الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، يا أهلًا وسهلًا ومرحبًا، يا حياكم الله وبياكم في هذا اللقاء من لقاءات أبجديات الثقافة الإسلامية، تحت سلسلة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة. واليوم وإن كانت السلسلة هي النبي في مكة، لكننا سننتقل من مكة إلى منطقة أخرى مرتبطة، يعني الحدث الذي يعني وصلنا إليه في التسلسل، سننتقل من مكة وننتقل من قارة آسيا إلى قارة إفريقيا، اه سننتقل إلى الحبشة، حيث اشتد الأذى بالمسلمين أو على المسلمين في مكة.
وصار اه أعلى شيء عندهم اللي هو دينهم الذي آمنوا به وفارقوا به دين آبائهم وأجدادهم، صار دينهم في خطر، وتعرضوا لابتلاءات شديدة جدًا. وكان كل واحد منهم بالإمكان أن يتخلص من الأذى بكل سهولة، وذلك بأن يقول: أنا تركت الدين، أنا تركت الإسلام، أنا لم أعد أتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم، إذا قال أحدهم ذلك اه فسيكف عنه الأذى. ولكن هم يعلمون أن أغلى ما يملكون وأعز ما يملكون وأجل ما يحوزون هو هذا الدين العظيم، ولذلك كان بالإمكان أن يتنازلوا عن الاستقرار، وكان بالإمكان أن يتنازلوا عن اه اتصالهم ببلادهم وبلاد آبائهم، وكان بالإمكان أن يتخلوا عن تجاراتهم ووظائفهم وأعمالهم التي كانوا يعملون بها، على أن يظفروا بدينهم.
ويا جماعة ترى هذه قضية اه من القضايا اللي اه كانت واضحة عند أهل الإسلام، وبشكل عام أهل الدين الصحيح حتى قبل الإسلام. وتعرفوا قبل الإسلام كان هناك أديان، قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك أديان نزلت من عند الله سبحانه وتعالى وبعث الله بها رسلًا، وكان هناك أهل حق يتبعون تلك الأديان، وأهل الباطل يعادون أصحاب تلك الأديان. كان من قديم أصحاب الحق الأولوية لديهم هي في دينهم؛ تأتي الأمور الأخرى رقم اثنين، ثلاثة، أربعة، لكن رقم واحد هو محافظتي على ديني. طيب، من يأتي لنا بمثال من السابق يشبه قصة الحبشة أو الهجرة إلى الحبشة، وناس تركوا أشياء كثيرة لأجل المحافظة على دينهم؟ ها، إيش في أمثلة من الأمم السابقة لأناس فروا بدينهم، تركوا أشياء كثيرة ولكن أهم شيء حافظوا على دينهم؟ ها، إيش المشاركات؟ مفتوحة الكتابة؟ خليه يفتح لهم الكتابات أسألهم، ها يا جماعة؟
طيب، يبدو المحادثة مغلقة، طيب ماشي، فخليني أنا أجاوب بعدين أسألكم سؤال لين ما يفتحوا المحادثة. المثال هو في أصحاب الكهف، وأكيد إنه لو كانت مفتوحة كنت راح تجاوبوا الجواب الصحيح في أصحاب الكهف. أصحاب الكهف تركوا اه بلدهم وتركوا أهلهم وتركوا حالهم التي كانوا يعيشون فيها، وخرجوا إلى الكهف فارين بدينهم فقط، فارين بدينهم فقط. وهكذا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في اه مكة بعد أن اشتد الأذى وتعبوا من اه شدة البلاء والتعذيب وخافوا على دينهم، أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يهاجروا إلى بلد آخر، يبتعدون فيه عن أذى قريش ويكونون فيه في مأمن، ويقيمون فيه دينهم.
وهذه البلد كانت بعيدة عن مكة، وكانت تختلف في عاداتها وطباع أهلها عن عادات العرب، وكانت اه يعني صعبة، اه المعيشة فيها صعبة جدًا، وهي الحبشة، آآ يعني إثيوبيا الآن. فذهبوا إليها، ذهب إليها آآ عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالًا ونساءً، ومنهم أناس من المعروفين، اه مثلًا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ومصعب بن عمير، والزبير بن العوام، وجعفر بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون، وأبو سلمة، وغيرهم من الصحابة، كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا إلى هناك، وتركوا معيشتهم المعتادة—لا، أبو موسى الأشعري ليس منهم—آآ تركوا معيشتهم المعتادة، وذهبوا إلى آآ أرض الحبشة آآ حتى يثبتوا على دينهم ويعبدوا الله سبحانه وتعالى هناك.
وهذا كما قلت لكم، أهم شيء نستفيد منه هو أن الثبات على الدين هو الأولوية بالنسبة للإنسان المسلم، وأنه يمكن أن يتنازل عن بعض الأمور الدنيوية إذا تعارضت مع ثباته على اه دينه وإسلامه. آآ هناك شعر الصحابة بالأمان، وأخذوا يعبدون الله سبحانه وتعالى في الحبشة رجالًا ونساءً. وكان آآ أحد الصحابة، واسمه عبد الله بن الحارث، كتب أبياتًا هناك، لما شعر بالأمان كتب أبياتًا وآآ كانت أبياتًا معبرة عن حالهم، فقال: يا راكبًا بلغن عني مغلغلةً ... من كان يرجو بلاغ الله والدينِ كل امرئ من عباد الله مضطهدٍ ... ببطن مكة مقهور ومفتونِ إنا وجدنا بلاد الله واسعةً ... تنجي من الذل مخزاةً والهونِ إنا تبعنا رسول الله واطرحوا ... قول النبي وعالوا في الموازينِ فاجعل عذابك بالقوم الذين بغوا ... وعائذًا بك أن يعلوا فيطغوني
واستمر الحال على ذلك إلى أن آآ حصلت حادثتان؛ الحادثة الأولى هي أن الملأ من قريش، كبار المجرمين، كبار الظلمة، كبار الكفار في مكة، قالوا: آآ لا يرضينا ولا يعني آآ يريحنا أبدًا أن يكون هناك أناس من قومنا يذهبون إلى منطقة بعيدة ويعبدون الله سبحانه وتعالى، اه نحن الذين نتحكم بمصير الناس الذين اه ينتمون إلى هذه البلد إلى مكة، ولا يحق لهم أن يعبدوا الله سبحانه وتعالى في مكان آخر. طيب دعوا، اتركوهم، قالوا: لا، لا بد أن نقطع عليهم الطريق ولا نجعل هذا الدين يتنامى. فأرسلوا رجلين، وهم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، أرسلوا رجلين إلى الحبشة حتى يعيدوا إليهم اه من ذهب من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
وكان اه من هذين اه كان اه يعني من الأساليب التي اتخذوها أنهم أخذوا اه هدايا، هدايا وخاصة من الجلود، وكانت يعني مما تتميز بها اه الجزيرة العربية. فأخذوا الهدايا إلى البطارقة الذين اه هم من حاشية النجاشي وهم نصارى طبعًا، أهدوا لهم هدايا جميعًا، ثم اه رتبوا فيما بينهم أنه ترى نحن سنكلم النجاشي عن هؤلاء الذين فروا اه من بلدنا، واستعملوا حيلة خبيثة. ماذا قالوا؟ قالوا: هؤلاء الذين فروا وجاؤوا إليكم، هؤلاء لم يتبعوا ديننا اللي هو دين الوثنية، ولم يتبعوا دينكم اللي هو دين النصرانية، وإنما أتوا بدين مبتدع، أتوا بدين مبتدع، فيعني ما في داعي إنهم يبقون في أرضكم، لا هم على ديننا ولا هم على دينكم، ناس ما نعرف من فين جايين ولا نعرف كيف يفكروا، وناس سفهاء، هكذا قالوا عنهم: سفهاء.
ويعني المهم آآ لما رتبوا مع البطارقة وأعطوهم الهدايا، هم يعرفون أن النجاشي صاحب عقل وصاحب شخصية، ما يتأثر يعني سريعًا، عشان كذا بدؤوا بالبطارقة أعطاهم الهدايا. آآ المهم لما اجتمعوا عند النجاشي، قال النجاشي: أنا لن أسلم هؤلاء الذين أووا إلي واختاروني أنا واختاروا بلدي لأنني عادل ولأنهم يأمنون هنا، هكذا أبيعهم مباشرة؟! لا والله، أولًا آتي بهم وأسمع منهم، فإن كان ما قالوه آآ بالفعل هو يعتبر شيء من السفاهة واللعبة، فابشروا أعطيكم إياهم، أما إن كانوا على خلاف ذلك، لا والله ما راح أعطيكم إياهم. وأتى استدعى الصحابة.
كان عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة وقريش بشكل عام كانت تخاف أن يسمع النجاشي من هؤلاء شيئًا عن الدين؛ لأنهم يعلمون أنه مؤثر اه تأثيرًا عظيمًا في القلوب. والصحابة أخذوا يتشاورون لما جاءهم الرسول من عند النجاشي إنه إيش نعمل؟ إيش نقول له الآن؟ فقالوا: ما تقولوا لهم إلا اللي قاله محمد صلى الله عليه وسلم مما تعلمونه. فاجتمعوا عند النجاشي وآآ سألهم عن دينهم، فقال لهم جعفر بن أبي طالب: كنا نعيش في جاهلية جهلاء، وكنا نعبد الأوثان، وكنا اه نفعل ونفعل ونفعل، ثم بعث الله إلينا رسولًا أمرنا بالتوحيد وبعبادة الله وحده لا شريك له، وبصلة الأرحام، وبالعبادة والصلاة، إلى آخره، وهذا هو الدين الذي نحن عليه، ما في شيء يعني آخر.
فقال لهم النجاشي: هل عندكم شيء مما جاء به آآ نبيكم؟ قالوا: نعم، عندنا سورة مريم، عندنا القرآن، وقرؤوا سورة مريم، وكان أن بلغت فيه آآ تأثيرًا عظيمًا، أثرت فيه تأثيرًا بالغًا، وبكى النجاشي رحمه الله تعالى، وقال: أشهد أن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة. نعم أسلم اه، ثم بعد ذلك حاول عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة أن اه يستعملوا حيلة جديدة، فقالوا أفضل شيء إيش؟ نروح نقول للنجاشي—هذا في اليوم الثاني—إنهم يقولون في عيسى عليه السلام قولًا عظيمًا. تعرفون النصارى بعد ما انحرفوا في الدين صاروا يقولون عن عيسى عليه السلام إنه ابن الله ويعتبرونه إلهًا، وهذا يخالف ما جاء به الإسلام.
لما جاء عمرو بن العاص وقال: إنهم يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، أرسل إلى الصحابة يريد أن يستفسر منهم: ماذا تقولون في عيسى؟ فالصحابة حملوا همًا، قالوا: ماذا نقول الآن؟ لو قلنا له: نقول إن عيسى عبد لله ورسوله وليس كما تقولون، ممكن يطردنا من بلده، فإيش نعمل؟ قالوا: ما في إلا الحق، ما في إلا تقولون الذي عرفتموه من الحق. وذهبوا، وذهب جعفر بن أبي طالب وقال: نقول عيسى هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، إلى آخره. فقال النجاشي: والله إن الحق لا يعدو الذي قلته. وهنا غضب البطارقة، يعني نخروا وحصلت مشكلة طبعًا للنجاشي كبيرة، وشعبه خرج عليه أصلًا، ولكن الحمد لله استطاع أن يتجاوز هذه الإشكالية.
عمومًا، كان في أحداث كثيرة في الحبشة لا أريد أن أطيل فيها. حصل حدث آخر وهو أنه تتذكروا لما كلمتكم عن سورة النجم، لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم النجم عند الكعبة و اه اه سجد المشركون، تتذكرون؟ سجد المشركون، هنا انتشر خبر أن مكة أسلمت لأنهم سجدوا، أيوة، فهنا آآ جاء الخبر للحبشة، فرجع بعض المهاجرين من الحبشة إلى مكة لما ظنوا أن مكة أسلمت، واستأنى بعضهم واستأخر لأنهم غير متأكدين. ولما رجعوا وجدوا أن الخبر غير صحيح، وبالتالي اه مم اه أكملوا المسيرة في مكة بنفس الإشكالات اللي كانت موجودة سابقًا من ناحية الابتلاء والصعوبة وما إلى ذلك.
وكان ممن رجع عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وممن رجع الزبير بن العوام، وممن رجع مصعب بن عمير، وممن رجع أبو سلمة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم. وبقي آآ المؤمنون هناك بقيادة جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ومعه زوجته أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها، ويوجد آآ أيضًا بقية كثيرة، من أراد أن يعرف أسماء الصحابة جميعًا الذين كانوا هناك، سواء الذين رجعوا أو الذين بقوا أو الذين ذهبوا، فليرجع إلى سيرة ابن هشام يجد فيها الأسماء اه جميعًا.
طيب، اه ما الذي حصل بعد ذلك؟ الذي حصل بعد ذلك هي مرحلة حصار الشعب، لكن مرحلة حصار الشعب هذه ستكون إن شاء الله في اللقاء القادم. الآن سأتحدث معكم عن اه نقطة مهمة جدًا حصلت، أو حادثة مهمة حصلت في تلك المرحلة قبل ما نأتي إلى مرحلة حصار الشعب، وهي اه حادثة حصلت لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وهذه الحادثة اه أخرجها الإمام البخاري في صحيحه، وأنتم تعلمون أنه لما نقول البخاري في صحيحه يعني قصة صحيحة تمامًا، يعني آآ أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في تلك المرحلة، مرحلة الاضطهاد والتعذيب ومرحلة يعني الذهاب خارج مكة، يعني سواء الحبشة أو اه التفكير في كيف المخرج من هذه الابتلاءات، قرر أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أن يخرج إلى الحبشة ويلحق بالصحابة هناك.
اه لماذا قرر أبو بكر الصديق أن يخرج إلى الحبشة؟ هو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يخرج؛ لأنه مأمور من الله سبحانه وتعالى، ولا يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلا إذا جاءه أمر من الله سبحانه وتعالى، ولم يكن بعد قد وجد النبي صلى الله عليه وسلم قومًا يؤوونه وهم الأنصار الذين جاؤوا بعد ذلك، وإنما كان الوضع في مكة لا يزال كما هو. فأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أراد أن يذهب إلى الحبشة مع الصحابة، فيكون هناك اه اه يستطيع أن يعبد الله سبحانه وتعالى، اه كما يعبده اه الذين فروا بدينهم وبقوا هناك مثل عثمان وغيرهم.
وحصلت قصة عجيبة لأبي بكر الصديق في طريقه إلى الحبشة، أخرجها الإمام البخاري في صحيحه وسأقرؤها عليكم الآن من صحيح البخاري نفسه، اه في اه الحديث رقم ألفين ومئتين وسبعة وتسعين، قال الإمام البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، يعني من يوم ما بديت أوعى على الدنيا وأنا من أول وعيي وأنا أدرك أن أبي وأمي قد أسلما.
طيب، ثم اه ذكر إسنادًا آخر، ثم قال: قالت عائشة رضي الله عنها: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، بكرة وعشية، يعني لشدة قرب أبي بكر من النبي صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه كل يوم مرتين، كل يوم يأتي إلى بيت أبي بكر مرتين. قالت: فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا قبل الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد—منطقة في الجنوب—لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ أين تريد؟ أبو بكر طبعًا معروف ورجل شريف في مكة، ومعروف حتى عند العرب يعني خارج مكة معروف أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
فقال ابن الدغنة: أين تريد؟ آآ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج؛ لأنه أنت يا أبا بكر الصديق إنسان شريف وإنسان يعني اه معروف بحسن الخلق، ومعروف بأنك لا تؤذي أحدًا ولا تظلم، لماذا تخرج؟ لماذا يخرجونك؟ ما الذي فعلته لهم حتى يخرجونك أو حتى يخرجوك؟ قال: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. هذا يذكركم بإيش؟ يذكركم بكلام خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له: لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، إلى آخره. فلاحظوا كيف إنه آآ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صاحبه هو أيضًا على الأخلاق العالية آآ وحسن العمل.
قال ابن الدغنة—وكان مشركًا—: وأنا لك جار. إيش معنى أنا لك جار؟ يعني أنا أجيرك وأحميك، أنت في جواري، في عهدي، في ذمتي، ارجع الآن إلى مكة نرجع سوا، وأنا أقول لقريش جميعًا أقول لهم: إن أبا بكر في جواري ولا أحد يمسه بسوء. قال: وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلادك. فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر، فطاف في أشراف كفار قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة.
يعني قريش قالت: تمام، ابن الدغنة إنسان معروف وكبير، يعني إيش؟ ما نقدر نقول له لا، وكان الجوار هذا عند العرب يعني شيء له اعتبار كبير، فأنفذوا جواره وآمنوا أبا بكر، آمنوه يعني، وقالوا لابن الدغنة: بس عندنا شرط. قالوا له يعني معنى الكلام: إن عندنا شرط، إحنا الآن قبلنا جوارك وقدرنا وجودك وقدرنا أنك أنت ذكرت هذا، إحنا عرب ونقدر الأعراف العربية ولكن عندنا شرط، قالوا: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل، وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا. قالوا له: تمام، خلاص ما راح نتعرض لأبي بكر الصديق، ما راح نتعرض له، ما راح نقتله ولا نعذبه ولا نسحبه في رمضاء مكة، ولكن بشرط أن يكون إذا أراد أن يعبد يعبد الله في داره، لا نريد أن يأتي عند الكعبة ويعبد الله؛ لأنه بذلك يسبب فتنة لأولادنا ونسائنا.
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره وبرز، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن. طيب أبو بكر الصديق إيش عمل؟ ما راح الأماكن العامة، لا، بفناء الدار بنى مسجدًا، مسجدًا صغيرًا يعني، مسجد حتى هذا ما يكون مثلًا مسقف وشيء، لا، غالبًا يعني بس إيش؟ محوط كذا، يعني بعض المساجد التي كانوا يبنونها في تلك المرحلة—حتى موجود بعضها إلى الآن ترى بالمناسبة في المدينة اه التي بنيت في أول الإسلام غير المسجد النبوي—يكون عبارة عن حجارة مثلًا آآ ارتفاعها ممكن تكون متر، متر مثلًا، اه؟ ومحراب كذا حق القبلة، يعني يكون مربعًا وله محراب من الأمام بس ما في سقف ولا هو مرتفع ولا شيء، فغالبًا يكون اللي بناه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بهذه الصفة والله أعلم.
أيوة، فإيش عمل؟ أبو بكر الصديق عمل اه بدل ما هو داخل الدار، داخل المبنى، داخل الغرفة، لأ، صار في الساحة، وكأنه الساحة يعني مفتوحة، فممكن إذا أحد مر من الخارج ممكن يرى أبا بكر وهو يصلي في المساحة المتعلقة ببيته اللي هي فناء الدار. أيوة، فكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه—وهو رجل خاشع إذا صلى يبكي، يعني اه اه يكون اه طيب—فيقول: أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان رجلًا، نعم أحسنتم، كان رجلًا أسيفًا، فكان أبو بكر رضي الله عنه يصلي فيه ويقرأ القرآن. إيش صار؟ فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، بدؤوا يجتمعون، كل ما صلى يأتي النساء والأولاد يجتمعون عند مسجد أبي بكر هذا الذي بفناء داره ويستمعون لقراءته، ويتعجبون من هذا القرآن ومن هذا الصوت ومن هذا الخشوع الذي كان عند أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
قال: يعجبون وينظرون إليه. قالت عائشة: وكان أبو بكر رجلًا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، أفزعهم، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر—حميناه بسبب جوارك—على أن يعبد ربه في داره، وإنه جاوز ذلك وابتنى مسجدًا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فآته، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
يعني يا ابن الدغنة، شوف، ترى نحن لا نريد أن نسود وجهك ونذهب نخرق العهد هذا، ولكن أحسن لك يعني عشان نقدر الأمور اللي بيننا، اذهب إلى أبي بكر وقل له أحد أمرين: يا إما يعبد الله في داره داخل الدار ولا أحد يسمعه، وإما أن يرد إليك ذمتك وجوارك وعهدك فما يكون في حمايتك. فذهب ابن الدغنة إلى أبي بكر وقال له: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، ما أحب أبدًا أن تنتشر عني سمعة يقولون العرب: ذمة فلان أو عهد فلان أو جوار فلان غير نافذ، عادي يعني أي أحد يخفر ذمته، لا، أنا لازم أقدر سمعتي هذه. قال: فإما أن ترد إلي ذمتي، وإما أن تقتصر على ذلك.
فقال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم—سبحان الله، يعني بعدها بفترة قليلة جاء الفرج—قال: قد أريت دار هجرتكم. يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا، رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا لم تأتِ الهجرة بعد، لسه في سنوات، لكن ها بدأت البشائر، رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا قال: رأيت دار هجرتكم، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين، وهما آآ الحرتان. وآآ بعد ذلك طبعًا إكمال الحديث طبعًا تعرفوا لما النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا سيأتينا إن شاء الله، لما آآ عاقد الأنصار على أنهم يؤوونه، بدأ المهاجرون أو المؤمنون يهاجرون إلى المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم.
قالت عائشة—أنا فقط أقرؤها لأنها تكملة الحديث—قالت: فهاجر من هاجر قِبَل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى آآ أرض الحبشة، وتجهز أبو بكر مهاجرًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك، انتظر، فإني أرجو أن يؤذن لي. قال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر، إلى آخر اه القصة، قصة الهجرة التي ستأتي إن شاء الله.
لكن هذا الآن قرأت عليكم الحديث كاملًا من صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وهذا الحديث فيه عِبَر كثيرة وفوائد جليلة وجميلة، وهو يعكس لنا عدة أمور؛ الأمر الأول يعكس لنا شدة البلاء الذي كان اه في مكة؛ لأن عائشة تقول: فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا قبل الحبشة، اه وأنت تدرك اه مقدار هذا البلاء أنه أبا بكر—وهو أبو بكر—خرج، يعني أنه البلاء شديد جدًا بحيث إنه الواحد ما كان يستطيع أن يعبد الله سبحانه آآ وتعالى.
الأمر الثاني هو أن القرآن له سطوة وتأثير وعظمة، وسبحان الله يعني إلى اليوم، إلى اليوم لو تتأملون في قصص الذين يسلمون الآن، تعرفوا ناس من فرنسا ومن ألمانيا ومن بلجيكا ومن أمريكا ومن بريطانيا ومن الفلبين اه ومن اليابان يسلمون، طيب يسلمون ليش؟ يسلمون لماذا؟ المسلمون آآ حالهم من الناحية المادية ضعيفة، ومناطقهم فيها حروب ومشكلات وفي فقر، والإسلام مشوه في الإعلام الغربي صباح مساء، وهم يظنون أن الإسلام هو دين العنف والقتل لآخره، وآآ يعني ليش يسلمون؟ لماذا؟ لا، والعجيب أنه تأتيك امرأة، امرأة أوروبية عايشة يعني بحالة مادية جيدة وتختار أنها تدخل الإسلام اليوم، ليه؟ لماذا تدخل الإسلام؟
أيوة، هذا لما يكون الإسلام نظرية فلسفية ولا دين أرضي ممكن تتعجب تقول ليش، بس لما يكون دين الله سبحانه وتعالى، ويكون ما نزل من القرآن، ها؟ يكون الكلام الذي نزل الذي هو القرآن كلام الله، يكون القرآن كلام الله الذي خلق الإنسان وخلق فطرته وخلق أجهزة الاستقبال لديه، فحين يأتي القرآن على فطرة سوية يؤثر فيها؛ لأنه كلام الله ليس كلام البشر، ولأنه دين الله ليس دين البشر. ولذلك تجدون اليوم كثيرًا ممن أسلموا أسلموا بسبب القرآن، أسلموا بسبب القرآن، وهناك أشياء كثيرة تثبت ذلك، مثلًا عندكم حلقات بالقرآن اهتديت، خاصة الموسم الأول والثاني، المقابلات التي اه كان فيها اه مع أناس أسلموا وهم كثر، استمعوا إليهم: ما الذي جعلكم تسلمون؟ كثير منهم يقول لك: القرآن، القرآن أبدًا.
آآ أذكر الشيخ إبراهيم السكران الله يعطيه العافية يا رب، اه كان كتب مرة نسيت أين، كان يقول: اه كنت أخذت فترة أبحث اه عن سبب إسلام كثير من الغرب، يعني أريد أن أتوصل إلى فكرة دقيقة هكذا، يقول: ما في فكرة دقيقة ولا شيء، يقول: وصلت إلى النتيجة أنه أغلب من أسلم أسلم بسبب القرآن. دايز يقول: الطريق للقرآن، ربما ذكرها في كتاب الطريق للقرآن، اه أسلم بسبب القرآن، فهذا القرآن كلام الله سبحانه وتعالى. وهنا النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الناس بالقرآن، وأبو بكر حين كان يقرأ القرآن كان هذا بحد ذاته هو السبب في تجمع أولئك المشركين، نساءً وأولادًا وأطفالًا، ويتأثرون بهذا القرآن، حتى خافت قريش على نسائها وأبنائها أن يتغيروا ويتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا القرآن تأثيره ليس فقط على النفوس ولا على القلوب، وإنما تأثيره أيضًا على الجمادات: لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. فهذا القرآن عظيم، لو كان قد نزل ليس على الناس وإنما نزل على جبل، لكان الجبل غير محتمل أو لا يتحمل هذا القرآن من عظمته آآ عظيم ما فيه. وكذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا. المحذوف تقديرًا هو: لكان هذا القرآن، لكان هذا القرآن.
طيب، الله يعطيكم العافية وشكرًا لكم على الحضور والمشاركة والمشاركات الجميلة حقيقة والإجابات الرائعة. آآ لنا اللقاء إن شاء الله اللقاء القادم آآ سيكون عن آآ حصار الشعب، ما الذي حصل في تلك المرحلة بإذن الله تعالى. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد