الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مرحبا بكم أيها الكرام في هذا اللقاء الذي يأتي ضمن سلسلة البناء السلوكي.
التزكيات حتى لا يخرج لدينا طلاب علم لديهم تشوه أخلاقي لديهم تشوه سلوكي، فينتفخ الإنسان من ناحية المعلومات ويضمر من ناحية الأخلاق والسلوك. والتزكية إذا لم ينشأ طالب العلم وقد توازن بين السلوك والإيمان وبين العلم والمعرفة فينشأ نشأة مشوهة، ولأجل ذلك كان من الضروري ومن المهم في مسيرتنا البنائية المعرفية في هذا البرنامج أن نخصص شيئا للتزكية.
رمضان سينتهي في رمضان فلعله يكون أيضا تهيئة لرمضان هذه الفرصة العظيمة للتعبد والتقرب، أكرر الترحاب والتحية بكم لكم جميعا وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذا اللقاء. كنا قد أخذنا محاضرة عامة عن تزكية النفس ثم تكلمنا عن اليقين والصديقية والإخلاص، وانتقلنا بعد ذلك إلى التوكل والاعتصام، وها نحن اليوم في التوبة والإنابة، ثم يبقى لنا تقريبا موضوع واحد في أعمال القلوب وهو المحبة موضوعان الخشية والخوف هذا موضوع وموضوع آخر وهو المحبة والرجاء وحسن الظن والفرح بالله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك ننتقل إلى ما يضاد ذلك وهو أمراض القلوب، سنتكلم عن الشك، النفاق، الرياء، الكبر، العجب، الغرور، الحسد وما إلى ذلك من أمراض القلوب.
بهذا التوازن بين البناء وبين التخلية والتطهير إذا نتج عن ذلك عمل فإن شاء الله يكون بناء الإنسان المسلم بناء محكما من الناحية الإيمانية. نستعين بالله ونبدأ لقاءنا أو محاضرتنا لهذا اليوم وهي عن التوبة والإنابة، وكما تعودنا نتناول موضوعاتنا دائما عبر عناصر، فالعنصر الأول سنتحدث عن منزلة التوبة وفضلها في الإسلام، العنصر الثاني سنتحدث عن من المطالب بالتوبة، العنصر الثالث أنواع التوبة، العنصر الرابع أدعية التوبة وأذكارها وعلاقتها بالأسماء الحسنى، العنصر الخامس شروط قبول التوبة، العنصر السادس الإنابة معناها وفضلها وآثارها. هذه ستة عناصر نبدأ بالعنصر الأول منزلة التوبة وفضلها.
هناك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة وقعت في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم هي من أعجب القصص، وهذا الحديث من أعجب الأحاديث وله علاقة وارتباط بالتوبة علاقة وثيقة، ولكن أتمنى أن يستوقفني من هذه القصة ما استوقفني منها. نحن الآن يا جماعه نلاحظ أنه انسان قد يعيش في مرحلة من العصيان والبعد عن الله سبحانه وتعالى ثم يرزق التوبة، صحيح نعم ما مدى إدراكنا لعظمة هذا الرزق الذي رزقه الإنسان وهو التوبة؟ هل مثلا نقوم بتهنئة هذا التائب؟ هل نقوم بالحفاوة به؟
أم أننا نعتبرها أمرا عاديا؟ لا، بل هو أمر عظيم، هو من أعظم الأرزاق التي يمكن أن يرزقها. لننظر هذه القصة كيف كان موضوع التوبة له المنزلة العظيمة في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، شيء عجيب جدا، والقصة كلكم تعرفون أصلها، ولكن ربما البعض ينسى أو يجهل تفاصيلها. قصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه حين تخلف عن غزوة تبوك في موقف ما كان ينبغي له تخلف فيه، تعلمون أن الله سبحانه وتعالى أنزل آيات وأمر بهجران هؤلاء الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم من هم؟
منافقون؟ ليسوا منافقين للتو أسلموا، لا يعرفون، لا لهم سابقه وفضل، ليست السابقة التي لهم ليست لأحد ممن يعيش اليوم، لا عالم، لا شيخ، لا داعية، لا ولا أحد من يعيش اليوم له ماضي في الإسلام مثل الماضي الذي كان لأولئك الثلاثة حين وقعوا في ذلك الذنب. هجروا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم كما قال الله سبحانه وتعالى، حين نزلت توبتهم المدينة تغيرت وجه المدينة، تغيرت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثر. انظروا ما الذي حدث وسأتلُو عليكم ما قاله صاحب القصة نفسها كعب بن مالك، يقول -طبعا لن أذكر بداية القصة ولا منتصفها فقط آخر شيء حين اشتدت الحال ونزلت التوبة-: قال كعب بن مالك: فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبين أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع -سلع جبل بجوار المسجد النبوي- سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب مالك أبشر! يا كعب بن مالك أبشر! فخررت ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبه الله علينا حين صلى صلاة الفجر.
يا جماعة حدث كبير، يعني انتهت صلاة الفجر مع الرسول صلى الله عليه وسلم قال يبشر الناس يقول لهم نزلت التوبة لكعب بن مالك ومن معه، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فاذن بتوبة الله عز وجل علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشرون أنا فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجل فرسا -يعني وهو على فرس- وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى على الجبل -يعني جاء إلى كعب مالك مبشر واحد على فرس بسرعة يريد أن يصل إلى كعب مالك يبشره وواحد ركض وصعد على جبل سلع ونادى وصاح- قال: فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتمونياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ.
واستعرت ثوبين فلبستهما وتيممت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني، يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني ويقولون لي: لتهنيك توبة الله عليك، لتهنيك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام طلحه بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لطلحه.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر! أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك! فقلت: أمن عندك يا رسول الله، يا رسول الله أم من عند الله؟ يعني هذه التوبة التي جاءت. فقال: لا، بل من عند الله عز وجل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كان وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه -يعرفون وجهه صلى الله عليه وسلم إذا سر كيف يصبح كأنه قطعة قمر صلى الله عليه وسلم-.
فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. يا جماعة كم عنده أموال؟ هو ما كان عنده إلا الثوبين ذك اصلا من ناحية اللباس، بمعنى أنه ما بقي من أموال ترى هي شيء يسير، لكن هذا الفرح العظيم والشديد بتوبه الله عز وجل عليه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، إلى آخر القصة المعروفة.
تصوريني يا جماعة، متصورين قيمة حدث التوبة الذي حصل في المدينه؟ كل شيء تفاعل مع الحدث، كل شيء! يقول: يأتوني أفواجا يهنئونني، الرسول صلى الله عليه وسلم، الصحابة، هذا الذي يجري، ذاك يصعد الجبل، هذا يركض على فرس، كلهم يهنئون كعب ابن مالك على توبة الله عز وجل له. أنا اخترت هذه القصة لتكون البداية في إثبات منزلة التوبة ومكانتها، فهذا التفاعل معها يبين كيف كانت منزلة التوبة عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعد ذلك تاتينا الأحاديث المعروفة، منها ما تفضل به الاستاذ من الله أشد فرحا بتوبة أحدكم من رجل كان على كان في فلاة فأضاع دابته -الحديث المعروف- فلما وجدها أخطا من شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك من شدة الفرح، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا الرجل.
كذلك ما أشار إليه الاستاذ أيضا كثيرة توبة النبي صلى الله عليه وسلم واستغفاره: إني لاستغفر الله واتوب إليه في اليوم مائة مرة. الإمام ابن القيم رحمه الله يقول في مدارج السالكين: منزلة التوبة أول المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحب معه ونزل به.
فالتوبة إذن لا يفارقها العبد. الأحاديث الواردة في فضل التوبة ومنزلتها ومكانتها وقبل ذلك في كتاب الله كثير جدا، ونحن لو تذكرون دائما نكرر في المحاضرات والدروس نقول: يا جماعة من اعظم الفقه الذي يرزق الإنسان هو أن يدرك إيش مراتب مراتب العبادات في الشريعة، إذا رزقت تعظيم الأمر وتعظيم النهي وتعظيم الخبر بقدر ما عظم في الشرع فاعلم أنك تصيب الفقه في الدين، وإذا كان تعظيمك لأمور الدين بحسب ما نشأت عليه وبحسب التربية وبحسب المحيط فثق تماما أن سلم الأولويات في الشريعة لن يكون مستقيما متزنا لأن الناس يختلف فقههم في الشرع، لكن الأمر الشرعي الذي له المكانه الكبيرة في الشريعة فترق هذا التعظيم بحسب مورده وبحسب تعظيمه في الكتاب ثق تماما أن هذا هو الفقه في الدين.
والدليل على ذلك، الدليل على ذلك في صحيح مسلم قصة معروفة لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: يا أبا المنذر، أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ أي آية من كتاب الله معك أعظم أعظم؟ يعني مراتب، صح في آيات آيات كلها عظيمة لكن في آية أعظم، الان هذه المعلومة نحن نعرفها آية الكرسي معروف لأننا تلقيناها كمعلومة الفقهية والخلاف والمادري أي لا لا، أعظم العلم هو علم المراتب، مراتب الأخبار، مراتب الأوامر، مراتب النواهي، والله ليهنك العلم أبا المنذر.
العنصر الثاني: من المطالب بالتوبة؟ البعض يظن أن المطالبين بالتوبة هم العصاة، وفي الحقيقة فإن الإنسان مطالب بالتوبة طالما أنه سائر إلى الله سبحانه وتعالى. أول ذكر تقوله بعد أن تفرغ من أعظم عبادة هو: أستغفر الله. أعظم عبادة تؤديها الصلاة، أول ما تسلم: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، أستغفر الله، أستغفر الله، التوبة والاستغفار هذا يلازم الإنسان المؤمن في كل أحواله، فنستطيع أن نقول جملة: إن التوبة أول من يطالب بها هو العاصي الذي عمل معصية معينة يؤمر بالتوبة وجوبا، يؤمر بالتوبة وجوبا هذا واحد، بل ابن القيم يقول لو تاخر عن التوبة يحتاج إلى توبتين، توبة على الذنب وتوبة على التأخير التأخير لأنه أخل بواجب، يحتاج إلى توبتين، توبة عن الذنب وتوبة عن التأخير والتوبة.
وهذا واضح، ولكن هناك توبة أخرى وهي توبة جميع المؤمنين: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. أيضا ابن القيم له تعليق جميل على هذه الآية يقول: هذه الآية نزلت في المدينه بعدما جاهدوا وبذلوا وضحوا وحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم والدين والى أخرة نزلت وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وعلق الفلاح عليه، فشأن التوبة عظيم عظيم جدا، ليس شانا خاصا بفئه أو بعاصي معين أو بعصاة معينين وإنما هي خطاب للجميع.
العنصر الثالث: أنواع التوبة. ما أنواع التوبة؟ أو لنقل: هل هناك قوالب معينة يمكن أن تضاف إلى التوبة فيوصف بها؟ مثلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا هذا وصف معين للتوبة صح، يعني في توبة في توبة نصوح، جيد. أيضا يعني في توبة عن التقصير، في توبة عن المعاصي، في توبة عن يعني البعد عن الله أو أوامر الله، جميل. في توبة عن التقصير، وفي توبة عن البعد، في توبة عن المعاصي، أيضا ستاتنا مسائل متعلقة مثلا هل يصح الإنسان أن يتوب عن ذنب وهو مصر على ذنب آخر؟ راح نشوف، في توبة عامة شاملة من كل شيء، في توبة خاصة متعلقة بذنوب معينة.
دعونا نبدأ بالتوبة النصوح، بما أن الله سماها في القرآن يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا. النصوح، نحن يعني أغلب ما نعلم من كلمة النصوح نصيحة نصح نصيحة، ما الذي نففهم من نصيحة؟ نصيحة يعني انك أنت تنصح أحد صح، يعني تعظ أحدا أو شيء، بينما النصيحة أصلها في اللغة وفي الشرع أعم من ذلك. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، هل فهمتم من الدين النصيحة يعني الدين هو أن تنصح الناس؟ لا، لا ليس المراد الدين النصيحة أن تنصح الناس، لأنه أكمل الحديث قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: ايش لله! إذا في معنى آخر للنصيحة، ليس النصيحة أنه أنا أنصح أحد لأنه الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله أول شيء ثم بدأ ثم ذكر.
إذا النصيحة النصيحة أصلها في اللغة هي التنقية أو الصفاء والتنقية من الشوائب، يعني النصح إذا نصحت في الشيء أخذته صافيا نقيته من كل ما يكدره من الشوائب، لذلك ابن القيم أيضا يقول -وتعرف نحن دائما نكثر ابن القيم في هذا السياق بحكم- نكثر من ذكر ابن القيم في هذا السياق بحكم يعني اهتمامه الخاص بهذي بهذه الأبواب، يقول ابن القيم في النصح في التوبة أو توبة النصوح، يقول: النصح في التوبة والعبادة تخليصها من كل غش ونقص وفساد وإيقاعها على أكمل الوجوه. والنصح ضد الغش، النصح ضد الغش، الغش فيه شوائب أليس كذلك؟ النصح هو الصفاء، الغش فيه الشوائب، النصح ضد الغش.
طيب، إذا هذه أولا ما يتعلق بالتوبة النصوحة، يعني يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا، توبة صافية، توبة لله، توبة صادقة، توبة تتضمن العزم على ألا يعود الإنسان، هذا كله من النصح في التوبة، لأن هناك توبة غير نصوح، هناك توبة على طرف اللسان، هناك توبة بدون ندم، لأن أصلا عظمة الدين في نفس الإنسان ليست.
كبيرة؛ فتجد الإنسان يذنب، ويحتاج إلى مطارق من المواعظ حتى يستيقظ. وإذا استيقظ، قد لا يستيقظ الاستيقاظ الاستيقاظ الحقيقي. طيب، حتى ندرك أن التوبة درجات، وأنها مراتب، وأن فضلها يتفاوت بقدر تفاوت أداِئها، لنتأمل الحديث المعروف، حديث المرأة من جهينة التي زنت، وجاءت نادمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب الرجم. تطلب الرجم. الحديث معروف، جاءت -طبعاً- وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله، أصبت حدا فأقمه علي. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وليها، وقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني. ففعل، فأمر بها نبي الله نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟ وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟
هذا الفضل للتوبة الذي حصل لها، لو قسم على سبعين من أهل المدينة، من هم أهل المدينة في ذلك الوقت عنه؟ الصحابة نعم. التوبة التي لها لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعته، هذا نوع من التوبة. فرق بينه وبين توبة تحتاج إلى... فرق بين هذا المقام وبين توبة تحتاج إلى...
طيب، من أنواع التوبة -أيها الكرام، وأيها الأخوات الكريمات، والإخوة الكرام- من أنواع التوبة: التوبة مما لا يعلمه الإنسان من الذنوب. وهذا أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم إشارة عملية، بمعنى أنه من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: اغفر لي ما أنت أعلم به مني، اغفر لي، اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل. أو اللهم اغفر لي إيش في حديث أي واستغفرك لما لا أعلم، اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، واستغفرك أعم... مما لا أعلم، اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، أوله وآخره، علانيته وسره، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت. هذا كله يدل على أن التوبة نحتاج أن نقدمها حتى مما لا نتذكر أو مما لا نعلم. وهذا أمر في غاية الأهمية من ناحية أنواع التوبة.
ننتقل العنصر الرابع، نعم، شروط التوبة. الرابع، الرابع شروط قبول التوبة وعلاماتها. التوبة وفضلها، أنواع التوبة، شروط التوبة، الرابع أدعية التوبة وأذكارها. اه، أدعية التوبة وأذكارها. طيب ماشي، احنا عندنا شروط التوبة الآن، شروط قبول التوبة، أدعية التوبة نأتيها بعد قليل. فصار الآن الآن العنصر الرابع: شروط قبول التوبة وعلاماتها. الإمام النووي -رحمه الله تعالى- صاحب كتاب رياض الصالحين والأذكار، الأربعين النووية، المجموع، التقريب، كتب كثيرة، يقول في كتابه رياض الصالحين: وقد جعل باب التوبة هو الباب الثاني من أبواب رياض الصالحين. يقول: قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب. فان كانت المعصية بين الله بين العبد وبين الله، لا تتعلق بحق آدم؛ فلها ثلاثة شروط: الشرط الأول: الإقلاع عن المعصية، الشرط الثاني: الندم على فعلها، الشرط الثالث: العزم على عدم العود... العزم على عدم العودة. ها، ثلاثة شروط لقبول التوبة.
ما يحتاج تروح كنيسة، وفي يوم معين، وتذل نفسك عند البشر، إجراءات وتعذيب أو جلد الذات وإهانة للنفس وإهانة لكرامة الإنسان وجعل الإنسان واسطة بينك وبين الجنة... يحرمك ويمنعك ويعطيك! التوبة بينك وبين الله سبحانه وتعالى: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ. هذه التوبة التي تتوب وتقدمها إلى الله سبحانه وتعالى يشترط فيها ثلاثة أشياء: أن الإنسان يترك الذنب الذي هو عليه، وهذا أكيد؛ كيف الإنسان يتوب من ذنب وهو قائم عليه؟ لازم يقلع عنه. الأمر الثاني: الندم. ليش الندم؟ لأنه من تعظيم حرمات الله، من تعظيم الله، تعظيم حرماته. من راى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. أضعف الإيمان أن تنكر المنكر بقلبك، فمن التوبة أن تندم على هذا المنكر، وهو من جملة إنكار الإنسان لهذا الذنب.
الشرط الثالث ما هو؟ العزم. العزم على عدم العودة. طيب، ماذا لو عزم الانسان على عدم العوده ثم عاد، هل تكون التوبة مقبولة؟ سابقة، سابقة مقبولة، كان الله سبحانه وتعالى هدى له ابتعاد. طيب، الله سبحانه وتعالى يحاسب الإنسان على صدق قلبه في وقت التوبة؛ إذا كان عازماً عزيمة حقيقية على عدم التوبة، ثم ثم عاد، توبته الأولى لا تبطل، لكن قد يكون هذا من علامات أن التوبة ليست على الدرجة العالية أو الدرجة الوافية أو الدرجة التامة، أو أن هناك معوقات أخرى.
تعلمون -أيها الكرام، أيتها الكريمات- أعظم درجة يمكن أن يصل إليها الإنسان بعد التوبة، أعظم درجة يصل إليها الإنسان بعد التوبة، هي ما قاله الله سبحانه وتعالى في سورة الحجرات: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ. يعني ليس فقط أنك اقلعت عن الذنب، بل ترزق كراهيته، ولكن هذا لا يأتي سريعاً. وفي طريق الوصول إلى هذه الدرجة قد يقع الإنسان كثيراً، ورحمة الله سبحانه وتعالى واسعة. أن عبداً أذنب ذنبًا، هذا حديث صحيح، أن عبداً أذنب ذنباً فقال: ربي أذنبت فاغفر لي. فقال الله سبحانه وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت له. أو غفرت لعبدي. ثم أذنب ذنباً فقال: ربي، إنك تغفر الذنب وتأخذ به. فقال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت له. والثالثة قال الله سبحانه وتعالى: فليعمل ما شاء. مش معناه فليعمل ما شاء يعني طالما أنه إذا أذنب استغفر صادقاً فهذا شاني معه. هذا شاني معه، ليس معناه في اللي ما شاء أنه كذا، فلا، فليعمل ما شاء طالما أنه بهذا الوصف فالله له بالمغفرة ورحمة.
طيب، هنا مسألة، مسألة في علم السلوك وعلم التعبد، وهي مسألة: هل يصح تصح التوبة من ذنب مع البقاء على ذنب آخر، مع الإصرار على ذنب آخر؟ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء المعتنين بعلم السلوك، فيها خلاف، والامام ابن القيم في مدارج السالكين عمل مناظرة بينهما، يعني أقصد أنه سرد أقوال هؤلاء واحتج لهم بحجج، ثم سرد أقوال هؤلاء واحتج لهم بحجج، ثم هو رجح قولاً وسطاً. وترجيحه جميل جداً، هو يقول إنه قد يغفر، قد تقبل توبة الإنسان ولو كان مصراً على ذنب آخر، ولكن أن يكون الذنب الآخر ليس من نوع الذنب الذي تاب منه، ليس من نوع الذنب الذي تاب منه.
طبعا تعلمون، ليس هذا معناه أنه يصر على الذنب، لكن الفكرة أنه قد الإنسان تكون غلبته شهواته، قد تكون الإنسان -أيا كان يعني- ضعف، زل، ضعيف، يعترف بضعفه وتقصيره في باب وفي ذنبه، في باب، ولكنه في باب آخر وقع في ذنب ويريد التوبة. هل نقول له: لا تتب؛ لأن ذنبك لن يغفر وتوبتك لن تقبل حتى تقلع عن جميع الذنوب الأخرى؟ أو نقول له: تب عن هذا الذنب ولو كان لديك ذنب آخر، فالله يقبل التوبة؟ قلنا: ابن القيم ذكر القولين والأدلة من الجهتين، ثم رجح القول الوسط، وهو أن أنه لا تكون الذنب... يعني قال: أقرأ لكم كلامه. قال: والذي عندي في هذه المسألة: أن التوبة لا تصح مع من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه. وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه فتصح؛ كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلاً، فإن توبته من الربا صحيحة. وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة واصر عليه أو بالعكس، أو تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر أو بالعكس، فهذا لا تصح توبته. هذه مسألة.
المسألة الثانية: العبد إذا كان صالحاً، ثم وقع في ذنوب ثم تاب منها، هل يمكن أن يعود إلى منزلته التي كان عليها أو لا؟ يعني الآن عندنا انسان صالح، قد يقع في بعض الصغائر والتقصير كحال البشر، وعندنا انسان صالح وقع في ذنب، في كبيرة مثلاً من الكبائر، ثم تاب منها، هل يمكن أن يعود هذا الثاني إلى منزلة الأول الذي لم يقع في مثل هذه الذنوب أم لا؟ هذه أيضا من المسائل التي ذكرها ابن القيم، وذكر أقوال العلماء فيها. فيها قولان فيها طرفان يعني، وفيها نقاش طويل أيضا.
قال طائفة: يرجع إلى درجته، لأن التوبة تجب الذنب بالكلية وتصيره كأن لم يكن. وقال طائفة: لا يعود إلى درجته وحاله، لأنه لم يكن في وقوف، وإنما كان في صعود، فالذي صار في نزول وهبوط، فاذا تاب بقي عليه ذلك القدر الذي كان مستعداً به للترقي. وذكر أمثلة على ذلك، ثم ذكر عن شيخه ابن تيمية يقول: والصحيح أن من التائبين من لا يعود إلى درجته، ومنهم من يعود إليها، ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيراً مما كان قبل الذنب وكان... إلى آخره. ثم قال: وهذا بحسب حال التائب بعد توبته. إلى آخر الكلام.
مسألة أخيرة في هذا الباب، في هذا العنصر، وهي: الله سبحانه وتعالى قال في أدعية المؤمنين: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ. رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا. ما الفرق بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات؟ هل هما شيء واحد وهذا العطف من باب يعني التأكيد، أو هو أو هما شيئان مختلفان؟ ما رايكم مع الدليل؟ مختلفان، مع الدليل ايش تكون مغفره الذنوب وتكفير السيئات؟ سيئات الماضية، مغفرة الذنوب الحالية، وتكفير السيئات الماضية.
طيب، شيء آخر: بدلت سيئات حسنات، يعني ليس فقط أن غفر، لكن الله عز وجل يغفر له ويبدلها بالحسنات. طيب، التكفير من باب الستر، والمغفرة باب محو الذنوب بدون ستر. محو الذنوب من باب من غير ستر؟ الأغلب أنه الذنوب الحاضرة والسيئات السيئات الماضية. تكفير مثل لما بيقول: مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ كأنه السيئات هي جزء من الذنوب، لكن خصصها لمزيد تخصيص لمزيد أهمية يعني.
طيب، خلينا ناتي بآية وننظر هل تقرب لنا المعنى أو لا: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. السيئات صحيح، السيئات الصغائر. إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. تكفير السيئات. لذلك، المصائب جاء معها ليس غفران الذنوب وإنما تكفير السيئات: ما يصيب المسلم من هم، ولا نصب، ولا، ولا، إلى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياي. أقصد جاء معها تكفير الخطايا، تكفير السيئات.
أيضا الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. الكبائر، لفظ المغفره أكمل أكمل من لفظ التكفير، ولهذا كان هذا كان ابن القيم كان من الكبائر اللي هو المغفره والتكفير مع الصغائر. فإن لفظ المغفره يتضمن الوقايه والحفظ، ولفظ التكفير يتضمن الستر والازاله. لفظ المغفرة أت من أين؟ ايش هذا اللي على الرأس من الحديد؟ مغفر! تعرفون حديث صحيح في البخاري: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر. وهذه مسألة فقهية جانبية يعني، يستدلون بها على جواز دخول مكة بدون إحرام أن دخل على رأسه المغفر، والمحرم ما يلبس شيء على رأسه.
طيب، كيف الستر والإزالة؟ المغفرة يتضمن الوقاية والحفظ أيضاً، يعني كبائر والصغائر. المغفرة كيف يعني؟ المغفرة فيها كبائر والصغائر والسيئات خاصة. طبعا هو هذه من الألفاظ، هناك ألفاظ شرعية كثيرة يكون لها معنى خاص إذا اجتمعت بلفظ آخر، ومعنى عام إذا أفردت؛ مثل الإيمان والإسلام إذا اجتمعا إفترقا وإذا افتراق اجتمعا، مثل تكفير السيئات ومغفرة الذنوب. إذا اجتمع يصبح تكفير السيئات متعلق بالصغائر ومغفرة الذنوب بالكبائر. مع أنه قد يطلق تكفير السيئات على الكبائر وحده، وقد يطلق مغفره الذنوب على الصغائر وحدها.
طيب، العنصر التالي ما هو؟ احنا كان المفترض الرابع أدعية الأنبياء، عفواً، أدعية التوبة وأذكارها وعلاقتها بالأسماء الحسنى. لو تذكرون في محاضرة تزكية النفس تكلمنا عن دعاء سيد الاستغفار، صحيح؟ نعم، تكلمنا عن دعاء سيد الاستغفار وقلنا إنه هو الإسلام، هو خلاصه الإسلام يا جماعة. الرسول صلى الله عليه وسلم سماه سيد الاستغفار. سيد الاستغفار، لماذا كان سيدا للاستغفار هذا الدعاء سيد الاستغفار؟ لأنه يتضمن أفضل وسيلة للتذلل عند بين يدي الله سبحانه وتعالى في الاعتذار من الذنب وطلب العفو عنه. أفضل وسيلة، أفضل تركيب للدعاء يمكن أن تعتذر به عن ذنبك وتطلب من الله العفو عنه هو بدعاء سيد الاستغفار.
ويمكنك القياس عليه، يعني ليس يعني أنت تلتزم به وتقوله، ولكن من خلال نفس الدعاء تحاول تفهم لماذا كان سيد الاستغفار؟ لماذا؟ وإذا فهمت لماذا كان سيد الاستغفار، تستطيع أن تستعمل هذا السبب في أدعية أخرى. وشرحت أيضاً، لا أريد أن أكرر عليكم، شرحت كيف كان سيد الاستغفار هو سيد الاستغفار وهو سر العبودية ولب العبودية. لذلك، من يريد منا -وكلنا نحتاج إلى ذلك- أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، فليكن من أهم ما يقدمه بين يدي الله سبحانه وتعالى في دعائه واستغفاره، هو أن يقدمه بأسلوب سيد دعاء سيد الاستغفار، لأن فيه تعظيماً لله وتوحيداً له، واعترافاً بأنه ربك وأنه خالقك، واعترافاً بتقصيرك وبظلمك لنفسك، وإقراراً بنعمته عليك. أنت الآن ماذا عملت في...
هذا أنت الآن ألغيت نفسك تماما، أنت الآن تبرأت من كل شيء وألقيت نفسك بين يدي الله. قلت: يا ربي هذا أنا، هذا أنا، هذه ذنوبي وهذه نعمتك علي، أنا أعرف، أعرف كل شيء وليس لي ثقة إلا في رجائك؛ فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت وحاشاه ألا يقبل. فهذا النوع من التقرب إلى الله سبحانه وتعالى فرق كبير بينه وبين التقرب إلى الله بأذكار تحفظ باللسان وتقال بعد الصلاة بأسرع سرعة وبأسرع وقت، أو الصباح والمساء تقال بدون قلب، بدون لا.
يعني هنا لذلك تعلمون أنه هذا الحديث، إيش تعرفون فضل الجنة؟ صح حديث البخاري، لكن في شرط، في شرط وارد في نفس الحديث، من يعرف، من يحفظ الحديث؟ اللهم أنت ربي، من قالها أيه، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من الصباح موقنا بها، هكذا جاء الشرط في الحديث، فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها من الليل موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة. يعني موقنا بها، لازم يكون موقنا بها، فهذا في رأي أنه أهم دعاء وأهم ذكر يمكن أن يؤسس عليه قضية التوبة، وتؤسس عليه قضية الاستغفار.
أدعية التوبة في القرآن كثيرة جدا، أدعية التوبة في الأحاديث والأدعية النبوية كثيرة، وأعيد دائما: من أراد أن يتقرب إلى الله بأفضل طريق فعليه بأدعية الأنبياء، عليه بأدعية القرآن، عليه بأدعية النبي صلى الله عليه وسلم، فلن يجد أفضل منها للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
العنصر الأخير في هذه المحاضرة هو الإنابة. أنا بالنسبة لي من أكثر ما يلفتني عند كلمة الإنابة هي آثارها التي تترتب عليها، ولفتت انتباهي كثيرا حقيقة بحيث أنها جعلتني أتفكر أنه ما هذه الإنابة؟ يعني أمرها عجيب. اعظم اثر وجدته في القرآن للإنابة هو أنها شرط للاستفادة من الموعظة: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ. قل: إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ. هذا في سورة الرعد، وفي سورة الشورى: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ.
باختصار شديد، الإنابة طريق الهداية، الإنابة طريق التوفيق، الإنابة طريق الاتعاظ، بل إن التخلي عن الإنابة معناه إغلاق باب من أبواب الهداية، إغلاق باب من أبواب الهداية: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ. وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ، لأنه فيها أنابو، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ.
الإنابة أيها الكرام فيها معنى الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، الإسراع إليه، الاقبال عليه، دوام الرجوع إليه، الذي تجدونه كلما أذنب سارع فرجع، كلما وقع في مشكلة سارع فاعتصم، كلما شعر بابتعاد وجفاف وجفاء في قلبه وروحه سارع فأناب وسجد، هذا هو المنيب، هذا هو المنيب: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ. هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ.
فالإنابة عمل من أعمال القلوب لأن الله وصف القلب بها: وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ. ابن القيم يقول في الإنابة: تتضمن أربعة أمور: محبة الله، الخضوع له، الاقبال عليه، الاعراض عما سواه. محبة الله، الخضوع له، الاقبال عليه، الاعراض عما سواه. فلا يستحق اسم المنيب إلا من اجتمعت فيه هذه الأربع. وتفسير السلف لهذه اللفظة يدور على ذلك، وفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم، والمنيب إلى الله المسرع إلى مرضاته، الراجع إليه كل وقت، المتقدم إلى محابه.
نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يكفر عنا سيئاتنا، وأن يتوفانا مع الأبرار، وأن يجعلنا من أهل الإنابة والتوبة والاستقامة، وأن يرزقنا حسن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يرزقنا مقعد صدق عند مليك مقتدر. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الشيخ أحمد السيد