على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، مبارك علينا وعليكم شهر رمضان الكريم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم فيه من الفائزين.
هذا اللقاء الأول والمجلس الأول من مجالس أنوار الأنبياء، وهي مجالس قرآنية يتدبر فيها آيات متعلقة بالأنبياء، وهذه الآيات المتعلقة بالأنبياء ليس المراد منها مجرد الوقوف مع قصة النبي وأحداث تلك القصة، وإنما كل ما يتعلق بالأنبياء. ومن أهم ما سأحاول العناية به في هذه المجالس فيما يتعلق بالأنبياء هو عبودية الأنبياء، عبودية الأنبياء بإذن الله تعالى؛ لأن الأنبياء هم خلاصة الخلق وهم أعرف الناس بالله وهم الأنموذج العملي الذي أراد الله أن يكون أنموذجاً عملياً يقتدى به، وأهم ما يمكن أن يقتدوا به فيه هو تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى؛ سواء أكانت صورة تحقيق العبودية بمعناها اللازم الذي هو الذاتي المتعلق بالعبودية الخاصة، أو بمعناها المتعدي؛ لأن من العبوديات ما هو لازم متعلق بسجود الإنسان ودعائه وصلاته، ومن العبوديات ما هو متعدٍ متعلق بإصلاح الخلق ودعوتهم وهدايتهم، والأنبياء حققوا العبودية في هذين الأمرين وهذين المجالين. والله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ذكر عبودية الأنبياء في هذين المجالين، وفي أثناء ذكر الله سبحانه وتعالى لقصص الأنبياء ومواقفهم وعبودياتهم في هذين المقامين، قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. هنا بهداهم هذه هي أنوار الأنبياء، هذه التي نحاول بهذه السلسلة الوقوف معها. أحياناً لا نستحضر أننا نقرأ في كل ركعة آية متعلقة بالأنبياء وهي في سورة الفاتحة، قال الله سبحانه وتعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. أنت حين تقرأ في الفاتحة صراط الذين أنعمت عليهم، من هؤلاء الذين أنعم الله عليهم لأنك أنت تقول اهدني صراطهم؟ تأتي آية سورة النساء لتجد فيها قول الله سبحانه وتعالى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. فأول جنس أنعم الله عليهم هم الأنبياء. لا تنسَ غير أنك تصلي على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم في كل صلاة، فأنت أيضاً تذكر إبراهيم عليه السلام في الصلاة الإبراهيمية: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم. فالأنبياء معك بشكل مجمل في سورة الفاتحة، ومعك بتسمية محمد عليه الصلاة والسلام في التشهد، ومعك أيضاً بتسمية إبراهيم عليه السلام في التشهد، غير الآيات القرآنية التي فيها تصريح بالأنبياء ويمكن أن تقرأها في الصلاة.
لذلك سلسلة أنوار الأنبياء الهدف الأساسي منها هو أن نتعلم عبودية الأنبياء ونقف مع الآيات القرآنية التي تحدث الله فيها عن أنبيائه، وفي ثنايا ذلك طبعاً الوقوف مع القصص والأحداث والعبر المتعلقة بآيات الأنبياء، لكن الجانب الأبرز الذي نحاول نقف معه إن شاء الله هو جانب العبودية؛ هو الدعاء كنموذج على العبودية الذاتية أو اللازمة، أو الإصلاح كنموذج على العبودية المتعدية. سنبدأ بسورة مريم إن شاء الله، ولا أدري كم ستأخذ معنا، سورة مريم فيها قصة زكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم، وفيها ذكر لموسى وإسماعيل وإدريس، ثم آية جامعة في الأنبياء، اللي هي: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ، إلى آخر الآية. فالوقوف في سورة مريم إن شاء الله سيكون مع قصة زكريا، مع الآيات المتعلقة بزكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم، وربما سريعاً مع إسماعيل عليه السلام، أما فيما يتعلق بموسى فهذا في السورة التالية التي سنقف معها وهي سورة طه، وسورة طه أغلبها أو جلها في قصة موسى عليه السلام، لذلك إذا انتهينا من مريم إن شاء الله سنبدأ بسورة طه، وإذا أسعف الوقت في مجالس رمضان التي نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكرمنا بأن تكون هذه المجالس يومية، فإذا أكرمنا الله سبحانه وتعالى وتيسر وأنهينا سورة مريم وطه، فالسورة الثالثة ستكون سورة الأنبياء بإذن الله تعالى، ونسأل الله سبحانه وتعالى العون والتوفيق والسداد.
