تسجيل الدخول

أنوار الأنبياء 21 | إبراهيم ﷺ 02 | سورة للأنعام

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً، حياكم الله جميعاً، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس أنوار الأنبياء، وهذا المجلس هو المجلس الحادي والعشرون، وهو المجلس الثاني مما يتعلق بإبراهيم عليه السلام، إبراهيم الخليل.

كنا قد بدأنا في سورة الأنعام في اللقاء السابق وأخذنا بداية الآيات المتعلقة بحوار إبراهيم مع قومه: هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. لكن أخذنا الآيتين السابقتين لقول الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا.

استعينوا بالله اليوم، ونبدأ من قول الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. هذه الآيات الثلاث اختلف العلماء هل هي، هل المقام الذي كان فيها هو مقام مناظرة؟ أم مقام نظر، يعني هل هو مقام بحث ونظر واستدلال من إبراهيم عليه السلام لنفسه ليبحث عن ربه عن الدليل الموصل إلى الإيمان، ويكون هذا في بداية أمره قبل النبوة؟ أم أن هذا المقام مقام مناظرة مع قومه، وأنهم كانوا يعبدون الأصنام ويعبدون الكواكب وأراد أن يسقط، أراد أن يسقط قيمة هذه الكواكب من أنفسهم، فقال هذا ربي، يعني يعني لننظر لننظر، ولذلك بعضهم قال همزة الاستفهام الاستنكارية محذوفة: أهذا ربي؟ فلما أفلا قال لا أحب الآفلين، وهكذا تدرج معهم حتى أبطل الهالة التي كانت محيطة بتلك الكواكب بنفوس أولئك المشركين؟ وكما قلت، اختلف العلماء في أي المقامين كان عليهما إبراهيم عليه السلام في تلك الآيات.

وابن كثير رحمه الله تعالى وغيره كثير من المفسرين قبله ابن حزم وكثير من المفسرين رجحوا مقام أنه مقام مناظرة وليس مقامه. وهناك من رجح من الأئمة الكبار أيضاً أنه مقام نظر واستدلال، ولعل في سياق الآيات ما يرجح أن المقام مقام مناظرة وليس مقام نظر. ومما يرجح ذلك ما قبل الآيات وما بعدها، يعني ما قبل هذه الآيات وما بعدها.

فالايات هذه مسبوقة بقول الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. ومختومة: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ. فما بين هذه وهذه، بالاضافة إلى أدلة أخرى من خارج هذا السياق، وهي مثل قول الله سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وقوله عن إبراهيم: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وكذلك: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ. فهذه كلها بمجموعها تدل على أن المقام والله تعالى أعلم مقام مناظرة وليس مقام نظر.

فهذه مقدمة؛ لأن طبيعة الفوائد المستخرجة من الآيات ستكون بناء على ترجيح أنه مقام مناظرة وليس مقام نظر أو مقام استدلال. الآية الأولى، قال الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا، قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ.

التدرج مع الخصم، وهذه الفائدة الأولى، الفائدة الأولى أن الداعية والمصلح قد يحتاج إلى التنازل، مو التنازل، التنزل إلى التنزل في الخطاب، قد يحتاج إلى التنزل في الخطاب مع مخالف حتى يصل إلى النتيجة الصحيحة وإلى إطالة قوله. الهدي في ذلك هو هدي إبراهيم عليه السلام. هدي إبراهيم عليه السلام؛ لأنه لما كان مع قومه كأنه يقول لهم: لننظر هيا، يعني أنتم يقولون هذا ربي، الله، أنني ننظر، لننظر، هذا ربي لننظر، فلما أفلا قال أحب الآفلين، فثم القمر هذا ربي هذا فلما أفلا قال إن لم يهدني ربي، الشمس هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال كذا كذا إلى آخره.

فالفائدة الأولى من هذه الآيات هي أن الداعية والمصلح في مقام المناظرة قد يحتاج أو قد يستدعي المقام أن يتنزل في الخطاب، ويتنزل في الخطاب، يعني يكون في سياق أنه لننظر لنرى، أنت تقول هذا الدليل؟ تمام يلا، أنا ماشي معك، أنا ماشي معك في الدليل، تمام، أنت تستدل بهذي القضية؟ هيا تفضل، أكل، أي نعم، تمام، ثم تنقض عليه دليله. فهذه الفائدة الأولى في هذه الآيات.

الفائدة الثانية في قول إبراهيم عليه السلام: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. هذي فيها لفتة، يعني لفتة لطيفة وفي نفس الوقت عظيمة. لو تذكرون في الدرس السابق تكلمت عن أن إبراهيم الخليل عليه السلام من أظهر المعاني التي يبرزها القرآن فيه معنى العبودية، ولذلك تجد في تفاصيل مشهد الآيات القرآنية المتعلقة بإبراهيم عليه السلام تجد معاني العبودية ظاهرة. معاني العبودية ظاهرة. هنا إبراهيم عليه السلام لما قال عن القمر الكوكب في البداية: فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. لاحظوا قال: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، ولا أحب هذه تدل على المعنى التعبدي لدى إبراهيم عليه السلام، وأن علاقته بما يعبد هي ليست علاقة معرفية مجردة، وإنما هي علاقة فيها علاقة شعور وقلب وإقبال انجذاب الدواعي، ولذلك قال: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، لأنه إذا كان هذا ربي فالعلاقة التي ستكون أو التي سأتعامل بها مع ربي سبحانه وتعالى ليست علاقة اعتراف لساني فقط، وإنما هي علاقة عبودية ومحبة، فهذا لا أحبه، هذا الذي أفل الكوكب لا أحبه. وفي قوله: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ إشارة إلى معنى الحب في العبودية. وهذا كما قلت في إبراهيم عليه السلام كان دائماً يظهر في الآيات القرآنية المتعلقة به.

طيب: فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. نفس الشيء: لَئِن لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ كأنه يقول: إنني أعبد إلهاً من أهم ما يثمره أو ما تثمره عبادتي إياه أنه يهدي، أنه يهدي، وهذا المعنى معنى مركزي ومهم جداً، وهو أن عبادة الله سبحانه وتعالى يبرز في القرآن معنى أن العبادة هي ليست عبادة أنك يعني تعبد الله سبحانه وتعالى ثم لا ينتج من هذه العبادة شيء، لا تنتج ثمرات كثيرة، تنتج ثمرات، من أهم هذه الثمرات الهداية الهداية. ولذلك: قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّ إِلَّا أَن يُهْدَى. هذه الآية مباشرة في المعنى؛ فإنه قال إبراهيم: لَئِن لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. أنا أعبد إلهاً يهديني، أعبد إلهاً يهديني، وهذه الكواكب وهذا القمر الذي أنتم تقولون إنه الإله الآن هو بزغ أو ظهر بازغاً قليلاً ثم أفل، وهذا لا يكون إلهاً، ولذلك لئن لم يهدني الإله الذي أعبده لأكونن من القوم الضالين؛ لأن عبادتي لله هي عبادة فيها الحب، ولذلك لا أحب الآفلين، وعبادة فيها طلب الهداية، طلب الهداية، وأن من أعظم الثمرات التي تورثها هذه العبادة هي الهداية. ولذلك قال: لَئِن لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ.

بعد هذين المقامين جاء مقام انهاء القضية. في الشمس: فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. أنا قلت لكم إن هذا لا يصلح أن يكون إلهاً وهذا لا يصلح أن يكون إلهاً وهذا لا يصلح أن يكون إلهاً، الآن جاء وقت التبرأ منكم ومن آلهتكم بعد أن انتهى المقام. إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ هذا الآن يساوي إيش؟ في كلمة التوحيد يساوي إيش؟ أنني بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ يساوي لا إله، أليس كذلك؟ يعني القسم الأول من شهادة التوحيد لا إله. ثم: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ هذا يساوي إلا الله.

فدائما التوحيد، طبعا إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء، تحقيق التوحيد الذي لأجله خلقت السماوات والأرض لا يكون إلا بهذين الشقين، لا يكون إلا بهذين الشقين. لا يكون تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى بمجرد أن يعبد الله وحده، أن يعبد الله سبحانه وتعالى، لابد أن يعبد الله عبادة يستحضر فيها أنه لا يعبد إلا هو، فإن كان هناك معبود غيره في سياق ما في وسط ما، فلا بد من التبرأ من هذا المعبود، لابد من التبرأ من هذا المعبود، لذلك الشهادة التي تدخل الإنسان في الإسلام هي شهادة تبدأ بالنفي قبل الإثبات ثم يأتي فيها الإثبات، فنحن نقول لا إله، ننفي أولاً، ثم نقول إلا الله.

طيب، عندي سؤال الآن: ما علاقة كلمة التوحيد بإبراهيم عليه السلام؟ ما علاقة شهادة أن لا إله إلا الله بإبراهيم عليه السلام؟ ها، أعطونا الجواب أيها القوم الصالحون. كان حنيفاً؟ طيب، لا، في آية يعني فيها دلالة مباشرة ودلالة مباشرة، ها، الحنيف المائل من الشرك، المائل عن الشرك، تمام، غيره؟ يا سلام يا معاذ، أحسنت، أحسنت يا معاذ.

طيب، اسمعوا معي قول الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. طيب، تأملوا معي جيداً، لاحظوا احنا الآن أخذناها، احنا بدأنا من سورة الأنعام الآن من قول إبراهيم: إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ، وقلنا هذي تساوي لا إله إلا الله. إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ هذه تساوي لا إله، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ إلا الله. تمام، في أوضح منها في سورة الزخرف: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ هذه لا إله، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي هذه إلا الله. تمام، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ جعل هذا المعنى كلمة باقية في عقبه. نحن ومن بعد إبراهيم عليه السلام جعل هذا المعنى كلمة باقية فينا، وهي لا إله إلا الله؛ يعني لا إله إلا الله تساوي إِنِّي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي.

لاحظوا هناك: إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. لذلك من أراد أن يكون على ملة إبراهيم وأن يحقق العبودية لله سبحانه وتعالى، فلا يكفي أن يكون يعني أن يلاحظ معنى الإثبات فقط، بل لابد أن يلاحظ معنى النفي، معنى النفي ومعنى التبرؤ. ولذلك، ولذلك دائماً أقول إن من يستدل بإبراهيم عليه السلام على التقريب بين الحق والباطل فهو متعلق بآخر اسم يمكن أن يتعلق به في هذا التقريب. إبراهيم عليه السلام هو إمام الحنفاء الذي يتبرأ من الشرك دائماً، يتبرأ من الشرك دائماً: إِنِّي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي. وليس فقط يتبرأ، تبرأ من الأفكار المضادة المخالفة للعقيدة الصحيحة، وإنما حتى من الأشخاص الذين يحملون تلك العقائد الضالة التي يعبد فيها غير الله. ولذلك مر معنا في الدرس السابق أنه قال لأبيه وقومه قال لقومه: إِنِّي أَرَاكَ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آصَرَ أَتَتَّخِذُونَ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. مو بس يعني أني أرى أفكاركم، لا، أنت إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.

وكذلك في سورة الممتحنة: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. خلاصة الكلام، الفائدة من قول الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِلَّا الَّذِي، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. الفائدة الأساسية هي أن تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى يجب أن يلاحظ فيه معنى النفي والإثبات.

طيب أنت الآن، أنت الآن لا تعيش في وسط فيه أصنام مثل ما قال إبراهيم: أَتَتَّخِذُونَ أَصْنَامًا آلِهَةً، ربما لا يكون هناك أحجار منصوبة يتقرب الناس، القضية ليست محصورة في أحجار، ثم ليست القضية بالضرورة أن يكون تبرؤك هو تبرؤ من الصور علياً في العبودية لغير الله، لا لا، وإنما يدخل في ذلك معاني مقامات العبودية المختلفة، فأنا أتوكل عليك يا رب ولا أتوكل على غيرك، وأنا أخشاك يا ربي وأخافك خوفاً فيه من العبودية، القنوت لله سبحانه وتعالى ما لا أصرفه لغير الله، وحتى الحب؛ حبي لله سبحانه وتعالى يكون بمعنى وبحال وبمقام لا يكون لغيره. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة في البقرة: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ. فانت في اتباعك لإبراهيم عليه السلام استصضر معنى التبرؤ من قبل أن تستحضر معنى التوجه إلى، فتتبرأ مما يعبد من دون الله ومما، خليني أعطيكم مثال أيضاً يمكن أن يكون حاضراً، أحياناً يكون هناك تأليه لبشر، وهذا التأليه ليس بالضرورة أن يكون تأليه بالسجود والركوع، وإنما أحياناً يكون التأليه باعتبار أن هذا البشر له الصلاحيات في تحليل الحرام وتحريم الحلال وتغيير الحقائق واتباع الناس له في كل مثل هذا الاضلال، وحتى يقوم مقام الحلال والحرام الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، ثم لا يجد الإنسان غضاضة في أن يجمع بين هذا الاتباع وبين عبوديته لله، وهذا فيه تضاد كبير، فلا يتم إلا بالتبرؤ من غير الله سبحانه وتعالى، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ.

ومن المعلوم أن كثير من كثير من العلماء حين يذكرون هذه الآية وتفسيرها، يذكرون المقام أن المقام كان مقام تشريع وتحليل للحرام وتحريم للحلال وتحريف للدين، ثم اتباع أولئك الأحبار والرهبان على هذا التحريف، وهذا فيه شيء من آآ الألوهية. لذلك قل تعالوا آآ قل لأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله آآ خلاصة الكلام أن الإنسان في تحقيقه للعبودية يستحضر معنى النفي كما يستحضر معنى الإثبات، وهذا فيه اقتداء بإبراهيم عليه اه الصلاة والسلام.

طيب، إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. هنا فائدة أنتم أنتم إبراهيم يقول لهم كأنه يقول لهم: أنتم يا قومي تعبدون هذه الكواكب، ولماذا لا تنظرون إلى الصورة الأعلى؟ إلى المشهد برمته؟ إلى إلى بقية التفاصيل؟ لماذا انحصرتم في الأمثلة الجزئية الصغيرة التي أمامكم؟ إذا كنتم إذا كان قد أبهركم شيء من هذه الكواكب، فأنا وجهت وجهي لموكبها، لخالقها، لفاطرها، لمن خلق بقية المشهد، بقية ما ترى، بقية ما ترون، هي القضية ليست في كوكب أو شمس، في كون كامل مهول عجيب دقيق التفاصيل، أنا لا أعبد هذا الكون، إنما أعبد من خلقه ومن فطره، وإلا كيف يكون قد أتى؟ وكيف يكون قد حدث بعد العدم؟ و إلى آخره.

فَإِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فطر السماوات والأرض وهذا المنطق ينبغي أن يستعمل اليوم أيضا مع بعض الجاحدين. فإذا كانت تذهلك صورة فنان يرسم يحاكم بها يحاكي بها اه صورة انسان أو مشهد من المشاهد الخارجية التي اه خلقها الله سبحانه وتعالى، أفلا يكون اندهاشك من خالق الصورة الأصلية أعظم من اندهاشك من ذاك الفنان الذي حاكى مجرد محاكاة؟ تقول: هذا فنان بارع! لماذا؟ والله رسم ذاك الإنسان وكأنه حسنا اه هذه التفاصيل العجيبة التي رسمها ذلك الفنان وحاكاها، ألا يدلك هذا المعنى على أن أن العجب ينبغي أن يكون في اه في من أوجد هذه الصورة الأساسية؟

فهذا الآن أنتم تعبدون ذلك الكوكب، تلك الشمس، ذلك القمر، طيب أنا وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، لم أنحصر في هذه الأمثلة الجزئية التي غرتكم وتوارثتم الضلال والانحراف فيها، إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ حنيفا وما أنا من المشركين، كما قلت للمرة في في الدرس السابق أن معنى الحنيف أو الحنيفية التي هي الميل قصدا وعمدا عن الشرك، هذا المعنى مركزي في قصة إبراهيم وفي الآيات المتعلقة بإبراهيم عليه السلام. وهو مؤكد بالآية التي قبل قليل: إني إني بريء مما تشركون، وبالآية التي في سورة الزخرف: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، وبالآية التي في سورة الممتحنة: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ.

هذا كله يدخل في معنى الحنيف، هذا هو المائل الذي يرى الباطل وأهله والشرك وأهله والظلم وأهله، ويرى اه اه انحياز الناس إليه، ثم يبصر الحقيقة فيتعمد مخالفة هذا الذي كان محيطا به وهذا الذي انحاز الناس إليه، ويتجه إلى تلك الحقيقة التي اه هي في أعظم صورها اه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، هذا الميل هو الذي يحبه الله سبحانه وتعالى.

والإلا إذا كان الجميع متوجها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فإن من السهل على من ينشأ في تلك البيئة أن يكون عابدا لله سبحانه وتعالى، لكن الأعلى مقاما هو من كان يرى الباطل وأهله، ويرى شدة هيمنة هذا الباطل وشدة اه ازدلاف أو انحياز الناس إليه، ثم يتعمد مخالفة هذا الباطل ويتبع الحق الذي استبان له. وهل امتدح أصحاب الكهف إلا لذلك؟ اه تعرفون الكهف فقالوا إلى آخر الآيات التي في سورة الكهف التي تبين معنى آآ استشعارهم لضلال قومهم: هؤلاء قوم اتخذوا من دونه آليهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين، ما في، ولكن نحن لا نستطيع أن نفع شيئا فنميل عن هذا الشرك إلى ذلك الحق، فخلد الله سبحانه وتعالى قصتهم في كتابه العزيز، وَكَانُوا مِمَّنْ اتَّبَعَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

إذاً، حتى لو لم تصل القضية إلى الشرك، حين ترى الفسق والفجور والبدع والانحرافات والضلالات واتباع الهوى مطبق وشاملًا وينحاز الناس إليه دائما، فمل أنت، مل مل، وكن حنيفا وابتعد عن هذا إلى ذاك. ولذلك هذا يقودنا للفائدة التالية وهي ضرورة أهمية أن يكون الحق اه اه أن يبرز الحق حتى يمكن الانحياز إليه. بمعنى أنه أنت حين ترى الباطل والناس والى آخره، طيب أنا اريد أن أميل عنه إلى لابد أن يوجد ما بعد إلى، لابد أن يوجد ما بعد هلاه. ولذلك من اعظم المشاريع التي يمكن أن تكون في الواقع الذي يكون فيه الفساد مستحكما هو ليس محاربة الفساد فقط وإنما الأهم من ذلك هو ايجاد الشيء الصحيح، ايجاد ابراز الحق اه حتى يرى الإنسان الحق والباطل ويستطيع أن ينحاز من الباطل إلى الحق.

ولذلك كما قلت هذا من أهم المشاريع التي ينبغي أن يعمل عليها المصلحون، وهي مشروع ابراز الحق وإاظهار الحق، ففي مقابل مواجهة الفساد وأن إظهار الحق أهم من مجرد اه إبطال الباطل أو اه اه يعني تزيين حالة الفساد. وهذا كما قلت يعني اه يستلهم من معنى آآ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تشركون، إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ وما أنا من المشركين.

اه إن شاء الله في اللقاء القادم نكمل الآيات ونأخذ اه الآية التالية: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وغفر لنا ولكم، وتجاوز عنا وعنكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا وعليكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.