تسجيل الدخول

أبجديات الثقافة | النبي ﷺ في مكة ٠٦ | عام الحزن

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

حياكم الله في لقاء جديد من لقاءات أبجديات الثقافة الإسلامية. النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وأخذنا في خمس لقاءات سابقة بداية الوحي، وبداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لمن حوله، ثم الدعوة الجهرية، وأخذنا الأذى الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم، النقاش الكبير الذي حصل مع المشركين واعتراضاتهم وشبهاتهم، وبعد ذلك أخذنا هجرة الحبشة الهجرة إلى الحبشة اللي كانت اللقاء الماضي. واليوم نتحدث عن قضية جديدة من القضايا التي حدثت للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وهي نوع جديد من الابتلاء، نوع جديد من الأذى، نوع جديد من الشدة، ونحتاج نتأمل يعني هذا اليوم إن شاء الله أنا كذا أخذ بعض التأملات وهي مهمة جدا، لذلك ربما لا تكون الأحداث اليوم كثيرة لكن في تأملات مهمة جدا أنه احنا نقف عندها. هذا الأذى الجديد الذي حصل هو حصار يسمى حصار الشعب، معروف في كتب السيرة بحصار الشعب، قاطعت قريش، قرروا أنهم يعملوا مقاطعة للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن مع النبي صلى الله عليه وسلم من قومه، من عائلته، من قبيلته، ممن يأويه ينصره يكون معه، ما أحد يتزوج منهم، ما أحد يبيعهم ولا أحد يشترى منهم، ووصلت القضية بعد ذلك في الحصار إلى أنه ما أحد يجيب لهم طعام أصلا، وكانوا يرونهم على جوع وعلى شدة وعلى احتياج، وهم أبناء عمومتهم ولكن كانوا يمنعون أحدا من أن يأتي لهم حتى بالطعام، وكانت هذه القضية أو هذه الحادثة هي حادثة يعني خلونا نقول فيها نوع جديد من الابتلاء الجماعي.

وبالمناسبة حتى كان في يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب الذين كانوا في الحصار مع النبي صلى الله عليه وسلم، كان في أناس غير مسلمين، لكنهم يعني ايش أخذتهم الحمية في الانتصار للنبي صلى الله عليه وسلم. من أبرز الشخصيات اللي كانت موجودة في الحصار والتي كانت يعني خلنا نقول لها أثر في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم. وأبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان قد كتب قصيدة يصف فيها أذى قريش له، وكتب قصيدة فيها أنه يا معشر قريش أنتم ايش تبغوا؟ ماذا تريدون؟ تريدون منا أن نعطيكم النبي صلى الله عليه وسلم منه حتى تقتلوه أو تعملوا لن نعطيكم؟ تريدون أن تؤذونا وتحاصرونا آذوا وحاصروا كما تشاؤون، لن نسلمه لكم. وكتب قصيدة عظيمة وطويلة جدا، قال عنها الإمام ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية، طبعا متوقع أنكم تعرفون كتاب البداية والنهاية، لمن لا يعرف كتاب البداية والنهاية هو كتاب للإمام ابن كثير صاحب التفسير، دائما تسمعون تفسير ابن كثير، وإن شاء الله راح يجيكم يعني في المستقبل، لازم في طلب العلم تقرؤون كتاب، هذا كتاب البداية والنهاية بدأ فيه ابن كثير بعرض التاريخ منذ أن خلق الله السماوات والأرض، يعني بدأ بخلق السماوات والأرض والعرش والقلم، وخلق السماوات والأرض، بعدين بدأ بخلق آدم، بعدين بدأ بقصص الأنبياء وتاريخ الأنبياء، تمام، وبعد ذلك أتى للعرب في الجاهلية ثم أتى لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإرهاصات النبوة وإلى آخره.

لاحظوا الآن الكتاب معي، هذا المجلد الثالث والرابع يعني مليان من الداخل، الثالث والرابع في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لسه الأول والثاني مجلد كبير يمكنه قريب ألف صفحة كله فيما قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم استمر في التاريخ إلى القرن الثامن الهجري كل سنة يعني يذكر تاريخها، وبعدين النهاية ايش النهاية البداية تمام، النهاية ايش؟ عقد فصلا أو بابا كبيرا لنهاية الزمان وعلامات الساعة والفتن والملاحم، وهذا مطبوع وحده الكتاب اسمه النهاية في الفتن والملاحم وأشراط الساعة. طيب، ابن كثير ايش يقول عن هذه القصيدة التي كتبها أبو طالب في وصف أذى قريش في وصف مدافعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال عنها: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، لأن هو يجئ طبعا معروف ترى في قصائد كثيرة موجودة في كتب السيرة وفي كتب التاريخ يعني تكون منتحلة، يعني الرواة يذكرونها على لسان أصحاب القصة، هنا ابن كثير يقول لك هذه ما ما في أحد يقدر ينتحلها أصلا، ما في أحد يقدر يألفها إلا أبو طالب، يقول: لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه وهي أفحل من المعلقات السبع. تعرف المعلقات السبع أكبر القصائد العربية من حيث أشدها أهمية وأشهرها، هو يقول هذه أفحل من المعلقات السبعة يعني أفخم من المعلقات السبع وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها، وقد أوردها الأمم في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم.

وأنا راح أذكر لكم أبيات راح أذكر لكم أبيات من هذه القصيدة، هي طبعا فيها بعض الصعوبة في الألفاظ أكيد يعني راح ما تفهموا كل شي فيها أو في أمور كثيرة راح تفهمها، ولكن هي لابد أن تذكر في مثل هذا السياق. يقول أبو طالب يقول: ولما رأيت القوم لا بد فيهم، وقد قطعوا كل العرى والوسائل، وقد صارحونا بالعداوة والأذى، وقد طاوعوا أمر العدو المزايل، وقد حالفوا قوما علينا أظنة، يعضون غيظا خلفنا بالأناامل، صبرت لهم نفسي بسمراء وأبيض، عظم من تراث المقاول، وأحضرت عند البيت رهطي وخوتي، وأمسكت من أثوابه بالوصائل، قياما معا مستقبلين رتاجه، لدى حيث حلفه كل أو كل نافلة.

وبعدين بدأ طبعا هذه المقدمة رهيبة وفخمة جدا، بعدين بدأ يعني ايش يستعذ، طبعا في الإسلام ما ما يجوز الاستعاذة إلا بالله سبحانه وتعالى، بس هو أصلا يعني الناس تكلم عن الثقافة اللي نشأ عليها وليس لم لم يسلم أصلا وهي الاستعاذة بالأمور المعظمة عندهم في في من الأمور من الشعائر المقدسة والكعبة وما إلى ذلك. ثم قال أول شيء طبعا بدأ بالاستعاذة بالله قال: أعوذ برب الناس من كل طاعن علينا بسوء أو ملح بباطل، ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة، ومن ملحق في الدين ما لم نحاول. بعدين بدأ يقسم بأشياء أخرى قال: وثور وثور جبل وثور ومن أرسى سبيلا مكانه، أيضا جبل لكن هو يقول هنا بالله، ومن أرسى سبيلا مكانه وراق ليرقى في حراء ونازل، بيت حق البيت من بطن مكة، وبالله أن الله ليس بغافل، وبالحجر المسود إذ يمسحونه، إذا إذا اكتنفوه بالضحى والأصابع، وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة، على قدميه حافيا غير ناعل، وأشواط بين المروتين إلى الصفا، وما فيهما من صورة وتماثل، ومن حج بيت الله من كل راكب، ومن كل ذي نذر ومن كل راجل، وبالمشعل الأقصى إذا عمدوا له إلى مفضى السراج.

وبعدين قال وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها. بعدين قال: وكندة إذ هم بالحصاد عشية، وبعدين استمر، ثم قال ثم خليني أذكر من كندة، قال: وكندة إذ هم بالحصاب عشية، تجيز بهم حجاج بكر ابن وائل، حليفان شدا عقد ما اختلفا قاله، ورد عليه عاطفات الوسائل، وحطمه سمر الصفائح أو الصفاح، وسرحه وشبرقه وخد النعام قوافلي، فهل بعد هذا من معاذ لعائذ، وهل من معيذ يتقي الله عادلي، يطاع بنا العدا وودوا لو أننا، تسد بنا أبواب ترك وكابل، كذبتم وبيت الله نترك مكة، ونظعن إلا أمركم في بلابل، كذبتم وبيت الله نبزا محمدا، ولما نطاعن دونه ونناضلي، ونسلمه حتى نسرع حوله، ونذهل عن أبنائنا والحلائل.

إلى آخر الكلام، وهي التي فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه، ثمال اليتامى عصمة للأرامل، يلوذ الهلاك من آل هاشم، فهم عنده في نعمة وفواضل. كانت هذه القصيدة يعني ما تخرج إلا من من يعني قلب قلب المعاناة، وتصف الحال، وتبين كيف أن من قريش خذلت أبناء عمومتها اللي من صلبها ومن أبناء عمومتها من بني هاشم.

استمر هذا الحصار للشعب ثلاث سنوات، وبعد ذلك بعد ذلك ثارت الحمية والنخوة في بعض فضلاء قريش، فضلاء قريش من ناحية الأخلاق والعقل والمروءة وإن كانوا مشركين، ثارت فيهم الحمية وقرروا أن ينقضوا الصحيفة التي علقت على الكعبة وفيها أذى بني هاشم ومحاصرتهم، فنقضوا الصحيفة وعملوا يعني خطة معينة في نقض هذه الصحيفة، وبذلك انتهى حصار حصار بني هاشم. لما انتهى هذا الحصار حصلت أزمة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الأزمة كانت لا كالازمات، هذه الأزمة كانت صعبة جدا جدا جدا إلى أبعد مدى، وهي وفاة اثنين كان لهما الأثر الكبير في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم: خديجة وأبو طالب، حتى سمي ذلك العام عام الحزن.

أما خديجة فهي السند الأول من الناس، هي أول من قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: لا يخزيك الله أبدا، هي التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر. هي التي احتوت النبي صلى الله عليه وسلم وزملته ودثرته وآوته وسكنت روعه. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت به الأمور ووجد الأذى من الخارج يذهب إلى داخل بيته فيجد خديجة، خديجة تسمع منه وتصنع له جنة الدنيا في ذلك البيت من حيث السكون والأمان والطمأنينة، فكانت نعم السند للنبي صلى الله عليه وسلم، كانت نعم السند للنبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله تعالى عنها ورحمها.

ماتت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم تقريبا بثلاث سنوات، حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا عليها حزنا شديدا، الحزن هذا استمر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر عمره، يعني كان عائشة رضي الله عنها تقول، تعرف عائشة يعني هي أحب أحب زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان عنده زوجات، فحتى أنه سئل: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. فعائشة رضي الله عنها تقول: أنا ما غرت ما غرت على أحد من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم اللي هم كانوا في نفس الوقت متزوجهم النبي صلى الله عليه وسلم، يعني كانوا في نفس متزوجوهن قد تزوجهن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني كانوا في نفس الوقت ضرائر لها.

تقول عائشة: أنا ما غرت على أحد من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ما غرت على خديجة مع أنها ميتة، هي تقول: أنا غرت غرت من خديجة أكثر من غيرتي من الضرائر الأخرى، من من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ تقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكرها يكثر من ذكرها، فلما قالت له عائشة في ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني قد رزقت حبها، إني قد رزقت حبها. وكان وهذا حديث صحيح في صحيح الإمام مسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في المدينة يأمر بالشاة يعني إذا جاءه أو أمر بأنه يذبح شاة أو شي، يرسل يرسل هدايا لخليلات خديجة هكذا في الرواية في صحيح مسلم، لخلائل خديجة، خلائل خديجة صديقات خديجة اللي كانوا معها في مكة لما كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، بعدين بعد وفاتها بسنوات كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة يرسل منها هدايا لمين؟ لخلاء لخديجة زوجته، زوجته التي نصرت ونصرت الإسلام.

وخديجة رضي الله تعالى عنها كما تعلمون جاء في الحديث الصحيح وهي في مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل، هذا جبريل جبريل جاءه فقال: هذه خديجة قد جاءت معها كذا وكذا، فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. هذا جبريل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: بشر خديجة بأنه لها في الجنة بيت من قصب. ايش القصب؟ المقصود قصب هو اللؤلؤ المجوف، هذا القصب في اللغة العربية تمام، لؤلؤ مجوف يعني قصر هو عبارة عن لؤلؤة مجوفة، لا صخب فيه ولا نصب. قال العلماء: لأنها جعلت بيت النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا هادئا وجعلته يرتاح ويطمئن ويسكن من الأذى الكثير الذي كان يحيط به، جازاها الله سبحانه وتعالى بأن جعل بيتها في الجنة لا صخب فيه ولا نصب، لا صخب فيه ولا نصب، وهذا من الجزاء من جنس العمل. خديجة هذه السند، خديجة هذه العظيمة، خديجة هذه التي كان يجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من إفضاء الهم ومن مشاركة الهم، توفيت رضي الله تعالى عنها.

ثم أيضا وفي نفس العام توفي أبو طالب، وزادت المصيبة في وفاة أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف عند رأسه قبل أن يموت وهو يحتضر، فقال له: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. يا عم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك وهو يستحضر أنه عمه، ويقول ذلك وهو يستحضر أنه ناصره، ويقول ذلك وهو يستحضر أنه مقبل على لقاء الله، يا عم.

بس قول لا إله إلا الله، أنت في حياتك لم توحد الله سبحانه وتعالى. كنت مثل ما يعبد قومك، والله له عليك حق، لكنك قمت بعمل طيب وعمل عظيم في نصرة الإسلام وهو أنك حميت النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، الآن قل لا إله إلا الله يا عمي، أنت.

خلاص، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله. كما في صحيح البخاري، قال الراوي وهو المسيب: وكان عنده أبو جهل وش اسمه، عبد الله بن أبي ربيعة أظن. فقال لأبي طالب: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ شوف كيف النجاة، النجاة في التذكير بملة عبد المطلب اللي هو أبوك. بعدين ما قالوا: ترغب عن ملة قريش، ها، يعني ما قالوا: تترك ملة قريش، ترغب عن ملة، لا، ملة عبد المطلب عشان يثيرون فيه الحمية. أترغب عن ملة عبد المطلب وهما من السادة والكبار الآن يخاطبان؟ آه، قال المسيب كما في صحيح البخاري: فأبى أن يقول لا إله إلا الله.

أبى أن يقول لا إله إلا الله، وهذا فيه تأمل أيضاً كبير جداً من ناحية أثر الصحب السيء. أثر الصحبة السيئة، أثر اعتبار الإنسان، تقريب الإنسان واعتباره لأناس غير مؤمنين. فتألم النبي صلى الله عليه وسلم. طبعا لما توفي، ولما توفي تألم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لأستغفرن لك ما لم أُنه عنه. ثم نزل النهي في قوله سبحانه وتعالى: مَّا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وَمَا كَانَ اسْتِغْفِارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ. فهذا من الأحداث المؤثرة جداً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة. كما قلت لكم سمي هذا العام عام الحزن، فقد النبي صلى الله عليه وسلم فيه السند الداخلي اللي هو خديجة، الداخلي أقصد داخل البيت.

وفقد السند الخارجي من الناس طبعا، وهو أبو طالب، وهنا انفرطت السبحة، انفرطت سبحة الأذى. وقريش التي كانت تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بالكلام وأحياناً يعني، مرة يخنقه أحد عند البيت، ومرة يضعون سلا وكذا، وكانوا يخافون من أبي طالب ويعني يحسبون له ألف حساب، الآن انفرطت السبحة وقريش تجرأت جرأة كبيرة إلى أن وصلوا بعد ثلاث سنوات من وفاة أبي طالب أن تعاقدوا وتعاهدوا على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.

خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى الطائف باحثاً عن السند، باحثاً عن أن يكون معه أحد، باحثاً عن أن يؤويه أحد، باحثاً عن أن يستجيب أهل الطائف فيحموا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم الآن لا يفكر في نفسه كشخص، هو يفكر في نفسه كدعوة، كرسول، كنبي، من يؤوي هذا النبي يا جماعة؟ تخيلوا أشرف من وطئ الثرى على الإطلاقات النبي صلى الله عليه وسلم يدور بين الناس، يبحث فقط عن من يحمي هذه الدعوة وهذه الرسالة. ذهب إلى الطائف، قابله أهل الطائف بشر ما يقابل به إنسان، وطردوه وأغروا به سفهاءهم، يعني حرضوا السفهاء والصغار والناس، يلا روحوا شوفوا هذاك الرجل، روحوا، يلا تكلموا عليه وسبوه وارموا عليه بالحجارة، وصاروا يرمونه بالحجارة ويستهزئون به ويتكلمون عليه عليه الصلاة والسلام وهو ذهب وهو مأمل أن يجد عندهم ما فقده عند قريش، وأن يجد فيهم من يحميه ويؤويه بعد أن لم يجد في قريش من يحميه ويؤويه بعد أبي طالب، وإن كان حتى حماية أبي طالب هي حماية مؤقتة وليست حماية حقيقية لدعوة الإسلام.

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم مهموماً محزوناً، يعني لا يكاد النبي صلى الله عليه وسلم يجد متنفساً يستشعر معه شيئاً من سعة الحال. وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى في مثل ذلك الموقف أو قريبا منه فقال: فانطلقت وأنا هائم على وجهي. هائم على وجهي، تعرفوا كيف؟ هائم على وجهي يعني خرج النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الهم أخذ يمشي لا يعرف وين يمشي، يعني هائم على وجهي هذا اللي يخرج إلى غير وجهه. يعني أنت الآن تخرج من البيت رايح المسجد، خلاص أنا رايح المسجد، رايح المدرسة، رايح عند صاحبي فلان، رايح هذا، أنا الآن خرجت قاصداً كذا. لما تقول: خرجت هائماً على وجهي، يعني خرج هو ما يعرف وين يروح، بس ماشي، من ايش؟ من شدة الهم الذي نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم وانسداد الآفاق القريبة الملموسة المحيطة به من حوله.

وفي ذلك الحال جاءه ملك الجبال مع جبريل عليه السلام وقال له: ما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. تريد أني أطبق عليهم الجبلين ويخلصوا هؤلاء الذين آذوك واتعبوك وأخرجوك وطردوك وكذبوك الآن في لحظة واحدة؟ وهذا حديث صحيح، ملك الجبال يقول: الله أمرني أن أفعل ما تشاء، إن أمرتني الآن أطبق عليهم الجبال ينتهون الآن. هنا يأتي المعنى العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، التفكير المستقبلي، المعنى الرسالي، الرحمة النبوية. طب هؤلاء لو ماتوا الآن، خلاص. طيب لو بقوا أحياء؟ صحيح أنه سيأتيني منهم أذى، لكن ممكن يخرج منهم أناس مؤمنون.

ثم واساه الله سبحانه وتعالى بحادثة أو بقضية الإسراء والمعراج، وكانت حدثاً عظيماً هائلاً جداً جداً، سيكون في اللقاء القادم بإذن الله تعالى. لكن خلينا ناخذ بعض الفوائد السريعة جداً مما مضى. الفائدة الأولى هي أن الإنسان الذي يتبع طريق الأنبياء لابد أن يتعرض لابتلاءات، لأنه بقدر موافقتك للأنبياء، خاصة في الدعوة والإصلاح، بقدر ما ينالك شيء مما نالهم. والنبي صلى الله عليه وسلم ناله، لو اخذنا نعدد الآن نقول: يلا ايش اللي نال النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى في مكة؟ راح نعدد أشياء كثير، كثير جدا.

فاليوم اخذنا نوع جديد من الأذى الذي تعرض له وهو الحصار، تقدر تقول مثل السجن، يعني. وأيضاً ناله أن ذهب يلتمس الناصر فطرد وأغري به السفهاء ورمي بالحجارة عليه الصلاة والسلام. وغير الأذى كله الذي تكلمنا عنه سابقاً، طبعا بعدين في المدينة أيضاً تعرض لأذى كثير وطعن في زوجته، ضرب، شج وجهه في أحد وكسرت رباعيته، إلى آخره مما تعلمون. فإيش الفائدة؟ الفائدة هي أن أشد الناس بلاء هم الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، ثم من بعدهم من الصالحين، وكلما ازداد اتباعك للنبي صلى الله عليه وسلم وازددت تأثيراً في الناس وإصلاحاً واتبعت النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الإصلاح واستفدت من طريقة الأنبياء وسرت داعياً إلى الله وحده، لازم تعرف أنك ستبتلى، لازم تعرف أنك ستبتلى، فبقدر إيمانك وزادك وعلمك واستعانتك بالله يكون ثباتك لله تعالى.

الفائدة الثانية، وقد ذكرتها، وهي خطورة الصحبة السيئة وتأثير الصحبة السيئة على أبي طالب، حتى أنهم قالوا له، هم الذين أغروه عند موته بأن لا يقول لا إله إلا الله، ولو لم يكونوا موجودين لربما كان استجاب للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام.

الفائدة الثالثة هي أن الإيمان شرط لقبول الأعمال، وأن تحقيق العبودية لله هي أعظم الحقوق، وأنك ولو عملت أعمالاً كثيرة جداً ولم تحقق عبودية الله فإنها لا. ولذلك أبو طالب عمل كثيراً، نعم خفف عنه العذاب؟ نعم صحيح. ولكن لن يكون من أهل الجنة، لن يكون من أهل الجنة، فليش؟ لأنه لم يحقق الشرط الأعظم والأهم، لم يحقق العبودية الأساسية، الحق الأعظم الذي لله سبحانه وتعالى هو خلق، كن عبداً لله. النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: قل لا إله إلا الله، يا عم قل لا إله إلا الله. لم يقل لا إله إلا الله، مع أنه عمل وعمل وعمل وعمل. فلذلك الفائدة هي ايش؟ أن تحقيق العبودية هو الحق الأعظم وهو الشرط الأكبر فيما ينفع الإنسان.

الأمر الرابع هو أن المصلح الإنسان المتبع لطريق الأنبياء يحتاج إلى الصديق المعين، يحتاج إلى المعين المؤنس الذي يخفف عنه الهم، يفهم منه ما يحزنه وما يضايقه ويمسح عنه ويخفف عنه، وهذا كان دور خديجة رضي الله تعالى عنها، ولذلك لما فقدها حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً، وكان هذا عام الحزن. وأمس كنا في أنوار الأنبياء كنت أتكلم عن هذه القضية، أن الله سبحانه وتعالى جعل لموسى آيات العصا واليد وقال له وكلمه مباشرة، ومع ذلك لما طلب من الله قال: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. يعني حتى ولو كان نبياً ولو كان قد رأى الآيات ولو كان قد رأى البراهين ولو كان قد كلمه الله مباشرة، مع ذلك يحتاج معه في حياته إلى القريب المعين المشارك الناصر إلى آخره. هذه كلها من فوائد اليوم.

والفائدة الأخيرة هي ضرورة أن يكون الداعية أن ينظر للمستقبل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى المستقبل وقال: أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً. ولذلك لم يجعل القضية أنه يعذبون الآن، مع أنه لو قال له: أهلكهم أو أطبِق عليهم الأخشبين، لهلكوا جميعاً، وما كان شيء خطأ أبداً، بالعكس هم الذين كذبوا وأذوا وصبر عليهم خلاص، ومع ذلك صبر النبي صلى الله عليه وسلم، وبالفعل خرج من أصلابهم من يعبد الله، فخرج من صلب أبي جهل عكرمة، وخرج من صلب عقبة بن أبي معيط أم كلثوم بنت عقبة، وخرج من صلب عتبة بن ربيعة أبو حذيفة وغيرهم من الصحابة ومن سادة المؤمنين.

جزاكم الله خيراً على مشاركتكم وحضوركم، وإن شاء الله لنا لقاء قادم في أبجديات الثقافة في سلسلة الحالة المكية. اللقاء القادم إن شاء الله سيكون عن الإسراء والمعراج، وربما نأخذ أيضاً بعض الأمور الأخرى، ثم يبقى بعده لقاء أخير في بيعة العقبة وفي الهجرة، أو بيعة العقبة إذا استطعت أن أخذها أيضاً للققاء القادم يكون حسناً. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.