تسجيل الدخول

أنوار الأنبياء 03 | يحيى ﷺ | سورة مريم

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا أهلا وسهلا ومرحبا، حياكم الله في اللقاء الثالث، في المجلس الثالث من مجالس أنوار الأنبياء، وللتذكير: هذه اللقاءات نتدارس فيها آيات متعلقة بالأنبياء، والتركيز فيها سيكون على عبودية الأنبياء؛ العبودية اللازمة الذاتية والعبودية المتعدية، كما سبق بيانه مراراً.

لا زلنا فيما يتعلق بزكريا عليه السلام. كنا قد أخذنا في اللقاء الأول الآيتين؛ الأولى والثانية أو الثانية والثالثة، ثم بعد ذلك أمس أخذنا تتمة دعاء زكريا. اليوم عندنا إجابة الدعاء. قال الله سبحانه وتعالى بعد أن قال زكريا: فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا.

إيش باقي من أمور متعلقة بهذا الغلام والتبشير به؟ إيش باقي أيضاً أمور ذكرت مع البشرى بيحيى؟ إيش فيه؟ ها، القرآن يفسر بعضه بعضاً. نذهب إلى سورة آل عمران نجد أن الله قد ذكر هذه البشرى بتفصيل لم يذكر في سورة مريم، فقال: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ.

الفائدة الأولى من هذه الآية هي أن عطاء الله سبحانه وتعالى وكرمه لا حصر له، وأنه يعطي الإنسان فوق ما يتمنى إذا كان قد أحسن في الدعاء وفي الطلب وكان طلبه موافقاً لرضى الله سبحانه وتعالى. فزكريا قال: فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. هذا الذي دعا به، فحين جاءته البشرى، جاءته البشرى مفصلة كتفصيل دعائه وزيادة، فقال: اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا، مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ. وتقرأ آيات قليلة: يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا، وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا. وهنا تفهم ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا.

فزكريا كان قد دعا ذاك الدعاء بهذا التفصيل، والله سبحانه وتعالى أعطاه إياه وفوق ما يظن وفوق ما ينتظر وفوق ما يأمل، لذلك قال من قال من المتقدمين: لم أكن أحمل هم الإجابة، وإنما كنت أحمل هم الدعاء. ولذلك إذا فتح الله عليك في الدعاء فأبشر، إذا فتح الله عليك في الدعاء فأبشر. هو هذا، يعني كيف تعرف أن الله فتح عليك في الدعاء؟ أحياناً تجد أنه يجري على لسانك من الثناء على الله وتمجيده وحسن الاعتراف بالفقر والاحتياج وإلى آخره، وتجد في قلبك انكساراً وذلاً وإحسان ظن بالله سبحانه وتعالى؛ كل هذه إذا اجتمعت فاعرف فاعلم أنه قد فتح عليك في الدعاء، ثم انتظر رحمة الله سبحانه وتعالى ولا تستعجل. لا تستعجل.

طيب، إذاً هذه الفائدة الأولى وهي في كرم العطاء الإلهي وسعة العطاء الإلهي: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا. الفائدة الثانية هي أن الأسماء في الإسلام لها قيمة عند الله، لها قيمة. يعني الأسماء ليست مجرد، خلنا نقول، شيء يميز هوية الإنسان، لا، وإنما الأسماء لها اعتبار في الشريعة، ولذلك الله بنفسه هو الذي سمى يحيى، وقال له: لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا. النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على قضية الأسماء، وأحياناً كان يغير أسماء بعض الصحابة، أحياناً كان يغير أسماء بعض؛ من هذا يعلم، يؤخذ من هذه الآية ومن غيرها أهمية العناية بالأسماء، أهمية العناية بالأسماء. فالأب حين يسمي ابنه والبنت، والأم أو الأب حين يسمي ابنته، والأم تسمي ابنها أو ابنتها؛ يراعون قضية التسمية وقيمتها.

طيب، قال: رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. الآن زكريا عليه السلام حين دعا كان يعلم أن امرأته عاقر، وهو قد اعترف وقال: وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا، وقبل ذلك اعترف بضعفه، فقال: وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا. حين جاءت البشرى قال: أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. هنا يوجد معنى دقيق جداً وهو معنى أنه أحياناً ما يستشعره الإنسان أثناء الدعاء غير ما يستشعره وقت الإجابة أو وقت البشرى. وقت الاضطرار وقت الافتقار ربما تغيب عنك بعض الحسابات وبعض القياسات، فأنت تدعو وفي عينك وأمامك الطلب الذي تريده، وأنت تعرف أنه صعب، لكن لشدة احتياجك له لا تستحضر إلا هذا الطلب. فإذا غاب هذا الاستحضار وزالت الشدة وجاءت البشرى وفوجئت بأن ما طلبته قد جاء، فأحياناً تقول: كيف؟ كيف يمكن أن يكون هذا؟ كيف يمكن أن يكون هذا؟

وبلا شك أن زكريا لم يكن يشك في قدرة الله تعالى، هو نبي، ثم لو كان يشك في قدرة الله لما دعا ذلك الدعاء، ولكن هذه حالة في النفس البشرية، ما أدري إيش ممكن تسمى، هي الاندهاش بالعطاء، حالة عدم تحمل عظم البشرى، بحيث أن الإنسان مباشرة يقول: كيف؟ كيف يمكن أن يكون هذا؟ كيف يمكن أن يكون هذا؟ والفائدة من هنا هي أن مثل هذا الموقف لو تعرض له الإنسان لا يعد نقصاً ولا يعد شكاً في قدرة الله، وإنما هو حال شعورية عادية بشرية حصلت للأنبياء، حصلت للأنبياء.

والعجيب أن زكريا عليه السلام أكد هذا المعنى حتى بعد أن قال الله له: أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قال: كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا. أيضاً زكريا لغرابة هذه الإجابة ولغرابة هذا التحقيق للطلب، أن يأتيه الولد في هذا السن وهو بتلك الحال وامرأته عاقر، طلب أيضاً مزيداً من اليقين، مزيداً من اليقين، وهذا كله ليس في دائرة الشك، وإنما في دائرة الارتياح، طلب أن يطمئن قلبي. قال: رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً. أي آية أعلم بها أنها إذا حصلت فقد تحققت البشرى وحصل الحمل.

قال الله سبحانه وتعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا. هذي معناها أنك أنت إذا وجدت نفسك لا تستطيع الحديث مع الناس وأنت سوي، لم يأتك مرض وليس فيك شيء، أنت سوي، لكن إذا أردت أن تذكر الله يتحرك لسانك، إذا أردت أن تكلم الناس لا يتحرك لسانك، فاعلم أنها آية تحقق البشرى. قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم، أي أشار إليهم، أعطاهم، ذكر لهم: سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا، بالرمز والإشارة. أن سبحوا بكرة وعشية.

طيب نرجع شوية، قال: رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قال: كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا. طيب في فائدة في هذه الآية وهي دقيقة نوعاً ما: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا. هذا الدليل في القرآن يستعمل عادة في أي سياق؟ في سياق، أيوه، في سياق إثبات البعث، أليس كذلك؟ وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، هذا في نفس سورة مريم، أولاً يذكر الإنسان أن هؤلاء خلقناه من نطفة، خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا. تمام؟ وهنا في زكريا إيش قال؟ قال: كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا. نفس الآية صح؟ هناك استعملت في إيش؟ في إثبات البعث، وهو الدليل القرآني المعتمد والمكرر في إثبات قدرة الله على إعادة خلق الإنسان وإحيائه مرة أخرى، أليس كذلك؟

فهذا الدليل في الأساس أو في الاستعمال، أكثر ما يستعمل في خطاب الكفار في القرآن، في خطاب الكفار جيد، من ناحية الاحتجاج. طيب هو في ذاته يعتبر من أدلة الأصول الكبرى للإسلام، أليس كذلك؟ اللي هي في البعث. طيب إيش الفائدة من هذا كله؟ الفائدة من هذا كله أن الإنسان مهما بلغ من مقامات العبودية ومن مقامات العلم، تظل الأدلة الأساسية المرتبطة بإثبات أصول الإسلام الكبرى محل احتياج بالنسبة إليه. اتضحت الفائدة؟ بمعنى أن الأدلة الأساسية التي تعرف بها عظمة الله وكماله ووحدانيته، والتي يعرف بها البعث، والتي تعرف بها أدلة النبوة؛ هذه الأدلة احتياجك إليها ليس في مرحلة من مراحل إيمانك ثم تغلق الباب وتنتهي. نعم، أنت تغلق الباب من أي ناحية؟ أيوه، من ناحية أنك لن تشك، انتهينا، أنت مسلم آمنت بالله وعندك اليقين وعندك الأدلة، انتهينا. لكن لمن نقول انتهينا؟ انتهينا يعني أنا لن أصدق شخصاً لو قال لي لا يوجد بعث. لكن احتياجك لهذه الأدلة لا يزال ماساً، فإن هذه الأدلة الأساسية المؤسسة لأصول العقائد الإسلامية هي من أعظم ما يزيد الإيمان واليقين أصلاً، ولذلك إياك أن تقول أنا لي عشرين سنة ولا خمس عشرة سنة في الإيمان والإسلام والعلم وما إلى ذلك، إذاً أنا لا أحتاج إلى التفكر مثلاً لأن عندي يقين، لا، هذا الدليل الذي خوطب به زكريا هو نفس الدليل الذي يخاطب به غير المؤمن في إثبات البعث، وهو لغير المؤمن في إثبات أصل البعث، ولزكريا عليه السلام إثبات الدرجات العالية من الأمور المرتبطة بالقدرة الإلهية، وليست حتى للإثبات وإنما للطمأنة.

وهذا نظير ما حصل لإبراهيم عليه السلام، قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ. الآن بعد بلى انتهى، أمسك، انتهى، قال: بلى، انتهى، يعني أنا مؤمن، أنا مؤمن، ولكن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، ليزداد يقيني جيد؟ ولذلك، ولذلك مقامات اليقين ثلاثة، مقامات اليقين وليس الشك أو اليقين، ثلاثة. إيش أدناها؟ إيش، علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين. وذلك كما يقول العلماء ويضربون له مثلاً كمن يخبرك ممن يقطع بصدقه أن لديه عسلاً، جيد، فأنت توقن بأن لديه عسلاً، خاصة لو كان خبره فيه قرائن إلى آخره، فأنت الآن عندك يقين أن هذا عنده عسل، فإذا أتى لك به ورأيته بعينك انتقلت إلى درجة إيش؟ عين اليقين، فإذا ذقته وأكلته انتقلت إلى درجة حق اليقين.

وهذا كذلك بالنسبة لك أيها المؤمن في إيمانك بالله واليوم الآخر والجنة، الجنة الآن، خاصة الجنة، إذا أنت الآن مؤمن بها بدرجة إيش؟ علم اليقين، أنت موقن يقيناً أن هناك دار آخرة وأن فيها الجنة والنار، علم يقين، فإذا بعثنا ورأينا الجنة والنار وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، وإذا الجحيم تأتي، النار إذ تجرها الملائكة، إذا رأيناها سيكون إيش؟ عين يقين، فإذا دخل المؤمن الجنة وشم هواءها ونسيمها وتربتها وشرب من مائها يكون إيش؟ حق اليقين. طيب، إذا كنت في حق اليقين فنظرت إلى علم اليقين وأنت في درجة حق اليقين، قد تسمي تجوزاً وبالنسبة لك قد تسمي درجة علم اليقين شكاً، ليس لأنها عدم يقين، ولكن بالنسبة إلى حق اليقين، وهذا هو تفسير قول الله، قول النبي صلى الله عليه وسلم: نحن أولى بالشك من إبراهيم، فإن الشك الإبراهيمي ليس شكاً، وإنما هو علم يقين في مقابل حق يقين، واضح، وهذا ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، هذه الدرجات مهمة جداً.

الشاهد أن زكريا هنا أن طلب زكريا هو من هذا الباب، ومن هذا الباب، من باب لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وليس من باب أنه يشك، كيف وهو الذي دعا ودعا وقال: وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. طيب الفائدة المركزية أين؟ الفائدة المركزية في آية: قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا. الفائدة هي أن الأدلة الأساسية التي تؤسس لأصول الإسلام وقضاياه وعقائده الكبرى لست مستغنياً عنها لأنك قد أسلمت وآمنت وأيقنت، فأنت تظل محتاجاً إليها لا لإعادة الإسلام ولا لتشك ولا لشيء، وإنما لتظل متجدد اليقين. وذلك كمن ينظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقف على الدلائل الدالة على صدقه فيقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وهو يصلي عليه كل يوم ويؤمن أنه رسول الله، ولكن يتجدد له من الأدلة والمعرفة ما يزيد يقينه وإيمانه أن النبي رسول من عند الله صلى الله عليه وسلم.

طيب، قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشية. من العلماء من قال: أن سبحوا بكرة وعشية، أنه هي نعمة عليكم جميعاً، وجود يحيى ليس نعمة لزكريا وإنما هي نعمة عليكم جميعاً، نبي سيأتي فقابلوا ذلك بالتسبيح بكرة وعشية. ثم قال الله سبحانه وتعالى: يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. هذي الآية عظيمة جداً وهي من الآيات التي تكرر ذكرها في القرآن لكن ليست مقرونة بيحيى، أين جاءت؟ ها؟ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ. طيب يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ. تذكرون أمس لما تكلمنا عن حمل زكريا لهم الإسلام وهم المستقبل؟ كانت الفائدة أنه طلب، طلب يحيى، طلب ولياً يرثه ويرث من آل يعقوب، فكانت الفائدة هي إيش.

كانت الفائدة هي أن من أعظم الأمور التي تعين على حمل هم الإسلام في المستقبل هي صناعة الحملة له، والذين كانت صورته في تلك الحالة وجود نبي، تمام؟ طيب، طيب دعونا نكمل الصورة هنا. نحن إذا قلنا حمل هم الإسلام يحتاج إلى حملة، كما أن زكريا دعا بأن يأتي من يحمل هذا الإسلام أو يحمل هذا الهم. طيب، ما الذي يحتاجه الحملة من صفات حتى يحملوا هم الإسلام أو حتى يحملوا العبء؟ يا سلام! خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ. فإذا كان زكريا قد حمل هم الدين بعده، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، وراثة النبوة ويقوم بشأن هذا الدين، فإن السبيل الطريق الذي تصنع به أولئك الحملة هو خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ، خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ.

ولذلك من أراد أن يكتفي بطريق الأنبياء في هذا المعنى فليربِّ الحملة على أن يأخذوا الكتاب بقوة، وأخذ الكتاب بقوة هو أخذ الدين بجد وحزم، وتعلم الكتاب وتعلم القرآن وتعلم السنة وبذل الأوقات في ذلك، وعدم تضييع الأعمار وعدم اعتبار القضية حالة رخاء وترف، وأنه يعني جزء من الوقت تعطيه، لا؛ وإنما خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ، مثل ما قال الله: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ. وهذه أخذ الكتاب بقوة ونحن هنا تكلمنا عنه؛ فنحن نتكلم عن الوحي عن كتاب الله وعن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤخذ ما فيهما بقوة في صناعة الحملة حتى يمكن حمل الأعباء والتكاليف.

إذا: يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً، وهي رحمة كانت له. وهنا يوجد فائدة لطيفة ذكرها محمد رؤوف أبو سعدة في كتابه إعجاز القرآن في أعجمي القرآن، وإن كان هو يرجح، يعني ذكر تفصيلاً طويلاً في اسم يحيى. أنا لا أريد أن أذكر منهجية الكتاب الذي ذكرته قبل ذلك والكلام فيه يطول جداً، لكن خلاصة فكرتي هو أن الأعلام الأعجمي في القرآن يذكر في سياق الآيات إشارة إلى أصل معناها في لغتها بدون أن يتغير المعنى. هنا في يحيى الذي هو مسمى في الكتب يوحنا، أنه أصل معناها هو كأن أصل معناها في لغتهم حنان الرب أو نحو ذلك، فيقول لك القرآن أشار إلى هذا المعنى في أصل الكلمة، فقال: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا، وهو النظرية هذه طبقها على الأعلام الأعجمي في القرآن كثيراً، إسحاق وزكريا؛ يعني كثير جداً من الأسماء القرآنية، وله نظرية متكاملة في الموضوع، من أراد أن ينبهر فليقرأ الكتاب وهو إعجاز القرآن في أعجمي القرآن كتاب من مجلدين.

طيب، وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا. بقي أن أقول في قضية البشرى أن الله سبحانه وتعالى ليس فقط بشر زكريا، ليس فقط بوجود ولي منه يرث النبوة، وإنما بشره بوجود ولي آخر أيضاً يرث أمر النبوة، هو من كان في ذاك الوقت أيضاً كان نبياً؟ عيسى. طيب وين بُشر أين زكريا بعيسى؟ جاءت إجابة صحيحة في الزوم بس خلينا نشوف في اليوتيوب هم من يقولها صح، في آل عمران صح أحسنتم، أَن يُبَشِّرَكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ. ها سيكون مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ، طبعاً من التفاسير المشهورة فيها أنه مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ الذي هو بعيسى عليه السلام؛ فجاءت البشرى مضاعفة بأنه هناك ولي يرثك ويرث من آل يعقوب، وهذا الولي سيكون مُصَدِّقًا أيضاً بكلمة من الله، بشخص آخر أيضاً يكون حاملاً لهذا الذي حملت همه. أكتفي بهذا القدر وجزاكم الله خيراً، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم القبول، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإياكم على حسن العبادة في هذا الشهر الكريم، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يلهمنا حسن الدعاء، وأن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يتجاوز عن سيئاتنا ويعفو عنا ويغفر لنا. لنا لقاء غداً بإذن الله، وصلي اللهم على نبينا محمد والسلام عليكم.