طيب، الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، نحمد الله سبحانه وتعالى ونثني عليه ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. أما بعد، نستعين بالله ونستفتح اللقاء الثاني من سلسلة الموضوعات التي ابتدأتها في اللقاء السابق، وهي ضمن السلسلة العامة تعتبر لقاءنا الثالث، لكن اللقاء الأول كان أسئلة المرحلة، موضوع منفصل.
من اللقاء السابق ابتدأت بالحديث عما يمكن تسميته بمركزيات الإصلاح. أنا أول شيء تكلمت عن أسئلة المرحلة، أنه نحن في مرحلة فيها تساؤلات كبرى، وركزت في التساؤلات على أي شريحة؟ تذكرون شريحة العاملين والمهتمين بالشأن، بشأن الإسلام، بشأن الأمة الإسلامية، بشأن دينهم. لم أتحدث عن عموم الناس، جيد أن هذه الشريحة عندها تساؤلات جديدة في هذه المرحلة، وهذه التساؤلات في هذه المرحلة ينبغي أن تكون محل عناية واهتمام.
إيش هي هذه التساؤلات؟ قسمنا التساؤلات إلى ثلاث دوائر كبرى، وكل دائرة فيها مجموعة من الأسئلة. طيب، الذي ينبني على ذلك هو سؤال: أين الطريق؟ أين الطريق؟ طيب، يعني بعد هذه التساؤلات وهذه المشكلات وهذه الدوائر وهذا الواقع الذي نعترف جميعاً بصعوبته وإشكاليته، نحن من رزقنا الله سبحانه وتعالى الاهتمام بشأن مصيرنا وبشأن أمتنا وبشأن ديننا، أين الطريق؟ ما الذي نبدأ به؟ ما الذي نهتم به؟ ما الذي ينبغي العناية به؟
وعنونت هذا الجواب عن هذا السؤال بمركزيات الإصلاح. مركزيات الإصلاح يعني هناك ملفات مركزية، هذه الملفات المركزية ينبغي العناية بها؛ لأن العناية بها هو عناية بشأن من أهم قضايا الإصلاح التي يمكن الاشتغال بها. بدأنا في اللقاء السابق بالقضية الأولى، اللي هي ايش كانت؟ تعزيز مرجعية الوحي، وأن تعزيز مرجعية الوحي هي واحدة من القضايا الكبرى التي تعين في ترتيب الملفات وترتيب الأولويات، تأسيس أي قاعدة يمكن أن يبني الإنسان عليها مشروعاً إصلاحياً.
جيد، هذه فقط الآن حتى بس نكون في الصورة، الآن نبدأ في القضية الثانية التي تعتبر من قضايا مركزيات الإصلاح. تمام يا أبو حميد؟ اللقاء الماضي كنت متجاوباً بشكل جيد، نبغى اللقاء هذا كمان.
طيب، اليوم العنوان سمعتموه سابقاً وأنا أفردت له محاضرة كاملة، ولكني سأتناوله اليوم من زاوية معينة متعلقة بمركزيات الإصلاح. إيش هو هذا العنوان؟ العنوان هو مركزة المركزيات. مركزة المركزيات لفظان؛ لفظ متعلق بالمركزيات، ولفظ متعلق بالمركزة. اللفظ المتعلق بالمركزيات هو موضوعي لا ذاتي؛ المركزيات نفسها موضوعي يعني مركزيات ما لها دخل فيك أنت، مركزيات هي موجودة دائماً، هي مركزيات في ذاتها؛ يعني في الدين فيه مركزيات معينة، جيد؟ طيب، المركزة هي شيء ذاتي؛ أنه أنت الذي تضع أولوياتك بناء على أولويات المركزيات التي هي موجودة أصلاً.
ممتاز، إحنا عندنا مركزيات موجودة في الدين وعندنا ناس ملخبطة. جيد، المركزة هي أن تعيد ترتيب ملفاتك وأولوياتك بناء على ملفات أو خلنا نقول مركزيات الدين، فتصير في ترتيب لطبيعة النظر. الشريعة مترتبة على قضية المحكمات والمركزيات. لاحظوا أنا أتكلم الآن تحت عنوان كبير اللي هو ايش؟ لا عنوان كبير أكبر منه، مركزيات الإصلاح. لاحظوا أنا الحين أتكلم عن مركزة المركزيات، لا تنسوا العنوان الكبير، إحنا نتكلم عن الإصلاح ترى.
جيد، وبالتالي السؤال الذي من المفترض أن نجيب عنه في النهاية هو إيش؟ ما علاقة ايش بايش؟ ما علاقة مركزة المركزيات بـ كذا، واضحين والأمور تمام.
طيب إذا إحنا عندنا مركزة المركزيات، راح نتكلم عنها وأمورها ونربطها بعدين بالإصلاح. ليش مركزة المركزيات مهمة في الإصلاح؟ ليش الإنسان ما يقدر ينطلق في الإصلاح بشكل صحيح إذا ما كانت المركزيات عنده مرتبة بشكل صحيح وما وضعها هو بشكل صحيح؟ ممتاز، وبناء على ذلك سأدخل في موضوع مركزة المركزيات بشيء من التفصيل، وفي كل فقرة أو كل بعد مرحلة أحاول أن أقول: وبناء على ذلك ترى هذا الرابط بينه وبين الإصلاح، هذا الرابط بينه وبين الإصلاح. طيب.
أول شيء، مركزة المركزيات شرحتها مسبقاً بالنص التالي: هي إعطاء كل أمر شرعي قيمته التي جعلها له الوحي، والعمل على ضوء ذلك من جهة الأولوية والاهتمام. إعطاء كل أمر شرعي قيمته التي جعلها له الوحي، والعمل على ضوء ذلك من جهة الأولوية والاهتمام. طيب، هذه المركزيات التي هي خلنا نقول من جهة الشرع والوحي وهي الأساس، وأيضاً تحدثت عن شيء من المركزيات المتعلقة بالواقع وهي إعطاء كل مشكلة في الواقع قدرها من الاهتمام بحسب قيمتها في الشرع وأثرها في الواقع.
إعطاء كل مشكلة بالواقع قيمتها بمقدار قيمتها في الشرع وأثرها في الواقع. طيب، هذا لما نحن نقول إعطاء كل أمر شرعي قيمته التي جعلها له الشرع وجعلها له الوحي، هذا معناه أنه فيه افتراض مسبق، وهو أنه هناك مرجعية، وأنه إيش؟ يا سلام عليك، هذا فيه افتراض مسبق وهو أنه ترى ما جاء في الوحي لم يأتِ على مرتبة واحدة، وإنما ما جاء في الوحي جاء على مراتب، هناك مهم وهناك أهم. جيد، طيب ايش الدليل على ذلك؟ أن الوحي لم يأتِ على منزلة واحدة ولا مرتبة واحدة، الأدلة كثيرة جداً، ذكرت مجموعة كبيرة منها في محاضرة مركزة المركزيات لن أعيدها هنا، لكن أذكر سريعاً بعض أمثلة.
مثال واضح، الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وستون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. واضح الحديث تماماً، كله إيمان الآن، هذا كله إيمان بضع وستون وفي رواية بضع وسبعون شعبة، كلها إيمان، ولكن هذه التي كلها إيمان فيها أعلى وفيها أدنى وفيها شعب بينهما.
لاحظوا في الواقع ترى في بعض الناس عندهم انقلاب، خلينا بس في هذا الحديث، في بعض الناس يشوفوا أن إماطة الأذى عن الطريق أعلى شعب الإيمان، يمكن ما يصرح بس تحس أن المشروع الذي ممكن تصلح الدنيا إذا صار فيه تنظيف للشوارع من بعض الشغلات وإزالة الكتابات العشوائية في الجدران عملنا بعض الأمور، خلاص نكون عملنا مجتمع نظيف وسوينا حضارة. طبعاً هو مو بالبساطة هذه، بس أنه أحياناً تحس أن فيه مبالغات في بعض القضايا. نعم إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وهي من الإيمان بلا شك، وهذا يجعل الإنسان يحتسب في مثل هذه الأعمال، لكن ترى هي أدنى الدرجات من البضع والسبعون أو بضع وستون شعبة. طيب.
حديث آخر، النبي صلى الله عليه وسلم قال لأحد الصحابة: لأعلمنك سورة هي أعظم السور أو أفضل السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، ثم قال له: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته. هذه أعظم سورة في كتاب الله. وفي الحديث الآخر -وهذا حديث صحيح- لما النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب: لأعلمن أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ فكر أبي بن كعب، استنتج أنها اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم بل وهنأه على هذا العلم العظيم الذي استطاع به أن يستنتج أعظم آية في القرآن. وهذه طبعاً أنا يمكن علقت عليها كثيراً لكن تستحق التعليق مراراً وتكراراً، أنه هذه هي نجاح المدرسة التربوية النبوية، لأن أبي بن كعب ما جابها بدون معطيات سابقة، المعطيات السابقة التي لأجلها استنتج أبي بن كعب أن آية الكرسي هي أعظم آية، المعطيات السابقة هي التربية النبوية التي رباهم فيها النبي صلى الله عليه وسلم على أن العلم بالله والحديث عن الله وما يتعلق بذلك هو أعظم قضية في الدين أصلاً، وهي التي ينبني عليها ما بعدها من قضايا الإسلام ومن قضايا الدين. وهذه نتيجة عظيمة جداً. طبعاً في مقابل ذلك نجد في المحرمات نفس الشيء، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ، وهذه الآية بطبيعة الحال تتحدث عن حالة عدم التوبة، وإلا فبالتوبة حتى الشرك يغفر، لكن الشرك أعظم المحرمات وفيما دون ذلك في تفاوت. جيد، وفي السبع الموبقات وفي أكبر الكبائر، وفي إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. هذا كله يؤكد أنه بالفعل الدين فيه تفاوت.
طيب يلفت انتباهي كثيراً هذا الحديث الجميل، هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم في تبليغ الدين بالمركزيات، لما يبلغ الناس سواء من الأعراب أو من الملوك، لمن يرسل الناس الذين يعلمون الدين، يعتني النبي صلى الله عليه وسلم بأن تصل المركزيات. في الحديث الصحيح في مسلم والبخاري جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، زعم رسولك أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، قال الأعرابي: فمن خلق السماء؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال ووضع ما فيها؟ قال: الله، قال: فأسألك بالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب الجبال ووضع ما فيها، آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: فأسألك بالذي أرسلك، وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فأسألك بالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: اللهم نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صدقة في كل سنة تؤخذ من الأغنياء فترد إلى الفقراء، آلله أمرك بذلك؟ قال: اللهم نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صيام شهر في سنتنا، آلله أمرك بهذا؟ قال: اللهم نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، فأسألك بالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: اللهم نعم، قال: والله لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دخل الجنة إن صدق. إيش الفكرة؟ الفكرة شوفوا يا جماعة، أن هؤلاء الذين يحيطون بالمدينة وفي أطراف الجزيرة العربية وصلتتهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلتتهم الدعوة وصولاً غير عشوائي. إحنا الحين نتكلم عن الدعوة ونتكلم عن الإصلاح، مركزيات الإصلاح تمام، وصلتتهم وصولاً غير عشوائي. الآن هذا انعكاس عن الذي وصل، إيش اللي وصلهم من الدعوة؟ فلما جاء يتأكد ما ذكر تفاصيل كثيرة في الدين، ذكر أركان الإسلام، يا محمد هذا هو الدين؟ هذا اللي أرسلك الله؟ نعم، ترى ما راح أزيد عليه. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: دخل الجنة إن صدق. وهذه تكشف عن اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأن إيصال هذه القضايا الكبرى بقيمتها الكبرى تظل في النفوس بمثل هذه القيمة وبمثل هذه الأولوية.
طيب، الآن هذا كله ما سبق ذكرت فيه تعريف مركزة المركزيات، وذكرت أنه هذا التعريف يقتضي أن الدين أصلاً متفاوت المراتب، وذكرت الأدلة على ذلك. جيد؟ طيب، اليوم نحن في السياق الإصلاحي، طبعاً سأذكر كثيراً من التفاصيل لا زال هناك بقية في مركزة المركزيات، لكن في أي سياق إصلاحي اليوم يريد أن يقوم مقام الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالأنبياء عليهم السلام في الإصلاح، فلا بد أن يراعوا أمرين في مركزة المركزيات، أو يراعوا مركزة المركزيات في مقامين اثنين، وعلى هذين المقامين سأكمل في بقية الموضوع.
المقام الأول: مقام البناء، يجب أن يُبنى المصلحون ويُربى الطلاب اليوم على مركزيات الدين ومحكماته وعلى هذا الفقه في الدين. المقام الثاني: مقام العطاء، بحيث أن الدعوة يراعى فيها في أثناء أدائها، في أثناء تبليغ الرسالة وإيصال مقتضيات أو مضامين هذا الدين، يراعى في ذلك أيضاً المركزيات وقضية الأولويات. فنحن نحتاج إلى المركزيات في باب البناء ونحتاج إلى المركزيات في باب العطاء، وبالتالي كلامي هذا يشمل أو يخاطب به المربون والدعاة والمصلحون في خطابهم لطلابهم.
ومع الأسف إذا نظرنا في الواقع سنجد أن كثيراً من صور الواقع فيها خلل كبير في التربية على المركزيات. ما أظن في أحد ما يربي طلابه على مركزيات معينة، بس عاد تشوف إيش هي المركزيات هذه، تشوف إيش هي المركزيات. أحياناً تكون المركزيات التي يُربى عليها الطلاب هي ضلال فرقة معينة، وهذا تعرفونه في الواقع موجود، يعني الطالب عنده خلاصة ما يخرج به من الحلقة بعد خمس سنوات أمرين، أنه يحب القرآن ويكره هؤلاء؛ أنا ما أتكلم أنه يكره ولا ما يكره، أتكلم أنه فيه قضيتين مركزيتين في الكون عندهم، جيد؟ قضية أن القرآن حفظ وتعلموا الدين، وقضية أن هؤلاء كذا. هذه مركزية تُربى عليها. جيد، إيش الآثار السلبية التي يمكن أن تنشأ من مركزة المركزيات الخاطئة؟ عادي، ماشي، أنت عندك إشكال مع هؤلاء تقول إنهم مو كويسين، قول بكيفك بعدين نتناقش.
بس الفكرة في أنك خليتها قضية مركزية، هذه خيانة للدين، وخيانة لهؤلاء الطلاب؛ لأنه الذي يحصل بعد ذلك في الواقع أنه هو لا يستطيع أن يفهم الدين ولا الواقع ولا أن ينطلق في أي مشروع إصلاحي ولا دعوة، بمعزل عن هذه الخصومة وعن هذه المركزية الكبيرة التي جُعلت له في سياق التربية والتنشئة.
ولأجل ذلك، طريق الإصلاح اليوم يبدأ بأن تكون التربية في البداية على مركزيات صحيحة، وأن تكون هذه المركزيات مستمدة من مرجعية الوحي، وأن تفهم خارطة الأولويات بناء على خارطتها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم بعد ذلك لو تتذكروا في البداية أنا قلت عندنا مركزيات في الشرع ومركزيات في مشكلات الواقع. حتى مشكلات الواقع ترى يجب أن يربى الطالب على أنها درجات وأنها متفاوتة.
طيب بس معليش ايش الدليل؟ إحنا قلنا تذكروا المركزيات اللي في الواقع، مشكلات الواقع، بناء على ايش؟ كيف نعرف مشكلات الواقع؟ بناء على قيمتها في الشرع وتأثيرها في الواقع. جيد، طيب في بوصلة المصلح ذكرت معايير تفصيلية دقيقة أنه كيف نعرف تأثيرها في الواقع إذا كانت كذا، إذا كان امتدادها كذا، الآن مو مجاله. جيد، بس أنا بذكر سؤالاً: هل في دليل شرعي من مرجعية الوحي على أن المشكلات في الواقع متفاوتة وبناء عليها يمكن أن تتفاوت أولويات الإصلاح غير النصوص العامة التي تدل على أنه فيه أكبر الكبائر والكبائر وهذا اللي ذكرتها؟ لا، في الواقع نفسه.
ها، يا سلام عليك، صح، ممتاز، رائع، هذا هو الدليل بشكل واضح. الدليل على أن هناك أولويات في الإصلاح تتفاوت بناء على أشكالها في الواقع هو أن الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه لم يتفقوا جميعا على معالجة نفس المشكلات، غير المشكلة الأساسية التي موجودة في كل زمن، وهي المشكلة المتعلقة بالعبودية لله وحده. جيد؟ فهذه اتفق الأنبياء على معالجتها التي هي وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ. هذا أمر متفق عليه.
ولذلك، بس هذا تعليق سريع، أي دعوة في واقع يكون فيه خلل في اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ما تراعي هذه القضية فهذا خلل في الأولويات، ما يكون فيه تركيز على قضايا الإيمان والتوحيد، إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، تعظيم الله سبحانه وتعالى، اجتناب الطاغوت إلى آخره. إذا ما فيه تركيز، فيه خلل في الواقع في هذه وما فيه تركيز عليها، هذا خلل في الأولويات الإصلاحية. جيد؟
طيب، بس وين الدليل الآن؟ في الجواب الذي تفضل فيه الأستاذ هو أن الأنبياء ما بين نبي وآخر تفاوتت المشكلات التي ركزوا عليها. بناء على ايش؟ هل بناء على قيمتها في الشرع فقط؟ يعني لوط عليه السلام ركز على مشكلة الفاحشة، شعيب ركز على مشكلة الميزان والتطفيف فيه التطفيف في المكيال والميزان. هل التركيز الذي حصل من لوط عليه السلام على مشكلة الفاحشة ولم يحصل من شعيب على نفس المشكلة، هل هو لأجل أن مشكلة الفاحشة أعظم في الشرع من مشكلة التطفيف في المكيال والميزان؟ ليس لأجل هذا، وإنما لأجل ايش؟ تأثيرها في الواقع. جيد؟
طيب، مع الاتفاق على أن كلتا المشكلتين عظيمتان في الشرع، هذا متفق عليه، لكن لماذا ركز لوط عليه السلام على هذه المشكلة؟ ولماذا ركز شعيب عليه السلام على هذه المشكلة؟ لماذا تفاوت؟ لماذا ارتبط اسم لوط عليه السلام في كتاب الله بمعالجة مشكلة الفاحشة؟ وارتبط اسم شعيب عليه السلام في كتاب الله بمعالجة هذه المشكلة؟ لأن تلك المشكلة كانت منتشرة في واقع الأمة التي بُعث إليها كل نبي من هؤلاء، وهذا هو المستند الشرعي لفكرة مركزة المركزيات من ناحية مشكلات الواقع.
طيب إذاً، لما نقول إحنا عندنا مركزة المركزيات في الإصلاح لها مساران، ايش المسار الأول؟ في البناء، والمسار الثاني؟ العطاء. الآن في مسار البناء وفي مسار العطاء، يجب أن أربي من أربيه في البناء أو حتى أنا في تكويني الذاتي -يا أخي أنا ماني مربي مثلاً تمام- أنا عندي بس الطريقة بطلب العلم الشرعي، أبغى أتعلم ديني، أبغى أتعلم أتفقه، يصير عندي وعي شرعي، أياً كان عندي خطة سنوات سبع سنوات، ركز الآن على قضية أن هذه المركزيات الكبرى، طبعاً سأذكر وسائلها. بما أني ذكرت الآن سأذكر، خليني أذكر بعض الوسائل. بعض الوسائل في قضية البناء، بعد شوي أجي في قضية العطاء.
إذاً لنطرح السؤال التالي: إذا قلنا أن مركزة المركزيات في الإصلاح يجب أن تكون على مسارين؛ مسار البناء ومسار العطاء، فالسؤال الآن: كيف يمكن لنا أن نراعي هذه المركزيات في سياق البناء؟ كيف نراعي هذه المركزيات في سياق البناء؟ طيب، الجواب أولاً بأن يكون لدينا فقه وتعلّم وحرص على إدراك ما هي مركزيات الدين أصلاً، ومن ثم التركيز عليها. وأنا في هذه السلسلة -بإذن الله تعالى- التي هي مركزيات الإصلاح، سأتناول مجموعة من المركزيات كل واحدة أفردها بمحاضرة. يعني مثلاً اللقاء القادم إن شاء الله عن مركزية التزكية. جيد، مو لأتحدث عن التزكية وتفاصيلها، لا، لأتحدث عن فكرة مركزية. جيد؟ بعدين مثلاً مركزية العمل وهكذا، ففيه مركزيات معينة هذه ينبغي أولاً أن تُفقه.
الأمر الثاني، هو الإدراك التام بأن السبيل لفهم مركزيات الدين هو مرجعية الوحي، وبالتالي أن يقرأ كتاب الله ويُتدبّر ويُدرس ويفهم فهم من يريد أن يفقه هذا الدين، وأن يعرف ما هي القضايا الكبرى التي اعتنى الله سبحانه وتعالى بإبرازها في كتابه. وهذا يعني -خلنا نقول- هذا هدي من الهدي الذي يمكن أن يكون فيه إحياء عظيم جداً لنفوس المؤمنين، وهو أن نعيد علاقتنا بكتاب الله سبحانه وتعالى ليس بناء على مركزية الحفظ والأداء والإتقان اللفظي -على أهميته- وإنما بناء على مركزية التفقه والتدبر والاهتداء بهذا الكتاب العزيز، هذه قضية في غاية الأهمية.
ويعني خلنا نقول أن يقرأ الإنسان كتاب الله سبحانه وتعالى وهو يبحث في هذا الكتاب العزيز عن مركزياته وعن أموره العظيمة. ودائماً تذكروا أبي بن كعب لما أدرك بفقهه أنه آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله. دائماً تذكروا هذا، كيف أدرك مكانتها؟ أنت المعلومة هذه تعرف أخذتها قبل المدرسة أعظم آية هي آية الكرسي، بس أبي بن كعب كيف وصل لهذه المعلومة؟ صعبة ترى، والله صعبة. يعني أنت تخيل أنك تسأل هذا السؤال وما عندك أي خلفية عن فضل آية الكرسي بنص معين. جيد؟
فأنت من عندك، من استنباطك كذا، تبغى تحاول أنك تصل إلى هذه النتيجة، هذه النتيجة صعبة جداً جداً، يعني أقصد يبغى لها مشوار في الفقه. لذلك ترى لا تظنوا أنه من قليل ضرب النبي صلى الله عليه وسلم على صدره وقال: وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ، وهذا حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجاب أُبَيّ هذه الإجابة ضرب على صدره وقال: وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ. يعني لتهنأ بهذا العلم العظيم الذي وصلت إليه أُبيّ بن كعب أنك استطعت أن تعرف ما هي أعظم آية في كتاب الله. معلومة خطيرة جداً، خطيرة جداً. أنت الآن ترى عندك مركزيات جاهزة، عندك نصوص فيها واضحة، ما كانت قبلها واضحة لأُبيّ بن كعب.
ولذلك إحنا نقول: كيف نعرف المركزيات؟ الأمر الثالث: النظر فيما جاء النص فيه في الشريعة على أن هذا أهم من غيره أو أولى من غيره أو كذا. يعني أنت حتى عندك في الأذكار، عندك أذكار مثلاً استغفار، وفي سيد لها. جيد، وهذا في البخاري، تعرفون سيد الاستغفار. طيب، أنت من يوم ما تسمع سيد الاستغفار أو لما تسمع لم يأتِ أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل مثله أو زاد عليه، هنا لازم أنت عندك نظامك الاستنباطي الانتباهي في كتاب الله في سنة رسول الله لازم يشتغل على طول، من يوم ما تسمع "أعظم"، "أفضل"، "أكبر"، "أولى" على طول ركز.
جيد، فعندك زي ما قلنا في الذكر سيد الاستغفار، خلاص سيد الاستغفار هذا أنت في نفسك كإنسان مسلم لابد أن يكون له مكانة، قصة استثنائية، سيد الاستغفار، وهكذا في بقية الأمور. طيب، لذلك الخلاصة في قضية البناء، من أهم الوسائل التي تعزز مركزة المركزيات هي أن يكون هناك عناية في قراءة كتاب الله، سواء في الحلقات التدبرية الجماعية، في الجلسات القرآنية، في القراءة الذاتية، أن يكون هناك تركيز واعتناء بالتفقه في كتاب الله، تفقه من يريد أن يفقه المحكمات والمركزيات والأمور الكبرى والعظيمة مع تعظيمه لكل كتاب الله تعظيماً عظيماً وبالغاً.
طيب، لما نيجي نتكلم عن ناحية العطاء في المركزيات، فهنا لازم نتكلم عن وعي بالواقع، ما يصير واحد يجي يقول مركزيات الإصلاح في الواقع وبعدين هو ما عنده وعي بالواقع، هو ما عنده وعي، ما يعرف ايش! إحنا مو قلنا الأنبياء ليش اعتنوا؟ واحد اعتنى بمشكلة الفاحشة و... هذه لأنها مؤثرة كثير في الواقع صح؟ طيب، إنسان عنده عزلة عن هذا الواقع لا يمكنه أن يصل إلى حقيقة الفقه الإصلاحي. لا يمكن أن يصل إلى حقيقة الفقه الإصلاحي، لأن الفقه الإصلاحي لا يكفي فيه الفقه في الشرع، وإنما يجب أن يكون فيه فقه أيضاً في مشكلات الواقع.
جيد، وهنا مشكلة كبيرة جداً موجودة في واقعنا اليوم، بمعنى أنه هناك من لديه اشتغال كثير في العلوم الشرعية والنصوص الشرعية وما إلى ذلك، لكن إذا نزل إلى الواقع تقول له: ليتك على قول أبو إسحاق الألبيري: فليتك ثم ليتك ما نزلت. جيد، والله فعلاً ليتك ثم ليتك ما نزلت، يعني الله يكثر خيرك لو سويت كم بحث في قضايا معينة شرعية نظرية وفي مكتبتك، يكون كثر الله خيرك وما قصرت أبداً. من يوم ما ينزل البعض للواقع يصير فيه لخبطة، ليش؟ ما فيه فقه في هذا الواقع، ما فيه إدراك في قضية ايش المؤثر فيه. والعجيب أن واقعنا مشكلات وفيه مركزيات واضحة. يعني الغريب ألا يبصر البعض مثل هذه المركزيات على وضوحها.
طيب خلاصة الكلام: من أراد أن يكون له فقه في الإصلاح اليوم، فلا بد أن يجمع بين الأمرين في مركزة المركزيات؛ الأمر الأول هو أن يُبنى على مركزيات صحيحة بحيث يفقه الدين هذا الفقه، وأن يتعامل مع المشكلات -مشكلات الواقع التي يعالجها تحت عنوان الإصلاح- تعاملاً صحيحاً، بإدراك مدى تأثير تلك المشكلات في الواقع ومدى حساسيتها في الشرع. فإذا اجتمعت في المشكلة أنها مما عظم الشرع القول فيه، ثم هي مشكلة منتشرة في الواقع، مؤثرة في الواقع، فهنا يكون لها أولوية في قضية المعالجة وقضية الإصلاح.
طيب، هذه قضية ثالثة في شرح قضية مركز المركزيات. القضية الرابعة: ما الذي يترتب من الإشكال على أن ينزل الإنسان في سياق الإصلاح دون أن تكون مركزة المركزيات لديه قضية واضحة؟ ما الذي يترتب على ذلك من الفساد؟ يترتب على ذلك من الفساد طبعاً، سواء الخلل كان هنا أو هناك في الفقه نفسه أو في تصور مشكلات الواقع، تنشأ مجموعة من المشكلات المؤثرة في سياق الإصلاح.
المشكلة الأولى: مشكلة الغلو في الدين. الغلو في الدين بناء على ايش؟ يا سلام، مركزة مركزيات خاطئ. ترى شوفوا يا جماعة لما أقول غلو في الدين لا يجي في بالكم فقط التكفير والمدري ايش، لا لا، ترى الغلو في الدين في كل الاتجاهات، الغلو في الدين في كل الاتجاهات، جيد؟ فهمتوا الفكرة؟ يعني فيه غلو في الدين في اتجاهات مفرطة، وفيه غلو في الدين في اتجاهات مفرطة.
الغلو في الدين لا ينحصر، فكرة الغلو يا جماعة ترى اللي يفهم فكرة الغلو في الدين ويستطيع أن يفقه الدين فقهاً حقيقياً دون غلو فيه، والله يكون قد أصاب خيراً عظيماً؛ لأنه مشكلة الغلو هي مشكلة تطرأ على المتمسك بالدين لا على المعرض عنه، جيد؟ وإحنا تعرفوا اليوم المشكلة أنه ارتبط عندنا اسم الغلو فقط -خلنا نقول بين قوسين- بما يسمى مثلاً التطرف وما إلى ذلك، ولا شك أنه فيه غلو في الدين في هذا الباب كبير، لكن الغلو في الدين ترى موجود عند كل الطوائف، كل الاتجاهات، كل اتجاه عنده قضية مركزية معينة هي خاطئة في الدين فيعظمها ويقدسها ويقيس الأمور عليها، فهذا عنده غلو في الدين. مشكلة الغلو في الدين مشكلة خطيرة جداً، عموماً الكلام فيها طويل لا يسع التفصيل فيها الآن.
المشكلة الثانية التي تترتب على الخلل في هذه القضية هي مشكلة قراءة الدين وتفسير الدين قراءة خاطئة بناء على المركزيات الخاطئة، يعني وحدة نسوية -بين قوسين نسوية إسلامية- جيد، هي تشوف أنه الدين جاء لواحد اثنين ثلاثة تمام، وخسارة قضية مركزية عنده، حتروح تقرأ القرآن والسنة قراءة بناء على هذه المركزيات، تمام؟ تسوي شخاميط في الآيات، تقلب الدنيا فوق تحت، اللغة العربية تنضرب في الحائط، الدنيا تروح يمين يسار، ما فيه مشكلة، أهم شيء التفسير يلتئم مع المركزيات التي بناء عليها قرأت. ولما تقتنع بهذا ثم تقدم هذا كنموذج إصلاحي، أنه يا جماعة الخير نحن من أربعة عشر قرناً قد عطلنا عقولنا عن قراءة الدين قراءة صحيحة ولا يمكن أن يصلح واقع.
اليوم إلا إذا قرأنا القرآن قراءة تتناسب مع طبيعة الأنثى التي، مدري إيش، تتصل بحقيقة، إلى آخره. المشكلة أنه صار عندنا إشكال مضاعف؛ أنه في فقه خاطئ، وفي مركزيات خاطئة، وفي دعوة خاطئة، وفي إصلاح خاطئ.
صار الذي يعتقد نفسه أنه جالس يصلح، أنت تحتاج كمصلح أنك تروح ترمم وراءه؛ فبدلاً ما كان فيه خمسة آلاف وستمئة مشكلة في الواقع، صارت خمسة آلاف وستمئة وواحد، بناءً على هذا المشروع الإصلاحي الفاسد. واضحة الفكرة؟ وهذي من أخطر الأشياء التي تترتب على المركزيات الخاطئة. ما واحد عنده مثلاً مركزية المدنية، قضية الحضارة المادية، أنه هذه مركزية في الدين، وأنه أصلاً الدين جاء لهذا المعنى؛ أنه الدين أصلاً جاء ليعمر الناس الأرض عمارة مادية. الذي يفهم الدين بهذه الطريقة ترى يجيب العيد، نجيب العيد. ليش يجيب العيد؟ الرسل بعثوا إلى الأقوام وكلهم عندهم حضارات مادية، وَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ. هذه القضايا إذا كانت هي عندك أصلاً مقاصد الدين، طيب إيش سووا الرسل؟ هم ليش قالوا للناس إنكم في النار؟ ليش يعني هل أقوام الرسل تمموا كل المقاصد التي خلقوا لأجلها بس باقي عليهم التوحيد والدين؟ بس هذا اللي كان باقي عليهم، حققوا المقاصد والآن؟
فلما تكون مركزية الدين عندك بهذه الطريقة، آآ تعيد قراءة الشريعة قراءة خاطئة وفاسدة، وبالتالي مشاريعك البحثية التي تقدمها، مشاريعك الدعوية التي تقدمها، وتقدم بناءً على مركزيات خاطئة. بينما إذا خليت المكان في القضية في موضعها الصحيح، وأنه بطبيعة الحال آآ خدمة الواقع وخدمة الناس وخدمة المسلمين بمثل هذه المشاريع المدنية والبنية التحتية وما أدري إيش، هي بلا شك من الأمور الجيدة والحسنة في الدين، واللي ممكن يتقرب الإنسان بها إلى الله. ممتاز، كذا إحنا حبايب ما في مشكلة.
بس أعطِ القضايا حجمها، لا تخليها هي قضية من قضايا المركزيات الكبرى التي وجد الخلق لأجلها. لا، أهدأ شوية ورتب الأمور بناءً على الترتيب. هذا من الإشكال الذي آآ يعني يقع فيه من يكون عندهم مركزيات خاطئة. آآ على أية حال، هناك إشكالات كثيرة يمكن أن تنشأ عن الخلل في المركزيات، وهذه شرحتها أيضاً بشكل مفصل في محاضرة مركز المركزيات، لذلك أرجو أنه يعني يكون في اتباع لهذه المحاضرة بمحاضرة مركز المركزيات؛ لأنه في بعض الأمور ذكرتها هنا، وفي أمور كثيرة لم أذكرها هنا. طيب.
الآن بالنسبة لقضية الواقع والإصلاح فيه وما يتعلق بالمركزيات، الإنسان يحتاج، المصلحون في هذا الزمن يحتاجون إلى فحص لهذا الواقع؛ بحيث ينظر في المشكلات المهددة لحقيقة آآ لحقيقة مركزيات الدين. يعني أنت الآن انظر إلى مركزيات الشريعة: إيش في مشكلات في الواقع تهدد هذه المركزيات؟ إيش في قضايا تهدد مركزية العبودية لله سبحانه وتعالى، مركزية صلاح النفس على مراد الله سبحانه وتعالى، مركزية أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الإسلام هو الظاهر على الدين كله؟ إيش في مشكلات مخالفة لمثل هذه المركزيات؟ وينطلق الإنسان في المعالجة بناءً عليها. أختم الحديث بقضية مهمة، يعني فيها خلنا نقول آآ ربط لبعض الأمور أو ذكر لبعض الوسائل، وبعد ذلك إذا في مجال أو في آآ رغبة في المداخلة أو السؤال أو شيء، فكل شيء مفتوح بإذن الله تعالى. طيب، آآ في قضية مهمة متعلقة بالسيرة النبوية، آآ السيرة النبوية هي التطبيق العملي من خاتم المرسلين عليه صلاة الله وسلامه، تطبيق عملي لقضية الفقه في الدين والفقه في الإصلاح. فالنبي صلى الله عليه وسلم، الأنبياء عموماً هم سادات المصلحين، كما قال شعيب عليه السلام: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ. آآ الحقائق التي تنزل في كتاب الله، والتي يعني يتحدث الله سبحانه وتعالى فيها عن كثير من القضايا التي نزل بها الدين، حين تنزل على أرض الواقع، فتحتاج إلى فقه كبير في نزولها؛ يعني أن يأتي من يتمثل حقائق الدين بنفسه عملياً ثم ينزل بهذه الحقائق على أرض الواقع، فهذه قضية صعبة جداً.
قضية صعبة جداً، والذي يدل على صعوبتها، الذي يدل على صعوبتها أن أناساً من الصحابة من سادات هذه الأمة ومن فقهائها، وقعوا في بعض المشكلات والأخطاء أثناء تطبيقهم لمحاولة النزول ببعض حقائق الدين في قضايا الإصلاح، فصححها لهم النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته وبهديه العملي، وأحياناً بإنكارهم القول الواضح. ولذلك السيرة النبوية كهدي تفصيلي، كميزان دقيق في قضية المركزيات وكيفية النزول بحقائق الدين، الإنسان يعجز عن التعبير عن أهمية هذا الكنز العظيم الذي بأيدينا، كنز عظيم جداً للمصلحين الذي هو سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. والعجيب أن السيرة النبوية واضحة تماماً، واضحة تماماً في أن الدين فيه مركزيات، وأنه في مرحلة معينة يركز على قضايا معينة، ثم تأتي مرحلة أخرى يركز فيها على قضايا أخرى بناءً على هذه القضايا. أنت يا رجل بمجرد أن تقرأ القرآن، حتى لو ما تعرف السيرة النبوية، بمجرد قراءتك للقرآن قراءة واعية تستطيع أن تعرف هذه سورة مكية ولا مدنية، أليس كذلك؟ السورة المكية لها سمات، والسورة المدنية لها سمات، وهذه السمات بناءً على إيش؟ يعني واحدة من الأسباب من حيث حتى الموضوعات، إيش الأسباب؟ احتياج المرحلة. في هذه المرحلة ترى المرحلة المكية كان في احتياجات معينة وركز عليها القرآن وجاءت بها بشكل واضح، وتجد أن الإعادة والتكرار لهذه القضايا، ثم تجد في المرحلة المدنية القضية فيها آآ انتقال إلى، خلنا نقول، قضايا أخرى أو مجال آخر أو مربعات أخرى، مع الربط آآ بالقضايا الكبرى.
طيب، هذا الاختلاف بين المرحلة المكية والمرحلة المدنية، عائشة رضي الله تعالى عنها حين تقول آآ: إنما نزل أول ما نزل سورة فيها ذكر الجنة والنار، فلما لانت لها القلوب نزل الحلال والحرام، أو كما قالت رضي الله تعالى عنها، وهذا في صحيح البخاري. شف ترى هذا تقييم الآن لتقرير، أنه ترى هذه القضايا التي نزلت في البداية ترى المقصود منها هو إيش؟ تهيئة القلوب وتعبيدها لله سبحانه وتعالى، حتى إذا نزلت الشرائع العملية تكون القلوب مهيئة للامتثال. طيب الآن هل لنا أن نلغي شيئاً مما نزل في المرحلة المدنية؟ بطبيعة الحال لا، بطبيعة الحال لا، لكن السؤال، وهو سؤال دقيق: هل للمصلح أن يتدرج في خطابه ودعوته مع الناس بحيث إنه يبلغ حقائق الدين شيئاً فشيئاً دون إلغاء لبعضها؟ نعم، ولكنها تحتاج إلى فقه دقيق. ولذلك دعوني أختم لكم بهذا النص الجميل في قضية التدرج، وهو نص في غاية الشرف، ويدل على فقه كبير. طيب ولكن أين أجده؟ هذا كتاب بوصلة المصلح، ها، آآ الحمد لله الكتاب خلاص جاهز بإذن الله تعالى، لكن لازم أجيب لكم هذا النص. طيب إذا في سؤال أو شيء عقبال ما أجد النص متعلق بالموضوع نفسه، في أحد عنده شيء؟ تفضل أحمد.
تفضل أحمد، إيه يعني هي القضايا متصلة ببعضها، إحنا ما نقول إن الإنسان يتفرغ لفهم قضايا الشرع إلى أن يصل إلى حد الفقه العالي في الدين وبعد ذلك يبدأ بمشكلات الواقع، هي متصلة بعضها ببعض. الصحيح هو لازم يأخذ، أيوه هذا النص، هو لازم يأخذ وضعه الطبيعي في درجات الإصلاح، هو ما راح يبدأ كمصلح يعني هو المقرر للقضايا، لكن مو معناه أنه ينعزل عن أي قضية إصلاحية لأنه ما وصل إلى الفقه في الدين عالياً. جيد، طيب يا جماعة ركزوا معايا، هذا النص ابن تيمية رحمه الله تعالى إيش يقول؟ يقول: العالم قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيانها. شوف هذا الحين فيما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما، كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئاً فشيئاً. ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأتِ الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يُستطاع. قال: فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين وأن يذكر له جميع العلم؛ فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداءً، بل يعفو عن الأمر والنهي لما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الواجبات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط، فتدبر هذا الأصل فإنه نافع. هذا في مجموع الفتاوى مجلد العشرين، هذا النص في غاية الشرف، وهو لا يستطيع أن يدركه آآ يعني خلنا نقول من لا يفقه حقائق الدين فقهاً عميقاً.
وابن تيمية حقيقة له نصوص كثيرة في مثل هذا المعنى، وهو يعني من ينظر إلى ابن تيمية على أنه الواحد آآ عبيط وما أدري إيش ومتشدد وجائز أخذ الدين كذا بسرعة ونصين مع بعض وكله مدري إيش واللي يخالف كافر، فأنا فقط الذي أريد أن أقوله أنه هو حرم نفسه من آآ من بوابة من بوابات التفقه آآ اللي هي مثلها موجد بوابات أخرى من بوابات علماء المسلمين على مختلف القرون، لكن هذه بوابة فيها آآ يعني خلنا نقول فيها عمق في مثل هذه القضايا الإصلاحية. الفكرة ما هي؟ بغض النظر الآن عن القائل، الفكرة ما هي؟ الفكرة هي أن يا جماعة الخير نحن اليوم في واقع، هذا الواقع محيت فيه بعض أو كثير من حقائق الدين وتصوراته الصافية من كثير من النفوس نتيجة إيش؟ نتيجة ما تعلمون من استعمار واستشراق معه، ثم بعد ذلك تضليل ممنهج وإعلام موجه وما أدري إيه وثقافات تغيرت وأمور مسحت ومحيت. وبعد ذلك آآ من وجود أخطاء حتى داخل بعض المدارس الشرعية في توجيه الناس وفي الخلل في الأولويات، صار عندك خليط في الواقع ملخبط، خليط في الواقع يحتاج ترتيب من حيث فقه الدين، ومن حيث القيام به والعمل له والتضحية له والبذل في سبيله وإعادة إحيائه والتمكين له. وهذا لا تظن أن القضية بسيطة، أنه الإنسان يمكن أن يرتب هذه القضايا بشكل سهل. في خلفيات سابقة، أنت لما تجي على خلفيات صفرية أهون بكثير من أن تجي في خلفيات سابقة فيها إشكال، فيها خطأ.
مع وجود كثير من الخير في الواقع إلى درجات أحياناً في بعض الملفات عالية جداً يفرح الإنسان بها، فالمصلح الواعي هو الذي يراعي هذا الإشكال والخلل الموجود في الواقع وهذا الخلط الكبير جداً، بحيث إنه هو يستطيع أن ينزل بالحقائق الكبرى للدين إلى هذا الواقع فيرسخ هذه الحقائق؛ أنه يا جماعة الخير ركزوا على هذه الحقائق، في قضايا كبرى الآن، في تشويه للإنسان أن يكون بعيداً عن مركزية العبودية لله سبحانه وتعالى. وهناك إلى آخره من الخلل الموجود في الواقع. وبالتالي لما نقول مركزة المركزيات وأنها قسمين: مركزيات في الشرع ومركزيات في مشكلات الواقع. ولما نقول مركزيات إصلاح، النتيجة النهائية هي أنه لا يمكن أن يكون هناك إصلاح حقيقي ومؤثر ومجدي وطويل الأمد إذا لم ترتب أو ترتب المركزيات بشكل صحيح ببناء الإنسان المصلح في نفسه، ومن ثم في نزوله إلى الواقع الدعوي والإصلاحي. والذي لا يفقه هذه القضية فقهاً جيداً ويقع في خلل كبير في تصورها إذا نزل إلى هذا الواقع، فقد يأتي بالعيد قبل أوانه، يأتي بالعيد قبل أوانه ونقعد في مشكلات لا حصر لها، ونقعد في كل مرة في الله المستعان مشكلة جديدة وملفات جديدة وإشكالات جديدة، وتعميق لهوات كانت موجودة ثم تعمق بشكل أكبر، وأحياناً تحت عناوين إصلاحية متفرقة. خلاصة الكلام: مركزة المركزيات من مركزيات الإصلاح، والعمل عليها والدعوة إليها وتثبيتها وقراءة الإنسان للشريعة بناءً عليها، هي من القضايا الكبرى، ومن ثم نزول المصلح إلى واقعه بناءً عليها هي قضية في غاية الأهمية.
وقضايا المركزية آآ أختم بالقول بأنه بالتأكيد والتكرار أن هذه الأطروحة الآن في هذا اللقاء تعتبر مختصرة، وأن يعني خلنا نقول التوسع إلى قدر معين في محاضرة مركز المركزيات، وأيضاً هي محاضرة مركز المركزيات تحتاج إلى قدر توسع أكثر، لكن على الأقل تكون مكملة لمثل هذه المادة. وأيضاً في كتاب "بوصلة المصلح" تكلمت فيها من جهة أخرى آآ، فتكون متممة لبعضها. وفي الأخير يعني موجودة الحمد لله، القضية قد تكون ببعض المسميات الأخرى في مختلف كتب الشريعة، أحياناً "فقه الأولويات"، أحياناً إلى آخره من يعني حتى في قضية القواعد الفقهية، أحياناً يكون في آآ بعض القواعد التي لها علاقة بالأولويات وتقديمها وما يتعلق بها تكون لها اتصال في مثل هذا المعنى. فهناك مجالات يعني خلونا نقول للتوسع فيها. آآ أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وأن يغفر لنا ولكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا ويسددنا، وأن يكفينا آآ شر كل ذي.
تروا أن يكفينا ما أهمنا، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد