السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا أهلا وسهلا ومرحبا. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا أهلا وسهلا ومرحبا. نستعين بالله ونستفتح المجلس التاسع من مجالس أنوار الأنبياء، وهو المجلس الثالث من سورة طه، والمجلس الثالث من قصة موسى عليه السلام.
آه المجلس الأول من قصة موسى كانت الفائدة الأساسية أو القضية المركزية فيه هي قضية أن المصلح يعلم أو يربى أو تؤسس لديه المعارف الكبرى والسلوك الذاتي قبل أن ينطلق في الرسالة الإصلاحية، وهذا كان واضحا في الآيات الأولى. ثم آيات يوم أمس: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وقبل ذلك: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أخذنا مجموعة من الفوائد آه فيها، واليوم تتمة الحديث ولكن مهم أنه يكون هناك تصور للمجلسين السابقين.
قال الله سبحانه وتعالى بعد أن قال أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ۖ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ -ولا ولبثت؟ فلبثت سنين- فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ، إلى آخر الآيات.
هذه الآيات آيات عظيمة جدا، بعد أن ذكر الله منته على موسى عليه السلام بالرسالة وأنه آتاه سؤله، أعاد عليه التذكير بما أولاه الله وأعطاه قبل الرسالة، ها: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ، وأعاد الله عليه سبحانه وتعالى مواطن من مواطن الرعاية والصناعة والتهيئة والتربية لموسى عليه السلام قبل الرسالة. وهذه الأمور التي ذكرها الله سبحانه وتعالى وامتن بها على موسى عليه السلام يمكن أن نستفيد منها معنى وفائدة مهمة، ألا وهي أنه كلما كانت أعباء الرسالة أو أعباء الدعوة أو أعباء المشروع الإصلاحي أكبر وأضخم وفيها تحديات صعبة جدا، فهي تتطلب طول الصناعة وطول التربية وتعداد وسائلها والدخول في تجارب كثيرة حتى يهيأ الإنسان؛ لأنك آه لاحظوا كل المجلسين اللي أمس كانت عن تهيئة الله لموسى، صح؟ أنه آه: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، ثم التهيئة اللي هي التدريب والتجربة، أنه آه ألق عصاك، أو ما بيمينك قال هي عصاي قال ألقها قال خذها آه أدخل يدك... أراه الآيات واليقين وعلمه، وأيضا هذا إنما جاء بعد صناعة طويلة لموسى عليه السلام قبل ذلك، قبل ذلك بمعنى أن ابتداء تهيئة موسى للرسالة، ها، للتماس مع فرعون لم يكن في ذلك الخطاب فقط، وإنما كان من البداية.
من البداية، إذاً تلك المسيرة الطويلة لموسى عليه السلام التي واجه فيها ما واجه والتي عنونها الله بقوله: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي، وعنونها بقوله: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا، وعنونها بقوله: ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ، وإن كانت يعني ليست عنوانا لكل التفاصيل لكن بما معناه، فهذه كلها مما كان إعدادا وتهيئة لموسى، يؤخذ منها أن المصلح يحتاج إلى إعداد طويل وعميق، وأن آه يجرب ويتعرف ويمر بابتلاءات ويمر بشدائد حتى يكون قادرا على آه يعني تحمل الأعباء الكبيرة. وتلك بالنسبة لموسى كانت مواجهة فرعون؛ أكبر طاغية على وجه الأرض، أكبر طاغية مر في التاريخ، آه شيء لا يوصف، لا لا لا يعني آه جبروت وطغيان: أنا ربكم الأعلى، كذا كذا كذا إلى آخره، حتى موسى أن يقوم بأعباء مواجهته لا بد أن يصنع تلك الصناعة الطويلة.
هذه الفائدة الأولى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ، في هذه فائدة أن الوحي أقسام: منه وحي نبوة، ومنه وحي إلهام أو آه يعني كطريق أو كوسيلة، وإلهام آه رؤيا صالحة، لكنه لا يكون وحيا كوحي النبوة، لا يكون وحيا كوحي النبوة. وحي النبوة وحي خاص بالأنبياء، وهو الذي مثلا سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. وقبل ذلك في آه حراء أتاه جبريل على صورته، أو على كرسي جالس بين السماء والأرض، إلى آخره. أما إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ قال بعض المفسرين: أي ألهمناها إلهاما، وقال بعضهم: برؤيا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له.
طيب، إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ -النيل- فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي. إيش العلاقة بين: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي، وبين: يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ؟ في علاقة بين الجملتين، ها، إيش؟ حتى يتبناه لازم يكون فيه محبة. نعم، نعم، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي؛ أي لا يراك أحد إلا أحبك، لا يراك أحد إلا أحبك ولو لم يكن هناك سبب مفهوم لهذه المحبة، وكان من جملة ذلك أن العدو الذي التقطك أحبك فرباك، ها: يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي، فوقع في نفس امرأة فرعون الحب الشديد لك حتى قالت لفرعون: قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، وفرعون جعله في قصره يتربى فيه.
طيب، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي. وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي نكمل ثم أذكر الفوائد، بس نكمل في سياق الآيات، طيب. وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي؛ كل المراحل التي مررت بها يا موسى كانت في نظر الله وعنايته ورعايته وكلئه وتقديره. إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ، طبعا هذه حتى تفهمها لازم تأخذ من سورة القصص: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ، ها: فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ -بالخطأ- فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ. غم إيش؟ ها، بالضبط، عذاب الضمير، أو لا، الأكثر ذكروا أنه الغم اللي هو الخوف أن تقتل به، خوف أن تؤخذ وتقاد بسببه. وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ، وكان من جملة هذه النجاة أن ساق الله لك الطريق إلى مدين فذهبت ونجاك الله سبحانه وتعالى من هذا الغم والقلق، وهو قد قتله خطأ، قال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ. وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا؛ اختبرناك اختبارا وامتحناك امتحانا، وتعرضت للفتن والبلاءات، فتنة فتنة، بلاء بلاء. فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ، ما في شيء عبث، ما في شيء غير مقدر، لم تكن الأمور رواية اتفقت هكذا، وإنما كل خطوة منها وكل حدث منها مقدر. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي.
طيب هنا فوائد، قد يكون من أجلها وأعظمها وأكبرها وأدعاها للتأمل والمراجعة والنظر والتفكر، هو أنه إذا كان موسى قد تعرض لكل هذه الابتلاءات والمصاعب والمتاعب مع أن الله يقول له إنك كنت على، إيش؟ عيني: وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي، فنفهم من هذا أن من كان على عين الله وتحت رعايته وكلائه وعنايته ليس معنى ذلك أنه لن يتعرض للفتن والمصاعب، بل بالعكس، الله يقول له: وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي، ويعدد له أنواع المنن التي نتجت عن الفتن والبلاءات. فـ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي، وأن يكون الله معك وأن يكون الله يتابع خطواتك كلها ويهيء لك ويقدر لا يساوي أنك لن تبتلى ولن تمتحن ولن تتعرض للشدائد، بالعكس، موسى عليه السلام من أكثر الناس الذين تعرضوا للشدائد مع أن الله قال فيه: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي، ها؟ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا. هذه الشدائد أصلا هي من جملة رعاية الله له.
إذاً الفائدة ما هي؟ الفائدة: إذا اقتربت من الله سبحانه وتعالى واجتهدت في طاعته وقمت بحمل هم دينه والدعوة إليه والدفاع عن آه شريعته وو وإلى آخره، ثم جاءتك الابتلاءات والمشكلات والورطات والتحديات، فلا تعمل مفارقة تناقض بين أنك تسير بشكل جيد وبين أنه الدنيا مكركبة عليك، جيد؟ بل تذكر موسى الذي جعل الله كل هذه البلاءات إنما هي صناعة له وتهيئة له آه تربية له. هذه من أهم الفوائد في هذا المقطع.
الفائدة الثانية، وهي أن الله سبحانه وتعالى إذا أحبك وقبلك عنده وأراد أن يوضع لك القبول في الأرض، فلا يمكن لأحد أن يأتي فيضع حاجزا بين قلوب الناس وبين أن يحبك؛ أعداء، أصدقاء... إلى آخره، تشويه، أذى، ما فيه. إذا أراد الله أن يكون للإنسان لأحد عباده المحبة فلا يمكن أن يمنعها مانع، ولذلك ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال عليه الصلاة والسلام: ثم يوضع له القبول في الأرض. هنا موسى عليه السلام الله يقول له: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي، لا يراك أحد إلا أحبك؛ كنت أنت من بني إسرائيل، كنت من قوم فرعون، كنت من أيا كان، إذا رآك أحد سيحبك، ومهما آه رآك من أحد آه سيحبك. طبعا بطبيعة الحال آه حين تحصل العداوة والقتال وما إلى ذلك فهذا شيء آخر، المقصود في الحالة الطبيعية آه العادية.
طيب، إذاً هذه الفائدة والثمرة، إذاً لا تبحث عن محبة الناس وعن أن يكون لك القبول في أن تظن أنك أنت المسؤول الأول والأخير عن مشاعر الناس تجاهك، جيد؟ أحسن فيما بينك وبين الله سبحانه وتعالى، واعلم أن لله جنودا يخلقها من المشاعر في قلوب الناس تجاهك، هذه أنت لا تتحكم فيها، لا تتحكم فيها، أنت تبذل الأسباب؛ تبذل الأسباب تكون رجلا حسن الخلق، متسامحا، كريما، حليما، هذه أسباب، ثم بعد ذلك ما يخلق لك من آه مشاعر في قلوب الناس هذه من عند الله سبحانه وتعالى.
الأمر الثالث، الفائدة الثالثة، هي أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بعبد خيرا، وإذا أراد بعبد عزا، وإذا أراد بعبد كرامة، وإذا أراد بعبد رفعة، فإن أحدا من الخلق لا يستطيع أن يحول أو أن يمنع أو أن يؤخر ما يريد الله سبحانه وتعالى. وقد تكون هذه الرفعة والعلو لهذا الإنسان في أبعد مكان يظن أنه طريق لتلك الرفعة والمكانة، فموسى عليه السلام تربى في بيت فرعون، يعني آخر يعني أرفع درجات الخطر إلى أقصى مدى، يعني أنت تخيل واحد ولد في تلك المرحلة اللي يذبح فيها الأطفال، تمام؟ ارفع درجة الخطر إلى أقصى مدى، اذهب إلى قصر فرعون نفسه، موسى عليه السلام رباه الله في قصر فرعون، تمام؟ فالله سبحانه وتعالى إذا أراد لعبد الرفعة، وإذا أراد لعبد علوا، علوا في الحق، لا يمكن لأحد أن يحول بين الله وبين قدره سبحانه وتعالى، ولذلك قصة موسى من القصص التي ترفع الأمل عند الإنسان أن الله على كل شيء قدير، وأن الله بكل شيء محيط، وأنه إذا أراد قدر، وإذا قدر فلا راد لقضائه سبحانه وبحمده.
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، لا تفتر، لا تضعف عن ذكري. طيب، الآن موسى عليه السلام لما دعا الله سبحانه وتعالى في اشرح لي صدري ويسر لي أمري قال: كي إيش؟ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، هنا الله سبحانه وتعالى لما قال له: اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، يعني هذه خلنا نقول القاعدة المصاحبة لكما. ومن أعظم الفوائد التي يمكن أن تؤخذ من هذه الآية هي أن من أعظم الناس احتياجا إلى إدامة ذكر الله وعدم الانقطاع عنه وعدم الضعف أو الفتور عنه هم المصلحون المتبعون لطريق الأنبياء، ويؤخذ منها أيضا أن الذكر من أعظم ما يمكن أن يعين المصلح في طريقه، أن الله سبحانه وتعالى وصاهما توصية خاصة في نفس السياق الذي ذكر فيه اذهبا إلى فرعون، وقال لهما: وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. ولذلك يذكر العلماء والعباد والصالحون والسالكون أن للذكر أثرا عجيبا وكبيرا في الإنسان وتقوية قلبه ورفع سويته وإعانته على الشدائد. ومن العلماء الذين ذكرت لهم مواقف جميلة في هذا المعنى ابن تيمية رحمه الله تعالى، وآه ذكر عنه آه أظن ابن القيم قال: كان ابن تيمية إذا صلى الفجر يجلس يذكر الله حتى يرتفع النهار، ثم يقول: هذه غدوتي، إن لم أتغد بها خارت قواي. وكان يعني يتحدث عن أثر الذكر على قلب الإنسان المؤمن وعلى تقويته الشيء العجيب الشيء العجيب. وابن القيم أيضا ذكر من آثار الذكر على شيخه كيف أنه يكسبه القوة والبهاء والعزيمة والحياة والحيوية والنشاط إلى آخره. نأخذ من قول الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، ها في سياق الأمر بالرسالة، أن الذكر وإدامة الذكر من آه أعظم ما يعين الإنسان في طريقه الدعوي وفي طريقه الإصلاحي وفي مواجهة الشدائد، ولذلك لا نتعجب أن نجد في سورة الأنفال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
طيب، ثم قال الله سبحانه وتعالى، إيش؟ اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ. هذه الآية فيها معنى عجيب جدا وغريب، وهو معنى من المعاني العظمى في الإسلام، من المعاني العظمى في الإسلام وأختم به، معنى كبير جدا، وهو معنى أن هذا الدين دين رباني إنما جاء لإصلاح أحوال الناس، إنما جاء لإصلاح أحوال الخلق، لم يأت هذا الدين للانتقام من البشر، لم يأت هذا الدين لإفناء الخلق، أتى هذا الدين في معناه الأول وفي مقصده الأساس لهداية الخلق لهداية الخلق، والدين هذا من لدن آدم عليه السلام إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وفيه ما يؤكد على هذه المعاني. الآن فرعون الطاغية الأكبر الذي قتل وفعل وعمل وذبح وتجبر وطغى، ولو أردت أن تحاسبه بمنطق الدماء التي سفك فستقتله عشرات آلاف المرات، الله سبحانه وتعالى يقول لموسى ولهارون: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ، إذا تذكر وخشي وكف وتاب ونزع وآمن انتهت القضية، انتهت القضية.
هذا يذكر بموقف النبي صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر. يا جماعة، خيبر كنوز متنقلة من الغذاء، في وقت المدينة المنورة، وقت النبي صلى الله عليه وسلم هي من أحوج المدن لهذا الزاد ولهذا الغذاء، وأولئك يهود ها واعتدوا، والآن كل الدواعي تحث على أن يقتحم النبي صلى الله عليه وسلم حصونهم يستأصل خضراءهم ها ثم يأخذ هذه الخيرات لتعود إلى المسلمين بالخير والنفع والإغناء والكفاية، تمام؟ لما يطبق الحصار يأتي النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب فيقول له: يا علي، انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا فقد عصموا منك دماءهم وأموالهم. انتهت القضية. طيب، والخيرات والبركة والأشياء الموجودة؟ ما في. كما ذكرت قبل قليل الحديث هو في صحيح مسلم، ذكرته بالمعنى، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم -والحديث متفق عليه- قال: فوالله -يخاطب عليا- لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم. ها، هذه القضية في ربانية الدين ومقصده الأعظم وهو هداية الخلق، هذه نقطة من أعظم النقاط التي يجب أن تستوقف المنصف والإنسان العاقل حتى يعلم ويدرك أن هذا دين دين الله سبحانه وتعالى لم يأت لتحقيق تلك المكاسب الدنيوية.
ولكن من أبى، من أبى ورفض الحق بعد أن أتاه، فإن الإسلام لا يعامله كمعاملة من استجاب للحق، يعامله على أنه في درجة أدنى وعلى أنه يجب أن يكون عليه صغار، هذا الصغار إما أن يكون بالجزية: حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، أو يكون بالقتال. ولذلك أبى اليهود قولهم: قولوا لا إله إلا الله، ترى إذا قلتم لا إله إلا الله وآمنتم بالإسلام راح ترجع الجيوش المحمدية كلها من أمام حصون خيبر وترجع إلى المدينة، وصلى اللهم على نبينا محمد وما عاد في شيء. أبوا! حين يأبون لم يأت هذا الدين لتكون كلمته هي الدنيا ولا ليكون ذليلا، وإنما ليكون عزيزا غالبا قاهرا لمن يعاديه، لمن يرفضه، لمن يحول بين الناس وبين الحق، ففتح الله خيبر، وقالت عائشة: ما شبعنا من التمر إلا بعد أن فتحت خيبر، ما شبعنا من التمر إلا بعد أن فتحت خيبر، وهذا حديث صحيح كذلك.
طيب، الشاهد هذا كله من أين؟ هذا مأخوذ من قول الله سبحانه وتعالى: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ، فإذا تذكر أو خشي فقد تم الأمر، وتحققت الرسالة، وتحقق الهدف والمعنى انتهى، ولكن فرعون أبى وطغى وتجبر فتكبر. ثم إن شاء الله في اللقاء القادم نكمل بقية الآيات، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله يجزاكم خيرا.
الشيخ أحمد السيد