الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
الحمد لله الحي القيوم العزيز الحكيم الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً. الحمد لله رب العالمين الذي تمت كلماته صدقاً وعدلاً. لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم.
اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد:
نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس مدارسة سورة الأنعام، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعون والبركة.
الحديث في هذا المجلس يبتدئ من قول الله سبحانه وتعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. هذه الآيات الأربعة ستكون محور المجلس في هذا اليوم إن شاء الله. ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والتمام على خير.
أفغير الله أبتغي حكماً؟ هذه الجملة يعني ليست مصدرة بـ قل، ولكن من المفسرين من قال إنها فيها إضمار هذا المعنى. يعني قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أفغير الله أبتغي حكماً؟ وهذا في سياق السورة المليئة بـ قل، قل، قل. وبالتالي الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في هذه السورة هي أكثر من الجمل المصدرة بقل نصاً، وإنما هي السورة كلها أصلاً في هذا السياق. وبالتالي، بما أنها في هذا السياق، فالعلماء ينتبهون لأن الجمل، بعض الجمل، حتى لو لم تكن مصدرة بقل، فالمقصود منها أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول للمشركين في سياق الحديث.
أفغير الله أبتغي حكماً؟ الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحكم. إن الله، كما في الحديث، إن الله هو الحكم، وإليه الحكم. والله سبحانه وتعالى ذكر عن نفسه كثيراً في كتابه أنه يحكم بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون. فالله سبحانه وتعالى يحكم، وهو الحكم. وهذا الحكم من الله سبحانه وتعالى يعني هذا الحكم من الله سبحانه وتعالى على قسمين. الحكم بمعنى ما يرتبط بالتشريع، يعني الحكم الذي يقتضي من حيث التكليف على العبد أن يتحاكم إلى ما شرعه الله. فهذا مقتضى كونه الحكم سبحانه وبحمده. وهذا فيه آيات كثيرة في كتاب الله. منها: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ. ومنها قوله سبحانه وتعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.
والقسم الثاني: الحكم بمعنى الفصل، الفصل بين الناس، وبين المختلفين. وهذا على مرحلتين، مرحلة الدنيا ومرحلة الآخرة. واضح؟ يعني الأول بمعنى أن الله شرع قوانين ينبغي التحاكم إليها ولا يقدم قول أحد على قول الله سبحانه وتعالى ولا يقدم قانون على قانون الله سبحانه وتعالى. وهذه القضية من صميم الإيمان بحيث أن الله قال فيها: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. أما الثانية فإن الله سبحانه وتعالى الحكم الذي يقضي بين الناس ويقدر أقداراً يكون فيها الفصل. واضح؟ فهنا الثاني هذا ليس فيه معنى تكليفي للعبد. واضح؟ ليس فيه معنى تكليفي للعبد. اللهم إلا أنه العبد قد يقول إيش؟ يكون التكليف عليه بأنه يؤمن بأن الله سيقضي يوم القيامة بين الناس وكذا فيقول يعني أكلك إلى يوم القضاء ولا يوم الفصل. لكن هنا الحكم بمعناه الثاني بالقسم الثاني أنه هو قد يتطابق أحياناً مع معنى القدر، أنه الله قد يفصل بين الناس في أمور بقدره. واضح؟ طبعاً ليس هو الحكم هنا القدر بمعناه المطابقة التامة، لكن أنه يحكم بقدره، يفصل بقدره، يقدر أشياء وأقداراً تكون فصلاً. واضح؟ طيب.
يبقى السؤال هنا في هذه الآية أفغير الله أبتغي حكماً؟ هل هو الآن هذا الخطاب في المرجعية التشريعية أو هو الخطاب في مرجعية الفصل، ها؟ الفصل بين الحق والباطل، الفصل بين المختلفين أيهم على الحق. واضح الفكرة؟ واضح القضية؟ فهذه الآية يعني عادة أو كثيراً ما تساق في سياق الحكم التشريعي، صح ولا لا؟ أنه في سياق المرجعية الإسلامية ومرجعية الشريعة، لا شك أنه مرجعية الشريعة ومرجعية هذه مقررة في القرآن ما فيها نقاش لكن هذه الآية بعينها هي أقرب للمعنى الثاني، هي أقرب للمعنى الثاني، يعني أفغير الله أبتغي حكماً يحكم ويقضي بيننا أينا على الحق، من منا المحق ومن منا المبطل، وإن كان لا ينفي هذا أنها تتضمن شيئاً من التكليف الذي لا يراجع فيه غير حكم الله، ولكن في سياق الصراع بين الحق والباطل. واضح الفكرة؟ واضح تماماً؟
طبعاً سأقرأ عليكم من كلام المفسرين ما يدل على هذا المعنى، لكن الآيات التاليات بعد مقطع اليوم، المقطع التالي سيكون في أي شيء؟ سيكون في المرجعية التشريعية ابتداء من قوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ. لماذا؟ لأنه الآيات هذه اللي هي فيها كُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ هذا في تشريعهم لما قرروا في شأن الميتة وما بها من جاهلية وإلى آخره. واضح؟ إذن هذه الآية أفغير الله أبتغي حكماً؟ يحكم فيما بيني وبينكم أينا المحق. وفيما ويفصل بيننا. ولذلك هنا تأتي عبارة، لكن عاد دعونا أولاً أبدأ بالطبري رحمه الله حتى ندرك أنه كيف أن المفسرين حملوها على المعنى الثاني وكما قلت وهو لا ينفي المعنى الأول في جملته في بعض مضامينه في بعض أجزائه.
ماذا قال الطبري رحمه الله؟ قال: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام. هذه اللي تعودناها جملة الطبري صح؟ من بداية سورة الأنعام وهو يكرر نفس الجملة. وكما قلت مراراً الطبري إمام في هذا الباب إمام في استحضار سياق السورة. وكما قلت مراراً لم أر من تابع الطبري وسار على طريقته بهذا المعنى الشمولي، إلا اللهم بعض الدراسات المعاصرة التي فيها عناية، ومن المتقدمين ممن جاء بعد الطبري من السابقين ليس من المعاصرين أقصد من تكلم عن المقاصد من كذا من انتبه للسياق، لكن بالمعنى الشمولي للسورة وأن ينتبه في كل آية موضعها من سياق السورة بشكل عام ما وجدت غير الطبري. أبداً.
ثم بعد ذلك يأتي البقاعي، ولكن البقاعي في ترتيب الآية والآية التي قبلها والآية التي بعدها يربط الآية بالآية التي قبلها والآية التي بعدها. وبالمناسبة في معنى ربما ما ينتبه الناس في تفسير البقاعي، هو أنه يعتني ببيان مناسبة ترتيب الكلمات داخل الآية الواحدة. يعني هو ليس هو أصلاً تفسيره معروف هو أصلاً في التناسب يعني هو في تناسب الآية والسور. فهو ليس فقط يعتني بتناسب الآيات وتناسب السورة مع السورة، هو حتى يعتني بتناسب الكلمات داخل الآية. جيد. يعني من يقرأه بشكل جيد ينتبه أنه يعتني بترتيب الكلمة، بترتيب الـ أو يشير إشارات تفيد في إبصار هذه الحقيقة. ثم بعد ذلك ابن عاشور رحمه الله ينتبه لمثل هذا. ولا أنفي طبعاً فيما بين ذلك أن يكون في إشارات ويكون في معاني لكن الطبري عجيب، عجيب في هذا المعنى يعني لاحظ حتى سيأتينا بعد قليل إن شاء الله.
يعني لاحظ الآن أفغير الله أبتغي حكماً، أولاً هو قال: يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل. فهذا أكد معنى أنه إيش؟ أنه في قل مضمرة هنا. قل لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام. نفس المعنى اللي من أول آية: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. أمسك هذه الجملة من أول آية إلى نهاية السورة هو معلق على ثم الذين كفروا بربهم يعدلون قال: قل لهؤلاء قل لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام. طيب، القائلين لك: كف عن آلهتنا ونكف عن إلهك يرحمك الله، إن الله قد حكم علي بذكر آلهتكم بما يكون صداً عن عبادتها. أفغير الله أبتغي حكماً؟ أي فقل فليس لي أن أتعدى حكمه وأتجاوزه لأنه لا حكم أعدل منه ولا قائل أصدق منه. جيد هنا، مزج بين الأمرين يعني هو يقول أنه أنا تحت حكم الله سبحانه وتعالى الله حكم وأمر بأن أكون على هذا الطريق وأن أذكر آلهتكم بما أذكرها بما يبين بطلانها، فلن أرجع في هذا لغير الله سبحانه وتعالى. فهنا صار مزيجاً بين المرجعية أنه لن أصدر عن غير أمر الله، ولكنها ليست في القوانين التشريعية العملية، وإنما في قضية الصراع بين الحق والباطل في أساس المنهج، يعني في أساس مرجعية المنهج. واضح؟
بينما مثلاً نجد مقاتل بن سليمان ذهب مذهباً واضحاً في الحكم بالقسم الأول اللي هو في معنى القدري، قال أفغير الله أبتغي حكماً فليس أحد أحسن قضاءً من الله في نزول العذاب ببدر. شوف كيف فسر الآية، أفغير الله أبتغي حكماً فسرها بيوم بدر، يعني صارت بمعنى إيش؟ بمعنى الفصل القدري، أنه ترى أفغير الله أبتغي حكماً سيحكم بيننا، وقد فعل سبحانه يوم بدر فصل بيننا. فصار هنا أفغير الله أبتغي حكماً بالمعنى الفصل اللي هو بقدره سبحانه وتعالى، سيحكم بيننا، ها؟ هذه يعني مثل ما تقول أنه إيش؟ نتربص حتى يقضي الله بيننا حتى يحكم بيننا. ما معنى يحكم بيننا؟ يفصل بيننا. واضح؟ فهنا الفصل بمعناه في القسم الثاني وعفواً بالقسم الأول.
ولذلك حتى ابن عاشور رحمه الله، نعم، فقال بعد ذلك كله: لقن الله رسوله أن يخاطبهم خطاباً كالجواب عن أقوالهم وتوركاتهم، نعم فيفرع عليها أنه لا يطلب حاكماً بينه وبينهم غير الله تعالى الذي إليه مرجعهم، وأنهم إن طمعوا منه في غير ذلك فقد طمعوا منكراً إلى آخره. يقول بعد أن أخبره عن تصاريف عناد المشركين وتكذيبهم وتعنتهم في طلب الآيات الخوارق إذ جعلوها حكماً بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم في صدق دعوته وبعد أن فضحهم الله بعداوتهم لرسوله عليه الصلاة والسلام وافترائهم عليه وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وتركهم وما يفترون وأعلمه بأنه ما كلفه أن يكون وكيلاً لإيمانهم وبأنهم سيرجعون إلى ربهم فينبئهم بما كانوا يعملون، بعد ذلك كله لقن رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم خطاباً كالجواب عن أقوالهم وتوركاتهم ويفرع عليها أنه لا يطلب حاكماً بينه وبينهم غير الله تعالى، إلى آخر الكلام.
قال فكأن المشركين دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التحاكم في شأن نبوته بحكم ما اقترحوا عليه من الآيات فأجابهم بأنه لا يضع دين الله للتحاكم ولذلك وقع الإنكار أن يحكم أو أن يحكم غير الله تعالى مع أن حكم الله ظاهر بإنزال الكتاب مفصلاً. واضح؟ إذاً أفغير الله أبتغي حكماً؟ طيب هل يمكن الاستدلال بهذه الآية للمرجعية التشريعية؟ نعم يمكن لا شك واضح، يعني ليس خطأً يمكن لكن سياق الآيات هو أقرب بأن في قضية ما كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من الجدال في الحق والباطل، وأنه الذي سيفصل بيننا هو الله وأن آيات الله شاهدة وحاكمة أنني صادق فيما أتيت به، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً. واضح؟ ومن هنا نقول إن إيمان المؤمن بأن الله هو الحكم سبحانه يقتضي عدة أمور: الأمر الأول يقتضي الرضا بقضائه وحكمه، ويقتضي الرضا بتشريعاته وأحكامه. واضح؟ إذاً هذا يعني مؤدى استسلام المؤمن لحكم الله سبحانه وتعالى أن يستسلم لحكم الله من جهة القدر وأن يستسلم لحكم الله من جهة الشرع. واضح؟
أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً، وهذه الآية كونها آتية في سورة الأنعام هي موافقة لسياق السورة تماماً في سورة الأنعام فصل فيها فصلت فيها الآيات تفصيلاً وفصلت فيها البينات تفصيلاً وفصلت فيها الحجج تفصيلاً، فلما تأتي هذه الآية رقم 114 بعد 113 آية، كلها حجج وبينات ونقاش، ثم بعد ذلك يقال يقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً، هذه وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً بعد كل هذه الآيات والسياق أمرها ووقعها عظيم، من يستمع لتلك الآيات من بداية السورة ثم يستمع لهذه الآية الفاصلة أفغير الله أبتغي حكماً يفصل بيني وبينكم، أفغير الله أبتغي حكماً يبين من المحق منا ومن المبطل أفغير الله أبتغي حكماً يقضي بيننا، أفغير الله أبتغي حكماً يعني أصدر عن أمره وعن قضائه سبحانه وبحمده. هذه الآية لما تأتي بعد كل ذلك وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً، يعني أتريدون بعد كل هذا التفصيل حكماً يحكم بيننا يبين أينا منا المحق من المبطل والمصيب من المخطئ، بعد كل هذه الآيات المفصلة لن أبتغي غير الله حكماً. واضح؟ أما هم فبعد كل هذه الآيات المفصلة قالوا إيش؟ الآيات اللي قبل قليل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ يعني هم أرادوا أن
إيش هم أرادوا أنه يكون الحكم بينهم آيات معينة يقترحونها، فإذا جاءت يؤمنون؟ ومع ذلك قال الله تعالى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا؟ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق.
الآن هذا ليس دليلا مستقلا ولكنه شاهد، دليل عاضد، يعني ما يعزز ويقوي الموقف وإلا فالأساس أنه لا تطلبوا دليلا، وقد تلي عليكم هذا الكتاب مفصلا انتهى ما فيه هو الدليل، ما فيه هو الفصل، ولكن مع ذلك إيش؟ مما يشهد لي أن أهل الكتاب يؤمنون بصدق هذه النبوة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، إذا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق. هؤلاء الذين أوتوا الكتاب ذكروا في هذه السورة وهي سورة مكية، إيش في سورة مكية أخرى ذكر فيها أهل الكتاب خاصة على سبيل المثل هذا المعنى؟ أوضح آية في الأحقاف من أوضح الآيات: قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم، هذه مثلها. وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق.
هنا يعني العلاقة بين المشركين وأهل الكتاب، ولذلك يعني ترى كان هناك المشركون كانوا يعظمون أهل الكتاب ويعتبرونهم يعني أناس أصحاب علم، وسبحان الله لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وحاول المشركون أن يخترعوا أنواع الحجج وأنواع الشبهات، وبعد ذلك اليهود -لأنه تعرف من يوم ما ننتقل للسور المدنية سيصبح الخطاب مع اليهود مفصلا، وأيضا مع النصارى بعد ذلك في آخر المرحلة المدنية أو في من بعد منتصفها في سورة آل عمران- لكن عامة الخطاب مع أهل الكتاب في القرآن هو مع اليهود بحكم أنهم هم الذين كانوا في المدينة، هم الذين كانوا يماحكون ويكابرون. آل عمران كان فيه حجاج مع النصارى، وكذلك في المائدة فيها يعني ذكر لقضية النصارى.
لكن هنا أهل الكتاب مع كل جدلهم، اليهود مع كل نقاشهم، مع كل استكبارهم، مع كل شبهاتهم، ما استطاعوا أن ينسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنهم علموه، أو أن رجلا منهم بعينه إيش؟ هو الذي يعني أوعز للنبي صلى الله عليه وسلم أو كذا؛ لأنهم يعلمون أن ذلك لم يكن. وهذه أمر عظيم لأنه النبي صلى الله عليه وسلم أتى بأمور شيء منها كان يعلمه أهل الكتاب ولم يكن يعلمها أهل مكة ولا أهل الجزيرة العربية، ثم أتى كذلك من الآيات من عند الله سبحانه وتعالى بما لا يعلمه أهل الكتاب كذلك.
بعدين إن شاء الله يكون لنا وقفة إذا يسر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك يعني مجلس مدارسة بعد سورة الأنعام الله أعلم إيش نأخذ، لكن الوقوف مع الآيات مثل آيات سورة آل عمران عجيبة عجيبة عجيبة في الاستعلاء الإيماني والاستعلاء البرهاني على أهل الكتاب. هنا النقاش مع المشركين أهل جاهلية، أهل جهل، أهل عادات باطلة، ولذلك يكثر في نقاش المشركين خلط النقاش بالمواعظ والزجر والآخرة والتخويف والتهديد والعذاب وأيضا الثواب حتى تساق نفوسهم، والحجج كثير منها عقلي مع المشركين، وكثير منها مرتبط بالمخلوقات، صح؟ يعني إيش أكثر الآيات في القرآن اللي فيها ذكر المخلوقات والاستدلال بها على عظمة الله وأنه هو الواحد؟ السور المكية، السور المكية ليش؟ لأنه النقاش مع المشركين جزء أساسي منه عقلي.
والعقلي هو ليس مهم ننبه أنه النقاش العقلي ليس هو النقاش العقلي اللي هو في المفاهيم النظرية المجردة، في المفاهيم الكلية المجردة اللي هو النقاش في كثير منه عقيم أصلا، يعني مثلا زي نقاشات بعض العلوم اليونانية التي جردت القضايا والتصورات، يصير في نقاشات في مسائل نظرية مجردة وحتى بعض القضايا الفلسفية، لكن النقاش العقلي لما يصير مرتبط بأمور معينة فإنها تهدي الناظر، فلذلك بعض أصحاب النقاش العقلي النظري المجرد يعظمون من نقاشاتهم الفلسفية، يظنون أن النقاش في المفاهيم الكلية المجردة هو النقاش القوي والصحيح، بينما الأمر ليس كذلك.
لذلك النقاش مع المشركين هو نقاش عقلي ولكن كثير منه في الأمور المعينة، في المخلوقات، في السماء، أمن خلق السماوات والأرض، ألم تروا، أفلا ينظرون إلى الإبل كيف، هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه، مثل هذه الأمور اللي هي ليست أمور في النقاشات التجريدية العقلية البعيدة الفلسفية، وإنما هي في النقاشات المعينة المرتبطة بما يشاهده الإنسان. ولذلك بعض المتفلسفة لما ينظروا للقرآن نظرة فلسفية مجردة يظنوا أن القرآن هو يعني ها؟ يعني كأنه يناقش طلاب أكاديمية أفلاطون، ولا الفلاسفة المشائين؟ لا لا القرآن يناقش صاحب الإبل وصاحب الغنم والعالم والجاهل والتاجر في سوقه، القرآن نزل للناس.
فأحيانا هم يتفلسفون تفلسفا زائداً ولذلك قد يقع بعض الناس الذين من ضعفاء المسلمين إيمانا ممن تشربوا مثلا بعض المناهج العلمية الغربية وكذا، وينظر للقرآن من جهته فقط ويريد أن يكون القرآن على ميزان معين هو يقترحه وينسى باقي البشر هؤلاء كلهم، هو النسبة اللي تفكر بطريقته اللي عقيمة يمكن واحد من مليار ولا واحد من 100 مليون، لكن بقية الناس يحتاجون إلى أدلة أخرى.
إذا الخلاصة: النقاش مع المشركين كان كثيرا منه عقليا، وكان هذا العقلي كما قلت هو ليس في المفاهيم المجردة الكلية النظرية، وإنما هو في ربطهم بما حولهم من أشياء ليستدل بها على عظمة الله ووحدانيته وأنه الخالق سبحانه وتعالى الذي يستحق أن تصرف له العبادة. النقاش مع أهل الكتاب مختلف، النقاش مع أهل الكتاب مختلف. لذلك مثلا سورة آل عمران فيها نقاش طويل مع أهل الكتاب صح؟ مادة الاستدلال بالمخلوقات وما إلى ذلك ليست هي المادة الأساسية في النقاش، ولا أدري هل أستحضر الآن هل أشير إليها أو لم يشر. وبالمناسبة ترى حتى ذكر المخلوقات في آخر سورة آل عمران هي ترى لم تأت في سياق الاحتجاج على الكفار، وإنما جاءت في السياق الإيماني: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا. هذا غير آيات مكة اللي هي: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ. هذا شيء وهذا شيء، واضح؟
طيب إيش مادة النقاش مع أهل الكتاب في سورة آل عمران؟ في جزء أساسي منها مرتبط بما لديهم من علوم، بما لديهم من محتويات في كتبهم، فيناقشون في هذه المادة ويقال لهم: أتينا بما هو أعلى مما عندكم، بما هو أعظم مما عندكم، ونحاجكم حتى إلى ما في كتبكم ونقول لكم أن ما فيها غير صحيح من كذا وكذا وأن هناك أشياء صحيحة ولكن أنتم كتمتموها، واضح الفكرة؟
إذا القرآن مدرسة عظمى في بيان طرق البيان والاستدلال والحجج والبراهين وكيف يخاطب الناس، تجد في سورة آل عمران: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. مثلا: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا. أيضا: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. تخيل في وقت كانوا هم رؤوس العلم يأتي من يقول لهم والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ويبين لهم أصلا إشكالاتهم وانطلاقاتهم: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ؟ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ؟ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ؟
يبين الإشكالات التي لديهم والحيل والطرق، ويصنفهم ويبين أصنافهم وأشكالهم ومناهجهم وخططهم وحيلهم: وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وفي أصنافهم: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا. محاجتهم في أساس ما يدعون: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ. بعدين قبل ذلك في أشياء كثيرة: إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ. وهكذا.
النقاش معهم طبعا ذكر القصص: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا بعد ذلك قصة مريم وقصة زكريا وقصة عيسى عليه السلام والحواريين، شوف لاحظ النقاش إيش صار؟ في مادة هم يؤمنون بأساسها ولديهم أصولها ويناقشون فيها. هذه الطريقة ليست هي الطريقة التي كانت في مناقشة المشركين في مكة. مناقشة المشركين في مكة أكثر شيء في إبطال جاهليتهم، إبطال أصولهم، إظهار أن ما تعلقوا به لا ينفع ولا يضر، وإثبات أن الله هو الذي ينفع ويضر سبحانه، والاستدلال بالمخلوقات على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، والاستدلال على صدق القرآن، عظمة القرآن، جلال القرآن، ما في القرآن من علم، ما في القرآن من نور، وأنتم ما عندكم شيء وهذه جاهلية وهذه أشياء باطلة وهذه ما تنفع ولا تضر، ولكن بنقاش مفصل وبنقاش مطول مع ذكر الوعيد والنار والعذاب والجنة والثواب والاستدلال الكثير على أن هذا النبي صادق، هذا النبي صادق، هذا النبي صادق، واضح؟
نحن الآن في هذه السورة المكية وهي النموذج الأبرز في القرآن في نقاش المشركين، كما مر معنا ويا حبذا فعلا لو بعد ما انتهينا من سورة الأنعام نأخذ سورة آل عمران، شوف كيف يعني شيء آخر في النقاش عجيب سبحان الله. وكما قلت يعني من يقرأ القرآن ويتدارس مثل هذه المعاني والآيات يدرك قيمة البيان وقيمة الحجة وقيمة البرهان عند الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى يحب هذا الأمر. ومع كونها مكية إلا أن فيها إشارة إلى أهل الكتاب: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ. ومن هنا من هذه الجملة ينبغي أن يكون هناك مجال من مجالات البحث والجمع، وقد تم فضل الله سبحانه وتعالى على أيدي الباحثين المسلمين، كثير من العلماء والباحثين حجج الحق الشاهدة لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ولصدق القرآن من موروث أهل الكتاب. هذا الباب وهذا المجال هو مجال مهم جدا، وكما قلت اشتغل فيه كثير من العلماء وفي الدراسات المعاصرة كثيرة، وبالمناسبة حتى من قديم ذكر العلماء شواهد لمثل هذا، لكن المعاصرون دققوا كثيرا في القضية ورجعوا إلى المراجع المفصلة والدقيقة وكذا إلى آخره وبينوا أنه حتى مع كل الكتمان ومع كل التحريف ومع كل التلبيس هناك شواهد دالة.
إذا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ، هذا الآن جملة في كتاب الله، يصدقها إيش؟ الشواهد المفصلة المستخرجة من كتبهم، وإيش ختام الآية؟ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فلا تكونن من الممترين، هذه الآن الجملة كثير من المتقدمين يفسرها بأنها خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكثير من المتأخرين كأنه يريد أن يتنزه أو ينزه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن تكون خطابا له ويتكلفون لوازم أو معاني لا داعي لها. فمثل هذا المعنى لا بأس أنه يكون بالعكس، يعني هناك خطاب متكرر من الله سبحانه وتعالى يثبت فيه النبي صلى الله عليه وسلم، تارة يثبته بذكر الصبر ومن صبر قبله، وتارة يثبته بالأمر المباشر وأنك على الحق يعني ما يدخل تحت جملة أنك على الحق، تارة تأتي بالإثبات وتارة تأتي بالأمر بأن لا يكون على خلاف ذلك، منها هذا.
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. أمر للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل في سورة النمل: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. وفي سورة ياسين إيش؟ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. يعني هذه كلها تأكيدات عظيمة، أول المقصودين بها هو من؟ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك لا بأس أن يكون هناك من قصد بها غير ذلك، لكن أن ننفي أي خطاب تثبيتي فيه الأمر باليقين والأمر بعدم الشك، أن ننفي أن يكون المخاطب هو النبي صلى الله عليه وسلم فهذا غير صحيح النفي. وكوننا أثبتنا أن المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم لا يستلزم المعنى المشكل أو لا يستلزم، يعني مثل ما أنت تقول أقول لك مثلا اثبت على الطريق ولا تتردد، امض ولا تتردد، هذا مو معناه أنك أنت الآن متردد، جيد لكن هذا تثبيت لك لا تتردد، فلو حصل في الطريق متاعب ومصاعب وأشياء تتذكر إيش؟ لا تتردد لا تتوقف فتتشجع وكذا فهمت الفكرة؟
إيه، فلا تكونن في سورة يونس يعني نأتيها إن شاء الله، لا هذا موضع يحتاج تفصيل أكبر اللي في سورة يونس.
طيب، فلا تكونن من الممترين، وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا. طبعًا بس أولًا فلا تكونن من الممترين يعني آتي بكلام الطبري رحمه الله، قال: فلا تكونن من الممترين، يقول: فلا تكونن يا محمد من الشاكين في حقيقة الأنباء التي جاءتك من الله في هذا الكتاب وغير ذلك مما تضمنه؛ لأن الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق. نعم، طيب.
وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا، لا مبدل لكلماته. طيب، وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا، أولًا هناك قراءة من القراءات الصحيحة المتواترة: وتمت كلمات ربك صدقًا وعدلًا. هنا عامة المفسرين على أن كلمة ربك وكلمات ربك المقصود بها ايش؟ القرآن، ومنهم من جعلها أعم، يعني كلمة ربك يعني أمره ونهيه وقضائه وإلى آخره، إيه كما قلت عامة المفسرين أن المقصود ايش؟ القرآن. وتمت كلمة ربك هذا القرآن الكريم، تم ما فيه من أخبار وأحكام صدقًا وعدلًا، وهذا يشمل ما نزل وما سينزل عند نزول الآية، يعني وقت نزول الآية، هذا المقصود به كل القرآن سواء يعني الآية الآن تشمل كل القرآن بلا شك، بمعنى أنها وقت نزولها ما نزل منها فقد تم صدقًا وعدلًا، وما سينزل فهو تام صدقًا وعدلًا.
هذه الآية من أعظم الآيات في امتداح القرآن الكريم، لأن القرآن فيه أخبار وفيه ايش؟ أحكام، فالأخبار تمت صدقًا، يعني الأخبار التي في القرآن هي على تمام الصدق، وعدلًا هذا في إيش؟ في الأحكام والأوامر والنواهي، إذا وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا؛ صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، إذا هذا القرآن يمتدح من وجوه كثيرة، منها أنه يمتدح من جهة ما تضمنه من صدق الأخبار، ومن عدل الأحكام، ومن هنا لا يبحث عن شيء لا في الأخبار ولا في الأحكام أتم مما في كتاب الله سبحانه وتعالى.
وهذه الكلمة أو هذه الجملة أو هذه الآية: وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا، فيها أيضًا ما يبشر المؤمنين المعظمين لكتاب الله، أن هذا الصدق والعدل في كتاب الله أنه مهما حصل له أو عليه من هجمات وشبهات وإشكالات فإنه لن يستطيع أحد أن يبدل كلام الله، وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته، لا مبدل لكلماته، فمنها يعني من هذا الوجه تكون هذه الآية مثل قوله سبحانه وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم.
لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم. طيب، قاعدة مهمة في تفسير الأسماء والصفات التي تذكر في الآيات من جهة ربطها بالسياق، سياق الآية أو سياق السورة؛ بمعنى أن تفسير السميع في أساس تفسير اسم الله السميع هو تفسير واحد، وكذلك العليم وكذلك الخبير وكذلك الحكيم هذا في الأساس، لكن لما تذكر في آية معينة، الأساس ثابت ولكن متعلق هذه الصفة ايش؟ يختلف بحسب الآية. يعني مثلًا لماذا اختار الله سبحانه وتعالى أو ذكر الله سبحانه وتعالى صفة أو اسم السميع واسم العليم في هذه الآية؟ وما متعلق السمع هنا؟ وما متعلق العلم هنا؟ هذه أمور مهمة، يعني هذا ترى باب من أبواب التفقه في كتاب الله، باب من أبواب التفقه في كتاب الله، حتى تدرك كيف أن هذا الباب فيه تفقه كبير.
أقرأ عليكم كلام الطبري، ستجدون أنه مفاجئ، يعني نرجع مرة أخرى مقدار استحضاره للسياق وللسورة أمر عجيب. يعني الآن مثلًا يلا ايش في بالكم بدون ما تقرأوا أحد يقرأ الطبري ولا شيء، وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، ايش في بالكم السميع العليم؟ ايش متعلق السمع والعلم هنا؟ لشبهاتهم، جيد. يعني شوف الآن استحضار السياق، جيد يعني يمكن الإنسان لو ما هو مستحضر السياق ما يقول أنه ايش؟ السميع ممكن يدخل فيها ايش؟ شبهاتهم، إشكالاتهم، جميل، والعليم؟ طيب.
أشوف الطبري قال، قال: وأما قوله وهو السميع العليم فإن معناه والله السميع لما يقول هؤلاء العادلون بالله، رجع مرة ثانية نفس الجملة اللي من بداية السورة، والله شوف يعني كل والذين كفروا بربهم يعدلون أول آية، إحنا الآن 115 الآية؟ والله سميع لما يقول هؤلاء العادلون بالله الذين ذكرهم الله من أول آية في السورة، والله السميع لما يقول هؤلاء العادلون بالله. شوف شوف الجملة الثانية عجيبة: المقسمون بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية لا يؤمنون بها، شوف استحضار السياق، إحنا متى مرت معنا وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية لا يؤمنون بها؟ طيب، وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية لا يؤمنون بها، قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون، ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون، وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون، ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون، أفغير الله أبتغي حكمًا وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، فلا تكونن من الممترين، وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، من يربط هو السميع بقوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها؟ واضح كيف؟
أنا ذكرت هذه هذه الأشياء من الطبري من كثرة ما هي لطيفة ومتصلة بالسياق ممكن البعض يقول هذه يعني من اجتهادات المعاصرين في تكلف بعض لا لا، كيف هذا الربط بسائر السور؟ والله عفواً وهو السميع العليم، والله السميع لما يقول هؤلاء العادلون بالله المقسمون بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، وغير ذلك من كلام خلقه، يعني السميع لكل شيء، العليم بما تؤول إليه أيمانهم، وأقسموا بالله جهد أيمانهم، بما تؤول إليه أيمانهم من بر وصدق وكذب وحنث وغير ذلك من أمور عباده. يعني هكذا فعلاً الإنسان لما يقرأ القرآن ويربطه يربطه بهذا السياق فعلاً أنت يعني أشعر أنه كما بين السماء والأرض من يقرأ يتأمل في الآيات آية آية منفكة عن سياق عن كذا، كما قلت يعني سورة الأنعام تحديدًا هي من أهم السور التي تبين قيمة السياق، بدليل من من أدلة ذلك: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك في الحديث الصحيح الظلم، فإذا رجعت إلى السياق تعلم أنه تفهم لماذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك، هو السياق واضح كله بالشرك، ليش؟ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن، يعني بدأت كيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم، إذًا الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي بالشرك، وهكذا.
طيب إذًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، ثم بعد ذلك: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين. هذه الآية هاتين الآيتين في سياق الحجج والنقاش مع المشركين تأتي التوجيهات لمن يناقشهم ويحاجهم ويجادلهم وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا منهج مهم جدًا أن من يتصدر للحق كما أنه يحتاج إلى الحجج والبينات فهو يحتاج إلى التوصيات والتوجيهات والمثبتات، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يناقشهم والله هو الذي يلقنه الحجج، ثم في ثنايا هذا التلقين للحجج والنقاش تأتي التوصيات للنبي صلى الله عليه وسلم، منها هذه: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله.
وذلك أنه لما نزل القرآن، كان عامة أهل الأرض، كما في الحديث الصحيح إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال الله سبحانه ثم بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم. إذًا إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، هذه التوصية إيش مضمونها؟ يعني ما مؤداها أو يعني خلاصتها؟ إي إي لا تطع أكثر هو هذه يعني هذه مو مؤداها هذه يعني هذه المباشرة، نعم لا يفتن في عضدك كثرتهم، لا تزعجك الكثرة. وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله. إن يتبعون إلا الظن، دعونا نرجع إلى ما الذي اجتمع عليه هؤلاء الكثرة؟ فالعبرة ليست بالكثرة، العبرة عن ماذا صدروا؟ على ماذا بنوا كثرتهم الباطلة هذه؟ إن عندكم من سلطان بهذا، إيش هي؟ إيش الـ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون. والذي قضى بذلك وأخبر به هو الله وهو أعلم بمن ضل عن سبيله. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين. فلا تطع هؤلاء ولا تتبع أهوائهم ولا تغرنك كثرتهم واتبع ما أوحي إليك واستمسك به ولا تكونن من الممترين. هذا مؤدى هاتين الآيتين في سياقهما.
وأكتفي بهذا القدر وأسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والهدى والرشاد، وأحمده سبحانه وتعالى وأثني عليه وأستغفره من ذنوبي وأتوب إليه، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والفتح والعافية، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد