الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
يا أهلاً وسهلاً ويا مرحباً بطلاب الجيل الصاعد في سلسلة أبجديات الثقافة الإسلامية للجيل، ضمن سلسلة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وهذا هو اللقاء الرابع بعد ما أخذنا فاصدع بما تؤمر، وكيف أنه النبي صلى الله عليه وسلم صعد على الصفا ونادى يا صباحاه، واجتمع الناس وقال لهم: أرأيتم لو أنني أنذرتكم أو قلت لكم إن خيلاً خلف هذا الوادي أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. وهنا حصل التكذيب، واستمرت سلسلة التكذيب والمبالغة في التكذيب حتى وصلت إلى العداء، وتحدثت عن تعذيب الصحابة، وعذب الصحابة، وتحدثت عن الأذى الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم، وسلا الجزور الذي وضع عليه وهو ساجد، وكل هذا ضمن السنوات الأولى في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه.
اليوم سأتحدث عن قضية لم أذكرها سابقاً، وهي قضية نفس الدعوة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعرض للأذى والصحابة يتعرضون للأذى. طيب هو فقط الصورة كانت أنه في أذى وفي ناس صابرين، أو في دعوة؟ والدعوة هذه إيش طبيعتها؟ وإيش اللي كان يدور في مكة وفي أروقتها؟ هذا أمر مهم جداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وظيفته الأساسية هي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. قل هذه سبيلي، إيش أسوي؟ إيش أعمل؟ أدعو إلى الله. على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين. طيب كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في تلك المرحلة التي كان المشركون فيها قد أغلقوا الأبواب؟ ماذا كان يفعل؟
النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ الأسباب المتعددة والمتنوعة ليوصل رسالة الإسلام إلى أولئك المشركين. فمثلاً، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغل ويستثمر يعني استثماراً حسناً أي مواطن تجمع حتى يبلغهم الرسالة، حتى لو خارج مكة. فمثلاً كان العرب عندهم سوق، هذا السوق يعني خلينا نقول هي لما إحنا نقول سوق ونتصور أنه سوق مثلاً سوق شعبي ولا مول ولا مدري إيش، ما راح نتخيل الصورة؛ السوق هذا يعني أشبه ما يكون بالمهرجان السنوي الكبير في الجزيرة العربية، في المهرجانات الكبرى اللي يجونها الناس من المدن، أشبه ما تكون باحتفالات الأعياد، مثل كذا كان العرب عندهم أسواق. ومثلاً سوق عكاظ، وسوق ذو المجاز، وكانوا يجتمعون فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليهم ويدعوهم. ولذلك جاء في مسند الإمام أحمد فيما أذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سوق ذي المجاز يدعو الناس فيقول: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. ويجتمع الناس عليه، وخلفه رجل ذو غديرتين، وشعره طويل له ظفيرتين، وضيء أحول، يقول: إنه صابئ، إنه كذاب، إنه صابئ، إنه كذاب، لا تصدقوه، لا تصدقوه. وهذا أبو لهب، فهذا أبو لهب؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يبادر، كان يذهب إلى الناس ليس فقط في مكة، حتى خارج مكة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاء موسم الحج، تعرفوا موسم الحج، يأتي الناس الحجاج إلى مكة وهم كفار، يعني كان الحج موجوداً في الجاهلية، فالنبي صلى الله عليه وسلم يذهب إليهم وينزل عند أماكن نزولهم في منى ويكلمهم ويحدثهم.
وفي نفس الوقت قريش كانوا يحاولون بمختلف الطرق أن هم يساوموا النبي صلى الله عليه وسلم لكي يقف عن رسالته. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقابل هذه المساومات بأمرين: الأمر الأول بالوضوح والصرامة والثبات والحزم، أنني أنا هنا لست لتحقيق مقاصدي، ولست لإرضاء خواطركم، وإنما لأبلغ الرسالة. اثنين: كان يبادر إلى الدعوة حين يأتون بمثل هذه المفاوضات، فيتلو عليهم القرآن. الوسيلة الأساسية لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة هي تلاوة القرآن وتبليغ القرآن للناس، وهم كانوا عرباً أقحاحاً يفهمون، يعني يعرفون يستوعبون، فكانت تلاوة القرآن بالنسبة لهم كالصاعقة؛ الصاعقة التي تهز كيانهم، والصاعقة التي تقول لهم من داخلهم: هذا حق، هذا حق، هذا ليس سحر، هذا ليس كهانة، هذا ليس شعراً. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك لهم مجالاً يمكن أن يسمعهم فيه القرآن إلا ويسمعهم فيه القرآن، والله سبحانه وتعالى قد أمره بهذا، أمره بأن يبلغ الدعوة بآيات متعددة، وأمره سبحانه وتعالى حتى في أهل الكتاب أن يجادلهم بالتي هي أحسن، أدعُ، الله سبحانه وتعالى يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
والنبي صلى الله عليه وسلم أحياناً كان من شدة حرصه على أن يبلغ الرسالة، ترى مو حرص النبي صلى الله عليه وسلم كان أنه يلا بننتصر عليكم، الحرص الأساسي للنبي صلى الله عليه وسلم كان هو في أن يبلغ الرسالة وأن يهتدوا، وكان أحياناً من شدة حرصه يكاد النبي صلى الله عليه وسلم يصيبه مرض شديد جداً أو حتى ممكن يهلك بسبب شدة حرصه؛ لذلك الله سبحانه وتعالى إيش يقول؟ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. يعني باخع نفسك، يعني مهلك نفسك بشدة حرصك عليهم لكي يؤمنوا، فإذا لم يؤمنوا تكاد تهلك نفسك، وهذا كله من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وحرصه عليهم.
ولأجل ذلك صار الموقف الذي أنزل الله فيه سبحانه وتعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ. منهم؟ من اللي استغنوا؟ من هو اللي استغنى؟ هؤلاء سادة قريش، فأنت له تصدى. النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص عليهم ويواجههم ويتعرض لهم حتى يبلغهم. ولما جاءه ذاك الأعمى وهو منشغل ببلاغ أولئك العتاة الكبار، وتفكير النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إذا أسلموا يسلم من ورائهم، لما جاءه الأعمى النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه، أعرض عنه لا يريد الآن أنه ينشغل بهذا، يريد أن ينشغل بالناس الكبار. فالله سبحانه وتعالى أنزل إليه القرآن وعاتبه بهذه الآيات، وقال: حتى هذا الأعمى هذا أولى أصلاً؛ لأنه هو الراغب، هو الراغب. وهذه رسالة للدعاة، رسالة للدعاة: أولى الناس باهتمامكم، أولى الناس باهتمامكم هم المقبلون، هم الناس الذين يبحثون عن الحق، هم الناس الذين يقولون قد فتحنا قلوبنا فقل لنا، قد فتحنا عقولنا فحدثنا. أما الناس المعرضون، والناس المستعلون، والناس المتكبرون، ما نقول إن الإنسان ما يدعوهم، ادعوهم، لكن لا يكون على حساب المقبلين، حتى لو كان المقبلون ضعفاء، حتى لو كان المقبلون ليسوا ذوي جماهير عريضة، حتى لو كان المقبلون ليسوا ذوي أسماء لامعة، لكن طالما أنهم مقبلون يستحقون الاهتمام أكثر من المعرض، ولو كان المعرض عنده جمهور كبير ولو كان قصدك هو أن تهدي شريحة كبيرة من الناس.
فخلال هذا كله النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعرض له، يقرأ هنا وهذا يأتي يناقشه فيقرأ عليه القرآن، وهذا يأتي كذا، ويأتي الناس إلى الحج فيكلمهم، ويذهب إلى السوق يكلمهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في ثنايا ذلك كله يواجه الكلام السيئ والأذى، يواجه الكلام السيئ والأذى. فكما قلت لكم قبل قليل: يقول في السوق يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، يأتي أبو لهب فيقول: كذاب صابئ لا تصدقوه، كذاب صابئ لا تصدقوه. كان شديداً جداً هذا على وقعها للنبي صلى الله عليه وسلم.
طيب لماذا لم تكن قريش مثلاً تقتل النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وتنهي الأمر؟ كان في عدة موانع، واحدة من أهم هذه الموانع هو وجود عمه أبو طالب. عم النبي صلى الله عليه وسلم، أبو طالب هذا كان من سادة قريش ومن كبارهم، وكان من المعظمين فيهم، وكانت قريش تعتبر قضية النسب وقضية أنك تكون صاحب شرف ووجاهة وما إلى ذلك، فكان أبو طالب قد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في حمايته. فجاءت قريش إلى أبي طالب وقالت: يا أبو طالب -شوف معنى الكلام- يعني إحنا نحبك وأنت أبو طالب والأمور تمام، لكن بصراحة ابن أخيك محمد قد آذانا، وتكلم على آلهتنا ويقول إنكم خطأ، ويقول إنكم غلط وباطل ومشركون، وكلام، طيب إحنا صراحة ما نرضى هذا الكلام، ما نرضى هذا الكلام. فذهب أبو طالب في البداية، ذهب أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: قومك وأبناء عمومتك قد كرهوا ما تقول، يعني لو خلاص توقف. فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلاماً عظيماً، قال النبي صلى الله عليه وسلم كلاماً يدل ويفهم منه ويعرف الناس كلهم أن القضية ليست قضية خيار شخصي، أنه لا تحسبوا أنه أنا والله كنت جالساً وبعدين قررت أنه أقول لكم لا تعبدوا الأصنام، هذا وحي من الله سبحانه وتعالى، أنا مأمور بأن أبلغه، وليس عندي خيار أصلاً في ألا أبلغ. لذلك قال: أرأيت هذه الشمس؟ ما أنا بأقدر على ترك ما أدعو إليه من أن تأخذوا منها شعلة، يعني شفت الشمس هذه بتقدر تاخذ منها شعلة؟ ما تقدر، حتى أنا مثل ما أنتم ما تقدروا على هذا، أنا ما أقدر أترك الدعوة. طبعاً مو هذا يعني أنه النبي صلى الله عليه وسلم ما يقدر يقرر أنه يترك، يقدر يقرر أنه يترك، بس يقصد إيش؟ يقصد أنه واجب عليه شرعاً، واجب عليه شرعاً أن يبلغ رسالة الله سبحانه وتعالى.
وهو عليه الصلاة والسلام أول من آمن بهذه الرسالة، وهو يعلم أنها حق، ويعلم أنها تستحق التضحية، ولكن كان حازماً مع عمه أبي طالب ليقول له: يا أبا طالب يا عمي، ترى القضية ليست قضية أنها آراء قابلة للنقاش، ليست القضية أنها نسبية، ليست القضية أنه لا، القضية: جاء الحق وزهق الباطل. القضية حق وباطل، إيمان وكفر، توحيد وشرك، وهذه القضية لا تقبل المجاملة ولا تقبل المداهنة. حاولوا، حاول مشركو قريش بمختلف الوسائل ومختلف الطرق أن يثنوا أبا طالب عن حماية النبي صلى الله عليه وسلم. جاءوا مرة إليه قالوا: يا أبا طالب، أنت الآن عندك النبي، عندك محمد ابن أخيك، وهذا يعني صحيح أنه محمد كل واحد من قريش يتمنى أن عندهم مثل محمد، لكن انظر هذا الشاب الآخر اسمه عمارة بن الوليد بن المغيرة، عمارة بن الوليد بن المغيرة أخو خالد بن الوليد، إيش رأيك؟ إيش رأيك إذا كانت القضية أنه شاب وكذا خذ عمارة، إحنا نتنازل عن عمارة، والوليد أحد سادة قريش الكبار، نحن نتنازل عن عمارة، خذ عمارة بن الوليد وأعطنا محمداً، واحد بدل واحد، وتبنى عمارة هذا واعتبره ابنك، وخلاص وتحل القضية. قال أبو طالب: بئس القسمة هذه والله، بئس القسمة هذه! أعطيكم ولدي لتقتلوه وتعطوني ابنكم لأغذيه؟ ما يصير، معادلة فاشلة، معادلة متناقضة لا يمكن.
ما عرفوا إيش سووا، قالوا: طيب يا جماعة خلينا نروح نفاوض محمداً بنفسه، خلينا نفاوضه. يا محمد، أنت إيش تبغى؟ تبغى الملك نوليك، تبغى نساء؟ اختر أجمل نساء قريش نزوجك عشرة، عشر نساء، تبغى إيش؟ إيش الذي أنت تريد، يعني أي شيء أنت مريض نجيب لك راقياً يقرأ عليك؟ من جد النبي صلى الله عليه وسلم يسمع لهم، هو يعرف أنهم في واد وهو في واد آخر، في واد آخر. فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا ليس شأناً، وليس طلبهم، ولا هو يفكر في مثل هذه القضايا: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ولذلك لما مرة جلسوا هم يتشاورون وقالوا: يا جماعة الوضع ما عاد نتحمل، فبس هو إذا كان ما يبغى ملكاً ولا يبغى نساءً ولا هو مريض، وما هو راضي يسكت وجالس يقول إنكم غلط، طب إحنا إيش نعمل معه؟ وإيش هو أصلاً؟
طيب يا قريش، ليه ما حطيتوا خيار أنه هو فعلاً رسول من عند الله سبحانه وتعالى وأن رسالته حق؟ لماذا لا تؤمنوا؟ هذا مثل الملحدين اليوم يا جماعة، ها يا شباب؟ مثل الملحدين اليوم، يجي يقول لك: والله الكون لما خلق كان مضبوطاً على قوانين وثوابت فيزيائية دقيقة جداً. إيه، طيب هذا دليل على إيش؟ والله يمكن دليل على نظرية مدري إيش، أو دليل على مدري إيش، أو دليل على مدري إيش. أيوه، طيب في خيار أهم من هذا كله، دليل على وجود الخالق سبحانه وتعالى الذي خلق الكون على هذا الإتقان. نفس الشيء يقولوا مشركو قريش، يفكر يقولوا: ساحر، مجنون، كذاب، كاهن، أيوه طيب الخيار الأصح؟ الأهم أنه هو نبي.
نبي من عند الله سبحانه وتعالى فقالوا يا جماعة احنا والله ما احنا عارفين هو ايش، لكن خلينا نفكر، خلينا نشوف، وخلينا، لذلك دعوني أقرأ لكم مثلا واحدة من القصص في هذا.
هذا أخرجه الإمام البيهقي رحمه الله تعالى عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر المواسم فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا. هذي الفكرة الآن إيش؟ أنه يا جماعة ترى دحين العرب كل ما جو تعرفوا مكة، مكة يعني راح أقول لكم والله احنا سمعنا الخبر خلاص، كل سنة محمد يقول أنا رسول من عند الله.
طب وأحنا إيش نقول عنه؟ احنا محنا عارفين إيش نقول عنه، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قول بعضكم بعضا. قيل يا أبا عبدشمس، أقم لنا رأيا نقوم به.
فقال: بل أنتم قولوا وأنا أسمع. فقالوا: نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهن، رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكهان. قالوا: نقول مجنون. فقال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقة ولا تخالجه ولا وسوسته.
فقالوا: إذا إيش؟ نقول شاعر. فقال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: نقول هو ساحر. فقال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفسه ولا بعقده. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ يعني أخلص علينا يعني، طب لا كاهن ولا ساحر ولا إيش، إيش نقول يعني؟ إيش نقول للناس؟
قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لجني، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا ساحر. أقرب شي، أقرب شي ساحر.
فتقول هو ساحر، السحرة ما يفرقوا بين المرء وزوجه، يفرق بين الرجل وامرأته، قال: قولوا ساحر يفرق بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته من ناحية الدين، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره، وأنزل الله في الوليد: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَر وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ، عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، ثم الآية الطويلة: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً، ثم إيش: كَلَّا وَالْقَمَرِ، وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ، وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ، إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ، نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ، لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ.
وكان هذا القرآن دائما إذا نزل ينزل شافيا رادا على شبهاتهم واشكالاتهم. وهذا واحد من، كما قلت، هو أهم وسيلة دعوية كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بها، هي قضية القرآن؛ الاستدلال بالقرآن، قراءة القرآن عليهم، مناقشتهم بالقرآن، جدالهم بالقرآن، تذكيرهم بالقرآن، وأنتم رأيتم كيف نزل القرآن شافيا في هذه القضية. ولذلك نجد مثلا في سورة الفرقان ردا على أقوال المشركين مثلا: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، هذي من الشبهات التي كانوا يطرحونها؛ أنت يا محمد تقول نزل عليك القرآن، طب يلا جيب لنا إياه مرة وحدة مع بعض، مو كل مرة تقرأ علينا شي. قال الله سبحانه وتعالى، الله هو الذي رد قال: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا. يعني الله ينزل القرآن مفرقا حتى يثبت فؤادك يا محمد، لأنه كل مرة أنت تمر بتحدي، وفي التحدي ذاك ينزل الله عليك آيات تكون شفاء وسكينة وطمأنينة. إذا تفريق القرآن لنثبت به فؤادك.
مثلا: وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، ثم يأتي الرد: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ، هذا رد من الله سبحانه وتعالى. طيب، أنا نسيت ثم قتل كيف قدر؟ تمام، نسيت أنا، جزاكم الله خير على التنبيه.
طيب، إذا إيش اللي كان يصير يا جماعة؟ اللي كان يصير إنه المشركين يأتوا ويقولون أنت ساحر أنت، فتأتي الآيات تنزل وترد وتشفي القضية. ثم يقولون أنت كذا كذا، لماذا لا تفعل كذا؟ تأتي آيات القرآن وتشفي القضية. فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم فيقرأ عليهم، ومرة حصل موقف عجيب عجيب عجيب جدا وهو يدل على ما يمكن أن نسميه سطوة القرآن، سطوة القرآن، وهذا من الموضوعات العظيمة جدا في تأثير القرآن.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مرة قام عند البيت، فقرأ على المشركين بصوت عال سمعه الجميع، قرأ عليهم سورة النجم: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ، من هو صاحبهم؟ النبي صلى الله عليه وسلم، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ، ثم استمرت الآيات حتى جاء العرض.
لاحظوا شوفوا المشهد من التالي: النبي صلى الله عليه وسلم، قريش تجتمع، الناس حاضرون، المكان مكة قريبا من الكعبة، المشهد النبي صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآيات، أولئك الذين يرونه كاذبا ساحرا كاهنا الكل تمام. أنصت، رفع بصره وأرخى أذنيه يستمع: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ، هذي اللي تعبدونها، وَمَنَاةَ الثَّلِثَةَ الْأُخْرَىٰ، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم. مين هذي اللات والعزى ومناة؟ مين هم هذول؟ مين اللي سماها اللات؟ مين اللي سماها العزى؟ مو أنتو! مين اللي صنعهم؟ وانتو أنتم اللي نحتوها وعملتوها أطلقتوا عليها هذي الأسماء، وهم يسمعون.
ثم يقول سبحانه وتعالى: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ، لأنهم كانوا يقولوا نحن نعبد الملائكة، بعضهم يقول نحن نعبد الملائكة بنات الله هكذا يقولون تعالى الله سبحانه وتعالى، وهم يشفعون لنا. الله يقول: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ، إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ، هكذا يرد الله عليهم، وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، فَأَعْرِضْ عَمَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ. إيش عندهم؟ أقصى ما يعرفه أمور دنيوية.
ثم تتابع الآيات ويأتي الحديث عن الله سبحانه وتعالى، وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو مات وأحيا، وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأن عليه النشأة الأخرى، وأنه هو أغنى وأقنى، وأنه هو رب الشعر.
ثم يأتي الحديث عن إهلاك الله من سبقهم من المشركين، وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى، وهم المشركون يستمعون، يعني التوتر يزداد والتحفز يزداد، وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل إنهم هم أظلم وأطغى، والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غش، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ، هَٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ، أَزِفَتِ الْآزِفَةُ، لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ، أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ، وَأَنتُمْ سَامِدُونَ، فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوهُ.
سجدوا كلهم، كل اللي حاضرين المشهد المشركين سجدوا بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوهُ. وكان موقفا مهيبا، حتى جاء الخبر خبر الغيب، خبر الغيب جاء أن الجن الذين كانوا حاضرين في ذلك المقام سجدوا؛ سجد المشركون والمسلمون والجن والانس الذين كانوا حاضرين في ذلك المكان، وكان مشهدا رهيبا مهيبا يدلك على سطوة القرآن وتأثيره وشدة نفوذه إلى قلوبهم.
ولكن ليس كل من عرف الحق يؤمن به، بل كما قال الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. ما راح يؤمن؛ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
تجدوا لماذا سجدوا وهم كفار؟ سجدوا من سطوة القرآن وتأثيره، لم يستطيعوا إلا أن يسجدوا. يعني ليست الفكرة أنه يستمع الآيات بأنه يقول الله جميل يلا خليني أسجد، لا لا، الآيات كانت كالسياط التي تقودهم إلى مربع السجود، حتى سجدوا، خروا سجدا من شدة تأثير القرآن عليهم.
ومع الأسف، ومع هذا كله، وبعد هذا كله لم يقابلوا هذه الدعوة بالاستجابة، وإنما قابلوها بالتكذيب، وزادوا الأذى والتعذيب على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعرضوا للنبي صلى الله عليه وسلم مرارا.
وقد ذكرت لكم في اللقاء السابق كيف آذوا النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك بقول في حديث نسيته لم أذكره في اللقاء السابق وهو في البخاري، عبدالله بن عمرو بن العاص سئل فقال: ما أشد ما لقي النبي أصلا من قومه؟ فقال: خرج عليه عقبة بن أبي معيط، فأخذ بثوبه؛ الثوب هذا مثل شفتوا الإحرام؟ الإحرام هذا اسمه ثوب، في خطأ من يأتيكم في الأحاديث أنه الثوب، لبس ثوبا، أخذ بثوبه، جذب ثوبه حتى أثر هذا، كل الثوب هو اللي الرداء هذا اللي هو زي الإحرام تمام، قطعة قطعة غير مفصلة، الثوب قطعة قماش غير مفصلة. فجاء عقبة بن أبي معيط أخذ ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وخنقه به، خنقه به وهو يصلي. هذا حديث البخاري: خنقه وهو يصلي، جاء فخنقه خنقا شديدا، فجاء أبو بكر الصديق فدفعه وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ.
هذا كان من المواقف، ومع الأسف هذا هو ما واجه به المشركين النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يواجهوا الحجة بالحجة، وإنما واجهوا الحق بالشبهات لا تنتهي. ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يجيب عليهم ويجيب عن شبهاتهم، ولكن لم يكن يجيب عن شبهاتهم بطريقة إنه يلا أي سؤال تسألوه أنا أجوبه، اسألوا يلا، كان يريد أن يقول لهم لا تشغبوا على الحق، أتيتكم بحق واضح اتبعوه، هذه الأسئلة التي تطرحونها والشكالات ليست هي محور النقاش، محور النقاش هو أساس الحق الذي جئت به.
واستمر الأذى حتى اضطر المسلمون أن يغادروا مكة إلى الحبشة، وهذا سيكون محور الحديث في اللقاء القادم بإذن الله تعالى. وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمين.
الشيخ أحمد السيد