طيب، سورة مريم هذه السورة لها سمة وفيها شعار، ومن حسن من أراد أن يتدبر القرآن أن ينظر نظرة عامة للسورة قبل أن يتدبر في الآيات آية آية، والحمد لله هذه الطريقة نمشي عليها من فترة في سلسلة مقاصد السور موجودة في اليوتيوب، ما أدري ربما قاربنا على عشرين سورة أو خمس عشرة سورة، فإدراك مقاصد السور العامة هذا مهم جداً. أنا لن أقف اليوم مع مقاصد سورة مريم، سيطول الحديث ويحتاج حلقة كاملة، لكن أقول فقط بعض السمات يحتاج الإنسان ينتبه إليها في سورة مريم. سورة مريم فيها معنى الرحمة مهيمن، وألفاظ الرحمة وما يتعلق بالرحمة ويتصل بها من مشاعر، والعجيب أنه حتى الآيات التي فيها عذاب يأتي معها لفظ الرحمن: إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ، وقالوا اتخذ الرحمن ولداً، لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، إلى آخر الآيات. فتكرر اسم الرحمن في سورة مريم كثيراً، أظن ستة عشر مرة، هذا غير ذكر الرحمة فيه. وأصلاً ما إن تستفتح السورة حتى تفجعك كلمة الرحمة: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. هذه التي جاء فيها تصريح بالرحمة، لكن هناك آيات كثيرة في السورة تجد فيها إشارة لقضية فيها العطف والحنان، المعنى الشعوري هذا. ولذلك حتى خطاب إبراهيم عليه السلام في السورة لأبيه الآيات ذكرت بطريقة غير التي في سورة الأنعام، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً، هذه في سورة الأنعام، أما في سورة مريم: يَا أَبَتِ، وبعدين: إِنِّي أَخَافُ. واضح القضية الشعورية في سورة مريم، واضحة: يَا أَبَتِ، يَا أَبَتِ، يَا أَبَتِ، فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ، وحتى بعد أن قال واهجرني قال: سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي. لما ذكر يحيى قال: وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً، وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وسيأتي إن شاء الله وقت التفصيل فيها. وما تقرأ آية تالية حتى يذكر علاقة يحيى بوالديه وفيها هذا المعنى: وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. ويذكر قصة مريم وكلها عاطفة شعور حتى أنك تكاد تلجأ وتتكئ معها على الجذع حين تقرأ الآيات: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ، وَتَقُولُ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا، ثم يأتي ذكر عيسى عليه السلام وهو يقول والله يقول فيه: وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا.
ثم تقرأ في ختام السورة ستجد أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً، هي بدأت: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وانتهت بود، وفي ثناياها الرحمن، وفيها حنان، ولم يجعلني جباراً، ولم يكن جباراً، ويا أبت ويا أبت ويا أبت. حتى الدعاء الذي توسل به زكريا فيه الضعف: وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا. فهذه السورة حين تقرأها تلاحظ هذا المعنى. ملاحظة أخرى ذكرت ربما في مقام آخر وهو أنه هذه السورة في وزن الآيات مراعى فيها، المعنى يتغير مع تغير الموضوع بسياق القصص خاصة في بدايتها تجد أنها تنتهي بياء: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، واذكر في الكتاب يحيى، يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، واذكر في الكتاب مريم، إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. كلها بنفس الوزن ونهاية الآية، حتى جاء التعقيب الإلهي في تقرير العقيدة المتعلقة بعيسى فتغيرت طريقة الآيات: ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. مباشرة انتهى التعقيب، أتت قصة إبراهيم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا، رجع السياق كما كان، حتى في الآيات الأخيرة أيضاً فيها تغير: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا. هذا سياق أيضاً له تقريره الخاص. هناك معانٍ كثيرة في سورة مريم كما قلت، الوقفة ليست مع المعاني الإجمالية، سنبدأ مباشرة بإذن الله تعالى في قصة زكريا، قال الله سبحانه وتعالى: كَهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. طبعاً الأحرف المقطعة في بداية السور فيها حديث طويل ليس هذا مقامه، وتعلمون الحديث فيه وما هو معروف موجود في كل كتب التفاسير. ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، ذكر رحمة ربك أي هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا، بمبتدأ محذوف اللي هو هذا، هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا.
الله سبحانه وتعالى سيذكر لنا رحمة منه نزلت بعبد من عباده اسمه زكريا وهو نبي من أنبيائه، ووصف الله لأنبيائه بوصف العبودية هو من المعاني المكررة المذكورة كثيراً في كتاب الله، وفي هذا إفادة لأتباع الأنبياء بأن من أعظم مقامات الشرف مقام العبودية، بل أحياناً في المقامات العالية للأنبياء يأتي معها لفظ العبودية، لذلك من أعلى المقامات أو أعلى مقام صعده النبي صلى الله عليه وسلم على المستوى الحسي كان مقام الإسراء والمعراج وفيه قال سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ، هذا في الإسراء، وفي المعراج: فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ، وهنا زكريا: عَبْدَهُ، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. وفي مقام تعلم موسى من الخضر قال: فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا. شف المقام أنه موسى عليه السلام أتى يتعلم من شخص، أول وصف من عبادنا. ويوم أيوب: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ، في داوود: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ، واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ، إلى آخره. فذكر رحمة ربك عبده، أول معنى يجب أن تفطن إليه وأنت تنظر إلى الأنبياء أن من أعظم مقاماتهم التي يبرزها الله لك كواحد من أولئك الأنبياء هو مقام العبودية، وهذا المقام الذي يبرزه الله في حق أنبيائه احتج الله به على المشركين الذين يعبدون بعضهم، يعبد الأنبياء، أو على الأمم التي منها من يعبد الأنبياء ومنها من يعبد الملائكة، وهذا أين؟ في سورة الإسراء، احتج الله عليهم أن أولئك الذين تدعونهم من دوني إنما هم عباد لي، يحققون معاني العبودية الخاصة، فقال سبحانه وتعالى: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ. فذكر رحمة ربك عبده زكريا، أول معنى يعني يعرف به زكريا عليه السلام هو أنه عبد لله سبحانه وتعالى.
طيب، ذكر رحمة ربك عبده زكريا، المعنى الثاني هو أنك تخرج من هذه الآية بدرس مفاده أن الأنبياء يحتاجون إلى رحمة الله، فأنت إلى رحمة الله منهم أحوج؛ لأنه ذكر الله سبحانه وتعالى أنه رحم عبده زكريا، وهذا يعطيك معنى الاحتياج الذي عند الأنبياء، أنه هو يحتاج لرحمة الله، فأنت هنا تستفيد من هذه الآية معنى ترسيخ احتياجك لرحمة الله سبحانه وتعالى، كما أن زكريا احتاج لرحمة الله سبحانه وتعالى. المعنى الثالث من هذه الآية هو أن من أعظم أنواع الرحمة الإلهية التي يمكن أن تنزل بعباده هي الرحمة عن طريق أو المتمثلة في إجابة الدعاء، وما هي رحمة زكريا هنا؟ الرحمة التي رحم بها زكريا أنه استجيب دعاؤه، أجيب دعاؤه، هو أعطي سؤله: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. والمجموع يفيد أنه اذكر رحمة ربك عبده زكريا بأن أجاب دعاءه المذكور في الآيات التالية: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. فهذا من المعاني المهمة في قضية الرحمة هذه. الآن ثلاثة معاني في هذه الآية، المعنى الرابع هو أن الله سبحانه وتعالى يحب منا أن نتذكر نعمه وأيامه، سواء أكانت علينا أو على غيرنا؛ وذلك أنه قال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ، هذا ذكر رحمة ربك. وبعض المفسرين ذكر أن فيه معنى، نفس المعنى المتكرر، أيش المعنى؟ أيش اللفظ المتكرر في السورة المتعلق بالأنبياء؟ واذكر، واذكر، واذكر في كتاب مريم، واذكر في كتاب إبراهيم، واذكر في الكتاب موسى، واذكر في الكتاب إدريس. أي أنه هذا متضمن معنى أيضاً واذكر، فهذا التذكير من الله والأمر بالتذكر وذكره أيام الله ورحماته في عباده يستفاد منه أن الله يحب منا أن نتذكر هذه المعاني المتعلقة براحماته ببركاته ما أنعم به على عباده. المعنى الخامس في هذه الآية، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وهو معنى مهم جداً.
وهو في الكاف التي في قوله سبحانه وتعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ. ما قال ذكر رحمة الله عبده زكريا، أو ذكر رحمة ربه، أو ذكر أيّاً كان، تمام؟ وإنما ذكر رحمة ربك.
وهذا المعنى معنى عظيم، معنى عظيم في غاية العظمة والشرف في كتاب الله لمن يعيه، أحاول أن ألخصه باختصار شديد، وهو من أعظم المعاني التي تستفاد من قصص الأنبياء أصلاً.
أنت حين تدعو الله سبحانه وتعالى من الجيد، بل ومن المهم، بل ومن العظيم، أن تتذكر أن الذي تدعوه هو الذي أرسل إبراهيم وموسى وعيسى، وهو الذي فلق البحر لموسى، وهو الذي أهلك فرعون، وهو الذي خلق عيسى من غير أب، وهو الذي نجى الأنبياء من كيد أقوامهم، وهو الذي، وهو، يريد ذكر رحمة ربك، ربك أنت، هو نفسه الذي أعطى زكريا دعاءه، هو ربك: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. لذلك سورة الشعراء فيها هذا المعنى واضح تماماً، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى، تعرفون في سورة الشعراء إيش الآية المكررة؟ آية مكررة في كل بعد قصة نبي، تذكر: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. هاي ذكرت مراراً في قصة نوح وقصة هود، أليس كذلك؟ المعنى هو أنه بعد أن انتهت قصص الأنبياء، وحين خاطب الله نبيه، قال له وتوكل على مين؟ العزيز الرحيم، هو نفسه العزيز الرحيم الذي نجى نوحاً، والذي نجى هوداً، والذي نجى صالحاً، وإلى آخره. هو العزيز الرحيم، ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى الاسمين العزيز الرحيم، هما نفس الاسمين اللذين ذكرا من أسمائه سبحانه وتعالى مع كل قصة أو مع قصة كل نبي من الأنبياء، وتوكل على العزيز الرحيم. إذاً المعنى الخامس المستفاد من هذه الآية هو بقوله سبحانه وتعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ. ربك أنت عبده زكريا، فالفائدة هي أن تستحضر أنت، وأنت تتذكر إجابة الله لدعاء زكريا، أنه هو ربك، أنه هو ربك، فمن أعطى زكريا هو الذي يسمعك الآن يعطيك، إن شاء الله، هذا معنى مستفاد من "ربك". ذكر رحمة ربك عبده زكريا. طيب، الآية الثانية، وسأقف عندها، الآية الثانية هي تعتبر الثالثة في ترتيب السورة: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. من يوم ما تسمع، أو من حين أن تسمع بسياق قصص الأنبياء نادى، قال ربي، ولقد نادانا نوح، فدعا من، من حين أن تسمع كلمة نداء أو دعاء متعلقة بالأنبياء، اترك كل شيء يمكن أن يشتت قلبك، واستجمع النظر والقلب لتتعلم في مدرسة الأنبياء كيف يدعون ربهم، تعلم في مدرسة الأنبياء كيف يدعون ربهم.
من أعظم المعاني، معاني العبودية المتعلقة بالأنبياء التي تكررت في القرآن هي الدعاء، ولذلك تجد في القرآن ذكراً لأدعية كثير الأنبياء، أليس كذلك؟ سورة إبراهيم أدعية إبراهيم عليه السلام، بسورة الأنبياء، دعاء يونس، دعاء أيوب، وفي سورة البقرة وسورة الأعراف دعاء آدم: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا، فتلقى آدم من ربه كلمات، هم، إلى آخره، إلى آخره. فمن أعظم ما يستفاد من مدرسة الأنبياء ويقتبس فيه من أنوارهم هو أنوار الدعاء ومدرسة الدعاء، فإن نادى ربه، الآن تسمع نادى، الدرس الأول المستفاد، الفائدة الأولى من هذه الآية هي: إذا سمعت نداء الأنبياء أو دعاء الأنبياء فارعِ سمعك وتعلم.
المعنى الثاني في هذه الآية هو الجمع بين النداء وبين الخفاء. الآن النداء غالباً يدل على إيش؟ يعني أقصد نداءً معناه غالباً ما يجتمع مع الخفاء، أليس كذلك؟ لكن دعا ممكن تمام، لكن نادى، ها، فنادى، أنت يعني أول ما تسمع نادى، ترتفع كذا، ترتفع وكأنك تنتظر دعاء تظنه أو تتخيله أنه، فما إن ترتفع هذا الارتفاع حتى تنزل مع قول الله نداء، ولذلك أشار بعض المفسرين أن هذا إنما كان دالاً على شدة الإلحاح الداخلي الذي طار فيه امتداد النداء هذا، وإلا فهو من حيث الصورة الخارجية هو نداء خفي، ولذلك بالمناسبة إيش أبرز حرف للنداء؟ وهنا لم يذكر حتى إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا، قال إيش؟ ربي، هو نداء ولكن بدون يا وبدون صائب، نداء خفي.
المعنى الثالث المستفاد من هذه الآية هو معنى الاحتياج والاضطرار الداخلي، المعنى الذي يكون في النفس أثناء الدعاء هو من أهم المعاني، لأن هو الذي يمكن أن يحمله أو لعله يحمله ظرف أو قالب نادى. المعنى الثالث النداء الخفي، تعلم الدعاء الخفي والعبادة الخفية بشكل عام، وهذا يتعلم من قصة زكريا ومن قصص الأنبياء بشكل عام، الخفاء، وهذا قد ورد التصريح به والأمر به في سورة الأعراف: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً، إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. قال بعض المفسرين أنه من أسباب إخفاء زكريا، وهذا اجتهاد، ليس من أسباب إخفاء زكريا لهذا النداء وحتى لا يقال عنه أنه كيف تدعو بهذا الدعاء؟ كيف تدعو بالولد وأنت بهذه الحال؟ امرأتك عاقر، وهن العظم منك، جعل الرأس شيباً، ولكن المعنى الأقرب إلى السياق القرآني العام هو أن هذا الدعاء الخفي هو من المواطن التي يمكن تحقيق الإخلاص فيها وحضور القلب بشكل كبير جداً.
طيب، إذاً المعنى الثالث الحرص على إخفاء العبادة والدعاء، وليكن لك وفي مسيرتك وفي عبادتك جزء من الأعمال تحرص فيه على الخفاء: نادى ربه نداء خفياً. المعنى هذا موجود في البخاري ومسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فيه ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت. أين في المعنى الذي ذكرته الثاني اللي هو النداء وعدم رفع الصوت، الشيخ عبد الرحمن حبنكة يقول لم يستعمل أداة النداء يا، فدل على أن نادى كانت تعبيراً عن شدة توجهه بقلبه وكل نفسه لربه في دعائه، هذا فقط شاهد على الكلام السابق. طيب، إذاً الدروس المستفادة من هذه الآية هي أن نتعلم أدعية الأنبياء لأنها هي مدار، أو من أعظم مدارات العبودية، وهي من الأمور التي أبرز الله ذكرها في كتابه، وهنا زكريا نادى ولكن نداء خفياً يدل على شدة الاضطرار وشدة الاحتياج، فمن جملة الاقتداء بالأنبياء في دعائهم أن يكون القلب والنفس حاضرة في هذا الدعاء، وخاصة في حال الاحتياج والاضطرار، ثم الحرص على الإخفاء، وليس هذا معنى ذلك أنه ما يكون في مقامات يجهر بها، لكن أن يكون للإنسان شيء من الخفاء. أكتفي بهذا القدر، وإن شاء الله غداً نكمل دعاء زكريا عليه السلام: قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، واجعله ربي رضياً، غالباً لن نتجاوز هذه الثلاث آيات غداً بإذن الله تعالى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، جزاكم الله خيراً على الحضور.
الشيخ أحمد السيد