بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
نستعين بالله ونستفتح هذا اللقاء، الذي هو بعنوان التجديد الفكري: لماذا وكيف؟ أو المقاصد والوسائل وما يرتبط بذلك من قضايا. في الحقيقة، إذا قيل التجديد، فإن أول ما يمكن أن يطرأ، أو من أول ما يمكن أن يطرأ على الذهن، هو الحديث النبوي الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قضية التجديد، في تجديد هذا الدين، هو الحديث الذي أخرجه الإمام أبو داود رحمه الله في سننه، وأخرجه غيره من أصحاب الكتب المصنفة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا.
وهذا الحديث متداول تداولا واسعا بين العلماء على مر العصور من المتقدمين ومن المتأخرين. وممن تناوله بالحكم عليه من حيث الصحة، الإمام السخاوي رحمه الله، والعراقي، وابن حجر؛ هؤلاء الثلاثة كلهم صححوا إسناده. وهذا الحديث أفرد بالتصنيف، يعني السيوطي له كتاب بعنوان: التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة، وهي رسالة مطبوعة، وطبعت حديثا ضمن أربع رسائل أخرى للسيوطي عن المجتهدين والاجتهاد وما إلى ذلك. طبعت طبعة جديدة ممتازة ومحققة، ولها أو عليها تعليقات جيدة.
وهذا الحديث يطرأ تحت هذا العنوان حين يتناول أو تتناول القضية من الناحية الشرعية، وإن كان لفظ التجديد في الواقع المعاصر يطرح في فضاءات فكرية لا تتناول التجديد من حيث الارتكاز على هذا النص النبوي، وإنما تطرح من حيث النظر المعرفي الفكري المحض. وقد تكون بعض هذه الأطروحات التجديدية التي يعني تتخذ من هذه المظلة الفكرية مظلة وحيدة لها، قد يكون في بعض تمثلاتها لها تأثر بفكرة الحداثة وفكرة التحديث. ولذلك، يعني من المفاهيم الخاطئة التي يمكن أن تنبت تحت هذه المظلة، مفاهيم الظن بأن التجديد هو الاتيان بما هو جديد مطلقا، والسعي لإيجاد القطيعة بين الواقع وبين القديم، والنظر دائما إلى ما هو جديد من حيث الإطلاق، لم يكن أفكر جديدة لم تطرح سابقا، أقوال جديدة ليس لها تمثلات سابقة.
هذه المظلة الأولى التي تحدثت عنها، وهي المظلة التي تتحدث عن التجديد ضمن النص الشرعي وضمن الإطار الشرعي، مثل رسالة السيوطي مثلا، ومثل من تناول هذا الحديث من شراح الحديث، ومثل كذلك بعض الدراسات الإسلامية المعاصرة التي تناولت هذا الباب. هذا شيء، والشيء الآخر من يتناول الباب أو القضية من ناحية فكرية محضة، تكاد تقترب في بعض تمثلاتها من فكرة التحديث أو الحداثة، فأحيانا تلمس أو ترى بشكل واضح في تمثلات بعض الأطروحات التجديدية أنك تستطيع أن تزيل كلمة التجديد وتضع كلمة الحداثة.
وفي الحقيقة، يعني أن تناول مثل هذه القضية ضمن التحليل اللفظي للنص والانحسار في سعة أو في مساحة الألفاظ فقط التي يسمح بها الحديث دون الاجتهاد في وفتح الآفاق التي يمكن أن تنبثق من هذا النص، هذا فيه إشكال ونقص. كما أن الانطلاق من ضمن المظلة الأخرى دون اعتبار النص وما يتعلق به أيضا، هذا فيه خلل وفيه إشكال. ولذلك نحتاج إلى الانطلاق من محكمات هذا المعنى في الشريعة، ومن هذا النص بعينه، وكذلك فتح آفاق التأمل والتفكر فيما يمكن أن يدخل ضمن هذا الحديث، وما يتعلق به من مفاهيم من قضايا معاصرة وتحديات مستجدة.
ولذلك، أنا ساتحدث في العنصر الأول عن هذا الحديث من حيث تأمل في ألفاظ هذا الحديث، ومن ثم محاولة الانطلاق إلى فضاءات يمكن أن يكون مستندها هذا المنطلق. أولا، النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا. ومن الأمور التي تلفت الانتباه في هذا النص: أولا، كلمة يبعث، وهذا البعث منسوب إلى الله سبحانه وتعالى.
والبعث، كما قال فريد الأنصاري حين تناول هذا الحديث، هل يطلق في لسان القرآن والسنة على معنيين؟ على معنى الإحياء: ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، ويطلق على معنى الإرسال: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، على أنه يقول إن البعث الثاني يتضمن الأول؛ البعث الذي هو بمعنى الإرسال فيه أيضا معنى الإحياء، والإحياء المقصود به هو الإحياء المعنوي وليس الإحياء الحسي، وإطلاق لفظ الحياة على الانعكاسات الإيمانية على الإنسان المؤمن هذا لفظ مستعمل في الشريعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت. ومن المعلوم أن الميت هنا ليس المقصود به أنه قد توقف قلبه عن الحركة وفاضت روحه، وإنما المقصود به الموت المعنوي.
فأول ما يلفت الانتباه هنا هو ربانية هذا التجديد، وهو أن الله يبعث، بمعنى أنه هو بعث موافق لإرادة الله الشرعية وموافق لإرادة الله الكونية. وبالتالي، كل تجديد يناقض مراد الله سبحانه وتعالى في أصول ما بعث عليه الرسل، فهو ليس التجديد المقصود في مثل هذا النص. الوقفة الثانية في هذا النص، وهي وقفة مهمة جدا، وهي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لها، من يجدد لها دينها. وهناك فرق بين من يجدد دينها وبين من يجدد لها دينها.
وهذا الفرق ليس بالضرورة أنه مقتضى اللفظ مباشرة، وإنما قد يفهم الفرق في بعض التصورات؛ فلها هذه تفيد أن التجديد هو متعلق بما طرأ على هذه الأمة من إشكالات ومن حجب ومن تحديات على أرض الواقع، فهو يجدد لها، وليس يجدد الدين باعتبار إضافة شيء جديد إليه، وإنما يجدد لهذه الأمة التي أصل الدين موجود لديها، ولكن قد طرأ على هذا الأصل ما يمنع من حسن التطبيق له أو حسن فهمه، ومن ثم يجدد لها دينها.
الوقفة الثالثة هي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها. ومن هذه ذهب كثير من العلماء أن المقصود بمن ليس الفرد الواحد، وإنما قد يدخل في من هذا أكثر من شخص. ويثب العلماء كثيرا في مثل هذا المعنى، مثلا الذهبي ذكر في تاريخ الإسلام قال: الذي أعتتقده من الحديث أن لفظ من للجمع لا للمفرد. وكذلك ابن كثير رحمه الله تعالى، بل إن فريد الأنصاري رحمه الله يقول: إن القول بفردية المجدد تحكم في النص.
ومن العلماء من ذهب إلى الفردية، لكن كثير من العلماء ذهبوا إلى أن من هذه تشمل الواحد وتشمل تعدد الأشخاص الذين يمكن أن يقوموا بمثل هذا المعنى التجديدي. هناك بحوث داخل هذا النص تناوله العلماء ليست محل تناول هنا، وهي متعلق بالمئة سنة والرأس وهل هو في نهاية أم في البداية، وهل هي من البعثة أم من الهجرة، وهل هي مرتبطة بالتاريخ الدقيق تاريخ القرن أو هي مرتبطة في حالات الانحسار وما إلى ذلك. هذا بحث فيه شيء من التفصيل، يمكن أن يتناول فيه يعني يمكن أن يبحث عنه الإنسان في مقامات أكثر سعة وتفصيلا من مثل شروحات الحديث التي تناولت هذا الباب.
طيب، إذا هذه الوقفة الأولى هي مع النص من حيث لفظه وثبوته وبعض المعاني المرتبطة به، وهي أسوا ما تكون بالمقدمة أو المدخل لهذه المادة. بعد ذلك ينتقل العنصر الثاني وهو أنواع التجديد. وقسمت أنواع التجديد في هذا السياق إلى نوعين، هذا باعتبار معين؛ باعتبار الإطلاق والنسبية، وإلا يمكن في داخل التفصيلات الموضوعات أن يقال مثلا التجديد الفكري، التجديد الإيماني، التجديد إلى آخره. لكن يمكن أن ننظر إلى القضية بشكل عام باعتبار التجديد المطلق وباعتبار التجديد النسبي، وهذا طبعا مع استصحاب ما تم تقريره في البداية، وهو أن التجديد لا يساوي إضافة الجديد، وإنما التجديد في أساسه عملية لإعادة موضع الدين في الموضع الذي أراده الله سبحانه وتعالى وطبقه النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا هدف الأساس هو حقيقة التجديد، محاولة إزالة الحجب والتحديات الواقعية التي تحول بين المسلمين وبين أن يكون الدين في ذلك الموضع الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. ومن هنا تنفضح مساحة واسعة للتفاعل مع الواقع وإشكالاته وتحدياته وأبصارها والتعامل معها بأدوات علمية ومعرفية وهو إلى آخره، وهذا سيأتي إن شاء الله. طيب، إذا تجديد بهذا الاعتبار نوعان: تجديد مطلق وتجديد نسبي.
التجديد المطلق يمكن أن وصفه بأنه التجديد المتعلق بحقائق الدين الكبرى أو بالمسار التطبيقي لتلك الحقائق الكبرى للدين، فهذا التجديد المطلق له مساران بناء على ذلك: المسار الأول مسار معرفي علمي، والمسار الثاني مسار عملي تطبيقي. فيمكن أن يكون التجديد المطلق هو في المسار العلمي والمعرفي، ويمكن أن يكون التجديد المطلق هو في المسار العملي. وبطبيعة الحال، إذا قلنا إن التجديد المطلق المتعلق بحقائق الدين الكبرى هو تجديد معرفي في قسم وتجديد عملي، فلا يعني أن التجديد المعرفي لا يكون له تمثل عملي، ولا يعني كذلك أن التجديد العملي لا يكون له مستند علمي أو معرفي.
بطبيعة الحال، إذا قلنا تجديد لحقائق الدين الكبرى وكان المسار الأساسي فيها هو المسار المعرفي، فإنه لابد أن يكون له شيء من الانعكاسات العملية. وإذا قلنا إن التجديد لحقائق الدين الكبرى عمليا، فلابد أن يكون من المستندات المعرفية هناك من المستندات المعرفية ما يعين على تنزيل أو على القيام بمثل هذا المشروع العملي على أرض الواقع.
حين يتحدث العلماء عن المجددين على مر التاريخ الإسلامي، فإنك تجد بينهم اختلافات، إلا أنهم يكادون يجمعون على شخصيتين على مر تاريخ المسلمين لا تكاد تجد هناك خلافا في أن هاتين الشخصيتين من المجددين على اختلاف المذاهب حتى العقدية الإسلامية التي تتحدث عن مسار التجديد، وهم يتفقون أو يكادون يتفقون على عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه، وعلى الإمام الشافعي رحمه الله ورضي عنه. فكل من يعد المجددين أو يشرح هذا الحديث ثم يذكر التعداد يكادون يتفقون على هاتين الشخصيتين. ومنهم من يضيف إليهما شخصيات أخرى، ومنهم من يكتفي بهاتين الشخصيتين، والأكثر يكتفي بهاتين الشخصيتين في سياق القرنين الأول والثاني.
إذا نظرت إلى هاتين الشخصيتين كشخصيتين متفق عليهما في ناحية التجديد، ستجد أن أحداهما ينطبق عليه المسار المعرفي والآخر ينطبق عليه المسار العملي. التجديد الذي كان عليه عمر بن عبد العزيز في الحقيقة لم يكن تجديدا علميا معرفيا، وإنما كان تجديدا عمليا، والتجديد العملي كان مرتبطا ليس بقضية جزئية، وإنما كان مرتبطا بقضايا بحقائق الدين الكبرى والمتصلة بإقامة الدين على أرض الواقع من جهة الحكم والسياسة، وتطبيق العدل على وجه التحديد، العدل بمساره الإسلامي، بمساره الشرعي الذي أنزله الله سبحانه وتعالى.
إذ لم يكن مشروع عمر بن عبد العزيز الأساسي مشروعا معرفيا، وإن كان قام ببعض الجهود المعرفية فهو مثلا أمر بجمع السنة وما إلى ذلك، ولكن هو أمر بجمع السنة ولكن لم يكن، وحتى جمع السنة لم يكن مشروعا تجديديا، لم يكن مشروعا تجديديا في السنة كانت تتداول وتتدارس، يعني يتناقلها العلماء، وهو أمر بوسيلة من وسائل حفظها وهي الكتابة أو الجمع. بينما مشروع الإمام الشافعي كان مشروعا معرفيا علميا، وإن كان له تمثل على أرض الواقع، هذا التمثل على أرض الواقع تمثل في تدريس الشافعي وكتابة الشافعي ومناقشات الشافعي ومناظراته وما إلى ذلك، لكن مشروعه الأساسي لم يكن مشروعا عمليا.
ومن المفارقات المهمة التي يحسن أن ننظر إليها ونراعيها حتى ندرك الإشكال الذي ذكرته في البداية في الفرق بين مساري التجديد: تجديد المنطلق من أصول الشرعية والتجديد المنطلق من نواحي عقلية محضة أو فكرية محضة أو واقعية، أنك تجد المفارقة الرهيبة لكثير ممن يتبنى التجديد بنوعه الثاني، يرون أن الإشكالية التي تمثل ما يضاد التجديد من الجمود والقولبة والتقييد العقلي كانت تتمثل في الشافعي. بينما تجد الإطار الشرعي يتفق على أن الشافعي كان هو المجدد في مرحلة من المراحل، وهذا يدل على أن التقسيم الذي ذكرته في البداية إذا نشأ على حالة مفارقة فهو ينتج نتائج متضادة في قضية التجديد.
هذا اختلاف في التقييم، اختلاف في المعيار، اختلاف في الإطار، اختلاف في المنطلقات، اختلاف في المحركات أدت إلى تضاد في النتائج بحيث يرى المسار الأول أن الشافعي مجدد في مرحلة ما، ويرى المسار الثاني أن إشكالية في جمود العقل الإسلامي كما يقول بعض من يمثل هذا الاتجاه مثل محمد شحرور، أنه الشافعي هو المشكلة، يعني معنى الكلام، ولذلك كان يتحدث عن تجديد أصول الفقه وما إلى ذلك. وهذا مسار يتخذه طائفة من الحداثيين ليس فقط محمد شحرور. لاحظوا المفارقة كيف في قضيته هذا من أهم أسبابه هو قضية المعيار؛ المعيار الذي ينطلق منه الإنسان في تقييم حقيقة وجوهر ومركزية التجديد أين تكون؟ أين تكمن؟
خلاصة الكلام فيما يتعلق فيما ذكرته إلى الآن في قضية المسار الأول، عفوا، النوع الأول من التجديد؛ وهو التجديد المطلق. أنه التجديد المتعلق بحقائق الدين الكبرى، وأن له مسارين: مسار معرفي، ومسار عملي. وأن المسار المعرفي من تمثلاته التي المتفق عليها في التاريخ: الشافعي، وأنه يستلزم شيئا عمليا. ومن التجديد في المسار العملي: عمر بن عبد العزيز، وهو متفق عليه كذلك، وهو يستلزم بلا شك مستندا معرفيا علميا. وعمر بن عبد العزيز كان أحد الأئمة المسلمين وعلمائهم.
طيب، الآن التجديد بهذا الاعتبار، بهذا النوع -لو لم أدخل في التجديد النسبي لأن التجديد المطلق- أين يكمن التجديد في هذا النوع؟ احنا قلنا هو متعلق بحقائق الدين الكبرى. طيب، حقائق الدين الكبرى من المفترض أن تكون محل اتفاق، اليس كذلك؟ أين يكمن التجديد في هذا النوع الذي هو مرتبط بحقائق الدين الكبرى؟
جميل، برأيي أن التجديد يتمثل في صورتين أساسيتين مرتبطة بهذا النوع. الصورة الأولى: التجديد المتعلق بالخلل في مركزة هذه الحقائق الكبرى. ومع الزمن كثيرا ما، وهذا حصل في التاريخ، كثيرا ما تنزاح تلك الحقائق الكبرى عن مركز الثقل إلى الأطراف. التجديد هنا يكون بإعادة تلك الحقائق الكبرى إلى المركز، وإن كانت لم تكن في واقع الناس منكرة أو مستنكرة، وإنما التجديد يكون في إعادة موضعتها.
ويمكن لنا أن نأخذ شيئا من هذه الصورة -ليست هي مطابقة، ولكن لنا أن نقول- أن المشركين في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، قبل النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يعبدون الله كما يعبدون غيره، هم لم يكونوا ينكرون أن الله إله حق، لم يكونوا ينكرون أن الله إله حق، ولم يكونوا ينكرون أن الله هو الخالق الرازق، وإنما كان هناك خلل في مركزة العبودية لهذا الإله الحق، وكانت آخذة في طرف وأدخلت معها أطراف أخرى، فصارت في المعادلة قدر من الإشكال.
كذلك من هذا قلنا إيش؟ أيوه، الصورة الأولى من الخلل الذي يمكن أن يكون في قضايا الدين الكبرى، وبالتالي التجديد يكون في إعادة موضعة ومركزة تلك المركزيات التي هي لم يجعلها المجدد مركزية في ذاتها، وإنما هي في الأصل إيش؟ مركزية شرعية، وإنما الذي قام به دور التجديد، الدور التجديدي، يتمثل في إعادة مركزتها وموضعتها في موضعها الذي تنبغي أن تكون عليه في خارطة الدين العام.
طيب، احنا قلنا الآن الصورة الأولى من صور التجديد الذي يمكن أن يكون ضمن الحقائق الكبرى، اللي هو إيش؟ إعادة مركزة المركزيات إلى المكانة والموضع من خارطة الدين، دينا ودعوة، كما يقول أيضا فريد.
النوع الثاني من التجديد المتعلق بحقائق الدين الكبرى، ليس هو المرتبط بالخلل في موازين الثقل بين المركزيات وغيرها، وإنما في إزالة الحجب والحواجز والرواسب التي تشكلت عبر حالات الانحراف الفكري والعقدي وما إلى ذلك. فحالت بين الناس وبين حسن التصور وححسن الرؤية لهذه الحقائق الكبرى. وبالتالي صار نوع التجديد هنا هو نوع متمثل في التدافع مع تلك الحواجز والحجب.
وبطبيعة الحال، هو ليس تدافعا مع أفكار لا تمثلات لها، وإنما هي في الغالب تدافع مع حملة تلك التصورات الخاطئة الذين لم يستحق المجدد أن يكون مجددا إلا بعد أن كان الثقل قد توجه إلى تلك الحجب والحواجز. وبالتالي، صورة التجديد المتعلقة بحقائق الدين الكبرى في قسمها الثاني هي التجديد المرتبط بازالة الحجب والحواجز والرواسب والتصورات الخاطئة المرتبطة بالحقائق الكبرى، وإعادة الفهم الصحيح والتطبيق الصحيح المرتبط بتلك الحقائق الكبرى.
وقد يكون في زمن أو في أزمنة متعددة، قد يكون الموجود في أرض الواقع هو صورتي الإشكال أو صورتا الإشكال؛ صورة خلل في المركزيات وانزياح المركزيات إلى الطرف بدل أن تكون في الوسط، وصورة التصورات الخاطئة والحجب والتمثلات الخاطئة المرتبطة بتلك المعاني والحقائق الكبرى، فيكون الدور مضاعفا، الدور التجديدي مضاعفا، وهو في إعادة الموضعة وفي إزالتة الحجب سويا. وأنا أعتقد أن هناك كثيرا من التمثلات في واقعنا ينطبق عليها هذان المعنيان.
التجديد المرتبط بالصورة الثانية، الذي هو في إزالة الحجب والرواسب، يتطلب قدرا وافيا من المعرفة بالواقع، وتاريخ تشكل الرواسب والحجب، والبواعث والمحركات التي أدت إلى نشوء تلك الحجب والرواسب، والقدرة أو امتلاك الأدوات والعلوم والمعاني التي تعين على تصحيح وإزالة تلك الحجب والرواسب أيضا. وهذه كلها متطلبات -إذا استعملنا المصطلح الأصولي- مما لا يتم الواجب إلا به، لا يتم واجب التجديد إلا به.
وبالتالي، هذا يمكن أن يكون إطارا تعريفيا تعرف به كثير من العلوم المرتبطة بتاريخ الأفكار وأصول الأفكار الخاطئة وما إلى ذلك من سياقات الدراسة في دراسة الأفكار الغربية وانعكاساتها وبعض التمثلات الكبرى لهذه الأفكار. فلا يتم التجديد المرتبط بحقائق الدين الكبرى بصورته الثانية المرتبطة بإزالة الحجب ما لم يكن هناك علم كاف وواف بهذه الحجب وتشكلاتها وأسبابها وملابسات كونها هي الأكثر تأثيرا. وهذا كله الآن ضمن النوع الأول، الذي هو التجديد في الحقائق الكبرى.
بقي شيء واحد، وهو هذا التجديد المرتبط بحقائق الدين الكبرى، يمكن في تحت الصورتين أن تكون المعالجة معرفية ويمكن أن تكون عملية. إلا أن طبيعة التجديد في مثل هذا الباب من الصعب أن يكون مستقلا بأحد المسارين دون الآخر. يعني التجديد المرتبط بحقائق الدين الكبرى في الغالب لا يتطلب جهدا معرفيا فقط أو فكريا فقط، وإنما يتطلب انعكاسا وتمثلا لهذا الجهد على أرض الواقع. ولذلك قد يكون بعض صور المشاريع التجديدية تحت هذا العنوان هي صور في صناعة النماذج التي تتمثل مثل هذا النوع من التجديد.
النوع الآخر من التجديد -الصوت واضح؟- طيب، النوع الآخر من التجديد هو التجديد النسبي. التجديد النسبي وهو التجديد المرتبط بمجال ما من المجالات المتصلة بالدين، بعلم من العلوم، واقع معين تخلفت فيه حقائق. التجديد الثاني هو تجديد يمكن أن يكون تجديدا معرفيا في بعض المجالات ويمكن أن يكون تجديدا عمليا في مجالات أخرى، فهو مجال واسع، ومن جملته: التجديد الفكري، التجديد الأصولي، التجديد الحديثي، التجديد إلى آخره من أنواع التجديد، في العمل التربوي، التجديد في طبيعة الخطاب، التجديد في الوسائل. هذا التجديد النسبي تجديد خارطته واسعة وممتدة.
وكل مجال من هذه المجالات النسبية يمكن أن تكون له ضوابطه وقواعده التي تحكم التجديد في كل مجال من المجالات. إلا أن فكرة التجديد النسبي لا تتخلف برأيي عن المسارين الذين ذكرتهما في السابق، اللي هو المسار المعرفي والمسار العملي، وكذلك في الفكرة الجوهرية في التجديد، وهي إزالة الإشكالات التي نشأت على هذا التجديد إما من حيث التطبيق أو من حيث التصورات. وهنا يمكن أن تكون إضافة بعض الأفكار الجديدة متاحة في المجال النسبي، إتيان ببعض الأفكار الجديدة التي لم تطرح سابقا، بينما حقائق الدين الكبرى لا مجال لإضافة أشياء جديدة لم تطرح سابقا.
لكن والله مثلا التربية ووسائلها وما يتعلق بها وكيفية تربية النشء والأبناء أو الطلاب أو ما إلى ذلك، هذا مجال قابل للزيادة والاجتهاد والاتيان بأشياء جديدة لم يأت بها أحد. بينما لما تتكلم عن علم مثل أصول الفقه مثلا، فحقائق التجديد فيه تختلف عن التجديد في المجال التربوي. ولذلك إذا ذكرنا مثلا الشاطبي كمجدد في أصول الفقه، ما أن تقرأ مقدمات كتاب الموافقات حتى تدرك المعاني المرتبطة بالتجديد، وهي يمكن أن نلخصها في المحافظة على مقاصد هذا العلم الذي ينبغي أن يتحقق عن طريقه.
فتجد أن الشاطبي مثلا في الموافقات يقول لك: أصول الفقه، وبالتالي هذا اسم العلم، وبالتالي المسائل التي لا تكون نافعة أو مثمرة أو مفيدة في الفقه فلا ينبغي أن تعد من أصوله، من أصول الفقه. طب هذا ما معناه؟ هذا معناه إزالة كثير من العوالق أو العواري التي تراكمت في هذا العلم، وكان من أسبابها بعض المصادر المعرفية الأخرى والتي أدت إلى بعض الإشكال في هذا العلم. فهذا مجال واسع ويصعب الحديث فيه بتفاصيله، لأن كل مجال له ضوابطه وقواعده المرتبطة بالتجديد فيه. أما الاختزال الشديد لفكرة التجديد في إضافة المعلومات الجديدة أو الأفكار الجديدة، فهذا أيضا فيه اختزال كبير جدا.
ننتقل إلى العنصر الثالث، أنا الآن ذكرت في البداية أول شي ذكرت أن هناك اتجاهين في التعامل مع فكرة التجديد، ثم ذكرت بعد ذلك النص الوارد في هذا الباب، وقفات معه، ثم بعد ذلك في أنواع التجديد، وذكرت نوع التجديد المطلق والتجديد النسبي، وذكرت الأقسام تحت المطلق وما يتعلق به وما يدخل فيه وبعض الأمثلة المرتبطة به وصورة التجديد في كل مسار من المسارات المرتبطة بهذا التجديد.
بعد ذلك أنتقل إلى عنصر جديد، وهو صور أو أنواع من الخلل في التجديد. وأقصد الخلل هنا، أو أنواع من الخلل، أقصد واقعا معينا، وليست تصورات ذهنية مجردة، وإنما هناك خلل، أو أذكر بعض الصور في الخلل في التعامل مع ملف التجديد على أرض الواقع. الصورة الأولى من صور الخلل، وهي التي ذكرتها قبل قليل، وهو الظن بأن التجديد مرادف للحداثة أو للتحديث، وأن التجديد يستلزم قطع الصلة بالماضي، وأن التجديد إنما هو في الإضافة. في الإضافة يعني أن يكون هناك شيء معرفي يضاف على علم ما، أو على أساس الدين، أو على أيا كان. وهذه الفكرة لا ينبغي أن تكون عنوانا للتجديد، وإنما يمكن أن تقبل هذه الفكرة -أعني الإضافة- إذا أدخلناها في بعض مجالات التجديد النسبي، بعض مجالات التجديد النسبي يكون التجديد فيها عبر الإضافة، بعض المجالات، لكن قولبة التجديد في الإضافة هذا صورة من الصور الخاطئة، وما أكثر ما ترتب عليها من صور الخلل.
الصورة الثانية من صور الخلل في التجديد، وهي يمكن أن نقول أنها أنا ذكرت عندي صورة تعتبر جزء من فكرة الإضافة، اكتفي بأني ذكرت الإضافة، أذكر صورة أخرى. صورة أخرى من صور التجديد، وهي الظن بأن التجديد هو تكييف الدين واستحداث وسائل له تجعله متوائما مع مناخات الواقع الثقافية. فالظن بأن التجديد هو تنزيل الدين على الواقع من جهة جعله موافقا وموائما للمناخات الثقافية السائدة في ذلك الواقع. فصورة التجديد في زمن الهيمنة الليبرالية الغربية هي في تكييف الدين بحيث لا يتعارض مع مخرجات هذه الثقافة، وتجديد الدين في زمن الاشتراكية هو تكييفه بطريقة لا تتعارض مع المخرجات الاشتراكية، وهكذا قس على ذلك. هذي صورة من الصور الخاطئة التي قد تكون مستبطنة أحيانا، ولا يكون الذي استبطنها يشعر بأن هذا هو المحرك الداخلي لطبيعة التجديد الذي يدعو إليه.
فأنت تجد هذا مثلا في مرحلة من المراحل، في مرحلة كان العنوان الأساسي فيها بالنسبة للوسط الفكري والثقافي الإسلامي هو عنوان التقدم المادي والمدنية والعلوم الطبيعية، في وقت كانت الثقافة الغربية أو الواقع الأوروبي لا يزال صاعدا وبقوة في مجال النهضة العلمية الطبيعية. فكان التجديد الذي يتمثله بعض المفكرين هو في أن يجعل الدين موافقا لمركزية التقدم المادي والتقدم المدني، بحيث أن مركزيات الدين ومركزيات المدنية الأوروبية الغربية تكاد تتطابق. فهذه صورة التجديد التي كان يظنها البعض، وبالتالي ما لا يتواءم مع هذا التطابق فإزالته ونقده هو صورة من صور التجديد.
وبالتالي جاءت عندنا قضية مثل إنكار المعجزات مثلا. ولما تفهم المحرك في قضية إنكار المعجزات، تدرك أن هناك قدرا من التأثر بقضية القوانين الطبيعية واستعمال النهضة الأوروبية للقوانين الطبيعية للوصول إلى المكتشفات التي وصلوا إليها. وبالتالي حقيقة الحياة وحقيقة وجود الإنسان هي التفاعل مع هذه القوانين الطبيعية، وما كان على خلاف ذلك مما يجري تحت عنوان المعجزات فهو يختلف مع هذا المعنى، وبالتالي الإزالة أو التأويل هو الذي يتفق مع التجديد الذي يناسبه أو تناسبه تلك المرحلة. هذه صورة من صور الخلل والإشكال التي وقعت.
اليوم نحن نفس الشيء، يوجد ثقافة مثلا نسوية منتشرة، البعض يظن أن التجديد هو إعادة قراءة الدين بحيث يتوافق مع الواقع النسوي الجديد. نصوص مثل الميراث التي فيها للذكر مثل حظ الأنثيين، فهذه يمكن أن تكون الأخذ بدلالة هذا النص الظاهرية أو بدلالة منطوق هذا النص هي رؤية قديمة، والتجديد مع هذه التغيرات الواقعية والتغير في قيمة الوظائف والعمل النسائي مدري ايش وكذا والإنفاق، يتطلب أنه الإنسان يجدد في هذا النص. وهو في الحقيقة -يعني كثير من هذه التفسيرات والقراءات الجديدة- كثيرا ما يكون الدافع والمحرك لها هو أمر باطني أحيانا لا يكون مستحضرا. أحيانا لا يكون مستحضرا، الذي يستبطن شيء يحركه، لا تلتقط عينه إلا ما يتعارض مع هذا المحرك.
فتجد أن مجموعة من النصوص هي التي توضع تحت التشريح والقصقصة، وحين تسبر هذه النصوص ستجد أنها تتعارض مع مثل هذا المخرج. ولذلك كل من يقرأ قراءة مرتبطة بواقع فكري ما، يزيل أو يؤول أو يبعد عن الدين ما يتعارض مع منطلقات تلك القراءة. لذلك هذه صورة خاطئة من صور التجديد.
الأمر الثالث، أو الصورة الثالثة من صور الخطأ، أنا ذكرت صورتين صح، الصورة الثالثة من صور الخطأ هي الظن بأن التجديد إنما يكون في الوسائل، التجديد إنما يكون في الوسائل. يعني كيف كيف نجدد مثلاً الخطاب الديني؟ والله لازم يكون فيه أسلوب جديد يتعامل فيه المتحدث، طبعا البعض يقصد أيضا مضامين، لكن كثيرا ما تقام دورات، وحتى حتى التجديد من حيث يعني خلنا نقول الريادة في واقع المسلمين وما إلى ذلك، كثيرا ما يتم التركيز مثلا على المهارات، يتم التركيز على الوسائل، الوسائل المهارية، الوسائل الإدارية، الوسائل إلى أخره، وهذا التجديد حصر التجديد في قضية الوسائل فيه إشكال.
التجديد في حقيقته هو في إعادة المقاصد وتفعيلها وليس فقط في استحداث وسائل جديدة، وإن كان استحداث الوسائل يدخل ضمن التجديد إذا كان محققا للمقاصد. ويتفرع عن هذا الخلل خلل في الظن بأن التجديد ينحصر في الوسائل، يتفرع عنه بسبب الاستغراق في التجديد في الوسائل، يتفرع عنه خلل أكبر منه وهو التجديد في وسائل تحقق نقيض ما ينبغي تحقيقه من المقاصد. وذلك عبر الاستغراق في دائرة الوسائل والظن بأنها هي التجديد الحقيقي، وهذا الاستغراق يعمي أحيانا عن تحقيق المقاصد الشرعية، والوسائل والمقاصد قضية التوازن فيهما قضية مهمة جدا، وإذا استعملنا ما هو أقرب للمقاصد في الشريعة، فان يمكن أن نشبه المقاصد مظلة أو خيمة ولها أعمدة وأركان، ومن الناس من يركز على سقف الخيمة هذا أو المظلة بدون الأعمدة التي نشأ عليها، ومن الناس من يركز على الأعمدة دون النظر إلى المظلة أو الخيمة التي تستند إليها، والصواب هو الجمع بين الأمرين.
ففي مقاصد الشريعة البعض يركز على المظلة ويقول لك الدين عبارة عن مقاصد، جيد، طيب ولكن له وسائل وله عبادات وله تفاصيل شرعية توصل إليه، فمقاصد الشريعة لم تنشأ إلا من خلال تفاصيلها، فمن خلال تفاصيلها فهمنا أن من مقاصد الشريعة كذا وكذا، هذه التفاصيل هي عبارة عن نصوص وكليات الدين وما إلى ذلك، والبعض يجمد على ألفاظ النصوص وظواهرها ولا يريد أن يقرأ ما تدل عليه هذه النصوص، كليات هذه النصوص، مجالات هذه النصوص التي يسعى لتحقيقها وتعزيزها. وما بين الانحسار في هذا والانحسار في ذاك تضيع قضية الوسائل أو المقاصد الشرعية، بينما في الحقيقة مراعاة النظرة للاثنين وهذه أيضا يمكن تسبب مثال آخر وهي الطريق، فإن يضع الإنسان قدمه على الطريق ويعرف كيف تسير هذه الوسائل، وأن يبصر دائما نهاية الطريق والاشكالات التي يمكن أن تنتج في مراحله، هذا النظر للمقاصد والجمع بينهما هو الذي يجعل الإنسان يسير في طريق الشريعة بشكل صحيح. بينما الذي ينظر إلى قدميه فقط قد لا يبصر بإشكالات الطريق أو حتى بانحرافاته، والذي ينظر إلى الأمام فقط ولا يرى ما تحته قد يزل أيضا كذلك، والجمع بين الاثنين هو الأمر.
خلاصة الكلام أن من صور التجديد الخاطئ التي تظن أن التجديد إنما يكون في الوسائل، بينما من أهم صور التجديد التجديد بإعادة موضعة المقاصد وتفعيل المقاصد وتنزيل المقاصد حتى تكون فاعلة على أرض الواقع، ومن ذلك ما تم ذكره سابقا وهو إعادة المركزيات إلى المركز وإزالة الحجب عنها، وهذا كله لا يكون تحت قضية الوسائل فقط، وإنما هو تحت عنوان المقاصد أو بالمقاصد أقر وألصق. العنوان الرابع والأخير هو صور مطلوبة في التجديد في الواقع الحالي، صور من التجديد مطلوبة، وهو حقيقة الموضوع أكبر من ذلك يعني بقيت أمور كثيرة متطلبة ولكن يعني ممكن نعتبر هذي بداية في الموضوع أو تناول لبعض أطرافه.
بناء على التقسيم السابق لأنواع التجديد اللي هو التجديد المطلق والنسبي، وبناء على المسارات التي يتضمنها كل تجديد وهو المسار المعرفي والمسار العملي، فإننا يمكن أن نتصور خارطة للتجديد أو مجالات للتجديد بناء على هذا التقسيم. ولذلك الصورة الأولى من صور التجديد المطلوب اليوم، وهي من أعظم الصور ومن أجلها ومن أكثر ما ينبغي العمل عليه، وهو برأي التجديد الحقيقي الذي يمكن أن يعمل أو من أهم صور التجديد الحقيقي، التجديد في إعادة موضعة مركزيات الشريعة لتأخذ المركز والثقل. والصورة الثانية التجديد عبر إزالة العوائق والحواجز والرواسب التي تمنع الناس من أن يعني يتصور الدين بشكل صحيح في حقائقه الكبرى.
فهذان مجالان من مجالات التجديد والعمل فيهما واسع جدا، وكما قلت ينطبق عليهما المسارين، يمكن أن يكونا في المعالجة المعرفية ويمكن أن يكون في المعالجة العملية، إلا أنه بطبيعته يتطلب الأمرين. هذا من أهم المجالات التي ينبغي العمل عليها، ومن أهم المجالات التي يصح أن يقال أنها العمل على طريق الأنبياء وعلى طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي يرجى أن تكون موافقة حقائق الدين الكبرى ومقاصده العظمى، يدخل تحت ذلك طبعا كل ما يمكن أن يضاف إليه مركزية كذا في الدين، مثلا العبودية مرجعية الوحي التزكية إلى آخره من مركزيات الدين. فكل جهد يصب في إعادة موضعتها لتكون في المركز والوسط، وكل جهد يصب في إزالة ما يعارضها هو من حقيقة التجديد الذي ينبغي العمل عليه اليوم.
وهذا الموضوع يستحق حديثا طويلا جدا، يعني لما تقول إزالة ما يعارضها، سؤال ما الذي يعارضها من التمثلات المعاصرة الموجودة اليوم؟ هذا يحتاج هنا يأتي الوعي بالواقع ويأتي فهم التاريخ ويأتي إدراك حقائق الأفكار، ويأتي إدراك طبيعة المؤثرات الموجودة في الواقع، ويأتي طبيعة التفاعل مع الأدوات التي تأتي الأفكار إلى آخره من كل ما يدخل في هذا المجال، هذا كله يمكن أن يفيد في هذا المجال. هذه الصيغة المعرفية أو هذا مسار معرفي، خاصة الأخير اللي هو الحجب وما يتعلق بها وإزالتها هذا مسار معرفي. مسار عملي، مسار عملي يدخل في هذا هو صناعة الحملة أو النماذج التي تتمثل مثل هذه الحقائق وتنشأ على مركزيات صحيحة ومقاصد صحيحة، فهذا أيضا صورة عملية ومسار عملي لمثل هذا المعنى.
أما في المقاصد، عفوا النوع الثاني اللي هو النسبي، فهناك مجالات متعددة من مجالات التجديد في مقاصد في تطبيق مقاصد العلوم الإسلامية. يعني كثير من العلوم الإسلامية أو العلوم الشرعية تدرس اليوم تدريسا لا يحقق المقاصد الغائية لهذه العلوم إلا بجهد ذاتي زائد من بعض الطلاب، بينما مما ينبغي أن يكون ضمن السياق التجديدي هو أن تتم إعادة بعض أو خلنا نقول التجديد في بعض المكونات أو في بعض الوسائل التي تجعل الأصل في من يدرس هذه العلوم أن يكون مدركا لمقاصدها قادرا على التفاعل مع تلك المقاصد. فما الفائدة يعني خلنا نقول على الأقل من الجهة الغائية حين يدرس الطالب أصول الفقه لسنوات والحديث لسنوات والعقيدة لسنوات ثم لا يستطيع التفاعل في أرض الواقع فيما يتصل بهذه المجالات؟ هذا فيه إشكال من حيث تحقيق المقاصد، لا أقصد بأرض الواقع الواقع المحسوس بالضرورة، وإنما حتى في الواقع الفكري، فعدم تحقق هذه المقاصد هذا جزء فيه إشكال، وبالتالي التجديد عبر هذه الوسيلة هو تجديد مهم، برأيي أنه من التجديد النسبي أيضا الذي ينبغي العناية به في هذه المرحلة، ويمكن أن يكون من صور التجديد اللي هو العناية بالبرهنة العناية بقضية البرهان.
وذلك لأن مما فقد في كثير من السياقات الإسلامية هو الناحية البرهانية، وأنت في واقع بطبيعته واقع يستصحب النسبية، يستصحب النسبية ويستصحب الشك في كثير من تمثلاته، ولذلك إعادة احنا قلنا من صور التجديد المطلق إعادة مركزة المركزيات، من جملة ما يمركز تلك المركزيات أو يعين عليها هو الثقل البرهاني. الثقل البرهاني هذا يجعل للمركزية قيمة أكبر من عرضها المجرد، وإذا رأيت في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ستجد أن الثقل البرهاني كان ضخما كبيرا ثقيلا له وزنه وله خطوته على النفوس، فهذا أيضا مجال من المجالات التجديدية. برأيي أن من مجالات التجديد النسبي العملية التي نحتاجها اليوم التجديد في سياقات تحفيظ القرآن، معاهد التحفيظ وحلقات التحفيظ، هذا يحتاج تدخلا تجديديا تنبه حقيقة ما ينبغي أن تكون عليه هذه الحلقات من تحقيق للمقاصد والثمرات، وألا تنحصر أو يعطى الحفظ قيمة أكبر من الغايات التي يحققها، وهذا يعني خلنا نقول قضية مفهومة ولها أصول كثيرة في الشريعة، لكن تتطلب التجديد العملي، لأن الواقع العملي في أغلب تمثلاته يحقق جانب الحفظ ولا يحقق الثمرات التي تنبني عليه، وأحيانا يكون طبيعة التدريس وطبيعة الإطار الذي يرسم للحلقة هو الذي يخرج مثل هذه النتائج القاصرة عن تحقيق الغايات والمقاصد.
لا حقيقة صور التجديد النسبي كثيرة جدا، ولا يسع المجال لذكرها. كان من الأمور التي يعني ذكرت قبل هذا اللقاء من جهة المستضيفين الكرام القضية في الكلام عن موضوع التفكير النقدي والتفكير الناقد وعلاقته بمن يمارس القضية التجديدية، أن هذا الموضوع يعني الحديث فيه يطول ويحتاج مقام أطول من هذا، لذلك أنا أكتفي بهذا المدخل وأعتبر هذا مدخلا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيما تم تقديمه، وأشكر لكم الحضور والاستماع، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد