تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

أستعينوا بالله، ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار الأنبياء في سورة يوسف عليه السلام، وهذه المرة مع قول الله سبحانه وتعالى: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ * وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيوسف فِي الْأَرْضِ ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيوسف فِي الْأَرْضِ ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذه الآيات آيات فيها اختتام أو ختام الموضوع الذي بدأ من بداية السورة، وهو ما يتعلق بموقف إخوة يوسف من يوسف، والذي ابتدأ بالرؤية التي اختص الله بها يوسف عليه السلام، وما بشر به يعقوب ابنه يوسف من حسن العاقبة والاجتماع وإتمام النعمة، ثم ما حصل بعد ذلك من كيد إخوته وأنواع المكر الذي مكروا به، إلى أن جاؤوا إلى أبيهم معتذرين، وتعهد يعقوب عليه السلام بالصبر الجميل، واستعان بالله على ما يصفون.

ثم الآن هذا الانتقال من كل الموضوع السابق إلى موضوع جديد، وهو البيئة الجديدة التي انتقل إليها يوسف عليه السلام، لكن في هذا المقطع الختام، ختام لما سبق وانتقال لما سيأتي. وقصة يوسف عليه السلام مليئة بهذه، يعني كل جزء منها في مكان، كل جزء منها في مكان، حتى إنك يعني وأنت تعيش في قصة في سورة يوسف عليه السلام، تنتقل من منطقة إلى منطقة، من بقعة إلى بقعة، وتعيش الحدث وكأنك يعني ترى يوسف بالجب وهو يتمسك بالحبل بالدلو ويصعد معه، ثم وكأنك تراه في القصر لما غلقت امرأة العزيز الأبواب، ثم لما جيء بالفاكهة أو بالطعام وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، ثم بعد ذلك كأنك تراه في زنازين السجن مع الفتيان ومع المساجين وهو يعبر الرؤيا وكذا، ثم يخرج ثم وكأنك تراه وهو مسؤول ووزير عن خزائن الأرض في الوزارة، وحين يدخل عليه الناس ويدخل عليه إخوته، ثم وكأنك تراه على العرش حين جاء أبوه أو أبواه وإخوته خروا له سجدا، ودعاؤه، يعني أنت تنتقل من مكان إلى مكان مع يوسف عليه السلام، وتشاهد هذه الأحداث التي تقع له وتستخلص منها العبر.

طيب، الآن هذا المقطع فيه من العبر ومن الأنوار ما يمكن أن نستخلصه ونستفيده من هذه الآيات. قال الله سبحانه وتعالى: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ. قَالَ يَا بُشْرَى: هذه أول كلمة سمعها يوسف عليه السلام وهو في الجب، يا بشرى، وهذه الكلمة أين؟ تقدم على مرحلة مجهولة، وعلى تتصل بأشخاص مجهولين، وأنت في مكان مضطهد فيه، فتسمع هذه الكلمة، هذه الكلمة تعطيك شيئا من الطمأنينة أنه الذي سيأتيك الآن ليس هو الضرب والإهانة، وإنما أنت قد وقعت في أيدي أناس مستبشرين بأنك ستنفعهم بشيء من الأشياء، وإن كنت في حال ابتلاء أصلا، لكنك هذا من اللطف، من لطف الله سبحانه وتعالى يوسف عليه السلام.

وهذا اللطف بنفس هذا المقطع أيضا موجود، أين؟ بنفس هذه الآيات، وين موجود؟ وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه. الآن يوسف عليه السلام لما بيع للعزيز وهو سمع كلمة أكرم مثواه، يعني هذه أيضا فيها قدر من الطمأنينة أن هو أقبل على مكان فيه قدر من احتياج أهل المكان إليه: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً.

طيب، إذا الدرس الأول الذي نستفيده من هذا المقطع هو أن لا يغفل الإنسان وهو في شدة الابتلاء عن أبصار مواطن اللطف، فالقضية ليست إما ابتلاء أو فرج، وإنما حتى في الابتلاء نفسه الذي هو عنوانه الأساسي هو الشدة والصعوبة والضيق، تلمح مواطن اللطف الإلهي في هذه الابتلاءات، ولا تجعل رؤيتك للابتلاء رؤية تعميك عن أن تبصر ما في ثنايا هذا الابتلاء من معاني اللطف الإلهي، هذا أمر أول.

ثم في قول الله سبحانه وتعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ، الدرس المستفاد من هذه الآية هو أن الإنسان مهما كان عند الله بمكانة، ومهما كان عند الله سبحانه وتعالى صالحا، مهما كان من أولياء الله بل حتى ولو كان من الأنبياء كما في حال يوسف تماما، فإن هذا لا يمنع في قانون الله أو في سنة الله سبحانه وتعالى، لا يمنع من أن يتعرض الإنسان لأنواع استثنائية من الشدائد والابتلاءات، ما أتحدث عن الشدة العادية، بل فيما نعلمه من سنة الله سبحانه وتعالى التي بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم شيئا منها بحديث: أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، هذا يبين لنا أنه ليس فقط أنه من الممكن أن يبتلى الإنسان الصالح بانواع البلاء الشديدة، وإنما يبين لنا أن الأصلح هو الأشد ابتلاء، وهذا معنى مهم جدا أن يفهم وأن يوعى وأن يدرك، بحيث أن الإنسان يخاطب المؤمن، يخاطب نفسه به، وهذه الابتلاءات الله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر ما نوع هذه الابتلاءات التي يبتلي بها عباده.

إذا رجعنا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن هذه الابتلاءات تدخل حتى في التفاصيل المعتادة المتكررة مثل المرض، المرض العادي الذي يصل مثل الحمى وما إلى ذلك، ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوعك كما يوعك رجلان، وابن مسعود قال له يا رسول الله انك توعك كما يوعك رجلان، فقال: نعم. قال: ذلك أن لك أجرين؟ قال: نعم. النبي صلى الله عليه وسلم.

فهنا يوسف عليه السلام الابتلاء الذي تعرض له ابتلاء شديد جدا، وهذا الابتلاء هو أنه كان يباع ويشترى، وحتى البيع والشراء هذا في البداية وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ، هناك قول مشهور من أقوال المفسرين المقصود هم إخوته، أنه البيع الأول كان من إخوته، أنه بعد ما ألقوه في الجب كانوا قريبين من البئر ولما جاءت هذه السيارة زعم إخوته أنه عبد لهم أبق وباعوه، وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ، يعني لكن طبعا هذا قول، وقول آخر في المسألة أنه الذين الواردون على الماء هم الذين باعوه، طبعا هو هذا نظرا أو واحد من الأسباب التي جعلت هذا الخلاف وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ أنه أولئك لم يكونوا فيه من الزاهدين عموما، بغض النظر المعنى الذي يهمنا في أنوار الأنبياء هنا ليس تحقيق الاقوال بدقة، وإنما الذي يهمنا هو الدرس المستفاد على كلا القولين أيا كان، سواء هذا أم هذا، الذي يهمنا هنا هو أن يوسف عليه السلام قد تعرض لهذا المعنى من الابتلاء وهو معنى شديد جدا، ثم لما اشتري في مصر وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه هو دخل في قضية الرقة الآن وصار تحت سلطة انسان كافر والمرأة أيضا هي مسؤولة عنه، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً. الشاهد من هذا كله هو أن معنى الابتلاء بالنسبة للأنبياء، بالنسبة لأولياء الله الصالحين، هو معنى مهم وهو معنى سار على أمثال هؤلاء، وبالتالي الإنسان المؤمن، الإنسان المصلح الذي يسير في طريق الأنبياء لا يتضجر من شدة الابتلاء، ولا يتضجر من صعوبة الطريق ومن صعوبة ما يأتي، سواء أكان ما يأتيه بسبب الطريق الذي هو فيه يعني من كيد الأعداء وما إلى ذلك، أو كان بمحض قدر الله تعالى بالأمراض ونحو ذلك، هذا الدرس المستفاد من هذه الآية.

طيب، ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيوسف فِي الْأَرْضِ. الآن وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيوسف فِي الْأَرْضِ، أين التمكين هنا والآن يباع ويشترى وتحت سلطة أو تحت عنوان الرق والعبودية، والله سبحانه وتعالى يقول: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيوسف فِي الْأَرْضِ، كيف؟ وبذلك، نعم، ممكن يكون هذا، وهذا ذكره بعض المفسرين، وهو أنه وأول شي طبعا في دلالة وكذلك وكذلك هذه ايش دلالتها قبل قبل كيف كان التمكين؟ وكذلك ايش لو كذلك؟ تذكروا: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ، احنا قلنا وكما أراك تلك الرؤيا فهو يجتبيك ويعلمك من تأويل الأحاديث، هنا وكذلك ايش؟ وكذلك نعم كما نجاك وأخرجك وكذا إلى آخره، كما قال طائفة من المفسرين ايش؟ وكذلك ايش مكنا ليوسف، يعني كما نجيناه وفعلنا به ومكنا ليوسف في الأرض.

طيب، كيف يكون هذا التمكين؟ هذا التمكين وأن الله سبحانه وتعالى فتح له تلك النافذة بأن يكون في بيت العزيز، وأن يكون هذه بداية الخطوات القادمة التي ستقوده إلى التمكين وإن كانت مسبوقة قبل ذلك بانواع أخرى من الابتلاءات.

ما الدرس المستفاد منه؟ الدرس المستفاد هنا هو أن الإنسان المؤمن قد ينظر قد ينظر إلى مقدمات الابتلاءات فيصفها من جهة كونها مقدمة، من جهة صورتها الظاهرة، أنها شدة، أنها عائق، أنها تحدي، أنها مانع، والله سبحانه وتعالى الذي يبصر النهايات ويراها له سبحانه وتعالى تقدير أو وصف لهذه الأمور التي هو قدرها سبحانه وتعالى يختلف عن وصف الإنسان الضعيف الذي إنما يرى بدايات الأشياء ولا يرى نهاياتها. الله سبحانه وتعالى يقول هنا: وأنت لو كنت في وقت يوسف عليه السلام ورأيت الذي جرى لم تصف هذا إلا بالمصيبة العظمى، والله سبحانه وتعالى يقول: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيوسف فِي الْأَرْضِ، يعني أنت ترى ما علاقة ذلك الحدث بالتمكين، كيف يمكن أن يوصف بالتمكين في الأرض وهو بذلك الحال من الشدة والبلاء؟ والله يقول: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيوسف فِي الْأَرْضِ.

إذا الإنسان لا يستعجل في الحكم على ما يتماس معه من الأحداث الصعبة فيصفها من جهة كونها صعبة، ويحكم على طريقه ومصيره وحياته بناء على هذا التحدي الذي أمامهم، وإنما ليتأنى وليحاول أن يتبصر وليحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وليتنمى السنن الله سبحانه وتعالى، لعل في بواطن هذه المحن والشدائد ما فيها من الخير والكرامة.

حقيقة هذا المعنى مهم جدا جدا، يعني معنى أن الله سبحانه وتعالى يعني يحكم على أو يصف الله سبحانه وتعالى لنا الحقائق والأحداث من جهة كونه الخالق المطلع على كل شيء، الذي يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا، ونحن صغار ضعفاء جهال نحكم على القضايا من جهة صورها الظاهرة ومقدماتها التي نراها.

ولذلك، طيب، من أين يستمد الإنسان البصيرة في رؤية عواقب الأمور؟ هو طبعا الإنسان لا يستطيع أن يبصر كل شيء، ولكن يتلمس واحد من الجوانب التي يتلمس الإنسان منها أبصار نهايات الأمور: معرفة السنن الإلهية، معرفة السنن الإلهية، سنة الله في عباده، في ابتلائهم، بنصر المؤمنين، في انجائهم، إلى آخره من هذه المعاني.

وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيوسف فِي الْأَرْضِ ولنعلمه من تأويل الأحاديث. الآن هذا ذكر لقضية تأويل الأحاديث في البداية: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، وهنا: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيوسف فِي الْأَرْضِ ولنعلمه من تأويل الأحاديث.

ما شأن تأويل الأحاديث؟ هذا شأن عظيم. صورة يوسف تكشف أن تأويل الأحاديث الذي هو عند كثير من أهل العلم بالتفسير هو ايش؟ ما معنى؟ تعبير الرؤيا، أمير الرؤيا، وإن كان بعضهم أدخل فيها تأويل الأحاديث حتى أقاويل الناس والأحداث الجارية، وبعضهم جعل فيها وتأويل الأحاديث فهم كلام الله ما أنزله سبحانه وتعالى، يعني هذا التعميم في قضية تأويل حديث بعضهم استدل بقوله سبحانه وتعالى في يوسف: قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، ولا شك أن من أولى ما يدخل في تأويل الأحاديث تعبير الرؤيا هذا بلا شك، والله تعالى أعلم.

طيب، الآن إذا من هذه الآية والتي قبلها تدرك أن تعبير الرؤيا هو أولا علم يعلمه الله سبحانه وتعالى من يشاء، والامر الثاني هو أمر له شأن، له شأن بحيث أن الله سبحانه وتعالى يجعله من الصفات الأساسية التي أمتن بها على يوسف عليه السلام في سياق ذكر النعم الكبرى التي أتت ليوسف عليه السلام أو التي ستأتيه، نتنقل وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ هذه جاءت في سياق ذكر النبوة، وهنا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيوسف فِي الْأَرْضِ ولنعلمه من تأويل الأحاديث وهذا معناه أن تأويل الأحاديث وتعبير الرؤيا من الأمور الشريفة العالية العظيمة التي ينبغي أن يحافظ على عظمتها وتبقى بعيدة عن عبث العابثين، لأنه احنا في زمن صار في توسع في كثير من سياقات التعبير، وعمل يعني كثير من المعبرين، أو خلينا نقول كثير من التعبيرات التي تحصل لبعض المعبرين هناك بعض التجاوزات وبعض التوسع وبعض التجرؤ.

وقد كان السلف الصالح يعظمون باب التعبير، وتعرفون من من العلماء من جعلها من باب الفتيا، ومنهم من قال ميراث النبوة أو كلمة نحوها، وإذا رجعت للأحاديث ستجد أن القضية ليست سهلة.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني بهذه القضية، ثم تجد هنا في شأن يوسف أن الله يعلمه من تأويل الأحاديث، وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الحديث القضية ليست سهلة.

وما دام أنها بهذه القيمة فيجب أن يحافظ على قيمتها وقدرها وشأنها، وليتق الله من يدخل في هذا المجال وليعلم أنه دخل في مجال شريف، ألا يعني يخفض من قيمة هذا المجال بتسرعه آآ يعني رميه هكذا بالخرص والظن دون أن يعطي القضية قدرها الذي تستحقه، فهذا درس آخر أيضاً من هذه الآية.

طيب، هل كانت هناك علاقة في قصة يوسف عليه السلام بين تمكينه في الأرض وبين تعلمه تأويل الأحاديث أو علمه بتأويل الأحاديث يا أنس، كانت هناك علاقة أم لم تكن؟ ها، خروجه من السجن كان بسبب تعبير الرؤيا، وخروجه من السجن كان سبباً في تمكينه في الأرض، لأنه تعرف لما خرج مباشرة الملك كلمه وقال له: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)، وكان السبب كله رؤيا أراها الله سبحانه وتعالى الملك ثم تعبير تلك الرؤيا من يوسف عليه السلام.

إذاً، (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)، تأويل الأحاديث الذي علمه الله يوسف كان من أسباب تمكينه في الأرض، أنا من أسباب التمكين، (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ).

هذا الآن لا يُعرف بمجرد سياق الآية، هذه الآية (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) قد لا يُفهم من سياق الآية هكذا هذا المعنى، لكن لما تكمل بقية القصة تدرك أن هناك علاقة بين الأمرين.

طيب، ثم قال الله سبحانه وتعالى: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).

والله غالب على أمره، إذا أراد الله شيئاً وقضى أمراً، وأراد بعبد خيراً أو أراد بعبد شراً، وكان ظاهر هذا العبد العزة والرفعة في الدنيا وأراد الله به شراً أو بعكس ذلك كان العبد ضعيفاً مبتلى وأراد به خيراً، فالله غالب على أمره، فلا يستطيع أحد أن يحول بين الله وبين أمره، إذ أن الذي يحول بين المرء وبين قلبه هو الله سبحانه وتعالى، وقلوب العباد كلها بين أصبعين من أصابعه سبحانه وتعالى، ونفوس العباد بيديه.

ألا يستطيع أحد أن يمنع ما يريد الله سبحانه وتعالى إعطاءه، ولا يستطيع أحد أن يعطي من أراد الله منعه، (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وهذه الختام، هذا الختام للآية كُوَام من المعاني القرآنية أو من الجمل القرآنية التي يمكن أن تنقل سياق القصص من إطارها الخاص إلى المعاني العامة، بحيث إنه الإنسان وهو يقرأ كتاب الله لا ينحصر في أحداث القصة وحدها ويظن أنها قصة لن تتكرر، أو أن معانِها لن تأتي مرة أخرى، أو أن هذا صنيع الله سبحانه وتعالى بيوسف فقط ولن يصنعه بغيره، بل كما مر معنا الطبري كان يقول: هذه القصة أن يوسف والله يريد محمدا صلى الله عليه وسلم، لذلك الآية اللي بعدها (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).

وكذلك نجزي المحسنين، والله سبحانه وتعالى لما ذكر إهلاك قوم لوط قال: (وَمَا هِيَ) إيش بعد ما أهلك قوم لوط قال: (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)، ولما ذكر أصحاب العجل قال: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ)، لكن نجزي المفترين ها، وهنا بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى هذه القصة قال: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، وقبل ذلك (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).

هذه النهايات أو الإشارات في القصص القرآنية تعين القارئ المتدبر لكتاب الله على ألا ينحصر في سياق قصة محددة، وإنما ينتقل إلى معناها العام ويعتبر بهذه القصة.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يرزقنا الفهم في كتابه وحسن العمل به، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.