يتطلبه هذا الطريق وقد قدر المسؤولية، يعني هذا مأخوذ من: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. هذا قبل ما يأتي ما هو الموحى به الآن، فقط تهيئة، فالفائدة هي إيش؟ أنه جيد أن الإنسان يدرك عظمة الطريق الذي هو فيه وينتبه وينفتح قلبه ليتلقى الأوامر الإلهية على قلب لديه الاستعداد في ذلك.
فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. هذه الآية فيها فائدة عظيمة جداً في الزاد الذي ينبغي للمصلحين، ألا وهي أن المنطلق في تأسيس معنى العبودية العملية هو المعرفة النظرية أولاً المرتبطة والمتعلقة بالله سبحانه وتعالى، العلم بالله؛ لأنه قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، فاعبدني هذي نتيجة إيش؟ نتيجة العلم بالله. ولذلك إذا أردت أن تسلك منهجاً مستفاداً من أنوار الأنبياء، فليكن مما يعد به الطلاب من ناحية صناعة النفوس المؤمنة أولاً معرفة الله وتعظيم الله سبحانه وتعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا، هذا أول شيء، ثم لا تكون مجرد معرفة نظرية، وإنما تكون معرفة ينبني عليها العمل، بمعنى لا تكون القضية هي يلا أدلة وجود الله، أدلة أن الله واحد، أدلة أن الله سبحانه وتعالى كامل الأوصاف، هذا كله جيد لكن ليس هذا هو الغاية المفترض، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، وهذا يستلزم علمك، هذا يستلزم أن تعبدني، وهذا قد قاله الله سبحانه وتعالى في خطاب عام للناس، فقال: هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
طيب إذاً أول علم ينبغي أن يكون للإنسان المؤمن الذي يسير على طريق الأنبياء هو العلم بالله، وهذا يذكرنا بحديث جندب رضي الله تعالى عنه حين قال: كنا غلمان حزاورة عند النبي صلى الله عليه وسلم، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً.
جيد، تعلم الإيمان هو أن تعلم من هو الله حقيقة، أن إدراك وجود الخالق وعظمته وكماله، ثم إدراك النفس وضعفها وعجزها، وما إلى ذلك من الأمور الإيمانية الأساسية. طيب، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.
الصلاة من بين العبادات من أعظم وأهم ما يحتاجه الإنسان المؤمن. وإذا قلنا إن السياق هنا سياق قصة موسى هو فيما قبل الانطلاق للإصلاح وللدعوة، فيمكن أن نستفيد من هذا المعنى أن الصلاة تحديداً هي من أعظم العبادات التي يحتاجها المصلح كزاد له، ومما يؤيد هذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وقال سبحانه: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ.
طيب، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. إحنا ما رقمنا الفوائد اليوم بس أنه ما بعرف رقم كم، ها من البداية، طيب هذه العشرة يعني؟ طيب الفائدة العاشرة: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. الفائدة العاشرة هي أن المؤمن يحتاج أن يضع دائماً أمام عينيه وهو يتعبد الله سبحانه وتعالى أن يضع المقاصد من هذه العبادة؛ لأن الله قال له: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، أي لتذكرني بها، فالمقصود من الصلاة هو إقامة ذكر الله سبحانه وتعالى، فمن الأمور المهمة التي يحتاجها الإنسان المؤمن في تأسيسه هو العلم بالله ثم عبادته، ومن أهمها الصلاة، أن يستحضر المقاصد من هذه العبادة حتى تحقق له المعنى الحقيقي والثمرة الحقيقية، وهذا أيضاً مأخوذ من أيش غير لِذِكْرِي من هذه الآية، من نفس الآية، الآية نفسها وَأَقِمِ، والإقامة فيها أداء على الوجه التمام والوجه، ليس المقصود فيه أنه فقط تحقيق الأركان الظاهرة، وإنما على الوجه، من أهم ما يحقق بإقام الصلاة هو الوجه الباطن وهو الخشوع والسكينة، لذلك وَأَقِمِ الصَّلَاةَ وليس فقط وصلي، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.
إذاً لا يصلح أن يربى إنسان أو طلاب على أساس أن يكونوا لهم أثر والدعوة ونفع وإصلاح للناس ثم تكون عبادتهم هي عبارة عن أداء للأركان وتحقيق للواجبات بصورتها الظاهرة دون إدراك للمقاصد التي شرعت لأجلها هذه العبادات والتي ينبغي أن تحقق فيها، فالصلاة شرعت لذكر الله، ولذلك هنا ممكن يأتي قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.
طيب، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. العبادة حتى تتم يجب أن تكون مبنية على علم، والعلم حتى يكون منتجاً للعبادة أو مؤدياً للعبادة يجب أن يكون متعلقاً بالله سبحانه وتعالى.
طيب، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى. ما الفائدة أو الفوائد التي يمكن أن نأخذها من هذه الآيات؟ من أهم الفوائد هي أن استحضار الساعة وأن الدنيا فانية، وأن هناك لقاء، أو أن لقاء الله سبحانه وتعالى آت، أوجاً مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ.
إن استحضار مثل هذه المعاني هو من الأمور المهمة التي يجب أن يؤسس الإنسان المؤمن عليها بنيانه الإيماني، يحتاج الإنسان المؤمن والمصلح دائماً أن يتذكر بأن هناك صوارف وملهيات ومشتتات تحول بينك وبين دوام استحضار رؤية الساعة وأن تكون تحت محل بصرك ومراعاتك، وأنه إذا وجدت هذه الغفلة فإن هذا سيكون عائقاً من العوائق التي تمر أمام المصلح في الطريق، لذلك الله سبحانه وتعالى قال لموسى: فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى. إذاً من هذه الآيات نستطيع أن نقول أن هذه الآيات تؤسس لنا معالم المنهج التربوي للمصلح الذي يعد لأن يكون له دور في نفع الناس ودعوتهم.
المعالم، معالم المنهج التربوي والتعليمي للمصلح هي في هذه الآيات، وهي التي ربى الله سبحانه وتعالى فيها موسى قبل أن يرسله أو قبل أن يقول له اذهب إلى فرعون إنه طغى. هل بقي معلم علمي أو تربوي في هذه الآيات؟ برأيكم يمكن أن يستنبط منها، هو فيه معنى كده يعني كمحتوى إحنا قلنا العلم بالله ثم العبادة والصلاة تحقيق المقاصد من العبادات، وبعدين قلنا إيش؟ رؤية الساعة دائماً، الرؤية أقصد كشيء مستقبلي.
إيش طيب لما الله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، ها؟ المسؤولية الفردية وليست النتائج الخاصة، الإنسان يعمل معك، طيب بس أول شي قبل هذا كله هذه فيها إشارة إلى الاحتياج للشرائع، احتياج للشرائع وللحلال وللحرام؛ لأنه لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، أيوه يعني هناك ساعة سيجازى في تلك الساعة، تُجزى كل نفس بما تسعى، لكن تسعى بأيش؟ تسعى في ماذا؟ تسعى فيما أمر الله به وفيما نهى، مجتهدة في تحقيق ما أمرت به وفي الفرار عما نهيت عنه، وهذا في بطنه معنى أن هناك شريعة وحلال وحرام وأوامر وتعاليم يحتاج الإنسان أن يتعلمها حتى يسعى في طريقها؛ لأنه سيجازى في الساعة عليها، وهذا أيضاً نبه إليه بعض المحققين المعاصرين.
وفيها كذلك المسؤولية الذاتية، تنمية المسؤولية الذاتية عند الإنسان المؤمن والمصلح، أنه لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، فالذي ستجزى عليه هو ما سعيته أنت لا ما سعى به أبوك، هو نفسه بما كسبت رهين، تماماً وليس ما سعى به قريبك الصالح ولا جدك الخامس الذي كان ولياً من أولياء الصالحين، ما فيه، لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى. فمما ينبغي أن يؤسس عليه الإنسان المؤمن كمنهج تربوي قبل أن ينفع الناس هو أن يربى على المسؤولية الذاتية وأنه محاسب ومسؤول عن أفعاله، وأنه محاسب ومسؤول عن أفعاله.
إذاً خلاصة الكلام كله أن هذه الآيات العظيمة وهي مقدمة "اذهب إلى فرعون إنه طغى" أنها تؤسس لنا أن القرآن يراعي بناء المصلح قبل سلوك العمل الإصلاحي وصناعة النفس المصلحة قبل التعلق أو الاستغراق في الوسائل الإصلاحية؛ لأنه هذه كلها أتت بعد ذلك، الله سبحانه وتعالى قال لموسى وأعطاه الأدوات "وأدخل يدك في جيبك" كل هذه أدوات ووسائل، كلها تأتي بعدين، لكن أول شيء بناء المصلح نفسه، فهذه أعظم فائدة.
والفائدة الأخرى هي أن الأمور العظيمة يكون لها مقدمات عظيمة، فينبغي للمصلح أن يعرف شأن طريقه وعظمته ويعرف مكانته وشرفه، ومن أعظم صور الشرف أنه طريق الأنبياء. ونكتفي بهذا القدر، وإن شاء الله غداً يكون لقاؤنا من قول الله سبحانه وتعالى: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى، إلى آخر الآيات، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يزيدنا وإياكم من فضله، ونسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا وأن يكفر عنا خطايانا، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد