تسجيل الدخول

أنوار الأنبياء 04 | عيسى ﷺ | سورة مريم

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

يا أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم جميعاً، وأسأل الله لنا ولكم عملاً صالحاً متقبلاً، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل كتابه ومن أهل سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. في ثلاثة مجالس سابقة أخذنا ما يتعلق بزكريا عليه السلام في سورة مريم، ثم في المجلس الثالث أخذنا يحيى، يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ، والآن صفحة جديدة وموضوع جديد في تلك القصة، ونور جديد من أنوار الأنبياء.

يبدأ من قوله سبحانه وتعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا.

أول فائدة من هذه الآيات هي الفائدة التي يمكن أن تستلهم من قول الله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ، خاصة إذا ذهبنا إلى سورة آل عمران وأخذنا الآيات التي تتحدث عن نفس القصة وفلكها، سنجد فيها معنى هو الفائدة الأولى والمهمة التي أريد الحديث عنها. إيش الآية التي في سورة آل عمران؟ الآية التي في سورة آل عمران بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى مريم ويحيى وزكريا قال: ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ.

ما هي الفائدة؟ الفائدة هي أن من أعظم الأخبار في القرآن، أو أن من أعظم الآيات القرآنية، ومن أعظم الآيات الدالة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم ما يجب أن يستوقف الإنسان في القرآن هو أخبار الغيب. أخبار الغيب الواردة فيه على قسمين: أخبار غيب ماضية، وأخبار غيب مستقبلة، وليست أخبار الغيب الماضية بأعجب من المستقبل.

الناس تتعجب من أخبار الغيب المتعلق بالمستقبل، أليس كذلك؟ يقول لك والله النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه لن تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان، الآن انظر إلى الحفاة العراة يتطاولون فيقول لك والله تطاولوا في البنيان، سبحان الله صدق رسول الله، نعم صدق رسول الله. وهذا شيء عجيب، والآيات التي عن أخبار الساعة وقعت كثيرة وهي شيء عجيب، ولكن ليس بأقل منها عجباً أخبار الغيب المتعلقة بالأمم السابقة وكم لها في القرآن من شأن.

ولذلك أكثر من يتأثر بأخبار الغيب السابقة هم أهل الكتاب، الصادقون منهم الذين عندهم علم من الكتاب، ويعلمون ما الذي قاله الله سبحانه وتعالى، أو ما الذي هو موجود في كتبهم سواء مما بقي محفوظاً مما قاله الله أو مما زيد ونقص وما إلى ذلك. هؤلاء إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ورأوا الحقائق في القرآن المتعلقة بأخبار الغيب، ورأوا واكتشفوا الفرق بين الحديث الإلهي الصافي عما مضى وبين الحديث الملفق الموجود لديهم في كتبهم، يكون شعورهم كشعور السحرة الذين كان عملهم في الحبال والعصي ملفقاً سحراً، فلما رأوا عصا موسى أدركوا أنها الحق وآمنوا؛ لأنها كانت معجزة صافية لا لبس فيها.

وهكذا أهل الكتاب إذا كانوا أهل الصدق وعندهم أخبار الغيب الماضية، أخبار القس الماضي التي كانت حدثت لهم أصلاً لأجدادهم ولكنها فيها الصافي غير الصافي، فيها الصحيح والمحرف؛ هؤلاء إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول فيما يتعلق بشأن مريم وزكريا ويحيى وعيسى وغير ذلك من أخبار الغيب السابقة، إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول عرفوا الفرق بين ما لديهم وبين ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كالفرق بين عصا موسى وبين ما خيل للناس، وإن كان في شيء مما مضى من أهل الكتاب شيء من الحق.

ولذلك قال الله سبحانه وتعالى عن أناس من النصارى: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ. هم أهل الكتاب وخاصة النصارى، أما اليهود يبنون كثيراً من الحجز والحواجب بينهم وبين أن يسمعوا من غيرهم أصلاً، بينما النصارى هم أقرب رغبة في الاستماع، ولذلك اليوم فعلاً بالنسبة للمشتغلين بدعوة غير المسلمين أكثر ناس يسلم على أيديهم هم النصارى، أكثر ناس يسلمون هم النصارى.

طيب، الدرس الأول هو أخبار الغيب في القرآن المتعلقة بالماضي هي من أعظم ما أنزل الله سبحانه وتعالى، وهي من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. والعجيب فيها أنها حين تأتي في القرآن يأتي منها ما هو موافق لما لديهم، ويأتي فيها ما هو مخالف لما لديهم، ويأتي مصححاً لما لديهم، وبلغة واثقة وبقطع وبجزم، حتى أنك لتقول من أين لمحمد هذا؟ من أين لرجل يعيش؟ يعني غاية -أنت تعرفون المسمين بموحدي الجاهلية- الموحدون في الجاهلية تعرفون اللي هو مثل ورقة بن نوفل ومن زيد بن عمرو بن نفيل تمام؟ هؤلاء ما غاية ما وصلوا إليه؟ غاية ما وصلوا إليه أنه عندهم علم من الكتاب جيد مع بعض التحنف والتعبد تمام، النبي صلى الله عليه وسلم ليست القضية أنه عنده علم، القضية أنه أتى مصححاً لما لدى النصارى في أمور دقيقة جداً وفي أمور مركزية وأمور فرعية.

يعني من الأمور الفرعية وهي عجيبة ومن آيات الله العظيمة سبحان الله، هي أمور كثيرة عموماً لكن واحدة منها لا يكتفى بها كمثال بس هذا مثال، اللي هو عرض قصة يوسف في التوراة وقصة يوسف في القرآن، قصة يوسف في التوراة تقول وقال فرعون وجاء فرعون الذي هو ملك مصر، القرآن يتجنب لفظ فرعون في قصة يوسف، أليس كذلك؟ لما ذكر موسى عليه السلام فرعون فرعون فرعون أليس كذلك؟ لما ذكر يوسف مع أنه الملك ملك مصر يتجنب القرآن متعمداً لفظة فرعون تمام؟ الآن قبل مدة مع الكشف التاريخي حق حجر رشيد هذا وتاريخ الفراعنة وتاريخ ملوك مصر اكتشف أن تلك الفترة كانت فترة ملوك الهكسوس وليست فترة الفراعنة فترة يوسف عليه السلام. طيب ليش القرآن؟ شوف الدقة في تجنب مثل هذا المعنى.

وإن كان البعض ممكن يناقش مثل هذا المثال، أمثلة كثيرة جداً على التدقيق وتجنب، واحدة من أهم الأمور التي تجنبها القرآن ليس تجنب وإنما أتى بما يناقض ما لديهم وبصريح العبارة خاصة فيما لديهم كثقافة سائدة في وقت النبي صلى الله عليه وسلم اللي هو ما يتعلق بعيسى عليه السلام، وهذه القصة وهذه الآيات في نقض أصول ما يؤمن به النصارى في شأن عيسى عليه السلام. فمن أين وكيف ومتى؟ هذه التفاصيل وبهذه الصياغة وبهذه الدقة هذا شيء عجيب، لذلك الله سبحانه وتعالى يكرر بعد قصص الأنبياء الآيات التي مفادها وما كنت لديهم، يقول سبحانه وتعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ.

وقال سبحانه وتعالى: وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا. وقال سبحانه وتعالى في أول سورة يوسف: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ. الغفلة هنا ليست الغفلة السلوكية، الغفلة هنا هي الغفلة المتعلقة بالعلم؛ لأنك كنت من الغافلين عن هذه الأمور لا تعرفها. ولذلك بعد قصة نوح في سورة هود: تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا. وتجد في سورة آل عمران: ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ. وفي آخر سورة يوسف أيضاً، في آية مثل هذا المعنى، ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون.

الخلاصة: الفائدة الأولى من هذه الآيات هي أن قصص القرآن المتعلقة بأخبار الأمم السابقة هي من أعظم الآيات فيه، ومن أعظم آيات النبوة، وهي من الأمور الحق والأخبار الصدق التي يجب الإيمان بها والوقوف عندها وتأمل معانيها وما إلى ذلك.

طيب، النقطة الثانية: لماذا ذهبت مريم فاتخذت مكاناً أو انتبدت مكاناً شرقياً واتخذت من دونهم حجاباً؟ قالوا امتثالاً لأمر الله: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ، وأنها اعتزلت لتعبد الله سبحانه وتعالى. طيب فهي ذهبت هناك، لم نذكر فائدة الآن فقط نقطة كتوضيح للآيات، وهي في ذلك المكان معتزلة للعبادة وللقنوت وللسجود وللركوع، أرسل الله إليها جبريل في صورة رجل تام الخلقة، سوي الصورة، جميل المنظر، كامل الأوصاف، وهذا يؤخذ من قوله: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا.

قالت: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا. الآن نجي للفائدة الثانية: الفائدة هي أن المؤمن الذي يخاف الله سبحانه وتعالى لا يوجد وسيلة لتخويفه ولا لكفه عن الأذى ولا لكفه عن الاعتداء ولا لإبعاده عن الظلم ولا لالتزامه أعلى ولا أشد ولا أقوى ولا أكثر تأثيراً من أن يذكر بالله ويخوف به. ولذلك مريم عليها السلام لم تستطع أن تفعل شيئاً واستعملت أقوى سلاح يمكن أن يؤثر في من أمامها، قالت: إِن كُنتَ تَقِيًّا، فإيش؟ أعوذ بالله. أعوذ أول شيء أنا أعوذ بالرحمن منك، وإن كنت تقياً إيش؟ اتق الله، كف، ابتعد، لا تؤذيني، لا تعتدي علي إلى آخره.

وهذا الإخراج يا جماعة، أنتم بس عيشوا، حاولوا تعيشوا أنه مريم عليها السلام حين قالت هذا الكلام فقد كان كلاماً تحتمي به، كان كلاماً من صميم قلبها ولجوء، وتشعر أن هذا الكلام هو الذي يمكن أن يكف من أمامها، أما إذا لم يكن تقياً فهذا الكلام لا يقدم ولا يؤخر. إذا كان ألم يأت قوم لوط وقال لهم لوط: اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ، هؤلاء ضيفي فلا تفضحون؟ إيش قالوا؟ أَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ؟ مين قال لك تجيب ضيوف؟ مو احنا قلنا لك ما تجيب أحد؟ تخيل هذا النبي الآن يقول لهم اتقوا الله ولا تخزون.

وقال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ. ولذلك في قصة الثلاثة أصحاب الغار لما جاء أحدهم ووقف من تلك المرأة موقف الرجل من امرأته قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف.

لذلك من أعظم فوائد تحقيق التقوى في المجتمع تخفيض مستوى الجريمة وتخفيض مستوى الاعتداء والظلم، وإلزام الناس بالتقوى، وسير الناس على صراط مستقيم، وهذه القضية ليست فلسفة. أنت أي أحد يستمع إلي الآن ينظر من نفسه، في الحال التي يحقق فيها التقوى ومخافة الله، هل تتجرأ على الظلم؟ هل تتجرأ على الاعتداء؟ لا تتجرأ على الظلم، لا تتجرأ على الاعتداء، ولو وقعت فأنت تعتبرها زلة وتسارع للتوبة، أليس كذلك؟ لكن متى ما خف الإيمان ونوره من القلب، فإن الإنسان يمكن أن يندفع ولا يردعه. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة الماعون: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، هم يكذب الدين بالآخرة فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين.

قالت: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا، هذه وسيلتي وهذا احتمائي، وهي الوسيلة الكافية لزجرك ولردعك ولإبعادك وللحيلولة بيني وبينك إن كنت تقياً. فطمأنها جبريل عليه السلام وقال: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا.

الفائدة الثالثة هي أن عيسى عليه السلام وإن جاء بمعجزة من أعظم المعجزات التي وقعت منذ أن خلق الله السماوات والأرض، إلا أنه مع ذلك جعل فيها شيئاً من الأسباب، ولا فيها شيء؟ تعلمون الله سبحانه وتعالى يدبر الكون عن طريق السنن والقوانين، أليس كذلك؟ جعل قانوناً للكواكب والنجوم ودوران الأرض والليل والنهار والشتاء والربيع والصيف، هذه كلها تسير بقوانين دبرها الله سبحانه وتعالى، ولذلك إذا شاء أن يعطل شيئاً من هذه القوانين يعطله سبحانه وتعالى على خلاف السنة المعتادة، وهذه تكون مثلاً أثناء المعجزات أو شيء. لذلك المعجزات نسبتها لله سبحانه وتعالى، فالذي خلق أولاً قادر على أن يستثني ثانياً، أليس كذلك؟

طيب، ولكن مع ذلك حتى إذا جاءت بعض المعجزات فتجدون أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبقي فينا شيئاً من اتخاذ الأسباب؛ لأن الذي يريد الله من عباده الصالحين أن يسلكوه في طريقهم وفي إصلاحهم وفي دعوتهم وفي مسيرهم هو أن يتخذوا الأسباب، ثم بعد ذلك قد يأتيهم من معية الله وعونه وتأييده ونصره ما لم يكن يخطر على البال. هنا ما هو السبب؟ أرسل إليها رسولاً ونفخ في جيبها، هذا السبب الآن، ومثل ذلك في قصة موسى عليه السلام، الله يريد أن يفلق البحر لموسى معجزة هائلة، ومع ذلك جعل فيها سبباً وهو...

اضرب بعصاك البحر. والأصل أن الأنبياء وغيرهم يسيرون بسنة الأسباب، ثم مع توكلهم ينصرهم الله ويعطيهم. فالفائدة الثالثة هي في قضية اعتبار الأسباب واتخاذ الأسباب، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا، هذا هو السبب، فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ، يمكن كنت قال إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ.

قَالُوا رَبُّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا. الفائدة الرابعة في قوله وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ، الله سبحانه وتعالى يحب إظهار الآيات للناس ويقيم عليهم ولهم من الدلائل والآيات والبراهين ما يكون كافيًا لقيادتهم إلى طاعته سبحانه وتعالى.

هذه الآيات التي يقدرها الله متنوعة الصور مختلفة المتعلقات؛ شيء منها يأتي متعلق بالامور الحسية كما جاء مع عيسى عليه السلام، كان يبرئ الأكمه والأبرص وولادته نفسها، وشيء منها يأتي بالامور المعنوية اللي هي مثل ايش؟ مثل ايش من ناحية المعاني؟ القرآن، القرآن جيد. طيب، إذا كان الله يحب إظهار الآيات ونحن نعلم أن الآيات الكبرى إنما تأتي مع الرسل، فاليوم وبعد انقضاء نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ما الآيات التي يمكن أن تكون موجودة؟ وهل للناس للمؤمنين دور في القيام بشيء من هذه المعاني المرتبطة بمحبة الله لإظهار الآيات؟ الجواب نعم. أما الشق الثاني، فلأن هو الآية العظمى، لأن القرآن هو الآية العظمى وهو المعجزة الكبرى، فإن نقوم بأداء القرآن وبلاغه وتبليغه وإظهار وجوه إعجازه وعظمته فهذا سلوك لسبيل إظهار الآيات التي أنزلها الله سبحانه وتعالى.

لذلك فإن الاشتغال بنصب الدلائل والبراهين على صحة الإسلام وعلى عظمته وكماله هو من جملة ما يحبه الله سبحانه وتعالى؛ لأنه نفسه كان يأتي بالآيات يؤيد بها أنبياءه، وحين انقطع الوحي بقيت الآية الخالدة وهي موجودة، لكن من يقوم بإظهارها وبيان وجه كونها آية ووجه كونها معجزة فإنه يقوم بعمل من أفضل الأعمال الصالحة. واضح الفكرة واضحة؟ طيب، وأيضًا هناك آيات لم تنتهِ ولا تنتهي متعلقة بأحوال الناس، وأن الله يُعِزُّ مَن يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ، يعني السنن في خلق الله سبحانه وتعالى. وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا، فَحَمَلَتْهُ، ها؟ لا، فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، لماذا انتبذت به مكان قصيا؟ إيه لأنه يعني ما هذا؟ يعني ما الذي يمكن أن يقال؟ كلهم يعرفونه مريم، كلهم يعرفون مريم، هي لم تكن امرأة من طرف المجتمع، ولما تكون من طرف كانت في وسطه في قلبه، وهم قد اختصموا قبل ذلك أيهم يكفل مريم فكفلها زكريا. يعني مريم في وسط الناس معروفة تمام، وبعدين لمن جو كلموه قالوا ما كان أبوك امرأ سوء لا كانت أمك بغيا يا أخت هارون، ناس عارفينها كلها تمام، فلما حملته انتبذت به مكانًا قصيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ، أجاءها يعني ألجأها واضطرها ودفعها ها؟ إلى جذع النخلة، يعني ألجأها المخاض إلى جذع النخلة تتكئ عليه وتستند إليه وهي في ذلك الوجع والألم الشديد، وفي تلك الحال قالت يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا.

الفائدة الخامسة في هذا هي أن الصالحين من عباد الله والأولياء منهم والأنبياء لم يأتِ أحد منهم قد سلم من الابتلاء، ولم يأتِ أحد منهم قد سلم من الأوجاع، ولم يأتِ أحد منهم قد كان في حياته منعمًا مكرمًا بالمعنى المادي لم ينله سوء، وإنما اقرأ قصص الأنبياء ما شئت في القرآن ستجد أنهم أوذوا وكُذبوا وحُوربوا، ها حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ؟ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا، وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ يَا محمد فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا، كُذِّبت قبلهم قوم نوح في سورة، وقالوا مجنون وازدجر، وذكر الله عن اليهود أنهم ايش كانوا يعملون؟ يقتلون النبيين، يقتلون الأنبياء، يعني في أنبياء هناك أنبياء قتلوا، هناك أنبياء قتلوا، والذين يقتلونهم هم حصالة الخلق وحثالتهم.

فمريم هي من جملة إماء الله الصالحات وأوليائه المكرمات ومع ذلك لقيت ما لقيت ونالت ما نالت وتعرض لها قومها بما تعرضوا له واتهموها بما اتهموها به، وأنتم تعلمون أنه المرأة إذا ثقل حملها فإنها يكون عندها من الأتعاب والآلام ما يكفيها ما الذي يخفف عنها؟ ما الذي يخفف عنها الذي يخفف عنها إما مواساة زوجها أو وقوف أهلها معها أو تنمية نفسها بالولد وأنه إن شاء الله كن بارًا بها، أليس كذلك؟ نعم، أما مريم فهي تحمل في بطنها عيسى عليه السلام وتحمل أشد من ذلك الهم، أفهم القضية لما قالت يا ليتني مت قبل هذا هو من ألم المخاض، تجتمع الآن المقام، ألم المخاض ما هو بالنسبة إلى ما سيقال عنها، ولو كانت مريم -وحاشاها- لو كانت غير صالحة لما أكلت هذا هم، ولكن أعظم من يهتم هو من يرمى بحالة مناقضة للحال التي هو عليها. فإذا كان الإنسان كريمًا شريفًا عزيزًا صالحًا صادقًا يراقب الله في خطراته، ها ثم يأتي من يتهمه بالخيانة والغش والنفاق والكذب والزور فإنه يموت ولا يسمع هذا الكلام، أليس كذلك؟ نعم، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يجد أذى شديدًا من كلام الناس، ولذلك قال الله له مواسيًا وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ.

يقولون، تخيلوا يا جماعة محمد صلى الله عليه وسلم الكريم الشريف العزيز، ها؟ يقوم للناس ويمشي في سوق عكاظ يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، يقول الراوي وخلفه رجل وضيء الوجه ذو غديرتين، يقول لا تصدقوه فإنه كذاب، وإذا هو أبو لهب. خيره شي والله يا جماعة لو بس تتخيلوا هذا الموقف، تخيلوا كذا يعني تعيشوا هذا الموقف شي مهول، أنت تعرف لو كان واحد من العرب بس في السابق اللي عندهم الأنفة والعزة والكرامة واحد يقول له كذاب ممكن يذبحه، ها؟ ما بالك بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي كان يلقب بالصادق الأمين. طيب مريم من أعظم صفاتها التي وصفها الله بها في القرآن أنها ايش؟ أحسنت، فَرَجَهَا هذي من صفاتها التي كررها الله في القرآن، ايش أحصنت فرجها، ثم تأتي التهمة في عكس تمامًا ما كانت هي عليه فكانت شيئًا شديدًا مخيفًا لا يحتمل قبل أن تسمعه، حملت همه قبل أن تسمعه، فهذا هو الدرس.

الفائدة السادسة هي أنه كم في بطن الآلام من آمال، وكم في ثنايا المحن من منح، وكم تأتي النتائج والثمرات من البلاء على خلاف ما يتوقع صاحب البلاء، تكون فترة أزمة تمر ثم بعد ذلك يأتي الفرج ويأتي الخير، وقبل قليل قبل أيام كنا نتكلم عن زكريا وكان يشكو داعيًا ناديًا نداءً خفيًا، وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن، فتأتيه البشرى، ها غُلَامًا زَكِيًّا أَن نُّبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا، ها وبعدين مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ، يعني جاءته الخيرة، وَيَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. بركات، بركات وفرج وخيرات بعد ذاك التعب.

يوسف عليه السلام يباع، يباع بيع الرقيق يباع وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ، ها وفي ذلك الموقف وفي سياق هذه الآيات التي يذكرها الله عن يوسف في قمة تعرفوا الصفحة الثانية من سورة يوسف هي أكثر صفحة فيها ابتلاءات يوسف صح؟ سورة يوسف إيه، لكن الصفحة الثانية تحديدًا اللي فيها وشروه بثمن بخس ها، وفيها أنه غابة الجب ألقوه في غابة الجب، تمام؟ وفيها أنه وشروه بثمن بخس وكذا وكان في البئر، في تلك الصفحة قال الله سبحانه وتعالى ايش؟ كَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ، بش مكنا ليوسف؟ فين مكنا ليوسف؟ أنت تتعجب هو الآن يباع كالرقيق وقولك الله في وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ، كانت العاقبة العظيمة الحميدة ليوسف عليه السلام. ولذلك مرت السنين، ها فالملك قال ائتوني به أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، ثم ختم يوسف عليه السلام في ذلك المشهد بقوله رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، وهكذا مريم هنا بلاء شديد جدًا جدًا جدًا، ولكن العاقبة حميدة إلى مدى لا يمكن أن يتصور ولا يمكن أن يتخيل، من مريم عليها السلام في تلك المرحلة فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا.

وهنا ذكر العلماء أقوالًا متعددة في المقصود بالسري، من أشهرها أنه نهر، لذلك لأنه قال بعد ذلك فَكُلِي وَاشْرَبِي لأنه أشار إلى الأكل اللي هو جذع النخلة، ولم يشر إلى الماء، لكن هنا السري قالوا هو النهر، قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي، اقري عاين هذا الآن نداء معجز لمريم عليها السلام لتطمئن ولا تحزن ولا تخف، ولذلك فعلًا أكلت وشربت، ولما تعلت أو قطعت شوطًا حملت عيسى عليه السلام أتت به قومها تحمله، هنا تشعر أن الصيغة تبدلت، وأن مريم التي كانت في نفس هي تحمل الحزن قد حملت في نفسها ايش قد حملت في نفسها الثقة والقوة والتماسك؛ لأنه لم يذكر الله عنها لما قالها يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء ولقد جئت شيئًا فرية ما كان الله سبحانه وتعالى عنها أنها حزنت، صح أو قالت يا ليتني مت قبل هذا أو شيء أو شيء، لا هذاك كان في البداية، فلما جاءها التطمين والخطاب المباشر هو أن لا تحزن ذهبت واثقة قوية ومعها ابنها تحمله، وتعرضت للابتلاء وقالوا لها لقد جئت شيئًا فريًا، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، وهنا تحدث المعجزة الأخرى قال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ.

أول كلمة، أول كلمة قال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. الفائدة الكم الآن؟ السادسة ولا السابعة؟ السابعة. الفائدة السابعة: رسالات الأنبياء واضحة وقريبة من الفطرة ومعالمها بينة، ليست نظريات فلسفية معقدة ولا تحتاج أن تدرس سبعة وعشرين سنة ولا ستطعشر سنة حتى تفهم أصول رسالات الأنبياء، ايش قال عيسى عليه السلام؟ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وهذي الرسالة كانت واضحة لأقوامهم، ولذلك في صحيحي البخاري ومسلم كتاب بدء الوحي في البخاري لما ذهب أبو سفيان لم يكن قد أسلم بعد إلى هرقل عظيم الروم وجلس أمامه، وكان هرقل عنده علم من الكتاب وسمع بخروج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ائتوني بأحد برجل من أقارب مالك جل موجود في بلدي حتى أسأله عنهم. فلما وقف أمامه أبو سفيان قال إني سائلك فلا تكذب علي، وإن كذبني وإن كذب فأخبروني، قال من معهم؟ قال أبو سفيان والله لولا أن يأثر علي كذبًا لكذبت، ها لأنه عدو النبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟ ولكن الكذب كان عند العرب عيب، تمام كذب لاحم، المهم لما سأله سأله أسئلة عظيمة جدًا، جواب جوابات أبي سفيان وتعليقات هرقل كانت عظيمة.

وكان من جملة ما سأله بما يأمركم، الآن هرقل أنه معنى النبوات السابقة وهو يريد أن يقيس، هل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم من نفس المشكاة أو لا؟ بما يأمركم؟ ها قال يأمرنا بالصلة، صلة يعني صلة الأرحام، صلة إي النت مشكلة النت اه لأ الزوم شكله شغال الآن شغال البث يا جماعة حتى هذا وقف طيب تمام ايش كنا نقول؟ إيوان يوحد الله لا يشرك به شيء، وفي وفي صحيح مسلم -ارجع ارجع- في صحيح مسلم من حديث عمرو بن عبسة، عمرو بن عبسة كان من اللي جاؤوا في مرحلة متقدمة للنبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال يسأل النبي صلى الله عليه وسلم بما أرسلك الله؟ قال أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء، فالفائدة السابعة هي أن رسالات الأنبياء واضحة في أصولها ومعالمها ولا تحتاج معها إلى علوم مصاحبة حتى تفهم الأصول منها. ولذلك لما جاء الأعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أسألك بالذي خلق السماء والأرض أالله أرسلك؟ قال نعم الله أرسلني، قال بما يأمرنا؟ قال بالصلاة والزكاة كذا كذا، ذكر عدة أمور ثم قال والذي نفسي بيده أو والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق.

هنا عيسى عليه السلام نفس الشيء، ولذلك يا جماعة الخير يا ناس يا مسلمين، بمقدار ابتعادنا عن أصول ما جاءت به الرسل بمقدار انحرافنا عن طريقهم، أحيانًا الإنسان لأنه مسلم فيقول لك أنا ما أحتاج يعني يعني ايش أركز على الأصول الكبرى في الإسلام، خلاص هذي تعلمناها، تعلمناها الآن يعني أتعلم أطراف وفروع جديدة وأمور متعلقة بالدين لكنها تفاصيل تفاصيل.

ممتاز، تعلم التفاصيل هذا شيء الحمد لله، كلما ازددت علماً أفضل، لكن إياك أن تبتعد عن المركز والمحور، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه.

ما في شيء تتقرب إليه فيه إلى الله أحب إليه من المفترض. طيب، أنا كنت أقول للشاب قبل فترة، أسألهم ساعة، أقول لهم إذا شعرت بالوحشة وأنك يعني في بعد عن الله قليلاً، وتريد أن تفعل شيئاً تقطع به المسافات وتتقرب به إلى الله، إيش تفعل؟ تمام، هنا لا تبحث عن تفاصيل فرعية في العبادات، هنا من أعظم ما يمكن أن تفعله، من أعظم ما يمكن أن تفعله فيغسل الذنوب غسلاً ويفتتها تفتيتاً ويقربك إلى الله تقريباً، هو أن تقول لا إله إلا الله خالصاً من قلبك، بس لا إله إلا الله خالصاً من قلبك؛ لأجلها خلقت السماوات والأرض، وهي التي تدخل الجنة، وهي التي لا يخلد بسببها أحد في النار. فلا تغفل عن لا إله إلا الله، لأنه إحنا خلاص، لا إله إلا الله كانت ولا زالت وستبقى أعظم قربة يتقرب بها الإنسان إلى الله، وأنت تعلم أنها ليست مجرد كلم باللسان وإلا لدانت بها العرب من أولها إلى آخرها، لكنها هي صميم الإيمان، لذلك تجد في الحديث: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، من قال لا إله إلا الله صدقاً من قلبه، من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله موقناً بها. سيد الاستغفار، طيب إذاً هذه الفائدة السابعة.

الفائدة الثامنة هي أن الأنبياء هم أول العاملين، وأن الصالحين هم أول العاملين، فأول الملتزمين بما يدعون إليه هم الأنبياء، وليس كما يظن البعض أنه كلما ازداد المرء صلاحاً ازداد استغناءً، بل كلما ازداد صلاحاً ازداد خضوعاً وذلاً وحباً وشكراً لله واجتهاداً في العمل، ولذلك أولئك الصالحون لا فرق عندهم أن يبشر بالجنة أو لا يبشر بالجنة هو سيعمل، ولا فرق يعني أن يفرح، هو سيفرح ولكنه البشرى لا تغره، وحين فكر بعض الصحابة بهذا المنطق الخاطئ فقالوا: يا رسول الله، تصلي الليل حتى تتورم قدماك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ أفلا أكون عبداً شكوراً؟ منطق في العبادة مختلف، منطق العلاج مختلف، لذلك هنا عيسى ماذا يقول: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. فالأنبياء هم أول العاملين بما أمروا به، وهم أول الملتزمين، ولذلك يأمر الله نبيه أن يقول: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. وأول المؤمنين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها في دعاء استفتاح في بعض الاستفتاحات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو أو يقول هذا الذكر.

فالصالحون هم أول العاملين، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم أول الممتثلين للمعروف الذي يأمرون به، وهم أول المبتعدين عن المنكر الذي ينهون عنه، بخلاف بني إسرائيل الذين قال الله فيهم: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ. أما الصالحون فدائماً تجدهم أول العاملين.

الفائدة التاسعة في قول الله سبحانه وتعالى: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ. قال العلماء والمفسرون: البركة المقصودة هنا هي الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا يجالسه أحد إلا انتفع به، قال: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ. وإذا كنا نتحدث عن أنوار الأنبياء فلنقتبس من هذا النور ولنحاول أن نكون نافعين أينما كنا، عسى الله أن يجعلنا مباركين أينما كنا، فمن جملة صور البركة يعني من أعظم صور البركة أن يكون الإنسان حيثما حل نفع، حيثما حل نفع، هذه من أعظم صور البركة وهي التي قال الله فيها وجاء على لسان عيسى: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ.

وفي ذلك أيضاً في البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: حدثوني عن شجرة تشبه الرجل المسلم لا يتحات ورقها تؤتي أكلها كل حين. قال ابن عمر: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، ولكن استحييت أن أتكلم لأن في القوم أبا بكر وعمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي النخلة. فلما خرجنا قلت لأبي: والله لقد وقع في نفسي أنها النخلة. فقال: يعني ليتك قلت، أو لو قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا. هذا التشبيه بالشجرة المباركة النخلة هو أيضاً صورة من صور التشبيه بـ: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ، لأنه لا يوجد نبتة فيما أعلم ولا أظن أنه يوجد نبتة يمكن أن فيها صور من صور الاستفادة كالنخلة، يعني النخلة يستفاد من جميع أجزائها سواء بالثمر أو بالاستظلال أو بالسعف في أسقف البيوت، وجمار النخلة وقلبها، يعني حتى ثمرها في غنائه، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة، بيت لا تمر فيه جياع أهله، بركة التمر إلى آخره من الأمور التي تعرف بغير هذا المقام.

فالشاهد هو: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ هَٰذَا كلام عيسى الآن عليه السلام، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ. فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الساعة العاشرة والأخيرة هي أن القرآن جاء ليحق الحق فيما اختلف الناس فيه، وخاصة فيما اختلف أهل الكتاب فيه، ولذلك الله سبحانه وتعالى قال في سورة النساء: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا. وهنا يقول: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ، ولذلك حصلت طبعاً في مرحلة طويلة في تاريخ النصارى خلافات ومشكلات في تحديد قول في عيسى عليه السلام وتعرفون عقدت بعض المؤتمرات الكبرى في القرن الرابع تقريباً الميلادي في تحديد الموقف من أصول الديانة وخاصة فيما يتعلق بعيسى عليه السلام، وحصلت حروب وإشكالات وقتل واستضعاف واستعباد، فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ.

أما القرآن الذي نزل على ذلك الرجل الصادق الأمين في بطن مكة وقد كان لا يقرأ ولا يكتب وهم يعلمون ذلك، وليست لديه معلقات قبل الأربعين كانت تعلق على الكعبة فيجتمع الناس حول قصائده، ولا له كتب كان يبيعها في سوق عكاظ، ولا كان له مجالس مثل مجالس النضر بن الحارث يتكلم فيها عن قصص كسرى وقيصر، تعرفون النضر بن الحارث لما أراد أن يعارض النبي صلى الله عليه وسلم قال عن كتابه: إِنَّ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. قصص القرآن أنها أساطير الأولين، وذهب إلى الفرس، قلم قصصهم وصار يجلس يسولف على قريش يقول لهم: أنا عندي قصص مثل محمد، ويعطيهم من السواليف ذيك حقت ألف ليلة وليلة، أما محمد عليه الصلاة والسلام لم يكن بالشاعر، لم يكن بالذي يجلس لقومه ليحدثهم بتلك الأحاديث، لم يكن بالقارئ، لم يكن بالكاتب، كان رجلاً من أشراف قريش وصميمهم بصميم نسبهم وأشراف فخوذ قريش، معروفاً فيهم بالصدق والأمانة والصلاح، كان يعتزل في الأشهر يذهب إلى غار حراء يتعبد الله سبحانه وتعالى ويتحنث، ويأخذ الليالي ذوات العدد، ثم يأتيهم من الأنباء ما لا يعرفها أولئك ولا أقوامهم ولا حتى أهل الكتاب، مثل هذه التفاصيل، ولا يعرضها على أنها قصص، وإنما يأتي ويقول لهم: ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. هم لهم قرون الحين، قرون يتقاتلون ويتناقشون وتهيمن طائفة على طائفة، ثم يأتيهم بكل وضوح وقوة يقول: ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. أنتم لكم قرون؟ كذب من كذب منكم، وحرف من حرف، وافترى من افترى، وآذى من آذى، وقتل من قتل، اسمعوا جميعاً، اسمعوا الآن هذا هو القول الحق: ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ.

ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ. وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ. هذه الحقائق التي أتى بها القرآن أتى بها واضحة، ولذلك في سورة النساء قال: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ. انتهوا خيراً لكم، انظروا الخطاب والقوة والثقة والتصحيح: انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ.

وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وغفر لنا ولكم وأصلح حالنا وحالكم، ولنا لقاء إن شاء الله إن يسر الله غداً بإذنه تعالى.