بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. يا أهلا وسهلا ومرحبا. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذه المجالس واللقاءات، وأن يؤلف قلوبنا على الخير. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا في جنته بفضله ورحمته وكرمه.
نحن في أنوار الأنبياء، وهذا هو اللقاء الثاني من هذا الرمضان، وإن كان هو اللقاء الثامن والعشرين من سلسلة أنوار الأنبياء، استصحابا لرمضان الماضي ولبعض ما حصل بين الرمضانين. ابتدأنا يوم أمس بسورة يوسف والحديث عن يوسف عليه السلام، وعن الآية الأولى في بداية قصة يوسف: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ. اليوم مع قول الله سبحانه وتعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ.
هذه الآية فيها عدة دروس ومعان ووقفات. الوقفة الأولى هي أن المصلح في طريقه الإصلاحي والمؤمن في سيره إلى الله سبحانه وتعالى من المهم أن يتقي العوائق الباطنية كما يتقي العوائق الظاهرة؛ هناك عوائق باطنة وعوائق لا ترى، وهناك عوائق ظاهرة. العوائق الظاهرة مثل مثلا خلنا نقول مثلا التحدي المالي، الفقر، ممكن الأعداء الذين يراهم ويرونه؛ المصلح والمؤمن في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى يواجه هذه التحديات فيتقيها، لكن هناك تحديات باطنة أحيانا يكون أشكالها أكبر من التحديات الظاهرة إذا لم ينتبه المؤمن في طريقه إلى الآخرة. المصلح إذا لم ينتبه إلى هذه التحديات الباطنة فقد توقعه ويسقط من خلالها.
والتحدي الباطن المذكور في هذه الآية ما هو؟ الحسد، حسد داخلي باطني ما يرى، وإنما تظهر آثاره على الحاسد. ومن شأن الحسد وطبيعته أنه كثيرا ما يحاول الحاسد إخفاء حسده، يعني إخفاء السبب الحقيقي الدافع له لبعض التصرفات؛ فتارة يظهر الحاسد بثوب ناصح، مثل ما فعل إخوة يوسف. ونحن في سورة يوسف لما جاءوا إلى والدهم ماذا قالوا؟ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. قبل ذلك قالوا: مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ. شف: وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ. أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
الآن يعقوب عليه السلام وهو نبي لم يكن يعلم أن المحرك لهذه الدعوة هو حسد داخلي، وأن هذه إنما هي خطوة أولى في الكيد التي سيتبعها خطوات أخرى. لذلك الإنسان المؤمن يحتاج أن يتنبه قدر المستطاع للتحديات الباطنة للتحديات الداخلية، التي من جملتها الحسد، ومن جملتها -وهو قريب من الحسد وله علاقة بالحسد- العين. وبالمناسبة أعداء الله قد يحاولون أحيانا أن يسقط الإنسان بقضية العين والحسد. الله سبحانه وتعالى أشار إلى هذا المعنى في سورة القلم فقال: وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن سبب كفران أهل الكتاب إنما هو الحسد، وذكر الله سبحانه وتعالى هذا المعنى صريحا، وقال في سورة البقرة: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم ۖ ... أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا ۖ ... بغيا يعني حسدا. وقال سبحانه وتعالى في سورة النساء في سياق أهل الكتاب وموقفهم من الدين: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ. الآن هذا في سياق النعمة الدنيوية أم النعمة الدينية؟ النعمة الدينية: فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا.
طيب إذا من جملة العوائق التي قد يواجهها الإنسان المؤمن والمصلح في طريقه تحديات وعوائق باطنية غيبية يحتاج المؤمن أن يتقيها دون أن يقف عن عمله. واحدة من أهم التحديات غير ما ذكرت من الحسد والعين الذي يمكن أن يحصل، واحد من التحديات الكبرى اللي هو كيد الشيطان، وكيد الشيطان بوابة كبيرة من المكر الذي يمكن أن يحصل للإنسان المؤمن. وحتى في قصة يوسف قال الله سبحانه وتعالى لما ذكر يوسف في السجن، قال عنه سبحانه وتعالى حين عبر الرؤيا للفتيين، قال للذي ظن أنه ناج منهما: اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. الشيطان أنسى الذي سيخرج من السجن أحد الفتيين، أنساه أن يذكر يوسف عند الحاكم، فلبث في السجن بضع سنين.
قال ابن كثير في التفسير: وهذا من جملة مكائد الشيطان بأولياء الله، أراد أن يتسبب في أن يبقى يوسف في السجن عدة سنوات، فأنسى ذلك الرجل الذي خرج أن يذكر يوسف عند ربه، وكان ذلك سببا لبقاء يوسف من السجن. قال الذي نجا منهما ذكر بعد أمة: أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ. فالشيطان عدو للإنسان، عدو مبين، ويجب على الإنسان أن يتقي هذا الشيطان، وألا يكون اتقاؤه هو للأمور الظاهرة فقط. ومن جملة ما يتقى من الأمور الغيبية -وهو أعظم من ذلك كله، أعظم من كل ما سبق من ناحية الاتقاء- هو أن يتقي المؤمن خذلان ربه له، أن يتقي المصلح خذلان ربه له في طريقه الإصلاحي. أحيانا الإنسان يعني يعتمد على المكتسبات، وأنا يعني والله في طلاب كثير وفي مكتسبات كثيرة وكذا، يظن أنه بهذه المكتسبات أن هذا هو دليل الفلاح وانتهينا، وقد يتهاون بعد ذلك في أمور ثم يخذله الله بذنوبه.
فمن جملة ما يتقيه المصلح في طريقه الإصلاحي أن يتقي الله في حفظ حدوده حتى لا يخذله ربه. ومن جملة الآيات التي تثبت أن الله قد يخذل العبد بذنوبه ويخذله في الطريق الإصلاحي تحديدا ما ذكره الله في سورة التوبة قال: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ. كره الله انبعاثهم يعني كره أن يخرجوا مع المؤمنين في هذا السياق الإصلاحي الذي ينصرون به الدين فثبطهم.
إذا خلاصة الكلام: الدرس الأول الذي نستفيده من هذه الآية هو أن المؤمن في طريقه إلى الله، وأن المصلح في طريقه الإصلاحي ينبغي أن ينظر بعيني بصيرته إلى التحديات الباطنة الغيبية كما ينظر بعيني بصره إلى التحديات الظاهرة الخارجية. هذا الدرس الأول مستفاد من تصرف يعقوب عليه السلام مع ابنه يوسف، الذي نبهه إلى اتقاء ما يمكن أن يحصل من إشكال باطني داخلي في نفوس إخوته، فأخبره أن يتقي هذا الإشكال الذي يمكن أن يحصل بكتمان هذه النعمة التي هي نعمة الرؤيا العظيمة.
الدرس الثاني المستفاد من هذه الآية وهو متصل بالأول، هو خطورة الحسد في الطريق الإصلاحي، وأن الحسد من الأدواء العظيمة التي قد تفتك بالإنسان الحاسد والمحسود. تفتك يعني الحسد داء ليس مثل الشهوة العابرة؛ الشهوة العابرة تزول بقضائها، ولكن الحسد إذا تمكن من القلب فإن الحاسد لا يطمئن ولا يرتاح ولا يقر له قرار حتى تسلب النعمة من المحسود. ولأن النعمة التي في المحسود إذا كانت خاصة نعمة عظيمة لا تزول بسهولة، يظل الحاسد منشغلا عن طريقه بالنعمة التي في المحسود ويظل يكيد ويمكر حتى يزيل تلك النعمة عنه، فينشغل وتنحرف بوصلته بسبب ذلك، وهذا في واقعنا موجود بكثرة، وموجود حتى بين العاملين للإسلام.
لا تظنوا أنه حينما نتكلم عن الحسد فكأننا نتكلم عن أناس أشرار بعيدين في كوكب آخر. نحن نتحدث عن الحسد حتى بين المصلحين وبين العاملين وبين الدعاة إلى الله، هذا يكون موجودا. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إشارة لطيفة وبديعة في قضية أن الحسد بين العلماء أو بين الدعاة يكون مثل أو فيه خلنا نقول شيء من التشبه باليهود. ولفت هذه اللفتة الجميلة في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم؛ وذلك أنه في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم تكلم عن التشبه بالكفار وأهل الكتاب، وأشار لفتة لأن التشبه ليس فقط في اللباس والشكل الخارجي، وإنما من جملة التشبه بالكفار ما يكون في الأمور الباطنة. ومن جملة التشبه بالأمور الباطنة الحسد، فإن الله قد ذكر كثيرا عن أهل الكتاب الحسد الذي يكون بينهم، وبالتالي من يسير في طريقه الإصلاحي ويغلب جانب الحسد والنظر إلى الآخرين فهذا قد يكون فيه الذنب أو الإشكال من طرفين: من طرف الحسد في ذاته، ومن طرف التشبه بأهل الكتاب الذين لم يحسنوا أخذ الكتاب فيستمسكوا به، وإنما حسدوا المسلمين على ما آتاهم الله من فضله، فكفروا بغيا وحسدا.
الدرس الثالث -وهو أيضا متصل بالدرسين السابقين- هو أن الإنسان إذا سلم من إخوانه من ناحية الحسد، فإن الشيطان بالمرصاد ولو كانت النفوس التي حوله نفوسا طيبة وصالحة؛ لأن يعقوب عليه السلام لما قال ليوسف لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا، ذيل هذه الجملة بإيش؟ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. أي أنهم وإن كانوا إخوتك، وإن كانوا إخوتك، إلا أن الشيطان من ورائهم وسيستغل ثغرة فيهم في ضعف إيمانهم ويؤزهم إلى هذا المكر والكيد، فانتبه ولا تقصص رؤياك على إخوتك.
طيب، هذه الآن ثلاثة دروس مستفادة من هذه الآية. هناك فائدة علمية فقهية ذكرها بعض العلماء، ذكرها القرطبي رحمه الله في تفسيره فيما يتعلق بهذه الآية، ماذا قال؟ قال: في هذه الآية دليل على أنه مباح أن يحذر المسلم أخاه المسلم ممن يخاف عليه ولا يكون داخلا في معنى الغيبة. شفتوا الفائدة اللطيفة؟ أنه الآن يعقوب عليه السلام تكلم عن إخوة يوسف، ولكن لم يتكلم من باب أن يغتابهم، وإنما تكلم من باب التحذير، فقال: لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا. وبلا شك هذا الكلام يعتبر قادحا في الإنسان، ولكن هذا من باب النصيحة وليس من باب الغيبة، فأخذ بعض العلماء من هذا هذا المعنى.
ننتقل للآية التالية، قال الله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
مما يمكن أن يستفاد من الآيتين -بعد أن قال: لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا، ثم قال: وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ- مما يستفاد من هاتين الآيتين أن المؤمن والمصلح يجب ألا يغلب جانب الخوف وجانب العوائق والتحديات ولا يبصر النعم الموجودة معه في طريقه. يعني يعقوب عليه السلام كان خائفا على يوسف وقال له لا تقصص رؤياك، ولكن في نفس الوقت لم يستغرق في هذا الخوف ولم يستغرق في هذا التحدي، وإنما لفت انتباهه إلى الأمر العظيم الذي هو النعمة. يعني تلك الرؤيا التي أراها الله ليوسف عليه السلام كما أنها تستوجب أن تكتم حتى لا يحسد، فمن جهة أخرى تستوجب أن يشعر يوسف أن هذه نعمة عظيمة ويفرح بها. والمؤمن والمصلح يحتاج دائما أن يجمع بين الأمرين؛ إذا تكلم في شيء مما فيه إيجابيات أو شيء يبين النعمة ويظهرها ويجعل الإنسان يفرح بها، وإذا كانت تحتاج إلى انتباه في بعض القضايا ينبه، فيجمع بين أمرين، والبعض قد يستغني بأحد الأمرين عن الآخر وهذا فيه إشكال. وهذا هو الدرس الأول المستفاد من هذه الآية.
الدرس الثاني وهو مبني على فهم معنى وكذلك، فسأذكر هذا المعنى ثم أبين الدرس المستفاد: قال الله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ. وكذلك هذه ما محلها؟ يعني ما علاقتها بالجملتين؟ يعني ما علاقتها من ناحية المعنى؟ وكما أنعم عليك بهذه الرؤيا وأراك إياها وهي نعمة عظيمة كبيرة، فكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق.
هذه كذلك وكما في القرآن مهمة جدا، يعني أحيانا ما ينتبه الإنسان لمعناها، يعني مثلا في سورة الأنفال: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. الآيات التي قبلها عن المؤمنين صح؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ. وهي بالمناسبة من جملة ما طعن بعض الزنادقة فيه على بلاغة القرآن، فجاء الخطابي في "بيان إعجاز القرآن" فأجاب عن هذا الإشكال وبين المعنى البلاغي في قوله كما، فراجعوا "بيان إعجاز القرآن" للخطابي.
طيب كذلك في سورة البقرة: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ، كما هذي إيش؟ إيش رابطة بين إيش وإيش؟ ابن كثير يرى أن هذه كما رابطة لما بعدها وليس بما بعدها وليس بما قبلها. يعني كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ. فهمتم الفكرة؟ لأنها مربوطة بالآية اللي بعدها، لي فاذكروني أذكركم نتيجة إيش؟ إرسالي الرسول إليكم وو إلى آخره، واضح طيب إذا، وكذلك أي وكما أنعم عليك بتلك الرؤيا الصالحة، يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث.
الآن هذا فقط في تفسير المعنى. حسناً، ما الدرس المستفاد من هذه الآية؟ دروس مستفادة متعددة من هذه الآية. الدرس الأول، آآ وهو درس يعني فيه نوع من العمق من حيث الدلالة والمعنى، وقد لا يعني ينتبه إليه الإنسان في آه في أول استماع أو في أول شيء، لكن يبصره بالفقه الواقعي في سنن الله سبحانه وتعالى. الدرس هو أهمية أن يفقه الإنسان سنن الله سبحانه وتعالى في إكرامه أولياءه وجنده.
فإن يعقوب عليه السلام قد استدل بالنعمة السالفة على النعمة الحاضرة أو على النعمة المستقبلة، فقال يعني معنى الآية كما أنعم الله عليك بهذه الرؤيا العظيمة، فهو يستدل بالنعمة السالفة على النعمة التي ستأتي: يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث، إضافة إلى ما فيه باطن الرؤيا تلك من المعنى الذي فيه تشريف ليوسف وتكريم له. وهذا المعنى يمكن أن يستدل عليه من كتاب الله سبحانه وتعالى من سورة الضحى.
وأنتم تعلمون أن سورة الضحى جاءت بعد فترة من الوحي وآآ فترة يسيرة يعني، ثم آآ يعني أتت تلك المرأة فقالت يا محمد إن شيطانك قد جفاك، ها تستهزئ بالنبي صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله سبحانه وتعالى: وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى. لم يأتِ وجه الشاهد. وجه الشاهد أين هو؟ وين وجه الشاهد مع الدرس اللي فيه سورة يوسف؟ ها؟ إيش؟ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى. ها؟ هذه يفقه منها ما سيأتيه من الخير. وهذه كتلك، كما أنعم عليك بالرؤيا تلك سيجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث، وهذا باب شريف ودقيق يعني يحتاج إلى فقه في الدين.
طيب الدرس الثاني: أن الله سبحانه وتعالى إذا اجتبى العبد واختار له العزة والكرامة، فإن العوائق لو اجتمعت من أطراف الأرض ووقفت أمام من أراد الله عزته وكرامته، فلا يمكن أن تصده وتمنعه عن تحقيق هذه الكرامة، وذلك أنه لو كان لأحد أن يمنع من مجد وعز لكان يوسف هو الذي يمنع بسبب العوائق التي وقفت أمامه في طريقه، فإنه كما سلف البارحة كان يوسف عليه السلام قد بيع في السوق. بيع يعني يباع ويشترى، وشروه بثمن بخس، فلو كان لأحد أن يعاق عن عز وكرامة بسبب العوائق الخارجية لكان يوسف، ولكن لأن الله اجتباه وأتم نعمته عليه، فمهما كانت من عوائق ستأتي في الطريق فهي إنما هي ابتلاءات سيتجاوزها الإنسان، وكذلك يجتبيك ربك. هذه في بداية السورة، فأنت إذا قرأت بقية السورة اقرأها وأنت تستصحب معنى يجتبيك ربك، لأن الله إذا اجتباه فلا مانع لما أعطى، كما نقول في الصلاة أو بعد الصلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت، هذا هذا من معاني لا مانع لما أعطيت. وكذلك في قول الله سبحانه وتعالى في سورة فاطر إيش؟ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا. ما في، وكذلك يجتبيك ربك، هذا آآ الدرس الثاني.
الدرس الثالث المستفاد من هذه الآية هو أن المؤمن والمصلح في طريقه يجب أن يستحضر دائماً دائماً أن النعمة والفضل من الله سبحانه وتعالى، والنعمة والفضل من الله سبحانه وتعالى، وهذه النسبة يجب أن لا تكون نسبة باللسان فقط، وإنما يجب أن تكون أن تكون عقيدة يتشربها المؤمن في طريقه. الآن الذي حصل ليوسف عليه السلام من الخير والعز والنصر والتمكين وما بشر به في بداية الطريق، لو تتأملون في هذه الآية ستجدون كل هذه الآية من أولها إلى آخرها نسبة الفضل الذي أتى والذي سيأتي إلى الله: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. فالأمر منه وإليه، وهو الهادي وهو المسدد وهو الناصر إلى آخره.
فهذا أمر في غاية الأهمية، وهو مما يجب أن يربى عليه الإنسان في بداية الطريق. الآن احنا عندنا يمكن في الحاضرين وفي المستمعين مربين معلمين دعاة، من أعظم المعاني التي ينبغي أن يربى عليها الشاب وأن يربى عليها المسلم، أن يربى على نسبة الفضل لله فيما يأتيه من الفضل، سواء أكان من النعم الدينية أو من النعم الدنيوية، وهذا المعنى من أشرف المعاني وهو معنى موجب للشكر، معنى موجب للشكر. آآ لاحظوا النبي صلى الله عليه وسلم بعدما بذل وضحى وجاهد وفعل كل ما فعل في مسيرته صلاة الله وسلامه، آخر ما نزل عليه ما هو؟ سورة آخر سورة نزلت عليه؟ ها؟ النصر. شوفوا آخر السورة كيف تنسب النعمة إلى الله سبحانه وتعالى والفضل. إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. هو كل الأمر من الله ومنه من الله سبحانه وتعالى وله، والإنسان يتقلب فيه في ملاحظة النعمة والشكر عليها والسعي الشكر العملي حتى يزيد الله سبحانه وتعالى النعمة على العبد ويكون قد أدى ما عليه. لذلك هذه القضية في غاية الأهمية في أن يربى عليه الإنسان المؤمن. ومتى ما لم يستحضر الإنسان المؤمن هذا المعنى، أدى به ذلك إلى انحراف البوصلة والبدء بنسبة الفضل إليه والنعمة إليه. وإذا فعل ذلك فقد يؤدي ذلك إلى الاستكبار كما في قصة قارون ها قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي. قال إنما أوتيته على علم، وفي عاد ماذا قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، نحن نحن الذين فعلنا وأكلنا وسوينا خربنا الدنيا وصلحناها وفعلنا.
لا لا أنت إنسان ضعيف كائن يعني لا تملك لنفسك حولًا ولا قوة، وإذا طاف بك طيف من الشيطان فقال لك، يعني لا تزودها مرة في نسبة النعمة، صح أنه طب كمان، إذا طاف بك هذا الطيف خاصة إذا كنت متصدرًا في مجال ديني أو ممتدحًا عند الناس، فتذكر نعمة واحدة حتى ينكسر ما في نفسك من هذا الغرور، نعمة واحدة إذا تذكرتها سينكسر ما في نفسك من الغرور. هذه النعمة هي نعمة الستر، نعمة الستر، وأنك تعلم أن الله لو فضحك فستفقد كل أمجادك. إن الله لو فضحك ستفقد كل أمجادك، وأنك تعلم أن حسن سمعتك عند الناس لأنهم لم يبصروا المعايب الباطنة التي أنت تعلمها عن نفسك اليس كذلك؟ فالله هو الذي ستر عليك. أقل شيء يعني هذا أقل شيء، حتى الإنسان أحيانا تعرف أحيانا يقول طيب، صح النعمة من الله بس أنا سويت وسويت وسويت، تمام أنت سويت بس لولا أن الله ستر عليك ها لفر الناس منك ابتداء بمن يتحدث إلى من يستمع إلى كل أحد. لولا أن الله ستر علينا لفر الناس من حولنا، فعلى الأقل الإنسان يتذكر هذه النعمة فيقول لك الحمد يا رب على أن بلغتني هذا بسترك علي، هذا أقل شيء، هذا فضلاً عن النعم الأخرى العافية إلى آخره والبركة، لكن هذه نعمة من النعم العظيمة.
وكذلك يجتبيك ربك، الاجتباء من الله، ويعلمك من تأويل الأحاديث التعليم من الله، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم. عليم حكيم هذه لها شأن خاص في قصة يوسف، إيش هو الله أعلم لكن لها شأن خاص في قصة يوسف تحتاج إلى تأمل، وذلك أنها ذكرت هنا في بداية القصة، قال يعقوب عليه السلام كما أتمها على أبويك من قبل، ويتم نعمته عليك كما أتم على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم. وفي أثناء القصة عند اشتداد الكربة قال يوسف قال يعقوب عليه السلام إيش؟ لا نبغى عليم حكيم، إيش قال؟ أيوه: عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. طيب بعد ما انتهت القصة، في نهايتها لما قام يوسف ذلك المقام قال: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. العليم الحكيم في بداية القصة، والعليم الحكيم عند اشتداد الكربة، والعليم الحكيم في نهاية القصة. وهذي تحتاج إلى تأمل في دلالتها وارتباطها بهذه القصة.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يبارك لنا ولكم في هذه المجالس، وأن يرزقنا شكر نعمته وحسن العمل بما أنعم علينا، نلتقيكم بإذن الله تعالى في الليالي القادمة، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد