بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد، أحمد الله سبحانه وتعالى على تيسير هذا اللقاء، الحمد لله رب العالمين، وأسأله سبحانه وتعالى أن يبارك أن يحقق لنا في هذا اللقاء فوق ما نؤمل وفوق ما نريد، آمين. حقيقة أيها الكرام، لا يزال في عيني فريق إعجاب بهذا العلم الذي سأتحدث عنه، وأتيت إليكم وكأني رجل ظمآن يسير في صحراء وجد ماء قليلاً فشرب منه فازداد شوقاً وعطشاً واحتياجاً إلى الماء، وهذا الشعور ليس جديداً، هذا الشعور شعرت به أول مرة أتعرف على هذا العلم عن قرب، لا أذكر متى، لكن ربما يعني قبل سنتين أو ثلاث سنوات.
هذا العلم الذي هو علم إعجاز القرآن، وأقصد به إعجاز القرآن عند المتقدمين. يعني هنا في هذا اللقاء لا يأتي في بالكم الإعجاز العلمي؛ لأنه ليس محل حديث في هذا اللقاء، إعجاز القرآن عند المتقدمين. هذا الباب باب عجيب غريب، باب عظيم الخبر، كبير الفائدة، واسع الأرجاء، لكن لا يستفيد منه تلك الفائدة، وقبل ذلك لا يدركه ذلك الإدراك إلا من كان عارفاً باللغة العربية، وكلما ازدادت معرفة الإنسان باللغة العربية وازداد تذوقه لها، كلما استمتع واستلذ وشعر بعظمة هذا الباب. ولأجل ذلك في هذا اللقاء قد يعني تصعب بعض الفقرات أو المقولات المنقولات على البعض لأجل فخامة اللغة العربية المستعملة فيها، مستوى من اللغة في بعض يعني ما سأنقله وسأقرؤه عليكم، مستوى من اللغة عالٍ جداً.
وفي الحقيقة فإن من أكبر الفوائد التي تحصل من هذا العلم هي ازدياد مكانة اللغة العربية في النفس. نعم، كلنا نعلم أنها لغة القرآن وأنها لغة عظيمة ولغة واسعة وأنه لا يوجد مثلها وأن الله سبحانه وتعالى جعل معجزة نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه اللغة، ولكن أن تقف على تفصيلات تميز هذه اللغة، وأن تقف على السبب الذي كان به القرآن في باب البيان معجزاً، فهذا باب آخر وشأن آخر.
طيب، عندنا في هذا اللقاء ستة محاور، ستة محاور إذا أردتم أن تكتبوا رؤوس أقلامها حتى تسيروا معنا في الخائط. المحور الأول وإن كنت قد أشرت إلى شيء منه أو من محتوياته، الذي هو أهمية الموضوع: لماذا الحديث عن إعجاز القرآن؟ المحور الثاني هو أهمية اللغة العربية والبلاغة لفهم قضية إعجاز القرآن عند المتقدمين. المحور الثالث: العرض معنى الإعجاز والمعجزة وعلاقة المصطلح بالمعنى الشرعي. المحور الرابع: العرض التاريخي المجمل لمسيرة التأليف في باب الإعجاز القرآني عند المتقدمين. المحور الخامس: القضايا الكبرى في باب الإعجاز القرآني عند المتقدمين. المحور السادس: استعراض مناهج المتقدمين في حقيقة الإعجاز القرآني والتركيز على ثلاثة منهم بشكل خاص، وهم الخطابي والباقلاني والجرجاني.
طيب تمام؟ البند السادس استعراض مناهج المتقدمين في حقيقة الإعجاز القرآني والتركيز على ثلاثة منهم. طيب، المحور الأول: لماذا الحديث عن إعجاز القرآن عند المتقدمين؟ في الحقيقة هذا السؤال يتضمن فقرتين: الفقرة الأولى لماذا الحديث عن إعجاز القرآن؟ الفقرة الثانية لماذا عند المتقدمين؟ نجيب عن الشق الأول ثم الثاني.
لماذا الحديث عن إعجاز القرآن؟ أولاً، نحن في زمن لا يخفى عليكم ما فيه من التحديات العقدية التي تواجه المسلمين من ناحية الشبهات والتشكيكات، وهذه القضية قضية في غاية الخطورة، وربما حتى يعني أناس من المشتغلين بالمدافعة عن الإسلام تجاه الشبهات المثارة في هذا الزمن ربما حتى كثير منهم لا يدرك حقيقة وخطورة وأبعاد هذه المرحلة التي نعيشها من هذا الاتجاه. لا يعرف البشرية على مر تاريخ البشرية لا يعرفون مستوى من انتشار الإلحاد كما هو الآن، ولا تعرف البشرية أيضاً مستوى انتشار المادية التي أدت إلى الإلحاد أصلاً مثل الآن، ومجتمعاتنا خلال العشر سنوات الماضية انفتحت بلا حدود على كل الأفكار والثقافات والأديان. وبالتالي أيها الكرام وأيتها الكريمات، لا بد لنا من التركيز على ما يعزز اليقين ويثبت لأبناء المسلمين قبل غيرهم أنهم على دين عظيم وأنهم يمتلكون براهين قاطعة على صحة ما يعتقدون، وهذا الموضوع الذي هو إعجاز القرآن هو من أهم الموضوعات التي تحقق هذا الغرض. إذاً لماذا الحديث عن إعجاز القرآن؟ لأننا في زمن فيه موجات تشكيكية كبيرة جداً ونحن بحاجة إلى ما يثبت الإيمان، وبحاجة إلى بث ما يثبت الإيمان في الناس، وهذا الباب هو من أهم وأفضل وأجود ما يُبث به الإيمان.
الأمر الثاني: لماذا الحديث عن إعجاز القرآن؟ لأجل إدراك عظمة القرآن والإقبال عليه، مهما كنت مؤمناً بالقرآن، حينما تعرف تغوص في أعماق أسراره فإن عظمة القرآن في نفسك تزداد، وازدياد عظمة القرآن في النفوس أمر يحتاجه المسلمون في كل وقت وفي هذا الوقت بشكل أكبر.
الأمر الثالث: لأجل القدرة على الدعوة إلى الإسلام بالحجة والبرهان. المحور الأول قلناه تثبيت الإيمان واليقين كشيء ذاتي، لكن أن تدعو إلى الإسلام أنت في زمن تستطيع أن تدعو إلى الإسلام بطريقة سهلة، أقصد من ناحية الآليات والوسائل والقوالب، لكن من ناحية المحتوى والمضمون، ما الذي تقدمه في دعوتك إلى الإسلام؟ هذا الموضوع هو من الأمور التي تستحق أن تقدم في باب الدعوة إلى الإسلام.
في هناك عبارة للباقلاني في كتابه إعجاز القرآن يبين فيه أهمية الموضوع من هذه الجهة، أعني من جهة أن هذا الباب هو من أهم الأبواب في إثبات صحة القرآن وبالتالي إثبات صحة هذا الدين، وبالتالي أن يكون لديك آلة للدعوة إليهم. يقول: الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن أن نبوة نبينا عليه السلام بنيت على هذه المعجزة، وإن كان قد أيد بعد ذلك بمعجزات كثيرة، إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة وأحوال خاصة وعلى أشخاص خاصة، ونقل بعضها نقلاً متواتراً يقع به العلم وجوداً وبعضها مما نقل نقلاً خاصاً إلى آخره، ثم قال: فأما دلالة القرآن فهي معجزة عامة، وبقيت بقاء العصرين ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، وإن كان قد يعلم بعجز أهل العصر الأول عن الإتيان بمثله وجه دلالته إلى آخره. طيب، إذاً هذه مجموعة من الوجوه بها يظهر داعي الحديث عن هذا الموضوع الذي هو إعجاز القرآن.
طيب لماذا عند المتقدمين؟ هذا السؤال الثاني، أولاً لأن المتقدمين أظهروا وجه المعجزة القرآنية بطريقة تامة مذهلة، ولأنهم اعتنوا بحقيقة المعجزة القرآنية التي كان بها القرآن معجزاً. بمعنى لو قلت لكثير من المسلمين اليوم لماذا القرآن معجز؟ ما إعجاز القرآن؟ كثير منهم لا يدركون الجواب عن هذا السؤال، أو تنصرف أذهانهم مباشرة إلى بعض المكتشفات الحديثة التي جاءت بعض آيات القرآن مخبرة بها. ولكن يا عزيزي، القرآن قبل الاكتشافات العلمية كيف كان معجزاً؟ صحيح، كيف قامت به الحجة على الأمم؟ آيات التحدي التي جاءت في القرآن جاءت تتحدث عن ماذا؟ عن أن يؤتى بسورة مثله، وهذا ليس له ارتباط مباشر بقضية المكتشفات العلمية. إذا صُرف الاهتمام كاملاً إلى قضية المكتشفات العلمية هذا فيه تحجيم وتقزيم لباب الإعجاز القرآني. إذاً نتحدث عن الإعجاز القرآني عند المتقدمين لأنهم أظهروا حقيقة المعجزة القرآنية التي جاء بها التحدي والتي قامت بها حجة النبوة بطريقة تامة ودفعة.
الأمر الثاني، وإن كان الأمر الثاني هو أيضاً أشرت إليه قبل قليل الذي هو لأن كثيراً من المتأخرين لا يعرفون من معنى الإعجاز إلا ما يعرف بالإعجاز العلمي، فكان من اللازم الحديث عن إعجاز القرآن عند المتقدمين. الأمر الثالث: لإدراك علم من علوم التراث الإسلامي العظيمة التي قل الاهتمام بها. الأمر الرابع: لأن هذا العلم علم الإعجاز القرآني عند المتقدمين علم له تأثير في عدد من العلوم، هل تعلمون أن علم البلاغة لم ينشأ إلا من بطن علم الإعجاز القرآني؟ علم البلاغة كما هو في كتب البلاغة إنما نشأ من أو بسبب العناية بقضية إعجاز القرآن. هناك كتابات ودراسات معاصرة اعتنت بهذه القضية، يعني مثلاً عندنا رسالة من ثمانمئة صفحة للدكتور عبد العزيز عرفة بعنوان: قضية الإعجاز القرآني وأثرها في تدوين البلاغة العربية، قضية الإعجاز القرآني وأثرها في تدوين البلاغة العربية، كتاب مطبوع ومتداول.
أيضاً لماذا الآن كم ذكرنا من سبب؟ أربعة. الخامس: لأن كلام المتقدمين يحيي الاهتمام بالعربية، ويدرك القارئ لباب إعجاز القرآن عند المتقدمين أهمية هذه اللغة، ولا تدرك أهمية اللغة في باب إعجاز القرآن بدون العناية بكلام المتقدمين في هذا الباب. لذلك وركزوا معي فيما بعد ذلك، لذلك تجد أن علماء الإعجاز الذين كتبوا في الإعجاز من المتقدمين تجدهم مدركين لهذه القضية ويعبرون عنها تعبيراً أخيراً يلفت النظر والانتباه. فمثلاً الإمام عبد القاهر الجرجاني هو من أكبر وأكثر المتخصصين الذي كتب في هذه القضية بعمق في كتابه دلائل الإعجاز. عبد القاهر ماذا يقول؟ عبد القاهر يرى أن من يقلل من قيمة الشعر العربي ويصد الناس عن تعلمه فهو كمن يصد الناس عن تعلم القرآن وتلاوته.
طيب هذا الشعر وهذا قرآن، كيف يعني من يصد الناس عن الشعر كمن يصد الناس في رأيه عن القرآن؟ هو يبين ذلك وجهة نظر له، يقول: إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت وبانت وبهرت هي أنه كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر منتهياً إلى غاية لا يطمح إليها بالفكر، هذا واحد، اثنين: وكان محالاً أن يعرف كونه كذلك -أي كونه معجزة- بالفصاحة إلى آخره، وكان محالاً أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب وعنوان الأدب، هاتان مقدمتان، النتيجة قال: كان الصاد عن ذلك صاداً عن أن تعرف حجة الله، وكان مثله مثل من يتصدى للناس فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب الله ويقوموا به ويتلوه ويقرؤه.
لماذا يا عبد القاهر؟ يزيد الأمر بياناً فيقول: ذلك أو ذاك لأننا لم نتعبد بتلاوته وحفظه والقيام بأداء لفظه على النحو الذي أنزل عليه، وحراسته من أن يغير وجهه يبدل، إلا لتكون الحجة به قائمة على وجه الدهر، تعرف في كل زمان ويتوصل إليها في كل أوان، فمن حال بيننا وبين ما له أجل، ومن حال بيننا وبين ما له، كان حفظنا إياه واجتهادنا في أن نؤديه ونرعاه كان كمن رام أن ينسيناه جملة ويذهبه من قلوبنا دفعة، سواء من منعك الشيء الذي تنتزع منه الشاهد والدليل، ومن منعك السبيل إلى انتزاع تلك الدلالة. يعني في الخلاصة هو يقول لك وهذا الذي أراد أن يطبقه في كتابه، طبعاً سنتعرض لكتابه بالتفصيل بإذن الله، هو يقول لك: أنت لا تستطيع أن تدرك وجه المعجزة القرآنية ما لم تدرك قبل ذلك كيف يتفاضل الكلام بينه وبين كلام الناس وبين بعضه. إذا لم تدرك تفاضل الكلام بين الناس، إذا لم تدرك تفاضل الشعر، فإنك لن تدرك فضل القرآن على غيره. ولأجل ذلك يقول: إن الرصيد الذي يكون لك هذه الأفضلية أو هذه القدرة على المفاضلة هو العلم بالشعر العربي، ولأجل ذلك نحن في برنامجنا طبعاً عندنا حفظ قصائد عربية هو لأجل هذا، لأجل هذه الفكرة، هي لأجل فكرة أن الشعر العربي الأصيل يزيد في قدرة العقل على تذوق الكلام وعلى إدراك الفصاحة والبلاغة، وكلما ازداد هذا الرصيد ازدادت المعرفة على إدراك المعجزة القرآنية على وجهه.
حقيقة وأنا أقرأ يعني في هذا الموضوع كثيراً، أحياناً أشعر بنوع من الحسرة على هذا الكم من الكنوز المؤكدة والمثبتة لعظمة هذه اللغة، ثم نقارن أحوالنا وكيف أننا يعني لا ندرك من هذه اللغة إلا القليل، وهذا حقيقة شيء مؤلم يعني قد بقدر ما تقرأ وتنظر كيف قاسوا في أعمق أعماق اللغة ليستخرجوا لك جمال القرآن وعظمته وحد فصاحته، بقدر ما تغوص في هذا الكلام ثم تنظر للواقع تتألم، تتألم كثيراً.
أيضاً ليس كلام عبد القاهر وحده، يقول مثلاً الباقلاني في إعجاز القرآن: فأما من كان متناهياً في معرفة وجوه الخطاب، ما معنى متناهياً في معرفته؟ يعني محترفاً، باختصار شديد، يعني فأما من كان متناهياً، يعني معرفته واسعة عميقة كبيرة لا حدود لها في معرفة وجوه الخطاب وطرق البلاغة والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه. أيضاً ابن قتيبة وهو قبلهما في تأويل مشكل القرآن يقول: وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره واتسع علمه وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات. أختم بعبارة أيضاً مرة أخرى في إعجاز القرآن يقول: ولسنا نزعم أنه يمكننا أن نبين ما رمنا بيانه وأردنا شرحه وتفصيله لمن كان عن معرفة الأدب ذاهباً، وعن وجه اللسان غافلاً؛ لأن ذلك مما لا سبيل إليه. يعني يقول: أنا أريد أن أكتب لك الآن أنا أكتب لك كتابي إعجاز القرآن، سأبين لك وأبين لك وأبين لك، ولكن ثق أن ما أقوله وأفصله أنه لن يفهمه من كان عن معرفة الأدب ذاهباً، وعن وجه اللسان غافلاً؛ لأن ذلك مما لا سبيل إليه إلا أن يكون الناظر فيما نعلم.
عليها مما قصدنا إليه من أهل صناعة العربية، قد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه. إذا أيها الكرام، هذا الوجه الأخير من وجوه الأهمية للحديث عن إعجاز القرآن عند المتقدمين وإن كان هو موضوع يستحق أن يكون موضوعًا مستقلًا كذلك.
ألصق علم عربي بعلوم بإعجاز القرآن ما هو؟ علم البلاغة، علم البلاغة، ولذلك أنت تقرأ في كتب إعجاز القرآن أحيانا تشعر أنك تقرأ في كتاب بلاغة ليس في كتاب إعجاز قرآن. فتجد يعني مثلا الباقلاني في إعجاز القرآن ذكر أكثر أو ثلاثين وجها من وجوه البديع في علم البلاغة وإن كان البديع عنده ليس البديع الذي استقر معناه في علم البلاغة. طبعا نتذكر سريعا إيش البديع والبيان؟ أقسام علم البلاغة ما هي؟ البديع والبيان والمعاني. المعاني ما هو؟ أيها من أبوابها الفصل والوصل، التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والتذكير والتأنيث، والحذف، وما إلى ذلك. هذه كلها من علم المعاني.
علم المعاني يعني من أثناء أو من متطلبات التحضير لهذه المادة الطرق إذ طردت أن أقرأ في كتب البلاغة المتمحضة عموما. ابن عاشور تعرفون كتابه موجز في البلاغة أو موجز البلاغة، كتاب جيد وجميل وإن كان حقيقة فيه بعض الصعوبة يعني يحتاج شرح، يقول: فن المعاني هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يكون بليغا فصيحا في أفراده وتركيبه، فالفصاحة أن يكون الكلام سالما مما يعد عيبا في اللغة، بأن يسلم من عيوب تعرض للكلمات التي تركب منها الكلام. هذا التعريف قد يكون يعني نوعا ما فيه صعوبة يحتاج إلى شرح لأجل ذلك يعني هناك تعريفات مختصرة لعلم المعاني.
التعريف المشهور هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها مقتضى الحال. عموما هذه التعريفات النظرية أحيانا تصعب الموضوع أكثر من أن تكشفه، وهذه طبيعة تعريفات في كثير من العلوم إذا لم تحدد بشكل جيد. علم البلاغة المعاني والبديع والبيان، المعاني والبيان والبديع، هكذا الترتيب أفضل.
علم المعاني هو ألصق علم من علوم البلاغة بإعجاز القرآن. علم البيان ما هي أبوابه؟ الاستعارة والكناية والتشبيه وما إلى ذلك، التي هي أن تعبر عن الشيء الواحد بأكثر من معنى وأكثر من طريق والمجاز وما إلى ذلك، هذا هو الذي كان يسميه الباقلاني البديع، بينما البديع فيما استقر إليه معنى البلاغة ما هو؟ المحسنات شيء زائد على قضية نفس المعنى، المحسنات وأغلبها تعود إلى المحسنات اللفظية يعني الجناس وما إلى ذلك، أن ستأتي بكلمات سجع ما إلى ذلك، هذه الثلاثة علوم طبعا كلها مرتبطة بالقرآن، جيد؟ ولكن العلم الذي له ارتباط وثيق هو علم المعاني، وهو الذي استغرق الإمام الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز شرحه وتفصيله، استغرق في شرحه وفي تفصيله.
كم محور أخذناه هنا؟ محورين؟ محورين. طيب المحور الثالث الذي هو تعليم المعجزة والإعجاز، لا أريد أن أطيل أنا حقيقة أنا لا أحب التعريفات يعني، لكني أشعر أنه أهم شيء وصول المعنى إلى الحاضر أو سواء كان قارئا أو كان مستمعا، أهم شيء وصول المعنى وليس بالضرورة صياغة التعريف صياغة تحديه خاصة إذا كانت القضية ملزمة بأن تلتزم الحدود المنطقية في التعريفات فهذه أحيانا تبعد وتعسر. الإعجاز أيها الكرام في معناه اللغوي، الإمام ابن فارس في معجم مقاييس اللغة والمناسبة، هذا المعجم هو من أجل معاجم العربية ومن أعظمها ومن أفضلها وهو معجم يعني يزيد عمق الإنسان باللغة العربية عمقا كبيرا.
يقول ابن فارس: العين والجيم والزاء أصلان صحيحان يدل أحدهما على الضعف والآخر على مؤخر الشيء. أحدهما يدل على الضعف والآخر على مؤخر الشيء، عجز، عجز، عجز. الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن يقول: عجز الإنسان مؤخره وبه شُبه مؤخر غيره اسما للقصور عن فعل الشيء، يعني كأنهم أخذوا من التأخر معنى عدم الوصول أو القصور عن الشيء فهذا أصل الاستعارة أو التكوين اللغوي للعجز. طيب بهذا المعنى اللغوي هل ورد في القرآن؟ ما هو كضعف وليس كمؤخر، كضعف يعني هو مؤخر هذا أصل، لكن في أصل اللغة صار يعبر به عن القصور عن الشيء والضعف وعدم القدرة، عجزت أن أكون مثل هذا الغراب. فإلى سورة أخرى، نعم وأيضا وما أنتم بمعجزين في الأرض، صحيح أيضا، واعلموا أنكم غير معجز الله، إلى آخر الآيات التي فيها هذا الاستعمال اللغوي لي.
وبالمناسبة الراغب الأصفهاني أيضا يقول: والعجوز سميت بذلك لعجزها في كثير من الأمور، وجاء بآيات القرآن إلا عجوزا في الغابرين، وأنا عجوز. هذا الأصل اللغوي وهو يدل على التأخر وهو واضح في تطبيقه على قضية إعجاز القرآن، فإعجاز القرآن كما في مناهج العرفان هو إثبات القرآن عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم به، إذا إعجاز القرآن كلمة يراد بها إثبات أن الناس والعرب خصوصا قد عجزوا وتأخروا وقصرت قدراتهم عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، تمام؟ لا نريد أن نطيل أكثر من ذلك، أظن أن هذه القضية واضحة، ننتقل إلى المحور الرابع.
المحور الرابع هو ما هو؟ التاريخي مجمل التأليف، العرض التاريخي المجمل لمسيرة التأليف في باب الإعجاز القرآني. طبعا هو أنا قلت مجمل قد يكون مفصلا بعض الشيء لكن قصدت أني لن أقف كثيرا عند تفصيلات هذه الكتب من ناحية بيان وجه المعجزة وما إلى ذلك، وإنما نستعرض معارف التأليف في هذا الما، الكتابة في باب إعجاز القرآن جاءت استجابة للتطورات والتحديات العقدية في القرون المتقدمة. بمعنى أنه في وقت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن هذه المسألة محل بحث ومراجعة، وذلك لأن القرآن في تلك المرحلة كان غضا طريا كما أنزل يتلقفه الناس تالين متعبدين قائمين به.
بعد الفتوحات الدنيا ودخول الناس في دين الله أفواجا، ودخل معهم الراهب والمحب والخائف وانتشار الإسلام في أصقاع الأرض واختلاط الثقافات والأفكار بدأت تظهر في المجتمع الإسلامي مجموعة تحديات عقدية وفكرية، وبعد أيضا عوامل أخرى من ناحية ترجمة الكتب وما إلى ذلك وظهور المذاهب المبتدعة وما إليها، صار عندنا أناس يسمون بالزنادقة، والزنادقة هؤلاء أنا كنت أظن حقيقة أنهم لم يكن لهم ذلك الحضور الكبير في المجتمع الإسلامي، ولكن يبدو أن الأمر أكبر مما تصورت، وأنه كان لهم تأثير غير قليل وكان لهم حضور كبير، وكانت شبهاتهم متفرقة ومتوزعة على أنحاء الشريعة، فلم يدعوا شيئا ولا مفصلا من مفاصل الإسلام إلا وأثاروا حوله شبهة وتشكيكا، وكانت هذه القضية مستوعبة تماما عند من ألف في إعجاز القرآن، أنه هناك تحدي وهناك إثارة شبهات وإشكالات ولا بد لنا أن ندافع عن القرآن وعن حجة الإسلام فنقدم البراهين المثبتة لتفوق وعظمة هذا الدين العظيم.
ممكن بعض العبارات تظهر لكن سآتي إليها بعد قليل، لأن التأليف في هذا الباب قسمان، تأليف ضمني وتأليف مستقل. التأليف الضمني في القرآن الكريم هو تأليف سابق على التأليف المستقل، تمام طيب يا جماعة ركزوا معانا شوي، التأليف يا كرام تأليف في إعجاز القرآن قسمان تأليف ضمني وتأليف مستقل، التأليف الضمني هو تأليف سابق التأليف المستقل وإن كان تأليفا ليس في الكمال والتمام كما هو تأليف الكتب المستقلة. نستطيع أن نقول إن بوادر الكتابات وإن لم تكن متمحضة في إعجاز القرآن، ما كتبه الإمامان اللغويان الكبيران أبو عبيدة والفراء في كتابيهما مجاز القرآن ومعاني القرآن، طبعا مثلا الباحث فضل عباس يرى أن الكتاب طبعا كتب في القرن الثاني للهجرة، شيء مقدم جدا يعني، يرى أنهما كتبا في القرن الثاني الهجرة، طبعا لا نجد كلاما واضحا كثيرا عن إعجاز القرآن وإن كنا نجد حديثا عن التشبيه والكناية والإشارة وما إلى ذلك في القرآن الكريم، مما كان محفزا للحديث عن هذه الأبواب في القرآن الكريم لمن جاء بعدهم.
قد نجد أول ما نجد قضية المواجهة، مواجهة الزنادقة وما إليهم في القرآن، نجدها في كتابة ابن قتيبة، تعرفون ابن قتيبة؟ عيون الأخبار وأيضا تأويل مختلف الحديث وتأويل مشكل القرآن كأبرز كتب للإمام ابن قتيبة والشعراء والشعراء. طيب الإمام ابن قتيبة يقول: وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، بأفهام كليلة وأبصار عليلة ونظر مدخول، فحرفوا الكلام عن مواضعه وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة واللحن وفساد النظم، وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمانة الضعيف الغمر والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب وقدحت بالشكوك في الصدور.
يا جماعة إحنا نتكلم عن القرن الهجري الثالث مبكر جدا وانظروا الحديث عن الزنادقة، الطعن في القرآن، ولذلك نجد أن ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن وهو من الكتب اللصيقة بهذا الشأن، هو تأويل مشكل القرآن هو أجاب عن الشبهات المثارة عن القرآن سواء أكانت مثارة عليه من جهة إعجازه أو من جهة تفسيره، من جهة تفسيره، من جهة انتظامه من ناحية المعاني، فأجاب كثيرا عما يدعى من التعارض في كتاب الله بين الآيات.
نحن الآن ذكرنا كتابات اللغويين الأولين، ذكرنا كتابة ابن قتيبة ككتابة مبكر جدا في القرن الثالث الهجري وهي كتابة أجاب فيها عن بعض الشبهات المثارة حول إعجاز القرآن ولكن الكتاب ليس خاصا فيه، ننتقل إلى كتب التفسير، اعتنى علماء التفسير ببيان إعجاز القرآن، والكلام الذي أو المواضع التي يبين فيها علماء التفسير إعجاز القرآن غالبا في موضعين، في موضعين من كتب التفسير، في المقدمات كما فعل ابن عطية في المحرر الوجيز، تفسير ابن عطية معروف تكلم في مقدمة ضافية ووافية، حتى من المتأخرين يعني مثلا ابن عاشور تكلم في مقدمة طبعا مقدمات طويلة وكبيرة وكثيرة ومتنوعة وواحدة منها أو بعضها في إعجاز القرآن، إذا علماء التفسير يتحدثون عن إعجاز القرآن في المقدمات، وكذلك الموضع الثاني أين؟ آيات التحدي، آيات التحدي يتكلم علماء التفسير عن إعجاز القرآن.
المجال الرابع في الكتب الضمنية مجال كتب علوم القرآن، إذا قلنا ما أشهر ما ألف في التراث الإسلامي في علوم القرآن؟ ها؟ البرهان والإتقان، انتهينا، يعني هذان الكتابان هما أكبر وأشهر ما كتب في علوم القرآن في التراث، هذان الكتابان هما والشأن عليهم المدار، نجد أن الزركشي في البرهان والسيوطي في الإتقان كلاهما نجد أن كليهما يذكر من ضمن الأبواب والأنواع في علوم القرآن يذكر إعجاز القرآن، ولا يذكرونه هكذا وإنما يذكرون تفاصيل، يعني مثلا الزركشي ذكر سبعة عشر وجها من الوجوه التي بها كان القرآن معجزا، تمام؟ والسيوطي قضية كذلك أفاض في المسألة كثيرا، إذا هذا موضع من مواضع التأليف إعجاز القرآن.
أيضا وأختم بهذا المجال المجال الخامس كتب العقائد، كتب العقائد الإسلامية التي اعتنت بإثبات أصول الإسلام، هذه الكتب نجد فيها أيضا حديثا عن إعجاز القرآن، مثلا كتاب وإن كان ليس مشهورا ولكنه كتاب جليل جدا، كتاب إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي الحسن اليزيدي، هذا ولد عام ثلاث مئة وثلاثة وثلاثين للهجرة، كتب كتابا في إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم كتاب عجيب، وكان من أكبر وأكثر ما تكلم عنه في الكتاب الكلام عن إعجاز القرآن.
يا جماعة لما نقول تكلموا عن إعجاز القرآن، نستعرض بعد قليل لكنهم أتوا بتفصيلات لم يأتي بها الأواخر بدقائق عجيبة وعظيمة جدا، طيب من الكتب العقدية المشهورة التي تناول أصحابها فيها قضية إعجاز القرآن كتاب القاضي عياض، الشفاء، بعضهم يصنف كتاب سيرة، كنت أعتقد أنه أقرب إلى الاعتقاد منه إلى السيرة وإن كانت الموضوعات متداخلة يعني، لكن كتاب الشفا للقاضي عياض ذكر فيه إعجاز القرآن أيضا على وجه تفصيلي، كذلك كتاب الاعتقاد إلى سبيل الرشاد للبيهقي ذكر فيه إعجاز القرآن، هذه كلها كتب عقدية يذكر فيها إعجاز القرآن بشكل تفصيلي.
الذي يهمنا الآن الكتب المستقلة، الكتب المستقلة يا أيها الكرام الكريمات أول من كتب كتابا مستقلا في إعجاز القرآن، الجاحظ، الجاحظ، أشهر كتاب له ما هو؟ البيان والتبيين، كتاب مركزي في اللغة العربية يجعله ابن خلدون حين استعرض كتب الأدب العربي ذكر أربعة كتب عليها مدار أدب العربية، واحد منها البيان والتبيين، لذلك هو من المقررات في البرنامج، سيقرأ إن شاء الله، لديه البخلاء نعم لديه البخلاء والحيوان إلى آخره، لديه كتب كثيرة يعني حتى لديه كتب في الاعتقاد وهو معتزلي طبعا، ولكنه يجب ألا يمنعنا اعتزاله عن أن نأخذ من بحره الزخار في اللغة العربية، هذه القضية يعني يجب أن تكون محل اتفاق. طيب ما هو كتابه في الأدب؟ كتابه مفقود، لا هو ليس إعجاز القرآن، هو لم يسم إعجاز القرآن، سماه الاحتجاج لنظم القرآن، الاحتجاج لنظم القرآن، ولكنه طبعا لم يفقد عند المتقدمين لذلك حين نجد الباقلاني يتكلم في إعجاز القرآن يتكلم عن الجاحظ، نجد كلهم يتكلمون عن الجاحظ فكتابة الجاحظ كانت حاضرة لديهم.
لكنها مفقودة لدينا. تمام؟ اه له كتاب مطبوع الآن موجود اسمه حجج النبوة. حجج النبوة. هذا الكتاب ليس متمحضاً في إعجاز القرآن، وإن كان قد ذكر فيه قضية الإعجاز.
لكن كتابه الأول في هذا الفن هو كتاب الاحتجاج لنظم القرآن. ثم جاءنا شخص آخر أبو عبد الله الواسطي، طبعاً الجاحظ توفي 255، لاحظوا كتابته متقدمة جداً. اه جاء الواسطي 306 توفي، يعني أيضاً تعتبر الكتب غالباً في القرن الثالث. اه كتب كتاباً في إعجاز القرآن سماه إعجاز القرآن، وهو أول كتاب يأخذ هذا الاسم الذي هو اسم إعجاز القرآن. ما قبله كان في إعجاز القرآن ولا يأخذ هذا الاسم، هذا أول كتاب يأخذ الاسم. آه عفواً بس قبل قليل أبو الحسن الخياط وهو أيضاً من أئمة المعتزلة يقول: ولا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن وعجيب تأليفه وأنه حجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على نبوته كتاب الجاحظ. طبعاً الخياط متقدم، وجاءت كتب بعده أهم من كتب الجاحظ بدون شك. طيب، الآن كتاب الواسطي الذي هو أول كتاب يحمل الاسم إعجاز القرآن أيضاً مفقود. تمام؟
ثم جاءتنا ثلاثة كتب متتالية، وكلها مطبوعة وموجودة ومتداولة. وبالمناسبة مطبوع في كتاب واحد، يعني إلى الآن لم أرَ أي واحد منها في كتاب مفرد هي مطبوعة مع بعضها في كتاب بعنوان ثلاث رسائل في إعجاز القرآن. الكتاب ليس هذا اسمه طبعاً، وإنما الذي جمع الرسائل مع بعضها سماه كذا. ثلاث رسائل في إعجاز القرآن كتاب مطبوع ومهم جداً. واثنتان من هذه الرسائل الثلاث مقررة عندنا أيضاً في البرنامج: بيان إعجاز القرآن للخطابي، والنكت في إعجاز القرآن للرماني، والرسالة الشافية للجرجاني. هذه الثلاث رسائل. جيد؟ بيان إعجاز القرآن للخطابي، وهذه الرسالة هي في المحور الأخير سنفصل فيها بإذن الله كثيراً. النكت في إعجاز القرآن للرماني. الرسالة الشافية للجرجاني. بعض الباحثين المعاصرين يا كرام لا يسمي هذه الكتب، يسميها رسائل. فيقول مرحلة الرسائل ثم مرحلة الكتب التي تبدأ بكتاب إعجاز القرآن للباقلاني. يعني يأتي بعد هذه الكتب كتاب كبير اسمه إعجاز القرآن للباقلاني. هذا الكتاب يأتي بعد هذه الكتب في المرحلة وإن كان قريباً جداً منها. ونستطيع أن نقول إنه أول كتاب إذا أردنا أن نتكلم عن الضخامة، وأنا في الحقيقة أرى أن تلك الرسائل أنها كتب وإن كانت صغيرة، لكنها كتب صغيرة. يعني مثلاً بيان إعجاز القرآن للخطابي خمسين صفحة فقط، ولكن أي خمسين صفحة! أي جمال وأي روعة وأي عظمة وأي استمتاع وأنت تقرأ في هذا الكتاب الرائع الجميل.
طيب، ماذا قلنا بعد؟ نعيد سوياً: الجاحظ، ثم ثلاث رسائل: الخطابي والرماني، ثم الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن، ثم جاء عبد القادر الجرجاني نفسه صاحب الرسالة الشافية، يعني ثم جاء بس هذا من باب الترتيب الذكري. فكتب دلائل الإعجاز. كتاب دلائل الإعجاز للجرجاني كتاب ضخم وبحر عميق جداً لا يستخرج لججه إلا المتمكنون في اللغة العربية. لو توسع قليلاً من الرجال، جاي مجموعة من الأدوات وتدخل الشغل. لو معليش الأخوات، الصف هذا لو سمحتم ممكن ترجعون للخلف؟ الله يحييكم جميعاً يا مرحبا.
طيب، قلنا ثم جاء الجرجاني فكتب كتابه دلائل الإعجاز، وهو الكتاب الذي لن يستخرج كنوزه إلا العارفون باللغة العربية الغائصون في معانيها. هو كتاب إن قرأته، أنا سأقرأ لكم جملاً منه حين نأتي للتعريف التفصيلي في الكتاب، إن قرأتم جملاً منه ستجدون قدراً من الفخامة في الحياة وقدراً من المستوى العالي، ولا أريد أن أستغرق الحديث سآتي إليه. طيب، هذا الآن تعريف مجمل بالكتب المؤلفة في إعجاز القرآن عند المتقدمين. دعوني فقط أختم. ذكرنا نحن دلائل الإعجاز ثم جاء بعد ذلك الرازي فكتب نهاية الإيجاز وهو في الحقيقة كتاب ملخص لكتاب دلائل الإعجاز لعبد القادر الجرجاني. ثم جاء بعد ذلك جاءت مجموعة كتب من أهمها الكتاب الضخم الكبير: كتاب معترك الأقران في إعجاز القرآن، ثلاث مجلدات ضخمة، أتصور أن المجلد الواحد منها لا يقل عن ستمائة إلى سبعمائة صفحة للسيوطي. معترك الأقران في إعجاز القرآن. طيب، هذا المحور في الكم؟ لا، الرابع، انتهينا من المحور الرابع، بقي لنا محوران من المادة. المحوران المتبقيان يعني ربما يكون أهم ما بقي فيه أو أهم المادة أهم في المادة. المحور الخامس هو ما هو؟ القضايا الكبرى في باب إعجاز القرآن عند المتقدمين.
نستطيع أن نقول إن هناك أربع قضايا، هذه القضايا هي أكبر ما أراد المتقدمون من أهل العلم إثباته في كتب إعجاز القرآن أو الحديث عنه في كتب إعجاز القرآن. القضية الأولى وهي قضية ضخمة وقضية تكلم بل أفردوا لها بعض المؤلفات، وإن كانت في الكلام وفي الحديث سهلة سلسة صغيرة قريبة، إلا أنها في الإثبات وفي التفصيل عجيبة غريبة، وهي قضية إثبات عجز العرب عن معارضة القرآن. إثبات عجز العرب عن معارضة القرآن. هذه القضية حين كنت أقرأ فيها، كل ما أقرأ فيها أقول يعني كيف أتوا بهذه التفصيلة؟ يعني هل هذا لكثرة أسئلة الزنادقة في ذلك الوقت؟ يعني لم يدعوا شبهة صغيرة ولا كبيرة في احتمال ألا يكون العرب قد عجزوا عن معارضة القرآن إلا، شيء عجيب جداً. الرسالة الشافية للجرجاني كلها في هذا الموضوع فقط، لم يتحدث فيها لم كان القرآن معجزاً، وإنما فقط يتحدث عن إثبات أنه وقع هناك عجز. من ناحية الآن إثبات خبري، إثبات خبري، أن هناك عدم الحقيقي عن معارضة القرآن. هذه القضية المركزية الأولى الكبرى هي من أهم القضايا التي يذكرونها، سواء الكتب التي ذكرت موضوعات متعددة أو الكتب التي ذكرت هذا الموضوع فقط. من الكتب التي لا أقول إنها مفردة ولكن اعتنت كثيراً بهذه النقطة: كتاب القاضي عبد الجبار في المجلد السادس عشر من موسوعته المغني في باب إعجاز القرآن، وإن كانت موسوعة يعني انحرافات عقدية متعددة، لكن في هذا الباب، في باب إعجاز القرآن أتى بما يذهل ويشفي. عموماً الرسالة الشافية للجرجاني المختصرة تكفي عن رسالة عبد الجبار.
طيب، هذا المحور الأول من القضايا الكبرى في إعجاز القرآن عند المتقدمين. المحور الثاني: بيان الوجوه التي بها ولها وبسببها كان القرآن ماذا؟ معجزة. الآن القضية الكبرى الأولى ما هي؟ إثبات العجز، إثبات العجز تمام؟ طيب حين أثبتوا العجز يريدون أن ينتقلوا إليك أو ينتقلوا بك إلى قضية أخرى تقول لك إن نريد أن نبحث لماذا عجزوا؟ لماذا عجزوا؟ ما السبب؟ ما الأمر؟ ما الصفة؟ ما الاعتبار الذي في القرآن الذي أعجزهم حقاً عن أن يجاروه، عن أن يأتوا بمثله؟ فهنا يذكرون الوجوه. فيذكرون وجوهاً بعضهم كما ذكرنا قبل قليل في البرهان للزركشي ذكر كم وجه؟ سبعة عشر، سبعة عشر وجهاً تمام، ويذكرون وجوهاً كثيرة.
أحدها هو القضية الثالثة، أنا أفردتها مع أنها متعلقة بالقضية الثانية لكن أفردتها لأهميتها، ليس لأهميتها الإيجابية وإنما لأهميتها السلبية جيد، ولا يكاد كتاب في إعجاز القرآن إلا ويتكلم عن هذه القضية، وهناك بعض الرسائل المفردة فيها من المعاصرين، مثلاً الشيخ عبد الرحمن معاذ الشهري كتب كتاباً في هذه القضية. هذه القضية هي قضية الصرفة. بعضهم يقرأها هي أن هناك أول من أنشأها النظام، وما أكثر ما أنشأ النظام من أقوال أفسدت، وكل ما تقرأ في الأصول تقرأ أوى وذهب إليه النظام، وأول من قال به النظام. صحيح؟ اه لا، الجاحظ تلميذه. الجاحظ تلميذه. طيب النظام ماذا قال؟ النظام قال هناك متفق عليها وهي ما هي؟ معجزة، أن العرب عجزوا عن معارضة القرآن. تمام؟ هذه قضية متفق عليها، ولكن يقول إنهم إنما عجزوا عن معارضة القرآن ليس لأنه لا يمكن معارضته، لأن الله صرفهم، لكن لأن الله صرفهم عن معارضته. فكانت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم هي معجزة بأن عطل الله قدرات الناس عن أن يأتوا بمثل القرآن، وإن كانوا لو لم يعطل الله قدراتهم ما استطاعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن. وهذا قول شنيع طبعاً، وهذا الذي استفز الجاحظ ليكتب الاحتجاج لماذا؟ لنظم القرآن. فهمتم تركيب العنوان؟ احتجاج لنظم القرآن. لأن شيخه النظام قال إن نظم القرآن -تأليف القرآن طبعاً معروف التأليف المقصود به، يعني تركيب الكلام نفسه- يقول لأن النظام يقول إنه غير معجز، فجاء الجاحظ يقول يحتج له، يعني نعم رد عليه، يعني يريد أن يثبت، طب احنا ما عندنا كتاب، لكن هو هذي فكرة الكتاب: الاحتجاج لنظم القرآن. طيب.
هذا المحور أو القضية الثالثة وقلت لكم إن هذه القضية ما هي؟ متعلقة بالثانية ولكن أفردتها لأهميتها، لأنها قضية صارت محل نقاش وتفصيل طويل في كتب الإعجاز. القضية الرابعة وهي أيضاً متعلقة بالثانية ولكن هذه القضية الرابعة تستحق الإفراد إيجاباً وليس سلباً، وهي محور، لو قلنا استعرض كتب إعجاز القرآن وقسم الموضوعات فيه، هذا الموضوع يأخذ ما لا يقل عن خمسين إلى ثمانين في المئة من كتب إعجاز القرآن، وهو نعم، وهو إفراد وجه من وجوه إعجاز القرآن التي قالوها. المحور الثاني الوجوه التي كان بها القرآن معجزاً، وجه منها الذي هو الفصاحة والبيان، فأخذوا هذا الوجه وفصلوا فيه تفصيلاً كبيراً. فالمحور الرابع من محاور أو من القضايا الكبرى في كتب إعجاز القرآن ما هو؟ الكلام على ليس الفصاحة بهكذا، الكلام على حد الفصاحة ومعيار البيان الذي كان بسببه القرآن معجزة. تمام؟
طيب هناك موضوعات فرعية تجدها في كتب إعجاز القرآن، موضوعات فرعية مثل ماذا؟ تجد رداً على شبهات تفصيلية متعلقة بالقرآن، هذه ليست متعلقة بأساس الباب، يعني الخطابي، وبالمناسبة يعني ممكن أقول أحب كتاب مما كتب في كتب المتقدمين كتاب الخطابي لنفسي، يعني كتاب الخطابي بيان إعجاز القرآن رد فيه على عشرين شبهة متعلقة بآيات من القرآن الكريم. هذي في الحقيقة يا كرام يعني بعض الشبهات هذه لا تعتبر موضوعاً أصلياً في باب إعجاز القرآن، وإن كانت مكملة، يعني أثارت تساؤلات أو نقل إشكالات متعلقة ببعض الآيات وأجاب عنها إجابات بديهة. يعني مثلاً من الإشكالات التي ذكرها حول آية قالوا: ما الحكمة في التشبيه في قول الله سبحانه وتعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ. معليش استعرضوا معنا الآيات، ايش الآية التي قبلها؟ هي سورة الأنفال، ما الآية التي قبلها؟ التي قبلها من عند المؤمنين؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ. يقول أثاروا إشكالاً حول هذه الآية "كما أخرجك" "كما" وقبلها، اه واضح؟ يعني "كما" هنا تقتضي وجود شيء متعلق قبله يعني كما ما هو كما ماذا؟ واضح؟ واضح الفكرة؟ فيقول هذه أثيرت حول القرآن أنه هناك يعني أشياء غير مفهومة وكذا، جاء برد جميل جداً، يقول إن هذه الآية متعلقة بالآية الأولى في سورة الأنفال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. في ماذا؟ في الغنائم، في شأن الغنائم، ساءت فيه أخلاقنا، نعم، في شأن الغنائم، تمام، اختلف الناس في الغنائم فجاء القرآن بتقرير أن الذي يقضي في ذلك هو الله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. فكما اختلفوا في شأن الغنائم وكان القضاء فيه لله، اختلفوا في خروجك من بيتك وكان قضاء الله في إخراجك من بيتك إلى بدر بالحق. فهمتم يا جماعة؟ أنا وكما أخرجك ربك بالحق وأن فريقاً من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين. فكما كانت هذه وكان الحق فيها لله، والقضاء فيه لله، فهذه أيضاً وإن كرهتم خروجكم فكان الأمر فيها لله، لله والحكمة فيها لله. وهكذا يعني يربط، يأتي بالإشكالات حولها.
ومن أعجب الأشياء وهي القضية الفرعية الثانية التي تجيب النقد الأدبي، نقد دائماً نسمع موضوع مسيلمة والزنادقة الذين في وقت الردة حين حاولوا أن يعارضوا القرآن، أليس كذلك؟ يا ضفدع نقي كما تلقين للوالدة تنفرين، ولا الماء تشربين، إلى آخره، والفيل وما أدراك ما الفيل، والفيل وما أدراك ما الفيل، له مشفر طويل وذنب قصير. كلنا نعرف أن هذه وقعت، ونعرف أنها كلام سامج يعني، لكن الخطابي نقلها نقد أدبي، نقدها بتفصيل، نقدها كلمة كلمة، لماذا ليست معجزة؟ والله عجيب! لذلك قلت لكم أول محاضرة إني أتيت ولا يزال في عيني بريق إعجاب بما كتب المتقدمون. طبعاً نقد الخطابي فيه تحطيم حقيقة، يعني يقول أما موضوع "ضفدع نقي" وكما تلقين وما أدري إيش يقول هذي مثل الذي قال: حذار جا حذار، سبعين فرخاً دارجاً. يقول أما الفيل وما أدراك ما الفيل؟ يقول أنت تقول الفيل، وما الفيل؟ وما أدراك ما الفيل؟ تمام؟ يعني أنتم الآن تنتفخ، الفيل وما الفيل وما أدراك ما الفيل له مشفر طويل وذنب قصير، فهو يقول أنت كقول من قال: "إني وإني ثم إني وإنني، إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعاً". طيب ما يحتاج التأكيد لأنه طبيعي إذا انقطعت النعل بيصير تجعل لها شسعاً، يعني ما يحتاج هذا التأكيد كله.
فأنت تقول: الفيل وما الفيل؟ وما أدراك ما الفيل؟ ثم تقول له: مُصفرٌ طويل. طيب، كلنا عارفين أنه مُصفر طويل يعني، ما في معلومة تستحق هذا التمويل وهذا النفخ في المقدمة حتى تأتي لي بمعلومة يعلمها الصبي قبل.
فهذه من الموضوعات الفرعية في كتب إعجاز القرآن ولكنها عجيبة. طبعاً الخطابي كما قلت عالج عشرين إشكالاً من هذا القبيل، هذه عفواً النقد الأدبي هذا عالجه بعض الإشكالات والشبهات. لكن الخطابي مثلاً، عفواً الباقلاني، الباقلاني ماذا فعل؟ الباقلاني أخذ أعظم قصيدة عند العرب، القصيدة أنت الآن أي قصيدة؟ قصيدة امرؤ القيس، معلقة امرؤ القيس، لا. قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل. فيما نسجتها من جنوب، كأنه حب حب إلى آخره.
هذه القصيدة من ناحية مستوى الخطاب فيها، يعني عند العرب هذه تعتبر في النهاية أكبر القصائد، أخذها الباقلاني وعمل لها نقداً أدبياً وقارنها بالقرآن، مهم. ثم أتى بقصيدة للبحتري وعمل لها نفس النقد الأدبي، لذلك لم يدعوا ثغرة من الثغرات في هذا الباب إلا سدوها.
وأظهروا لك تفوق القرآن بشكل على غيره من كلام الناس وكلام البشر. لكن كما قلنا في أول المحاضرة، لن يدرك جمال هذا الكلام وعظمته ولن يدركه ولا حقيقته إلا من. طيب، المحور الأخير وهو أطول المحاور وأكثرها تفصيلاً، كم الساعة؟ إذا نحن ما نحن متخصصين باللغة العربية لن نستمتع بالمادة.
لا أريد أن أخدع أحداً ولكن يعني هذا الباب باب ثري جداً جداً جداً باللغة العربية، وبعضه أسهل من بعض، لذلك نحن في البرنامج قررنا كتابين، كتاب سهل وكتاب سهل ولكنه أشد صعوبة، ولكنه سهل ممتنع، يعني ولكنه فيه نوع من الكتاب السهل الذي هو جعله الله يسيراً إن شاء الله، إن شاء الله. الكتاب الأول الذي هو إيش؟ النبأ العظيم، وإن كان ليس من المتقدمين ولكنه سار على سير المتقدمين، تمام؟ لمحمد دراز، وهو أفضل ما كتب في هذا العصر بدون منازع في هذا الباب، بدون منازع.
الكتاب الثاني المقرر: كتاب بيان إعجاز القرآن للخطابي، سهل الكتاب ليس صعباً، ولكن في الحقيقة أيضاً سهل ممتنع ولغته عالية لكن ليس مثل الجرجاني، الجرجاني من بدري يقول لا يمكن أن نقرره؛ لأن الجرجاني كلامه عالٍ جداً جداً والموضوعات التي دخل فيها تفصيلياً على ما سيأتي. طيب، قلنا سنستعرض ثلاث كتب، ما هي؟ النبأ العظيم، لا لا لا في المادة، بيان إعجاز القرآن للخطابي، الرسالة الشافية للجرجاني، لا لا للرمان، للرمان؟ ما قلت الرمان، دلائل الإعجاز للجرجاني، ثلاثة كتب. دلائل الإعجاز للجرجاني، وبيان إعجاز القرآن للخطابي، و للأستاذ الشاقي، لا لا.
يا جماعة سنستعرض ثلاثة كتب: بيان إعجاز القرآن للخطابي، ثم إعجاز القرآن للباقلاني، ثم دلائل الإعجاز للجرجاني، ثلاثة كتب سنستعرضها في هذا المحور الأخير من المادة. هذا ما له دخل الآن مقرر أو غير مقرر، الآن هذا فقط تعريف بثلاثة كتب من أهم ما كتب في هذا الأمر. لا لا لا، بيان إعجاز القرآن للخطابي واحد، إعجاز القرآن للباقلاني اثنين، دلائل الإعجاز للجرجاني ثلاثة. طيب.
طيب حضروا حالكم بعد شوية في دلائل الإعجاز راح أسألكم أسئلة. يعني شوف كيف هذا المحور السادس، أستاذ هذا المحور السادس والأخير استعراض مناهج متقدمة، نعم. طيب، إعجاز القرآن للخطابي قلنا مطبوع من ثلاث رسائل بإعجاز القرآن، عدد الصفحات خمسين صفحة، الإمام الخطابي ميزته أنه ضليع في اللغة وضليع في علوم الشريعة. فتعرفون له شرح للبخاري اسمه أعلام الحديث، وله شرح لسنن أبي داوود اسمه معالم السنن، وله شرح في غريب الحديث، تستطيع أن تقول إنه كتاب في اللغة وتستطيع أن تقول إنه كتاب في فقه الحديث وإن كان أقرب إلى اللغة بسبب أنه كله غوص في المعاني، وله هذا الكتاب وله كتب أخرى، له رسائل مثل العزلة وغير ذلك. كتابه هذا يقول عنه فضل حسن عباس في كتابه إعجاز القرآن المجيد، وهذا كتاب جميل يعني من يجده يقتنيه، كتاب إعجاز القرآن المجيد كتاب جميل ومفيد، يعرض كتب المتقدمين في هذا المجال، يقول فضل عباس كل من جاؤوا من بعده -أي من بعد من؟ الخطابي- قد أفادوا منها أي من رسالته هذه، بل نكاد لا نجد فكرة عند أولئك أي عند من جاء بعده إلا نجد لها أصولاً عند الخطابي.
قبل أن أستعرض الكتاب سأقول ميزة في كتاب الخطابي يا جماعة، كتاب الخطابي امتاز بتحديد المعايير النظرية لإعجاز القرآن، يعني لم أقرأ لأي عالم من المتقدمين التعريفات النظرية أو المعايير النظرية لإعجاز القرآن كما صاغها الخطابي. في مكان هنا أستاذ، في مكان في مكان، امتاز كتاب الخطابي بيان إعجاز القرآن بصياغة المعايير النظرية الضابطة لقضية إعجاز القرآن، لا، لم أقرأ لغيره هذه الصياغة النظرية المعيارية، المعيارية يعني التي تحدد القضية تحديداً يمكن القياس عليها، جيد؟
سأذكر لكم بعض الكلمات التي قالها في هذا الصدد يعني في باب التحديد المعياري النظري لإعجاز القرآن، الجرجاني تفوق عليه في التطبيقات في الغوص في التفاصيل، في تحديد وجه الإعجاز القرآني عملياً وتطبيقياً، جيد؟ الخطابي تفوق في الصياغة النظرية لشمولية إعجاز القرآن ومعياريتها، مثلاً يقول إنما يقوم الكلام بثلاثة أشياء: لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم. واعلم أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظم التأليف، متضمناً أحسن المعاني. هذه صياغة نظرية معيارية رائعة، مرة أخرى، يقول الكلام يقوم بثلاثة أشياء: لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم، واعلم أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظم التأليف متضمناً أصح المعاني.
إذاً نستطيع أن نقول إن إعجاز القرآن البلاغي عند الخطابي يعود إلى ثلاثة أشياء: إلى اللفظ والمعنى، والنظم. النظم اللي هو الرباط بين اللفظ والمعنى، يعني النظم المتحكم في الجملة وليس في الكلمة، جيد؟ ويقول أيضاً لاحظوا هذا الكلام أيضاً معياري، يقول: أجناس الكلام مختلفة ومراتبها وفي نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة، فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرذل، وهذه أقسام الكلام المحمود دون النوع الهجين المذموم الذي لا شيء، لا يوجد شيء منه في القرآن بتة، فالقسم الأول الذي هو ما هو؟ البليغ الرصين الجزل، فالقسم الأول هو أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والقسم الثاني أوسطه وأقصده، والقسم الثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغات القرآن في كل قسم من هذه الأوصاف نمطاً من الكلام يجمع بين صفتي الفخامة والعذوبة.
يقول القرآن من هذه المستويات الثلاثة للكلام كجمع في نظمه وتأليفه صفة جديدة، صفة لا توجد في غيره، وهي الجمع بين الفخامة والعذوبة، تمام؟ يقول فحازت بلاغات القرآن من كل قسم هذا الوصف أو نمطاً من الكلام يجمع بين صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين؛ لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة تعالجان نوعاً من الوعورة، فإن اجتماع الأمرين في نظمه مع نبو كل واحد منهما على الآخر فضيلة خُص بها القرآن. وهذه المعنى أشار له دراز أيضاً في النبأ العظيم، وإن كان هو شبه كل واحد منهما شبههما بالضرتين، يقول الفخامة والسهولة لا يجتمعان، لكن اجتماعهما في القرآن عجيب. اجتماعهما في القرآن بهذا المستوى أمر عجيب.
آخر عبارة معيارية للخطابي أقرأها لكم، يقول: ثم اعلم أن عمود البلاغة التي تجتمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تجتمع عليها فصول الكلام موضعه الأخص الذي أشكل به. هو يرى الخطابي أن هذه، يمكن كررنا كلمة النظم كثيراً صح؟ نعم، هذه هي قضية النظم يا جماعة، قضية النظم هي أين تضع الكلمة في الجملة بناءً على أمرين: على المآل الذي تريد في نفسك وعلى القواعد الحاكمة للكلمات فيما بينها، إلى صيغة في جملة، وسيأتي الأمثلة بالتفصيل إن شاء الله في الجرجاني لتروا جمال هذه القضية، قضية النظم.
طيب، كتاب الخطابي نستطيع أن نقول إنه يبنى على ست محاور، المحور الأول هو إثبات عجز العرب مع فصاحتهم عن معارضة القرآن، وهذه القضية كما قلت دائماً تذكر في كتب الإعجاز. الأمر الثاني والمحور الثاني عرض الأقوال التي قيلت في وجه إعجاز القرآن، جيد؟ فذكر ثلاثة أقوال: القول بالصرفة، والقول بالأخبار الغيبية وجود الأخبار الغيبية في القرآن، والقول الثالث هو البلاغة بالذوق دون معيار، تمام؟ البلاغة بالذوق دون معيار، هذه الأشياء الثلاثة هي أقوال ثلاثة ذكرها في وجوه إعجاز القرآن. تتوقعون رجح ماذا؟ ردها كلها.
لم يرجح طبعاً الصرفة ولا الأخبار الغيبية؛ لأنه يقول لماذا؟ يقول أخبار الله سبحانه وتعالى تحدى الناس أن يأتوا بماذا؟ ولو بسورة، لا بسورة، بسور، لا بسورة. يقول هناك بعض السور ليس فيها أخبار غيبية، واضح؟ إذاً هو نعم من إعجاز القرآن في الجملة، ولكن لا نستطيع أن نقول إنه المعيار الشامل لكل السور؛ لأن هناك سوراً ليس فيها أخبار غيبية. طيب، والقول الثالث هو يقول هناك من يقول من العلماء إن القرآن معجز لبلاغته، ولكن لا نستطيع أن نحدد هذه البلاغة وإنما بماذا؟ بمعيار، بالذوق، بالذوق، بالذوق. تمام؟ فهو يرد هذه الأقوال الثلاثة، ثم يقول إن القرآن إنما كان معجزاً للكلام الذي ذكرناه قبل قليل، بفصاحته وبيانه بالمعيار الذي ذكره، تمام؟
طيب، المحور الثالث إذاً هو تحديد وجه إعجاز القرآن عنده، وهو المعايير التي ذكرتها في البداية، طبعاً الجملة المعيارية الأخيرة التي هي عمود البلاغة، كل كلمة في موضعها هو يقول يعني هناك هو يرى أن كل كلمة في القرآن لو أبدلت أو حُرّكت أو قُدّمت أو أُخّرت يحصل إشكال، ليس من ناحية شرعية يعني أقصد من ناحية بلاغية. فهو مثلاً يقول وكل كلمة اختيرت بعناية، يعني مثلاً: الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. اختلف نقل عن الحسن أظنه نسيت، اثنان نقلا عن اثنين من السلف اختلافهم في معناها؛ قال ساهون أي ينصرف أحدهم من صلاته لا يدري كم صلى ثلاثاً أربعاً، فرد عليه الآخر قال إنما قال عَن صلاتهم ولم يقل فِي صلاتهم، وعن صلاتهم ساهون تختلف تماماً عن في صلاتهم ساهون، فتصبح عن صلاتهم ساهون أي عن أدائها في وقتها، وبالتالي المآل الأخير هو أنهم يؤخرونها ويضيعونها، أي عن أدائها ساهون، عن القيام بها في وقتها ساهون، واضح؟ فعن وفيه تختلف تماماً، فهذا يريد أن يقول الخطابي وأتى بأمثلة على ذلك.
طيب، المحور الخامس في الكتاب هو الاعتراضات والشبهات التي ذكرت أنها عشرون وذكرت لكم بعض الأمثلة، عفواً محور كم هو الخامس؟ الرابع. المحور الخامس هو الاعتراضات المثارة أو الشبهات المثارة ليس حول آيات وإنما حول عجز العرب، أتى بشبهات لا لعلهم لم يعجزوا، لعله لم يبلغهم؛ لأنهم لم يسمعوا، لأنهم عارضوا ولم ينقل، ذكرها كلها بالتفصيل ورد عليها في رسالة. ثم السادس ذكر فيه، ألم يذكر أولاً معيار بلاغة القرآن؟ جميل، المحور السادس ذكر فيه معيار المعارضة.
معيار المعارضة ما هو كيف؟ أيش المقصود؟ يعني ما المعيار الذي نستطيع أن نحكم به أن هذا الكلام عارض هذا الكلام؟ واضح؟ متى يقال؟ يعني يقول سالفة أنه ضفدع وضفدعين ونقي كما تنقين، يقول هذه ما هي معارضة هذه سرقة أصلاً، أنت أخذت أسلوب القرآن وقيدت الكلمات، واضح؟ يقول ليست هذه المعارضة. أتى بمعيار أدبي وبلاغي لقضية معارضة، وأتى بأمثلة من العرب؛ لأن العرب كانوا يعارض بعضهم بعضاً وهذا هم دائماً يقولوا كذا، يقول لك يا جماعة العرب لا يسكتون على ضيم، هذا واحد، اثنين العرب هذه هذا شغلهم البيان، ثلاثة هم يعارضون بعضهم بعضاً دائماً. فيأتيه من بينهم رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، ويقول أنتم على خطأ وآباؤكم على ضلالة وآلهتكم التي تعبدونها ليست شيئاً، وآية صدقي أني آتيكم بكلام من عند الله سبحانه وتعالى لا تستطيعون وأنتم أهل البيان وأهل الفصاحة والبلاغة أن تأتوا بمثله، فإن أتيتم بمثله بطل ما عندي، فلا يحاربون ويسلكون الوعر والقتال وتسفك الدماء وتفتح الديار ولا يعارضون.
واضح؟ فهو يقول لك إن هذا الأمر العظيم لا بد أن نعرف كيف، طبعاً هو أو غيره أشار إلى أنه قال مهما، لا يمكن أن لا يكون هناك معيار للمعارضة، واضح؟ يقول طالما أن الله تحداهم بأن يأتوا بسورة معناها أن العرب أدركوا ما نوع المعارضة الذي يمكن أن يعارض به القرآن، واضح؟ ولذلك أتى هو بالمعيار.
المحور السابع والأخير، وهذا محور عجيب، أشار إليه بكلام رائع جميل بعد أن انتهى من كل الكلام السابق والبلاغة والبيان وكذا قال: ما نقلت الكلام بأوله لكن سأذكر لكم مما وصلت إليه، لكن قبله قال: وها هنا معنى كلامه وجه من الإعجاز لا يذكره الكثير أو لا يعتني به الكثير أو كما قال، قال هو أثر القرآن على النفوس، انظروا ماذا وصف القرآن؟ يقول عن القرآن تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق.
وتغشاها الخوف والفزع، تقشعر منه الجلود وتنزعج له القلوب، يحول بين النفوس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها. ثم يقول: فكم من عدو للرسول صلى الله عليه وسلم من رجال العرب وفتّاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته ويدخلوا في دينه، وصارت علاوتهم موالاة وكفرهم إيمانًا.
ثم يقول: بعث المرء من قريش عتبة بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوافقوه على أمور أرسلوه بها، فقرأ عليهم آيات من القرآن، فلما أقبل عتبة وأبصره الملأ من قريش قالوا: أقبل أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. وهذه إشارة يعني جميلة ولطيفة في قضية تأثير القرآن. ابن تيمية له عبارة جميلة يعني يقول في تعداد الوجوه لإعجاز القرآن ماذا يقول؟ وكل ما ذكره الناس من وجوه الإعجاز في القرآن هو حجة على إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له. ومن أضعف الأقوال قول من يقول من أهل الكلام: إنه معجز بصرف الدواعي الذي هو القول بالصرفة. القصد يا كرام أننا وإن قلنا إن الإعجاز القرآني بلاغي وبياني وله معيار، إلا أنه لا يعني أن الأشياء الأخرى ليست معجزة أو ليست هي داخلة في قضية إعجاز القرآن.
طيب، ممكن أن نقف قليلًا بالراحة يعني خمسة أو عشر دقائق إذا أحببتم. طيب في الخارج دكان أو شيء للشراء، فيه شاي وقهوة وإلى آخره، عشر دقائق ونعود إن شاء الله، بقي لنا كتابان ومحوران، ربما يكون يعني من أهم اليوم، على الخمسة دكتور؟ عالخمسة اليوم؟ والله.
الحمد لله رب العالمين وصلى اللهم على رسول الله. نكمل ما تبقى من المادة، ننطلق في كتاب إعجاز القرآن للباقلاني. الدكتور محمد مرسي الشريف صاحب كتاب إعجاز القرآن بين السيوطي والعلماء، كتاب كبير تسعمئة أو ثمانمئة صفحة تقريبًا، نعم ذكر عن هذا الكتاب كتاب الباقلاني، قال: هذا الكتاب عظيم، جزل الخطر، شريف المباحث، سلس العبارة، متين الأسلوب. ويقول فضل عباس أيضًا في كتاب إعجاز القرآن المجيد عن كتاب الباقلاني: لم يشتهر كتاب في الإعجاز كإعجاز القرآن للباقلاني. كتاب الباقلاني بحر زخار، فيه موضوعات كثيرة ومتنوعة، ولا أظن أن كتابًا في إعجاز القرآن احتوى من الموضوعات ما احتواه كتاب الباقلاني. يعني تقرأ كتاب الخطابي الذي عرفنا به سابقًا، تشعر أنك تتناول شيئًا لذيذًا، سهلاً، ملمومًا، تفهم أول الكتاب وآخره، كتاب الباقلاني تقرأ عشر صفحات على الأقل في بعض المواضع تشعر أنك دخلت في موضوعات كثيرة وعميقة وتفصيلات ووجوه، فيحتاج إلى تركيز، وإن كان ليس صعبًا، ليس صعبًا من ناحية اللغة والمستوى، وهو فصيح، وله ألفاظ وعبارات رائقة جدًا، لكن من ناحية التنوع والكثرة والدخول في المسائل فهذا كثير جدًا في كتاب الباقلاني.
تذكرون ما قلت عن انتشار الزنادقة وإثارتهم الشبهات؟ كتاب إعجاز القرآن للباقلاني واضح أنه كتبه لهذا الغرض، وهو معروف عمومًا الباقلاني معروف في اهتمامه بهذا الباب، الذي هو باب الدفاع عن الدين أو عن أصول الدين. يقول في مقدمة كتابه: ذكر أن الجهل ممدود الرواق، شديد النفاق، مستولٍ على الآفاق، والعلم إلى عفاء ودروس، وعلى خفاء وطموس، وأهله في جفوة الزمن البهي، يقاسون من عبوسه لقاء الأسد الشتيم، الأسد الشتيم الذي هو الكريم الوجه. يا لطيف، أسد وجه! وأين المخرج؟ فالناس بين رجلين: ذاهب عن الحق ذاهب عن الرشد، وآخر مصدود أو مردود عن نصرته، مكدود في صنعته، لا هي بالدنيا، فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين في أصول الدين، وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين. وقد قلَّ أنصاره -أي القرآن- عنه أعوانه وأسلمه أهله، فصار عرضة لمن شاء أن يتعرض فيه، حتى عاد مثل الأمر الأول على ما خاضوا فيه عند ظهور أمره، فمن قائل قال إنه سحر، وقائل يقول إنه شعر، وآخر يقول إنه أساطير الأولين، وقالوا: لو نشاء لكونا مثل هذا. إلى الوجوه التي حكى الله عز وجل عنهم أنهم قالوا فيه وتكلموا به فصرفوه إليه.
ذكر لي عن بعض جهالهم أنه جعل يعدله ببعض الأشعار، ويوازن بينه وبين غيره من الكلام، ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه. وليس هذا ببديع من ملحدة هذا العصر، وقد سبقهم إلى أعظم ما يقولونه إخوانهم من ملحدة قريش وغيرهم، والجهل في هذا الوقت أغلب والملحدون فيه عن الرشد أبعد وعن الواجب أذهب. متصورين يا جماعة؟ الباقلاني في أي عصر يا شيخ؟ توفي أربعمئة وثلاثة. متصورين صعوبة الوضع؟ يا جماعة متصورين حكاية الحال عن الإشكالات والشبهات والتشكيك في القرآن في تلك المرحلة؟ مرحلة خطيرة، لذلك الأمة يعني عمومًا تمر من أسوأ المراحل التي مرت عليها ثم مرحلة انتشار الباطنية.
بس عشان نفهم الزنادقة، يعني يماثلون المستشرقين في هذا العصر؟ شكوك وشكوك وشكوك. الزنادقة يعني يختلف الوصف ما أحس أنه قياس، وإن كان اشتراك في الموضوعات. الزنادقة هم أناس يكونون في أهل بلاد الإسلام، ومن العرب أو من العجم أيا كان، ولكن تكون لهم نزعات تشكيكية في ذلك الوقت، أغلب تشكيكهم في قضية النبوة والقرآن. النبوة نعم، وليس في الإلحاد. يعني المسلمون قد ينتسب بعضهم للإسلام، ولكن طبعًا لا ينتسب للإسلام لا يشكك في النبوة، وإن كان قد يشكك أو قد يأتي بشبهات في هذا المجال، لكن بعضهم يعيش في وسط المسلمين ويصرح بمعارضة القرآن أو يصرح بالتشكيك في النبوة أو إنكار النبوة، بالتأكيد لا ينتسب للإسلام. عمومًا وقت الباطنية راجت الأفكار الخطيرة، وقت الباطنية يا جماعة، أنتم متصورين؟ صحيح يعني الحدث هذا معروف، لكن متصورين طبيعة الحدث؟ متصورين حجم الموضوع؟ بالمناسبة سرقة الحجر الأسود كانت قبل وفاة الباقلاني بتسعين سنة تقريبًا، وبالتالي تلك المرحلة مرحلة باطنية خطيرة.
في تلك المرحلة نشأت الدولة الفاطمية، تمام؟ الدولة الفاطمية يا جماعة سيطرت في المغرب والمغرب العربي إلى مصر إلى الشام لاحقًا، في نفس الوقت الذي كان فيه الباطنية كان -عفوًا- الفاطميين، كان فيه انتشار تشيع في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، يعني الدولة البويهية مثلًا عاصرت الدولة الفاطمية في مرحلة، القرامطة أيضًا عاصروا الدولة الفاطمية، تعرفون الدولة البويهية الشيعية سيطرت على الخلافة العباسية، يعني صحيح أن الخليفة العباسي كان اسمه قائمًا، ولكن القيام الحقيقي هذا كان للوزراء، حتى من الحمدانية نعم بالضبط. ولذلك المرحلة كانت مرحلة خطرة جدًا بالنسبة للعالم الإسلامي، خطرة خطرة إلى أبعد حد، يعني في رأيي عقديًا أخطر من هذه المرحلة، عقديًا من ناحية العقائد الإسلامية، تمام؟ ليست من ناحية وضع المسلمين بشكل عام، وضع المسلمين في هذه المرحلة في رأيي أخطر، لكن في مرحلة فشو الجهل وفشو البدع المخزية، هي تلك المرحلة أخطر من هذه المرحلة.
مرحلة مطبقة يعني، مطبقة مطبقة تمامًا، والشواهد على هذا كثيرة. لذلك انظروا ماذا يقول؟ يقول: صحيح أنه في أن هؤلاء الملحدين الذين في وقته يعني على خطى ملحدة قريش، طبعًا تعرفون لا يقصد بالإلحاد نفي وجود الله، كل من يقول الملحدين في تلك المرحلة لا يقصد نفي وجود الإله، وإنما يقصدون الإلحاد غالبًا، الملاحدة هم الزنادقة الذين يشككون في النبوة في القرآن وما إلى ذلك. يقول: والملحدون فيه -أي في عصره- عن الرشد أبعد، أبعد من ملحدة قريش، تمام؟ يعني الوضع ما هو سهل أبدًا.
عمومًا بعد ما ذكر هذه الحالة المطبقة، أخذ يتوجع من تقصير المتخصصين، يقول: يا جماعة القرآن يهاجم والناس تتكلم وأنتم لاهين في موضوعات أخرى، وتاركين أصول الدين تهاجم، نفس الشيء الذي نقوله اليوم، كثير من المتخصصين الشرعيين ولا كأن في معركة تثار ضد الإسلام من ناحية ثوابته، ولا كأن في تشكيك في الإسلام وإبعاد لشباب المسلمين عن إسلامهم عقديًا وفكريًا، فلا تجد كثيرًا من المتخصصين، لا لا يخرجون عنها أو على الأقل لا يوظفونها لتكون لبنة في بناء السورة الإسلامية. لا نقول كلهم يردون مباشرة. ماذا يقول الباقلاني؟ يقول: وقد كان يجوز أن يقع ممن عمل الكتب النافعة في معاني القرآن، وتكلم في فوائده من أهل صنعة العربية وغيرهم من أهل صناعة الكلام، أن يبسطوا القول في الإبانة عن وجه معجزته، والدلالة على مكانه، فهو أحق بكثير مما صنفوا فيه من القول في الجزء والطفرة ودقيق الكلام في الأعراض، وكثير من بديع الإعراب وغوامض النحو، فالحاجة إلى هذا أمسّ والاشتغال به أوجب. وقد قصر بعضهم في هذه المسألة حتى أدى ذلك إلى تحول قوم منهم إلى مذاهب البراهمة فيها، ورأوا أن عجز أصحابهم عن نصرة هذه المعجزة -انظروا هذه الكلمة- ورأوا أن عجز أصحابهم عن نصرة هذه المعجزة يوجب ألا مستنصر لها، ولا وجه لها حين رأوا هم قد برعوا في لطيف إلى آخره.
يعني يقول حين رأى الناس حجم الحملة على القرآن وعدلوه بالشعر، وبعضهم فضل الشعر عليه، ورأوا في نفس الوقت المتخصصين يتكلمون في البلاغة والعربية ولا يتكلمون عن القرآن، يقول: كان هذا فتنة لهم، حتى ظن بعض الناس أن القرآن ليس معجزًا لأن هؤلاء لم يتكلموا فيه، وإن كانوا قد تكلموا في نفس الوقت في بدائل في الكلام واللغة ودقيق المعاني وهم يلاحظون الحملة على القرآن. يقول: وسألنا سائل أن نذكر جملة من القول جامعة تسقط الشبهات وتزيل الشكوك التي تعرض للجهال، وتنتهي إلى ما يخطر لهم ويعرض لأفهامهم من الطعن في وجه المعجزة، فأجبناه إلى ذلك متقربين إلى الله عز وجل، ومتوكلين عليه وعلى حسن توفيقه ومعونته. إذا هذا الكتاب إعجاز القرآن للباقلاني واضح أنه كلف بغرض ماذا؟ الاحتجاج للقرآن وإثبات معجزته في مقابل تشكيك الملاحدة والزنادقة والباطنية. هو في الباطنية حقيقة رد عليّ بكتاب آخر، في كتاب اسمه الانتصار للقرآن، موجود مطبوع، يتكلم فيه عن شبهات متعلقة بالقرآن من ناحية الباطنية ودعوى تحريف القرآن، وأن هناك جزءًا مفقودًا وما إلى ذلك، رد عليه، والأحرف وما الأحرف وكذا، وما نقل عن آثار قد توهم الشبهات هذه، رد عليهم في الانتصار للقرآن. أما هنا رد على الزنادقة والملاحدة في إثبات صحة القرآن وإعجازه.
طيب إذا هذا إثبات أو الكلام عن سبب التأليف. بعد ذلك انتقل الباقلاني لإثبات القضية الكبرى الأولى التي قلناها، وهي القضية الكبرى الأولى: إثبات عجز العرب، هذه القضية كما قلنا دائمًا يذكرونها في كل الكتب جيد، ولكن صياغة جميلة، لا أريد يعني أن أطيل الكلام بذكرها. وأيضًا في قاعدة جانبية جميلة، علق على آية: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ، فإن لم يستجيبوا إلى آخر الآية، ثم: فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ. علق تعليقًا جميلاً، فائدة يعني في قضية الاستدلال على وجود الله من خلال النبوة، ولكن أرجئ الكلام عنها لضيق الوقت ولكنها يعني راقتني جدًا.
طيب، خلاصة كلام الباقلاني في هذا الباب يريد أن يقول: إن التحدي وقع وأنهم لم يأتوا بمثله، والذي يدل على ذلك النقل المتواتر الذي يقع به العلم الضروري، فلا يمكن جحود واحد من هذين الأمرين. ثم ذكر الاعتراضات: لعلهم لعلهم لم يعارضوه لأجل كذا، لعلهم لم يعارضوه لأجل كذا. واضح؟ الاعتراضات المثارة حول ماذا؟ حول عجزها، ليس حول إعجاز القرآن، ليس حول وجه الإعجاز وإنما حول وقوع العجز والإعجاز. طيب، يقول ذكر شبهة أنه لعله لم يقرأ عليهم آية التحدي، تمام؟ ورد عليها ردًا طويلاً بديعًا جدًا. ثم بعد أن صاغ أو أكد على وجود عدم المعارضة، انتصر واستدل وبرهن على أن السبب الأوحد لعدم المعارضة هو العجز لا غير. جيد، يقول: فإذا ثبت هذا وجب أن يُعلم بعده أن تركهم للاتيان بمثله كان لعجزهم عنه. والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الاتيان بمثل القرآن أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ونبوته، وتضمنت أحكامه دماؤهم وأموالهم وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه بأمر قريب، هو عادتهم في لسانهم ومألوف خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية بالسبي؛ فلما لم تحصل هناك معارضة منهم عُلِم أنهم عاجزون عنها. يبين ذلك أن العدو إلى آخره الكلام الطويل في إثبات هذه القضية، وهو كلام لطيف وجميل ومهم في الانتصار لعجز العرب عن معارضة القرآن.
طيب لماذا عجزوا؟ السؤال الثاني في القضايا الكبرى. ذكر الباقلاني ثلاثة وجوه لإعجاز القرآن، هو يرى أن هذه الوجوه التي بها القرآن كان معجزًا، وإن كان يعني فصل في واحد منها الذي هو إيش؟ البلاغة. كالعادة البلاغة. الوجه الأول: الإخبار عن الغيوب.
واه المأخذ الأساسي على القول هذا هو أنه ليس كل السور فيها أخبار بالغيب عن الغيوب، جيد؟ وبالتالي لا بد أن نقول أن إعجاز القرآن يجب أن يكون شاملاً لكل ماذا؟ لكل سورة من سور القرآن. واضح؟ واضح؟ طيب. الأمر الثاني هو يقول هو في الأمر الأول قال الإخبار بالغيوب يقصد المستقبلية، والأمر الثاني قال الإخبار بالغيوب الماضية، القديمة، السابقة. الإخبار بالغيوب السابقة، يقصد به يعني يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ ثم أتى بجملة مما وقع منها عظيمات الأمور من حين خلق الله آدم إلى حين مبعثه، ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم، وإذا كان معروفاً أنه لم يكن ملابساً لأهل الآثار وحملة الأخبار، ولم يكن متردداً إلى التعلم منهم ولا كان ممن يقرأ، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا عن طريق الوحي.
أريد أن أذكر لكم يعني أجمل فائدة وقفت عليها وأسعدتني وأطربتني في هذه النقطة خلال سنتين، وهي ليست من كتاب الباقلاني وإنما من كتاب النبوة للدكتور سامي عامر، وذكرتها للزملاء قبل يومين، هي تابعة لهذي القضية، كيف في أخبار عن الأمم السابقة؟ وبما في الكتب السابقين يا جماعة من أغبى الشبهات، من أغبى من يثير الشبهات من يقول أن القرآن مقتبس من الكتب السابقين، من الكتب السابقة هي ترى تكاد تكون الشبهة المركزية عند المستشرقين، أليس كذلك؟ نعم، أن القرآن ماذا؟ القرآن يقول لك أنه مصدق لما بين يديه وكان بإعجازه أنه يخبر بما في الكتب السابقة من غير أن يكون هناك وسيلة وسبيل للعلم بما فيها، فكيف يكون وجه الإعجاز؟ شبهة يعني الآن صارت شبهة كبيرة وهي في الحقيقة وجه إعجاز. يبين عن ذلك ما يلي، المثال الذي سأذكره لكم، سأذكر مثالاً، هذا استطراد ولكنه مهم.
المثال الأول الله سبحانه وتعالى يقول في سورة الأنبياء: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. تمام؟ تمام. نقل الدكتور سامي العامري نقلاً عن العهد القديم ما يعرف بالكتاب المقدس ذهلت للنقل، رجعت إلى الإنترنت فتحت كتاب العهد القديم رحت بحثت في الأسفار حقتهم لين ما وجدت النص، النص في سفر المزامير، مزمور داوود عليه السلام، سفر المزامير نسيت الرقم هو تسعة وثلاثين الفقرة سبعة وعشرين، الآن موجود في الكتاب المقدس، موجود في سفر المزامير هذا الكلام بالنص، ما هو حتى الترجمة العربية غريب أنها طابقت. النص هكذا: الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد. بهذا النص: الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد. في وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ماذا كتبنا؟ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد. هذا جزء مما لم يحرف، طيب هذا من أين سبيل العلم به؟
الدراسات كما أثبت الدكتور سامي عامر وغيره تثبت أنه لم يكن هناك ترجمة عربية في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، ليس هناك ترجمة عربية. الأمر الثاني أن كتب اليهود والنصارى على مر تاريخهم إلى عهد قريب يعني يمكن قبل ثلاثة قرون أو أربعة فقط كانت حبيسة الكنيسة، دوائر القساوسة، الباباوات وليست للعامة، بالعكس لم يخرج الكتاب المقدس للعامة، حددت إشكالات لدي، واضح؟ لأنهم صاروا يقرؤون، أما في تلك المرحلة لم يكن إلا ولذلك اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، كانوا هم الجسر لمعرفة الله فقط، اللي هم القساوسة والرهبان، تمام؟ ولذلك تجد حتى بعض المفسرين، الطبري مثلاً لم يقل أن الزبور هنا هو زبور داوود عليه السلام لو كان وقف على النص، الزبور يعني يقصد الكتب بشكل عام، تمام؟ وأتذكرها لي الدكتور سامي عامر يقول يعني حتى إلى وقت الطبري الناس ما تعرف أن هذا النص مكتوب، تمام؟ هذا لا شك وجه عظيم من أعظم وجوه الإعجاز. الأمر المثال الثاني وهو الذي يقولون أن القرآن يقتبس هكذا إلى آخره، ذكر الدكتور سامي العامري بالتفصيل قصة يوسف عليه السلام من القرآن ومن العهد القديم، تمام؟ وقصة يوسف بالمناسبة هي من أكثر القصص التي يقول المستشرقون أن القرآن أخذها من اليهود، تمام؟ لماذا؟ لأنها في القرآن طويلة وفي العهد القديم أطول، وتتشابه كثيراً في القصة. الدكتور سامي عمل مقارنة أخرج خمسين فرقاً، خمسين فرقاً في قصة يوسف بين القرآن وبين، ليس العجب أن هناك فروقات فقط، العجب كيف أن هذه الفروقات تظهر لك دقة القرآن، كيف؟ كيف خالفهم القرآن في هذه النقطة بأي علم؟ لا يمكن.
يعني مثلاً يقول في العهد القديم كل قصة يوسف الفرعون، الفرعون وذهب الفرعون وجاء الفرعون، في القرآن ما في، صح؟ عزيز، نعم، وقال الملك، صح؟ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ، وَقَالَ الْمَلِكُ... إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ. تمام؟ يقول حين فكت اللغة الهيروغليفية لغة المصريين بحجر رشيد تعرفوا فك اللغة؟ يقول توصلوا إلى أن عهد مرحلة يوسف عليه السلام لم تكن مرحلة فراعنة وإنما مرحلة الملوك الهكسوس، تمام؟ بينه وبين موسى عليه السلام قرون، فيقول كيف القرآن خالفهم في نقطة الفراعنة مع أنها لا تدعو للمخالفة بالنظر العادي، واضح؟ كل ما اجتنب القرآن لفظ فرعون إلى لفظ ملك، ثم تأتي الدراسات التاريخية الحديثة لتكتشف أن تلك المرحلة كانت مرحلة ملوك وليست مرحلة فراعنة، فأنّى لهذا القرآن أن يكون من كلام البشر! فمثل هذا الوجه الذي يذكره الباقلاني الذي هو أخبار عن الغيوب الماضية، لا شك أنه وجه من وجوه إعجاز القرآن، وكما قال ابن تيمية كلها تعتبر من وجوه إعجاز القرآن، لكن لا نستطيع أن نقول أنه هذا هو الوجه المعياري الحاكم لكل السور، واضح؟ وإنما الحاكم لكل السور هو قضية الفصاحة والبيان.
طيب، الجزء الثالث الذي ذكره الباقلاني هو الذي استغرق الكتاب: بلاغة القرآن وكونه بديع النظم عجيب التأليف، وفصل في ذلك في عشرة أوجه. يعني الباقلاني أجاب عن سؤالين بعد إثباته عجز العرب. السؤال الأول: لماذا أعجزوا؟ لماذا؟ ما وجه إعجاز القرآن؟ ذكر ثلاثة وجوه، ما هي؟ الغيوب المستقبلية، الغيوب السابقة، البلاغة والفصاحة، تمام ثلاثة، ثم أراد أن يقول، تذكرون الخطابي؟ قال أن هناك قول البلاغة بدون تحديد معيار وإنما بالذوق، نعم نعم، نفس الشيء ما يريد هذا القول، الخطابي يرده، وساد معيار الباقلاني ما صار معيار لفظي طبقه، ذكر عشرة أوجه تفوق بها القرآن بلاغياً، مهم، عشرة أوجه، تستطيع أن تقول أن معايير نقدية ولكنها يعني صياغتها بطولها أخرجتها عن حد المعيارية.
يقول والله ذكر لفتات جميلة جداً في قضية التفوق القرآني، يقول مثلاً من ذلك الوجه الأول ما يرجع إلى جملة القرآن وليس إلى آية أو سورة، يقول ذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلام العرب، وليس بسجع وإنما هو نظام جديد عجيب، يعني أتى فأذهل العرب بتركيبه في جملته، بصورته في جملته، هذا الوجه يسميه في النبأ العظيم يسميه القشرة الخارجية للقرآن، القشرة الخارجية، يعني يقول هناك غلاف لفظي للقرآن شيء غريب، يعني التركيب لا هو سجع، لا هو نثر، لا هو شيء، نظام جديد في الكلام، شيء جديد، شيء جديد، نظام جديد في الكلام. يقول اثنين: يقول ليس للعالم كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة والتناسب في البلاغة والتشاور في البراعة على هذا الطول. هذا الشاهد، على هذا الطول، تمام؟ وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة، يعني وماذا قال المتنبي؟ بيت من هنا وبيت من هنا تعتبر من عيون كلامه، ماذا قال مثلاً الحكماء الأولين مثلاً قصة ابن ساعدة أو إلى آخره، وإنما تنسب لحكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال ويعتريها ما نكسبه من اختلاف، هذا الثاني.
الثالث يقول أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص، مواعظ، احتجاج، حكم، أحكام، أعذار، إنذار، وعد ووعيد، تخويف، أوصاف، تعليم، أخلاق، سير. يقول نجد في كلام العرب البليغ الشاعر يختلف مستوى تعبيره بحسب الموضوع الذي يتحدث فيه، بحسب المجال، واضح؟ يقول فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجاء، ومنهم من يسبق في التغلظ دون التأبين، ومنهم من يجود في التأبين دون التقرير، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر الكلام، ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، ومن الشعراء من يجود الرجز ولا يتقن نظم القصيد، ومنهم من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون نقص وقصر، وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عنه، الدرجة العليا. وهذا عجيب عجيب عجيب جداً، حقيقة لفتة تستحق النظر، تستحق النظر التأمل العميق. يعني يقول القرآن أغراضه متفاوتة، أحكام في سورة البقرة تقرأ في أحكام الأسرة التفاصيل في أحكام الطلاق والعدة، وتقرأ مواعظ تهز القلوب في سورة الحاقة، وتقرأ جمال الجنة ووصفها في سورة الإنسان.
حتى الأسلوب طبعاً أسلوب الكلام يتغير، يعني تذكرون الثلاث مستويات التي ذكرها الخطابي: الرصين الجزل، والسهل، والقريب، سورة الحاقة وسورة الإنسان مثال. سورة الحاقة أشرح شيء بأيش؟ الأول الجزل الأصيل الجزل، تمام؟ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، تمام؟ أما سورة الإنسان: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ، يعني مستوى كله بلاغة، كله عظيم ولكن هذا جزل وهناك سلس، وكل بما يناسبه، ولكن في كلها تجويد على الغاية. أما شعر العرب وكلامهم، يقول لك امرؤ القيس إذا ركب، زهير إذا رغب، يعني إذا طمع، يختلف مستوى شعرهم مع أنه نفس الشخص، تجدهم إذا مدح بعضهم يجيد المدح، بعضهم إذا رثى يجيد الرثاء، أما القرآن تقرأ في المواعظ تقرأ في النار تقرأ في الجنة تقرأ في الأحكام تقرأ في الطلاق تقرأ في الجهاد كله بلاغة إلى الحد الأعلى، مهما تصرف الوجه، وإن كان في داخل بيت البلاغة هذا مرة يستعمل الرصين الجزل ومرة يستعمل السهل القريب بحسب غرض الآيات وموضوعها، فهذا وجه عظيم من وجوه إعجاز القرآن التي ذكرها الباقلاني.
يقول الرابع كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتاً بيناً في الوصل والفصل والعلو والنزول، التقريب والتبعيد، ونحن... طيب هذا أنا لا أريد فصل حقيقة في كل وجوهه لأنه بقي لنا الجرجاني. خامس يقول أنه حتى الجن عجزوا عن معارضة القرآن وأثبت من وجهين. الأمر السادس يقول الذي ينقسم عليه الخطاب من الفصل والاقتصاد وجمع التفريق إلى آخره. أنا لا أريد تحقيق زي ما قلت لكم لا أريد أن أفصل في كلها، نعم. دعوني أذكر الثامن يقول أن الكلام يتبين، انظروا انظروا يا جماعة انظروا جمال التعبير، يقول الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام آخر، يعني تؤخذ منه كلمة توضع في وسط كلام آخر، تمام؟ يقول الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام أو تقذف ما بين شعر فتأخذها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها بادياً، غامراً سائر ما تقرن به، كالدرة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد، وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهي غرة جميعه وواسطة عقده، والمنادي على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله واعتراضه في حسنه وماله، واضح؟ كلام جميل جداً، الباقلاني لا يزال يتفنن في عرض وجوه إعجاز القرآن بعد أن ذكر الوجه الذي ذكرناه سابقاً، جميل جداً كيف أنه تفاوت الموضوعات كله على مستواه من البلاغة ليس كمثل كلام العرب.
الآن يقول لك أيضاً أمر آخر: أنت تعرف مقدار الكلام وجماله، خذ منه شيئاً وضعه في كلام آخر، وسط كلام آخر، إذا أضاء من بين الكلام وأفصح عن نفسه ونادى على نفسه بأنني هنا في وسط ذلك الكلام الآخر، فاعلم أن هذا الكلام بليغ إلى الغاية، يقول ضع آية من القرآن في وسط كلام آخر وانظر كيف تنادي الآية على نفسها وتدعوك إلى رؤيتها وتمييزها. طيب، أكتفي بذكر هذه الوجوه لأنه ذكر عشرة، أنا ذكرت الآن تقريباً أربعة نكتفي بها، لا أريد التفصيل أكثر من ذلك، ثم أخذ يشرح هذه الوجوه وطبعاً هو الباقلاني يدافع بشدة على أن القرآن لا يوجد فيه شعر أبداً، وذكر شبهات متعلقة بذلك ورد عليها. ثم بدأ يتكلم عن ما يعرف في علم البلاغة بالبيان، اللي هو ايش؟ قلنا التشبيه والاستعارة وإلى آخره، الباقلاني نفسه طويل، نفسه طويل جداً، يعني هو الآن سأل سؤال، قال هل البديع -هو سماه البديع، الآن يسمى البيان- هل البديع يستعمل فيه...
كشف يعني هل هو داخل في معيار إعجاز القرآن أم لا؟ يقول لك قبل أن أجيب دعني أذكر لك البديع الوارد في القرآن شيئاً منه. ذكر ثلاثين نوعاً من البديع، ثلاثين نوعاً كله يذكر فيه أمثلة وبعدين قال لك لا مو هذا المعيار. تمام؟ طيب.
شرحت وجوه البديع كلها ثلاثين ثلاثين وجهاً بالآيات والتفاصيل والدهر وآخر شيء يقول لا، يعني يقول يقول وقدر أنه يكمل استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها ثلاثين باباً، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه، وليس كذلك عندنا؛ لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود، وذلك كالشعر إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التأمل له وأمكنه نومه، والوجوه التي نقول إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها ليس مما يمكن البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال، لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذي ادعوه في الشعر ووصفوه فيه إلى آخره، ثم قال: ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم أن ذلك من أبواب البراعة وجنس من أجناس البلاغة، وأنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغتهم ولا وجه من وجوه فصاحتهم، وإذا أورد هذا المورد ووضع هذا الموضع كان جديراً يعني يكون له دور، ولكنه ليس هو. طيب ننتقل إلى.
جاءني قصة أخرى هي ختام ختام طبعاً لمحاضرتنا، ما بقي عندنا إلا الشجاع. أما الفرجاني في دلائل الإعجاز فهو قصة أخرى وموضوع كبير، والجميل أن المعاصرين بدأوا يعتنون بهذا الكتاب، ومن أشهرهم اثنان: الدكتور محمد محمد أبو موسى.
تلفون أهو من طلاب وتلاميذ الأستاذ العلامة محمود شاكر، محمود شاكر طبعاً معروف معروف، محمود شاكر هو الذي حقق دلائل الإعجاز، وهو الذي علق عليه تعليقات جميلة. تلميذه محمد محمد أبو موسى له شرح في اليوتيوب الآن وصل الدرس والله أنا أظن درس خمسين أو في شرح الكتاب يعني تقريباً خمسين ساعة إلى الآن في شرح الكتاب وأظنه لم ينتهي. وفي آخر اسمه الدكتور إبراهيم الهدهد، أيضاً شرح دلائل الإعجاز ما أدري انتهى منه كله موجود على اليوتيوب، ويوجد غيره ما رأيت ولكن لم أعرفهم حقيقة، لم أعرف الذي شرح غيرها، لكن أنا استمعت إلى أجزاء من بعض هذه الشروح للرجلين فكانت يعني مفيدة جميلة جداً.
الكتاب يحتاج إلى شرح لا شك، كتاب صعب يوقف عليه بدون شرح، إلا إذا كان هناك مدارسة دقيقة تفصيلية يتم فيها النقاش ومحاولة الاستخراج الوقوف عند كل فقرة، ممكن يتم القراءة بهذه الطريقة، أما القراءة المجردة هكذا لا، صعب. طيب أول شيء دعونا نقول عبد القاهر الجرجاني عاش في القرن الخامس، توفي أربعمئة وواحد وسبعين. تمام؟ عبد القاهر استفاد من عالمين قبله، كما يقول الدكتور محمد محمد أبو موسى، يقول إن عبد القاهر أخذ عقلي هذين العالمين فقدحهما ببعض، جميل. تمام، أخرج هذا المعنى، من هما؟ الجاحظ وسيبويه. الجاحظ وسيبويه. طبعاً سيبويه يا جماعة كان له مكانة كبيرة عند أهل العربية، ولكن ذهبت هذه المكانة عملياً وليس نظرياً، الجميع يعترف أنه هو الإمام ولكن كتابه "الكتاب"، هذا الكتاب كم تغنى العالمون باللغة به، ولكن الكتاب الآن لا يقرؤه حتى كبار المتخصصين، كتاب صعب ولكنه عظيم، كتاب سيبويه. الذهبي في سيرته عن ابن تيمية قال إن ابن تيمية قرأ كتاب سيبويه حتى فهمه وهو ابن بضع عشرة سنة، عمره سبع عشرة ثماني عشرة تقريباً. الله يشغل طيب.
يا رجل كتاب سيبويه، لا المشكلة خالف سيبويه في مسائل، كمان عشان كذا أبو حيان زعل منه، أبو حيان زعل تخاصم مع ابن تيمية خصاماً شديداً؛ لأنه ابن تيمية استدرك على أو يعني انتقد سيبويه في أشياء، ممكن. طيب، عبد القاهر كتابه فكرة واحدة، هو تطبيقات ما فيها تعقيد من ناحية الهدف العام، لكن الكلام نفسه والتفصيلات صعبة، هو يقول لك إعجاز القرآن ليس في الألفاظ ولا في المعاني، إعجاز القرآن في شيء واحد في النظم، وهو كيفية ترتيب الكلام في الجملة واختيار الكلمات على حسب معاني النحو، وكلمة معاني النحو هذه التي دفعتني إلى التنبيه على قضية الكتاب؛ لأنه يا جماعة نحن لا نعرف من معاني النحو، لاحظ لا أتكلم عن البلاغة ولا الصرف ولا شيء ولا الأدب، النحو ماذا نعرف الآن من النحو؟ الإعراب بس صح؟ أيوا الإعراب أليس كذلك؟ هو يعجبني أحد الباحثين، نعم في باحث عنده كتاب اسمه "فكرة النظم بين وجوه إعجاز القرآن"، سبحان الله عبر عما في نفسي، أنا كنت جالساً أقرأ للجرجاني أريد أن هو جاب هو يستعمل النحو بطريقة أخرى غير قضية الجمل، فوجدت هذا الباحث وجدته عبر عما في نفسي، يقول عبد القاهر: أول عالم أخرج النحو من نطاق شكليته وجفافه، وسمابه فوق الخلافات والتحملات حول الإعراب والبناء، وبعث فيه دفء اللذة الشعورية والعقلية معاً، وأخضعه لفكرة النظم، وأخضع فكرة النظم إليه. هو يرى أن النظم ترتيب الكلام في الجملة بحسب معاني النحو، معاني النحو إحنا ما نعرف معاني النحو أليس كذلك؟ إحنا نعرف حركات وإعراب النحو بس، أما معاني النحو ما هي معاني النحو؟ فهو فجر هذه القضية جيد؟ طيب.
أبرز سمة في عبد القاهر في رأيي تحليلي الشخصي أنه يغوص ثم يغوص بعد الغوص ثم يغوص بعد الغوص الثاني، يغوص ويغوص ويغوص ويغوص في التفاصيل حتى يأخذك أخذاً ويقول لك انظر هنا وهنا وهنا لتعرف بالتفصيل لماذا كان القرآن أفضل من غيره كله بفكرة النظم. موضوعات النظم ماذا تحتوي؟ عفواً موضوعات النظم طبعاً هي متعلقة بعلم علم المعاني من البلاغة، ماذا يحتوي علم المعاني؟ البلاغة ثلاثة علوم صح؟ المعاني والبيان والبديع صح؟ المعاني ماذا يحتوي؟ بس هذا أول شيء، إجابة التقديم التقديم والتأخير التعريف والتنكير التذكير والتأنيث، والأنواع الخبر، هل تأتي بالخبر اسماً أم فعلاً؟ القصر، نحن ماذا نعرف؟ ماذا نعرف؟ نقول نعرف أنه في النحو أن الخبر قد يأتي اسماً وقد يأتي فعلاً تمام؟ لكن متى من الأفضل أن تأتي به بالاسم؟ متى من الأفضل تأتي به الفعل؟ متى تحذف؟ متى تحذف الكلام؟ ومتى تقدم؟ ومتى تؤخر؟ ولماذا تقدم؟ ولماذا تؤخر؟ واضح؟ يقول لك مثلاً وهو أخذها كلمة للأسف ما كتبتها من سيبويه، أخذها من سيبويه لماذا العرب يقدمون ويؤخرون؟ لماذا يقدمون؟ يقول لك المقدم هو الأهم، طيب فإذا كان كنت تريد أن تعبر عن الفعل يعني محور كلامك عن الفعل فقدمه، وإذا كان محور كلامك عن الفاعل فقدمه. مثلاً أنا أسألكم الآن سؤالاً، أنا أريد مثلاً من عناية الله أن يحفظ صحيح البخاري تمام؟ فأنا الآن أتيت بعد سنتين ما أدري هل حفظ أم لم يحفظ؟ لم يحفظ، السؤال أيهما أفصح؟ هل أقول: أحفظت صحيح البخاري؟ أم أقول: أأنت حفظت صحيح البخاري؟ البخاري حفظته، صحيح، الذي يؤيد: أأنت حفظته، يرفع يده.
تقديم الفعل "أحفظت" يعني. طيب هو يقول لك إذا كنت تشك في الفاعل من الذي حفظ، تقول أأنت حفظت؟ يعني إذا عندك خمسين طالباً يحفظون، أنت عرفت أن أو أنت مثلاً عرفت أن الخمسين طالباً عرفت أنهم حفظوا تمام؟ فأنت تريد أن تتأكد من شخص هل هو ممن حفظ أم ممن لم يحفظ؟ فتقول أأنت حفظت صحيح البخاري؟ جيد؟ لماذا؟ لأن الحفظ وقع. السؤال هنا عن من؟ عن الحافظ. أما إذا كان سؤالي عن الفعل فأقول: أحفظت صحيح البخاري؟ جيد، أسأل عناية الله، طبعاً عناية الله بدأ يحفظ صحيح البخاري بالإسناد، أسأل الله أن يتمم له. ما شاء الله. الله سبحانه وتعالى أتى بمثال في سورة الأنبياء، قالوا: أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ما قال قالوا أفعلت هذا بآلهتنا؟ لأنه لو قال أفعلت هذا بآلهتنا؟ ربما فعلوا ربما لم يفعلوا، لكن يبقى أنت فعلت، هو الفعل وقع، أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ؟ أنت؟ قال بل فعله كبيرهم هذا. إذاً يفصل عبد القاهر في هذه المعاني، يقول لك إعجاز القرآن في نظمه، وذلك أن وجوه النظم التي هي التعريف والتنكير والتذكير والتأنيث والتقديم والتأخير ونوع الخبر، هذه في القرآن على وجه لا يوجد مثله في كلام العرب، لم يكتف مثل الخطاب في التنظيم المعايير، وإنما غاص في الأعماق. كله عقد الفصول التقديم والتأخير، تدخل تضيع في التقديم والتأخير، تفصيلي. عند عبد القاهر تفصيلي، هو ليس تفصيلياً عملياً فقط، هو يعرف أنه تفصيلي. انظر ماذا يقول، يقول: واعلم أنك لا تشفي الغلة ولا تنتهي إلى ثلج اليقين حتى تتجاوز حد العلم بالشيء مجملاً إلى العلم به مفصلاً، مهم، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يصنع فيه، إلى أن يعرف منبته ومجرى عروق الشجر الذي هو ووصف نفسه بما لا مزيد، قال لك تأتي معي في الرحلة لا يجب أن تدخل معي في تفاصيل التفاصيل المتعلقة بالإعجاز. يقول أذكر لكم بعض الأمثلة، يقول مثلاً وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ اقرؤوه هكذا، هو يلتقط منها غيرها يلتقط منها النظم، تقديم التأخير يقول هذا التركيب فيه من الجمال في النظم ما ليس فيه تركيب وجعلوا للجن شركاء تمام؟ يقول ليس بخافٍ أن لتقديم الشركاء حسناً وروعة ومأخذاً في القلوب، أنت لا تجد شيئاً منه إن أنت أخرت فقلت وجعلوا الجن شركاء لله، وإنك لترى حالك حال من نقل عن الصورة المبهجة، هذا لو كانت وجعلوا الجن شركاء، في مقابل الصورة المبهجة التي هي وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ، فأنت ترى حالك حال من نقل عن الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه بكثير طائل ولا تصير النفس به إلى حاصل. هذا نموذج من لغة عبد القاهر، والسبب في ذلك في أن كان ذلك كذلك هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلاً لا سبيل إليه مع التأخير، بيانه الآن يبين لماذا؟ يقول بيانه أننا وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء وعبدوهم مع الله، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم، فإن تقديم الشركاء يفيد هذا المعنى ويفيد معه معنى آخر ما هو؟ وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون لله شريك، لا من الجن ولا من غير الجن، وإذا أخر فقيل جعلوا الجن شركاء لله لم يفد ذلك، ولم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع الله تعالى، فأما إنكار أن يعبد مع الله غيره، وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن فلا يكون في اللفظ مع تأخير الشركاء دليل عليه. يعني يقول حين قدم لفظ الشركاء فهذا إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون لله شريك وهذا هو الشأن وهذه هي القضية الكبرى، ثم أخبر أنهم جعلوا الجن شركاء، فالشأن هو في كونهم اتخذوا شركاء، وأنه لا ينبغي أن يكون لأي شريك سواء كان من الجن أو غيره، ولذلك أخر ذكر الجن وجعلوا لله شركاء الجن. واضح الفكرة؟ واضح، هذا هذا النموذج على التقديم والتأخير عند عبد القاهر.
نفس الشيء أأغير الله اتخذ ولياً؟ مثال على الحذف، على الحذف يقول: قال الله سبحانه وتعالى: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ. من محذوفاتنا. أولاً طبعاً من بلاغة القرآن أنك ما واضح مستقيم وعي جميل، تمام؟ هنا أربع محذوفات. تمام، طيب يقول: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، يسقون ماذا؟ ماء يسقون أغنامهم، طيب والأهل؟ ما ذكر. تمام؟ ووجد من دونهما امرأتين تذودان، تذودان غنمهما أم إبلهما؟ لم يذكر. تمام؟ قالت قال ما خطبكما قالت لا نسقي حتى يصدر الرعاء أبونا شيخ كبير، فسقى لهما، ماذا؟ قال لهما أغنامهما. لم يذكر. ثم تولى. تمام إيش وجد من دونهما امرأتين؟ يا نسقي لا نسقي نعم، قالت لا نسقي، لا نسقي ماذا؟ يقول عبد القاهر ثم إنه لا يخفى على ذي بصر خلينا نذكر المحذوفات، قال ففيهما ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع. المعنى هذا كلام دقائق، وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما، لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما أو مواشيهم، تمام. قال ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل مطلقاً، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي، ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتا لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء، وأنه كان من موسى بعد ذلك عليه السلام بعد ذلك سقي، فأما ما كان المسقي أغنماً أم إبلاً أم غير ذلك فخارج عن وموهم خلافه، وذلك أنه لو قيل ووجد من دونهما امرأتين تذودان غنمهما جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود للغنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود كما إن قلت ما لك تمنع أخاً لك.
كنت منكراً للمنع، لا من حيث هو منع. وإنما من حيث منع، أليس كذلك؟ فاعرفه تعرف، واضح؟ يعني يقول لك لو سمي المفعول لربما اتجه الذهن إلى أن موسى عليه السلام هل أنكر الذود من حيث هو ذود والسقي؟ أو أنكر أنها إبل أو غنم، أو واضح؟ فيقول لك من تمام البلاغة أن تحذف هنا لأن هذا هو المقصود.
جميل، هل ذكرني بالحذف عند الخطابي، ذكر شيئاً جميلاً؟ الخطابي يقول في قول الله سبحانه وتعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى، أين الجواب؟ قل لله، ما في جواب، ما في جواب محذوف، ليس هذا هو الجواب. ما هو تقدير الجواب المحذوف؟ مثلاً: ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لكان هذا القرآن، هذا المحذوف. تمام، إذا كان هذا القرآن بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا، فلم ييأس إلى آخر الآية. هذا محذوف في الجواب. يقول لك الحذف أحياناً يكون أبلغ، يجعل الذهن يسير في فضاءات التهويل أكثر مما لو ذكر، هو يأتي لك مثال يقول: أيهما أبلغ أن تقول: لو رأيت علياً بين الصفين لرأيت أسداً، أو أن تقول: لو رأيت علياً بين الصفين. تخيل أنت تخيل، لو رأيت علياً بين الصفين لرأيت مقداماً أسداً، عمل وفعل، حذف هنا أعطاك كل هذا المعنى، صحيح، أما رأيت أسداً صورة واحدة، واحد صورة للأسد، صورة واحدة، هكذا. يقول لك قد يحذف شيء لتذهب بذهنك كل مذهب وتسير في فضاءات العظمة كلها، مسير. ويقول لك هذا من صور الحذف في القرآن.
أختم بمثال من رجل استفاد من عبد القاهر، بالمناسبة الذين استفادوا من عبد القاهر بعده كثير، من أبرزهم الزمخشري في التفسير الكشاف، وصرح، وصرح إني أنا مستفيد عبد القاهر في نظريتي، تمام؟ وإن كان طبعاً تفسير اعتزالي وكذا، لكن أيضاً يجب ألا يمنعنا. ترى لم يأت يا كرام، لا يكاد يعرف تفسير في تراث المسلمين فيه من كشف وجه بلاغة القرآن كما في تفسير الكشاف للزمخشري. نعم عنده اعتزال، عنده اعتزال، يتنبه له، يتنبه له، اعتزال خفي، اعتزال خفي، نحتاج نقاش، تحتاج نقاش، هذا كلام صحيح، ولذلك دائماً ينبه له. لكن لا يمنع هذا طالب العلم الفاهم المتخصص المؤصل أن يستفيد من هذا الكتاب أعمق استفادة في اللغة العربية. جيد، هو المشكلة أننا نمنع أنفسنا، حق نفهم ونفهم العقيدة الصحيحة ونفهم العقيدة المنحرفة ونفهم كل شيء، ثم بعد ذلك نمنع أنفسنا من هذه الأبواب. الجاحظ باب يجب أن نطرقه، صحيح، الكشاف باب يطرق عموماً اللي هو نهج التفسير وجاءت استخلاصات كثيرة، لكن عموماً انظروا يطبق نظرية عبد القاهر في الفصل والوصل.
ما هو الفصل والوصل؟ الفصل والوصل هو طبعاً جزء من نظرية النظم، جزء من باب المعاني في البلاغة، تمام؟ يقول لك إذا أنت أتيت بجملتين، إما أن تجعلها مفصولة أو تجعلها موصولة. الفصل هو أن تأتي بالعطف، تمام؟ والوصل هو ألا تأتي بالعاطف، تمام؟ يعني إذا أردت أن تربط بين الجملتين، إذا كانت الجملة الثانية مؤكدة أو هي نفس المعنى، فلا تأتي بالعطف، هذا البلاغة. إذا كان المعنى جديداً أو مختلفاً، فأتِ بالعطف. يقول لك انظر الفرق بين قول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ، أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وانظر إلى قول الله سبحانه وتعالى: أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ. واضح الفكرة، واضح؟ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، هي نفسها أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ، يعني هي هذا معناه غفلتهم. أما تلك: أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، المفلحون مصيرهم وجزاؤهم الحسن، واضح؟ فلما أراد أن يفرق بين العاقبة وبين الحال جعل الواو العطف: أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، ولما أراد أن يصف الحال هناك فقال: أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، لم يأت بالواو قال: أُولَٰئِكَ هُمُ، واضح؟ وهذا نموذج من الوصل والفصل في قضية نظم القرآن وهي التي حاول أن تلقاها أيضاً أن يثبتها بصورة موسعة.
بهذا العرض نكون قد انتهينا من المادة، المادة يعني ربما تحتاج إلى مراجعة مرة أخرى من الإخوة والأخوات الكريمات، بحكم أقصد قضية لأن هذه المادة أساسية ومقررة، حيكون عليها لاحقاً يعني مراجعة واختبارات وما إلى ذلك. وكذلك المواد المقررة بشكل عام. حقيقة يعني الشعور الذي أصفه بعد هذا، يعني أنا من المواد القليلة التي قرأت فيها بكثافة شديدة في مرحلة قصيرة، هذه المادة، والشعور الذي ينطبع في ذهني بعد كل هذه القراءة، هي أنني عرفت أنني أحتاج أن أزداد هذا البحر، بحر، أنت تقرأ لم تكتفِ، يعني الكتب خمسة عشر كتاباً وتقرأ من هذا وتقرأ من هذا وتغوص في هذا وترجع إلى هذا، وتشعر أنك أمام بحر جميل، يحتاج إلى رحلة طويلة ويحتاج إلى بناء لغوي ويحتاج إلى رصيد. وكما قلت في البداية من أهم فوائد دراسة إعجاز القرآن عند المتقدمين: حب اللغة العربية وزيادة الاهتمام بها وإدراك أهميتها، وإدراك كم نحن جاهلون في هذا. وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيراً على الحضور الإخوة والأخوات.
الشيخ أحمد السيد