تسجيل الدخول

أبجديات الثقافة | النبي ﷺ في مكة ٠٢ | بداية الدعوة

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أج اجمعين. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً بطلاب وطالبات أكاديمية الجيل الصاعد، وبمن يشاهد الحلقة من غيرهم.

نحن في هذه السلسلة في أبجديات الثقافة التي هي بعنوان: النبي صلى الله عليه وسلم في مكة. هذه واحدة من سلاسل أبجديات الثقافة الإسلامية؛ تكلمنا عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، تكلمنا عن الخلفاء الراشدين، تكلمنا عن أمور أخرى، الشخصيات. والآن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وهي مرحلة مهمة جداً جداً لكي نتعلمها، وهذه المرحلة من المراحل التي تتماس معكم بصورة مباشرة.

لأن الفتيان في تلك المرحلة كان لهم دور كبير جداً، وإذا كنا نحن نتكلم عن أبجديات الثقافة للجيل الصاعد بهذا المصطلح، لننظر ما الذي فعله الجيل الصاعد في مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم. والذي يتأمل ما الذي فعله الجيل الصاعد في تلك المرحلة، ما يحتقر نفسه أبداً وما يقول أنا عمري خمس عشرة أو ست عشرة يعني ما أقدر أعمل شيء، أو أنا صغير، أو أنا يجب أن أكون تافهاً، لأنه هذا عمري هو عمر التفاهة، أبداً.

يوجد أناس عظماء في تلك المرحلة وبذلك العمر، حملوا رسالة الإسلام وتحملوا مع النبي صلى الله عليه وسلم. في الحلقة السابقة تكلمنا عن نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلمنا عن خديجة رضي الله تعالى عنها وموقفها مع النبي عليه الصلاة والسلام. تكلمنا عن ورقة بن نوفل وما الذي قاله للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال له إنه سيخرجك قومك، قال له معنى الكلام: ستتعرض للعداء، وهذه سنة الأنبياء. فالنبي صلى الله عليه وسلم استعد لهذا الابتلاء واستعد لهذا المعنى.

أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم آيات تأمره بالإنذار وبالدعوة إلى الله، فقال له سبحانه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ. هنا تحرك النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ ينذر الناس القريبين منه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بشكل خاص وبشكل غير معلن. لأنه لا يمكن الآن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به أحد إلا خديجة وعلي بن أبي طالب، وهو فتى عمره عشر سنوات. ولاحظوا هذا أول شيء، الآن العمر الصغير أو العمر للشباب، لا يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعلن للناس هذه القضية، يمكن أن يقضوا على دعوته مباشرة.

لذلك كان يعني بما الله سبحانه وتعالى وأمره به، كان يخبر بشكل تريث وخاص، حتى يعني يكون هناك عدد يمكن أن يحمل رسالة الإسلام. آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، آمنت خديجة أول من آمن على الإطلاق، وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وكان علي بن أبي طالب تحت تربية النبي صلى الله عليه وسلم، وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم مولاه زيد بن حارثة. وامن بالنبي صلى الله عليه وسلم أول الرجال الأحرار وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله وصديقه ومصدقه ومؤازره بنفسه وماله رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

ثم بعد ذلك بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعني يخاطب الأناس القريبين جداً؛ الآن لاحظوا: أول شيء زوجته، والفتى الذي تربى عنده، ومولاه، وصديقه أبو بكر الصديق. ثم بدأت الدائرة تتسع؛ يخبر النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الأشخاص، وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه نفسه بدأ هو أيضاً يتحمل مسؤولية البلاغ ويكلم من يعلم، من يثق فيه، أن هذا نبي وهذه رسالته وهذه آيات وبراهين.

فكان الدور الإيجابي العظيم لأبي بكر الصديق في بداية الإسلام يعتبر مدرسة حقيقية لمن يحمل هم الإسلام، لا يزال أبو بكر في أيامه الأولى ومع ذلك كان يدعو إلى الله سبحانه وتعالى. بدأت الدائرة تتسع؛ دخل في الإسلام الزبير بن العوام، ودخل في الإسلام سعد بن أبي وقاص، ودخل في الإسلام مجموعة من المقربين، مثلاً الأرقم بن أبي الأرقم، وبعضهم كانوا صغاراً.

مثلاً الزبير بن العوام لما أسلم كم كان عمره؟ مين يعرف يا شباب كم كان عمر الزبير بن العوام حين أسلم؟ ها في إجابات وأنا ماني شايف شيء. طيب، الزبير بن العوام -زي كلكم ذكرتم أرقام- لا، هو مو عشرة أو إطعش، لا، الزبير بن العوام تقريباً كان عمره ست عشرة سنة حين أسلم، هذا واحد من الأقوال المشهورة جداً.

الأرقم بن أبي الأرقم أسلم أيضاً وعمره ست عشرة سنة تقريباً، ولاحظوا الآن الزبير صغير في العمر، الأرقم صغير في العمر، علي بن أبي طالب صغير في العمر، وكذلك أسلم عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص ولم يكن كبيراً، أيضاً سعد بن أبي وقاص كان في هذا العمر تقريباً. بدأت الدائرة تتسع، وصار الناس يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجلس معهم حتى ما صار يتسع لهم بيته.

فجاء الأرقم بن أبي الأرقم وسخر بيته ليكون مكاناً لاجتماع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الأوائل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع بهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم. وهذا الأرقم بن أبي الأرقم كان من نفس العائلة التي منها أبو جهل، والتي منها بعض صناديد قريش الكبار، وكان هذا أدعى في عدم لفت الانتباه، لأنه هو من نفس العائلة المعادية، فما كانوا يتوقعون أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابَة ممكن يجتمعون في هذا المكان، بالإضافة إلى أن هو صغير، شاب صغير عمره ست عشرة سنة.

تخيلوا، الإسلام جاءت، جاءته مرحلة نشأ وترعرع في بيت فتى وشاب عمره ست عشرة سنة؛ الإسلام نشأ وترعرع في بيت شاب عمره ستة عشر عاماً. كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع بأصحابه، يتلو عليهم آيات الله سبحانه وتعالى، يعلمهم القرآن، يعلمهم يعني يرسخ فيهم المعاني التي ينزلها الله سبحانه وتعالى من السماء. وكانت هذه المعاني التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وكان يعلمها أصحابه، لم تكن معاني خلينا نقول فيها تطبيقات عملية كثيرة جداً وأحكام تفصيلية في الزواج والطلاق تفاصيل الوضوء.

لا، كانت القضية هي تأسيس العقيدة، تأسيس العقيدة وبناء النفس المؤمنة، النفس التي تؤمن إيماناً عميقاً وتاماً أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتؤمن إيماناً عميقاً أن ما عليه أولئك الناس من قومهم ومن بقية الناس من عبادة الأصنام ومن التعلق بغير الله أن هذا باطل، وأن الحق هو توجيه العبادة لله سبحانه وتعالى وحده، وأن مصدر المعرفة لهذا الطريق هو هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام الذي يبلغ رسالة ربه.

وهذا جعل الرسالة النبوية قوية جداً، جعل الرسالة النبوية قوية جداً، لماذا؟ لأنها ليست كثيرة التفاصيل ومشعبة الأجزاء وكثيرة الفروع؛ الرسالة واضحة ومحددة وقوية. لم تأتِ لقول الرسالة، النبي صلى الله عليه وسلم لم تأتِ لقول يعني هناك نسب للصواب؛ فقريش التي تعبد الأصنام عندها واحد في المئة، واحنا عندنا مثلاً خمسين في المئة، وفي عشرين في المئة عنده الرأي الآخر؛ لا.

جاء الإسلام ليقول: الطريق إلى الله واحد، والدين إلى الله، ودين الله سبحانه وتعالى واحد هو دين الإسلام، ومعنى الإسلام الاستسلام لله سبحانه وتعالى. وهذا الاستسلام معناه أن تسجد لله، وأن تتوكل على الله، وأن تحب الله، وأن تنقاد لأمر الله سبحانه وتعالى. اتسعت قلوب الصحابة حتى صار قلب الواحد منهم أوسع من الوادي الذي عليه مكة بأسرها.

هذا القلب الذي اتسع صار جاهزاً لحمل ما يأتي من عند الله سبحانه وتعالى. تشبيه القلب بالوادي؛ من يستطيع أن يأتي يشاهد له؟ مين يأتي بشاهد لتشبيه القلب بالوادي؟ أنا أقول: قلوب الصحابة من كثر ما تأسس فيهم الإيمان وصارت صالحة، صارت كالوادي الواسع الذي يحتمل الماء والمطر الذي هو الوحي.

يا سلام! أحسنت وأحسنت. قال الله سبحانه وتعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا، حمل كل من الناس بقدر ما في قلبه أو بقدر قلبه من هذا العلم الذي نزل من السماء. أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ إلى آخر الآية على قول طائف من المفسرين في تفسيرها بهذا المعنى.

طيب، ماذا نستفيد من هذا المعنى؟ نستفيد من هذا المعنى أنه لكي تلتزم أوامر الله على وجه التفصيل وتجتنب الذنوب والمعاصي، ولكي تعمل الأعمال والمنجزات العظيمة، لابد أولاً من اصلاح البناء الأساسي وإصلاح اعتقادك. والاعتقاد المقصود فيه في الإصلاح ليس مجرد القضايا العقدية النظرية، اللي هي مثلاً عقيدتنا في كذا واحد اثنين ثلاثة، وعقيدتنا في كذا واحد اثنين ثلاثة؛ هذا جانب.

لكن الجانب الأساس من العقيدة الذي أسسه النبي صلى الله عليه وسلم ليس معلومات نظرية، وإنما الذي أسسه هو أن يكون هذا القلب منقاداً لله سبحانه وتعالى معظماً له محباً له، وحاملاً أو قابلاً لتلقي الأوامر والنواهي؛ هذا صميم العقيدة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان القرآن ينزل في مكة كله في هذه المعاني، وفي ذكر الصبر على الابتلاء، وأنه هذه رسالة عظيمة ولها أعباء وسيترتب عليها تكاليف وسيكون هناك إشكالات، وسيكون هناك، وذكر لقصص الأنبياء، وذكر للجنة والنار. فتعلقت نفوس الصحابة أولاً بالله سبحانه وتعالى، ثم بالجزاء الذي ذكره الله من الجنة، خافت من الوعيد الذي ذكره الله وهو النار، وعرفت قيمة النور الذي وسطهم، الذي هو وسطهم الذي هو نور النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به.

فكان قلب كل واحد منهم أصلب في الحق من أعظم شيء يمكن أن تخيل أنه يكون ثابتاً، ثبتوا ثبات الجبال الشم الرواسي. ولذلك بعد فترة يسيرة بدأ مسلسل الابتلاء الشديد على هؤلاء الصحابة، فكانت أسهم البلاء والتعذيب تتكسر على صخرة الإيمان؛ كان الإيمان كالصخرة عندهم، تأتي الأسهم، أسهم التعذيب والابتلاءات، فتتكسر على هذه الصخرة.

بلال بن رباح يسحب في رمضاء مكة، رمضاء مكة، طبعا إن كنتوا يمكن ناس منكم ما يعرفوا إيش لمن تقول رمضاء مكة يعني قديش هي حارة، تمام ما تقدر أنت توقف مثلاً لو أنت إن خرجت حافياً في الظهر في مكة تبغى تمشي حافياً آآ ما تقدر تمشي يعني ما تقدر تتحمل، يعني لو تحملت دقيقة فهذا شيء خرافي يعني.

فكان ينزع لباس أو رداء بلال، ويوضع ظهره لاصقاً في الأرض الحارة الساخنة، ويوضع فوقه الصخرة، ولا يقال له إلا شيء واحد وهو: اكفر بهذا الدين! وهو يقول: أحد أحد أحد. إن شاء الله اللقاء القادم سأتكلم بشكل تفصيلي عن التعذيب، لكن الآن الفكرة الأساسية التي أريد إيصالها هي أن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة إنما عمل على تأسيس العقيدة لدى هؤلاء الناس، لدى هذا، لدى هؤلاء الجيل، لدى هؤلاء الحملة للرسالة.

ومرة أخرى ومهم جداً ومهم جداً جداً: العقيدة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم ليست، ليس المقصود بها هي مجرد المحتويات النظرية التي نجدها الآن في كتب العقائد. جيد، البعض يظن أنه لما نحن نقول: النبي صلى الله عليه وسلم أسس العقيدة في مكة، يقول: يلا أنا الآن بصير زيه، إيش أسوي؟ أروح أحفظ متناً في العقيدة، أو أحفظ أو أعرف إيش التصورات الصحيحة في باب الأسماء والصفات ولا في الإيمان ولا في القدر أو إلى آخره.

هذا عقيدة تمام، لكن ليس هذا هو المقصود، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود هو تأسيس القلب القانت لله سبحانه وتعالى، تأسيس القلب المحب لله سبحانه وتعالى، تأسيس القلب الخاضع لله سبحانه وتعالى، تأسيس القلب المستسلم لله سبحانه وتعالى والمستعد لأن يتحمل الابتلاءات في سبيل أولوية هذه العقيدة وهذا الدين. هذا القلب الذي لا يستقي تصوراته إلا من هذا الدين، هذه هي العقيدة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم، وبلا شك أن هذه لا تأتي إلا على عقيدة نظرية أصلاً صحيحة.

طيب، أولئك الصحابة الصغار في السن؛ سعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، والأرقم بن أبي الأرقم، وعلي بن أبي طالب وأمثالهم، نعم كانوا صغاراً في السن، ولكن كان أحدهم إذا رأيته على يمينك أو رأيته على شمالك أنت ترى مكانه أو تخيل أنه يعني أنه جبل من الجبال. لا يخطر في بالك أبداً أن هذا الثبات الذي استمروا عليه والصدق الذي قاموا به وتحمل الأعباء الذي عملوه، لا يخطر ببالك أبداً أنه لأعمار هكذا.

والكيف يمكن لشخص عمره ست عشرة سنة أن يعرض نفسه وبيته للخطر بأن يكون محلاً لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته وهو في هذا العمر مسؤولية وتحمل ورجال؟ رجال لم يكونوا أبداً هذا المستوى الضعيف أو الخامل.

وبعد ذلك بعد ذلك يعني حصل تطور في هذه القضية، وهو أن الدعوة انتقلت إلى مرحلة الجهر، والله سبحانه وتعالى أمر نبيه أن يجهر وللناس بهذه الدعوة. وترتب على هذا الجهر وجود الأذى القوي، ثم ترتب على وجود هذا الأذى القوي من الأمور: قتل أناس من هؤلاء الصحابة الذين أسلموا ومنهم نساء، هاجر أناس ذهبوا إلى أرض الحبشة في أفريقيا، وبقي أناس جورين، تركهم أهلهم، أهلهم تركهم وحوصر أناس في منطقة وحبسوا فقطعوا لا يناكحون ولا يبايعون ولا ولا.

وكانت هذه الشدائد متوالية ومتتالية، ولم يكن هناك سبب حقيقي للصمود أمام كل تلك الابتلاءات لولا أن تلك العقيدة التي نزلت في قلوب أولئك الجيل.

كانت عقيدة عظيمة قوية متينة، ومن شأنها وصفتها وطبيعتها أنها عقيدة تؤدي إلى أمل وليست عقيدة نظرية مجردة.

لقاؤنا القادم بإذن الله تعالى سيكون عن مرحلة الدعوة الجهرية، وما الأذى الذي حصل وترتب على هذه الدعوة. إن شاء الله سيكون هناك يعني تفاصيل فيها، ما أدري هل سنصل إلى هجرة الحبشة أو لا، لكن بإذن الله سيكون الحديث عن هذا المعنى.

والله يعطيكم العافية، وجزاكم الله كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.