محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيات على نفسك. حياكم الله جميعاً ويا أهلاً وسهلاً ومرحباً، هذا المجلس السابع عشر من مجالس أنوار الأنبياء، ولا نزال في الآيات المتعلقة بموسى عليه السلام وفي سورة الأعراف أيضاً.
طبعا أمس كان عن بعد تجاوز بني إسرائيل مع موسى عليه السلام للبحر، وإيش صار في قضية اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، وادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم، وكان الحديث في تلك المرحلة. اليوم نرجع لسورة الأعراف، وعندنا قول الله سبحانه وتعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ. وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ. وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ.
هذي الآيات عظيمة وفيها عبر كثيرة جداً، سواء في السياق الإيماني، في السياق الإصلاحي، في السياق التربوي. الله سبحانه وتعالى أراد إكرام موسى عليه السلام بأن يكلمه سبحانه وتعالى، ويجعل من ضمن هذا الكلام أن يؤتيه التوراة التي كانت هدى ونوراً ونبراساً وفيها تفصيل كل شيء، لكن مثل هذه اللقاءات أو مثل هذا الموعد العظيم الكبير الشريف كما يقول ابن كثير المعقد الشريف والمحل المنيف، مثل هذا لابد أن يكون له مقدمات، لابد أن يكون له ممهدات.
تعرفون النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه كان يخلو بغار حراء فيتحنث الليالي ذوات العدد ويتفكر، ثم لما جاءه الملك لم ينزل عليه القرآن دفعة واحدة، وكانت المقدمة اخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قال ما أنا بقارئ. وهكذا موسى عليه السلام واعده ربه أربعين ليلة، وكان في هذي الأربعين الليلة موسى عليه السلام يتهيأ للتعبد، ولذلك أشار بعض المفسرين إلى أن الله سبحانه وتعالى قال أربعين ليلة ولم يقل يوماً إشارة إيوا إلى معنى العبادة في الليل، إلى معنى العبادة في الليل على أن استعمال الليل لعد الأيام هو شائع يعني، لكن هذا ابن عاشور لفت إلى هذا المعنى أنه مثل هذا الشريف يحتاج تهيؤ، يحتاج تهيؤ، ولعل مما يشبه هذا أن جعلت ليلة القدر في آخر رمضان، جعلت ليلة القدر في آخر رمضان تتهيأ لها طوال الشهر بالتزكية والعبادة والصلاة حتى تأتي تلك الليلة الشريفة وتتوج تلك العبادة، قل لعل هذا فيه شبه أو شيء قريب من هذا المعنى.
وقال موسى لأخيه، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، ذهب موسى عليه السلام لهذا التفرغ ولهذا الانقطاع ولينال تلك الكرامة العظيمة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى مفردة في سورة النساء، بعد أن ذكر الله الأنبياء قال: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ الله سبحانه وتعالى يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم كما أحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، وآتينا داود زبوراً. ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. هذا يعني إفراد لشرف عظيم ومكانة، ولذلك في نفس الآيات: اصطفيتك على الناس رسالاتي بكلامي.
موسى عليه السلام لما أراد أن يذهب إلى هذا الانقطاع ولهذا الموعد، كان همه إيش من وراءه من المدعوين من الناس الذين هو فيهم المربي وهو فيهم الداعية وهو فيهم المصلح وهو فيهم قبل ذلك وبعده النبي الرسول، كان يحمل هم المدعوين خلفه، فقال لهارون إيش؟ اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين.
وهذا فيه فوائد، الفائدة الأولى: أن المصلح أو الداعية لا ينبغي له إذا أراد أن يتفرغ لبعض الأعمال، لا ينبغي له أن يضيع من وراءه، وإنما ليقم من يخلفه ليتخذ وسيلة بديلة. فهنا مأخوذ من منهج موسى عليه السلام أنه لما أراد أن يذهب إلى ربه سبحانه وتعالى قال لأخيه اخلفني في قومي، خلاص نفيقو، وهذي فائدة منهجية ودعوية مهمة جداً.
الأمر الثاني: أن الداعية وإن كان على علم وإن كان على تأثير كبير، إلا أنه يحتاج أحياناً للتوصيات التفصيلية ممن هو أعلم منه. هارون نبي وموسى عليه السلام أعلم منه وأعلى منه شأناً ومنزلة، فلما ذهب أوصاه وصاية تفصيلية: اخلفني وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين، وهذا يؤخذ منه يعني خلنا نقول التوصيات التفصيلية لمثل هكذا سياقات.
طيب، وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. موسى عليه السلام لما صعد إلى ذلك المقام الشريف وسمع كلام الله سبحانه وتعالى، طمع في أعلى من ذلك رتبة وأشرف من تلك المنزلة، منزلة واسمى من ذلك المقام مقاما، وكأنه يقول يا ربي زدتني شوقاً إليك فهلا أكملت كرامتي وجعلتني أنظر إليك؟
فقال الله سبحانه وتعالى: لَنْ تَرَانِي، لن تراني أي في الدنيا، وأما فقد ثبت في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى يرى في الآخرة، وأن أعظم نعيم يرزقه أهل الجنة هو رؤية الله سبحانه وتعالى، وفيه كما في صحيح مسلم تفسير قول الله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ، زيادة قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين.
هذا الحدث العظيم والامر الهائل الذي حدث يدل على أن الله سبحانه وتعالى على أن شأن الله عظيم، قال إن صفات الله سبحانه وتعالى ذات أن الله ذو الجلال والإكرام، ولذلك في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى قال: حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهذا فيه نفس معنى الآية: فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وشأن الله عظيم، وصفات الله عظيمة، وأسماؤه حسنى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للصحابة: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً.
كلما شهد طيب، فقل كلما استحضر الإنسان حقيقة أن الله هو الحي الخالق الرازق العظيم الذي بكل شيء محيط، كان أكثر خشية وأكثر خشوعاً، ولم ينزل الله سبحانه وتعالى الكتب لنزداد معلومات دينية نظرية، إنما أنزل الله الكتب وبعث الرسل ليخشى الناس ربهم سبحانه وتعالى ويسيروا على طريقهم، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.
أنتم تعلمون أن السيما المقصودة هنا ليست علامة السجود اللي تظهر للبعض في الجبهة، إيه سيماهم في وجوههم من أثر السجود قالوا الخشوع، إذا رأيت الوجه ترى عليه أثر السجود، ترى عليه أثر السجود، ترى أنه وجه يخشى الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد قال هذا في حق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فكيف بوجه النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف بوجهه؟
ولذلك لما رآه عبد الله بن سلام قال عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، هو يهودي كان يهودياً، وجائز يعني يستشف من باطن أعماقه من أعمق أعماقه يستشف هل هذا نبي صادق أم مدع كذاب؟ قبل ما يبحث عن أي شيء قال ما إن رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، خاصة أن الدعوة المدعاة ليست أمراً سهلاً، هي النبوة، هي النبوة، وكما قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين.
طيب، استحضار حضور المعنى الحقائق الكبرى المتعلقة بالله سبحانه وتعالى في القلب هو من أعظم ما يزيد الإنسان خشية، لذلك لو سأل سائل أنه كيف يتفاوت العباد أو المسلمون في منازلهم عند الله سبحانه وتعالى؟ ما الأمر الذي يجعلهم يتفاوتون؟ الجواب: بعض الناس يبحث الجواب في معادلات صعبة وبعيدة، بينما الجواب هو في الأمور الأساسية المتعلقة بالقلب ونظرته أو مدى استحضاره للحقائق الكبرى المتعلقة بالله، استحضار ذلك في العبادة.
لذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم منازل الدين الثلاثة بدأ بالإاسلام ثم الإيمان ثم الإحسان. الإحسان ما هو عرفه النبي صلى الله عليه وسلم؟ إيش قال؟ أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراه فإنه يراك. هذي أعلى منزلة القضية هذي الآن ليست فيها تفاصيل دقيقة، لا هي مدى استحضارك وشهود قلبك لهذه الحقائق العظمى، أنك عبد لخالق السماوات والأرض، وأنك إذا سجدت وضعت جبهتك في الأرض فإنك تسجد له، فاذا قلت يا رب فانت توقن أنه يسمعك، فاذا قلت أعطني فانت توقن أن خزائن الخير بيده وأنه لا ينقص من ملكه شيء لو أعطاه كل الخلق، وأن الجنة حق وأن النار حق. هذه الأمور الأساسية، ما الذي يزيد هذا المعنى في قلبك؟ العلم بالله، كلما ازددت علماً بالله يزيد هذا المعنى في قلبك.
هذا الحدث مما يزيد العلم بالله، فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي. وهذا هذه الجملة من الآية فيها معايير للمفاضلة بين الناس، أنه بما يفضل الناس؟ بما يقدمون؟ القرآن يعيد تأسيس المعايير لدى الناس أنه من أعظم ما ينبغي أن يفاضل به الخلق هو مدى اقترابهم أو امتلاكهم لمصدر الإرشاد الإالهي، ولذلك لما تأتي الدنيا يقول الله لنبيه: لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ، ويقول له: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ.
هنا اصطفيتك على الناس، هذا الاصطفاء بأي شيء؟ بأي شيء؟ برسالاتي وبكلامي، وهذا يؤخذ منه أن من المعايير التي يجب أن تفعيل اليوم هو معيار التقديم والتأخير والتشريف وعدمه فيما يتعلق بالناس، أنه بقدر علم الإنسان بالوحي ومقدار التزامه به يكون تشريفه وتقديمه، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. وفي البخاري أيضاً لما قتل في غزوة أحد، لما قتل شهداء أحد كان هناك قتلى كثير، وكان المكان محدوداً، فكان يدفن الرجل والرجلان في القبر الواحد، فإذا دفن أكثر من رجل في القبر الواحد يقول النبي صلى الله عليه وسلم: قدموا أكثرهم أخذاً للقرآن. حتى في القبر، هذه المعاني في التشريف وهذه المعاني في التقديم يؤسسها القرآن وينبغي أن تفعيل في الواقع: اصطفيتك على الناس رسالاتي وبكلامي.
فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. طب كن من الشاكرين على ايش؟ هم طيب كلنا شاكرين على الاصطفاء، وكن من الشاكرين على ما آتيتك، هو اصطفائيتك برسالتي بكلامي وكن من الشاكرين على ما آتيتك.
طيب الآن حين تقول كن من الشاكرين لله سبحانه وتعالى، كثير من الناس حين تتكلم عن الشكر أول ما يطرأ في أذهانهم أو يأتي في بالهم أن يكون الشكر على النعم، النعم الحسية والمادية، أنه أشكر الله على النعم، فانت يجي ببالك أنه الله صح أنعم علي أنه أعطاني بيت وسكن وأولاد وكذا إلى آخره، فأشكر الله على النعمة. طب هل هذا شكر أم ليس شكراً؟ شكر، ولكن انتبه هناك شكر آخر هو أعظم منه، وهذا الشكر شأنه في القرآن عجيب جداً.
اسمعوا معي هذه الآية، قال الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. إيش المراد؟ لاحظ: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا، هؤلاء المشركون يقولون: أهؤلاء المؤمنون من الله عليهم من بيننا؟ بالله هذول هذول هم اللي الله اصطفاهم ليش مو احنا؟ احنا علية القوم أليس الله بأعلم بالشاكرين؟ أؤدي إلى قالوا، قالوا الذين يدركون نعمة الوحي ونعمة الإيمان فيشكرون الله عليها، يشكرون الله عليها.
لذلك أعظم نعمة تستوجب الشكر هي نعمة الهداية، أعظم نعمة تستوجب الشكر ونعمة الهلال، نعمة الهداية، الهداية أعظم من نعمة الطعام والشراب والأمن والأمان، أعظم نعمة تستوجب الشكر هي نعمة الهداية، وتلك النعم الأخرى هي نعم عظيمة تستحق الشكر، امتن الله بها على عباده فقال: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ، هذي نعمة الإطعام ونعمة الأمان.
لكن نعمة الهداية هي أعظم النعم التي تستوجب الشكر، فإذا من الله إليك بقلب خاشع أو بلسان ذاكر أو بنفس متفكرة في آيات الله، فكن من الشاكرين على هذا الفضل، على هذه النعمة، وهذه وصية الله لموسى: فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين.
على أن هنا معنى مهم مهما جداً، ألا وهو أن القرآن يؤسس تأسيساً واضحاً لمعنى مهم في الشكر، وهو أن الشكر لا يكون باللسان فقط، لا يكون باللسان فقط، وأن من أعظم الشكر الذي يمكن أن يكون هو الشكر بالعمل، الشكر بالعمل. واستحضر في هذا المعنى ثلاث آيات مهمة جداً، الآية الأولى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا، شف لاحظ جعل العمل شكراً، طيب في سورة آل عمران.
فاتقوا الله لعلكم تشكرون، ها شف: فاتقوا الله لعلكم تشكرون. وفي سورة آل عمران أيضاً في موضع آخر معنىً قد لا يكون ظاهراً في هذا، ولكن أعتقد أنه يستحق التأمل، يستحق التأمل جداً.
وتأملوا معي، قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. إيش تفهم من الشاكرين هنا؟ أيوه، ثبات على الحق، ثبات على المبادئ، التمسك، هذا شكر لله، ها. وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ.
ولا الأولى: وسيجزي الله الشاكرين، طيب، ثم قال الله سبحانه وتعالى، ولاحظوا هذا المثال الآن للتو ذكر جزاء الشاكرين، الآن يأتي المثال الذي تستلهم منه معنى الثبات، لانه قال: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ايش؟ انقلبتم على أعقابكم، طيب، بعدها بايتين، انظروا الصورة المعاكسة اللي انقلبتم على أعقابكم واربطوها بالشاكرين، قال سبحانه بعد آيتين: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، وفي قراءة: قتل معه ربيون كثير، وهنا فسرها بعض المفسرين بي: وكأين من نبي قتل هو أم محمد رسول قد خلت من قبل الرسل أفإن مات أو قتل معه ربيون كثير فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعَفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. واربطها بالشاكرين، وقد تستلهم من هذا معنى الشكر بالثبات.
طيب، إذاً فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، إذا أنعم الله عليك بنعم إيمانية، وخاصة إذا كانت من نعمة العلم بالوحي، العلم بكتاب الله وبسنة رسول الله والعمل بها، فهذه أعظم النعم فكن من الشاكرين. طيب، من هذه الآية هل يمكن أيضاً أن نستلهم معنى من معاني الشكر؟ سلام، فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قد يفهم منه أن الأخذ بناءً بالعلم الذي أنزله الله هو من جملة الشكر له، لذلك الآية التالية: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ.
طيب، إذاً هذه فائدة في قضية الشكر وأعتقد أنها من الموضوعات المهمة التي ينبغي التركيز عليها، وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ايش وايش؟ موعظة وتفصيلاً لكل شيء، التفصيل هنا أكثر ما ينصرف لي ايش؟ بالأحكام، والموعظة لايش؟ ما يحرك الإنسان للعمل الصالح من التذكير بالله وبالجنة والنار وما إلى ذلك، جيد.
طيب، وهذان المعنيان ينبغي أن يلاحظ ويراعي ويبحث عنهما ويسعى لنشرهما فيما يتعلق بالقرآن، لا يصلح أن يكون القرآن إما موعظةً فقط وإما تفصيلاً فقط، وإنما ينبغي أن يكون هناك شمولية في التعامل مع القرآن في قسم الموعظة وفي قسم التفصيل والأحكام، وهذا كله من الأخذ بكتاب الله سبحانه وتعالى، فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ، خذها بقوة هذا ورد في كتاب الله مراراً صحيح؟ وين يا يحيى؟ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ. وهو أيضاً في سورة البقرة: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ بقوة. وهنا ايش؟ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ.
طيب، هذا التكرار: خذها بقوة، خذوا ما آتيناكم بقوة، يا يحيى خذ الكتاب بقوة، هذه الأوامر في الأخذ، أخذ الكتاب بقوة هي من أعظم الوصايا التي نحتاجها اليوم فيما يتعلق بالجيل الشباب تربيتهم، من يتمسك بدين الله سبحانه وتعالى لا تأخذ القضية بميوعة، لا تأخذ القضية، خذها بجدية، بالتزام، بشرف، بإدراك لأهميتها، التزم لا تأخذها برخاوة وتهاون، مرة تلتزم ومرة تترك، ومرة هؤلاء المتراخون، هؤلاء المتراخون لا ينصرهم الله سبحانه وتعالى آآ أو على الأقل لا لا يجعلهم محل الأمل والإصلاح ويحبهم ويحبونه، لما قال: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. ذكر فيهم صفات الأخذ بقوة.
إيش أول صفة؟ أذلة على المؤمنين، ثم أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، لا يخافون لومة لائم. ولما وصف الله أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم قال ايش؟ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، خذ الكتاب بقوة.
ولذلك الخطاب للشباب جميعاً، خذوا الكتاب بقوة، خذوا الدين بجدية، وهذا لا يعني الغلو ولا يعني مجاوزة الحد ولا يعني أن آآ يعني تتجاوز ما جاء به ما جاء به الإسلام، خذ بقوة يعني بما جاء به بتمسك وجدية وعدم تهاون تراخٍ، وبهذا يصلح الحال: فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ.
هذه الآية فيها معنى مهم في كتاب الله سبحانه وتعالى، ألا وهو أن الإيمان بالحقائق أو الكفر بها لا يكون دائماً قراراً ذاتياً على أنه في كل الأحوال تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، لكن القرآن يقرر على أن من الثواب ما يكون ما يأتي بصورة هداية، ومن العقاب ما يأتي إضلال، سأصرف عن آيَاتِي، ها الله يقول: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي أي عن فهم آياتي وتدبر آياتي والأخذ بها والعمل بها، سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
هذا يذكرك بقول الله: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِ ها كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ كل متكبر جبار، آآ لذلك من أراد أن يكون مستفيداً من آيات الله متفكراً فيها، فاهماً لمعانيها، آخذاً بحقائقها فليخلع عنه رداء الكبر، يخلع عنه رداء الكبر. فمن كان متكبراً وخاصة الذين يتطاولون على الخلق ويرفضون السماع للناس ويستعلون، ويرى أحدهم نفسه وكأنه قمة جبل منيف لا تطاول،ها؟
الله ايش يقول سبحانه وتعالى؟ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا. ويقول: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا. لذلك المتكبرون مصروفون عن آيات الله، مصروفون عن آيات الله، والإيمان ليس قراراً يأتي بضغطة زر أيوا أنا قررت أنه نعم الإنسان مكلف ومختار، ولكن هناك من الموانع ما يجعلها الله في قلب الإنسان فلا يستطيع الإيمان.
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً، سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
في المقابل انظر إلى أولئك الذين يتلبسون ببعض الصفات الحسنة فيكون ثوابهم أن يهديهم الله إليه، يقول سبحانه وتعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ. وفي سورة الشورى: اللَّهَ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ. ولذلك: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنْ تُطِيعوهُ تَهْتَدُوا وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ.
إذاً وأيضاً: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا ايش زادهم هدىً، بينما أولئك فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم، ها آآ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وأنت تظن أن قلبك أنك أملك أملك شيء تملكه هو قلبك، الله يقول لك: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ. لذلك ما ما المطلوب؟ المطلوب هو أن يجتنب الإنسان الصفات التي تحول بينه وبين الهداية والتوفيق، وعلى رأسها وفي قمتها ايش؟ كبر الكبر.
وبعكس ذلك ينبغي على الإنسان أن يتمسك بالصفات والخلال التي تقوده إلى الهدى والانتفاع والفتح، ومن أهمها ايش؟ الإنابة والخشية والتواضع وما إلى ذلك. آآ ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولنا لقاءات أخرى بإذن الله وتوفيقه. جزاك الله خيراً. آمين.
الشيخ أحمد السيد