الحمد لله رب العالمين، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ.
اللهم لك اسلمنا، وبك امنا، وعليك توكلنا، واليك انبنا، وبك خاصمنا. اللهم نعوذ بعزتك لا اله الا انت ان تضلنا، انت الحي الذي لا يموت، والجن والانس يموتون.
اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل، فاطر السماوات والارض، عالم الغيب والشهادة، انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق باذنك، انك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم.
وبعد، فهذا يوم السبت بعد فجر الثاني من ذي القعدة من عام 1442 من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحدثكم اخوكم حسين بن عبد الرازق المصري. وهذا هو لقاؤنا الاول في الاجتماع على قراءة كتاب صحيح الامام البخاري، واسمه الجامع المسند الصحيح المختصر من امور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وايامه.
احب ان استفتح قراءتنا لهذا الكتاب ببعض المقدمات، واولها مع قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ. فضل الله تبارك وتعالى هو الاسلام، ورحمته القران الذي جعله الله تبارك وتعالى لنا برهانا ونورا وهاديا.
فالحمد لله على نعمة الاسلام، والحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب. واحمد الله تبارك وتعالى، واحب ان تحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ان صرفنا الى طلب العلم والفقه في الدين وان نجتمع على ذكر الله تبارك وتعالى.
ففي مسند احمد وصحيح مسلم من حديث ابي اسحاق عن الاغر ابي مسلم قال: اشهد على ابي هريرة وابي سعيد انهما شهد على النبي محمد صلى الله عليه وسلم انه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل الا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده.
والاجتماع على الفقه في الدين من خير ما يذكر به الله تبارك وتعالى، فاللهم انزل علينا السكينة، وارحمنا، واذكرنا فيمن عندك.
واصلي على عبد الله ورسوله محمد بن عبد الله، الذي منى الله تبارك وتعالى به على المؤمنين. قال الله عز وجل: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا من قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.
قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. فاللهم صل على محمد وعلى ال بيته وذريته كما صليت على ال ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى ال بيته وذريته كما باركت على ال ابراهيم انك حميد مجيد.
ورضي الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين امنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه وكانوا خير امة يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات حفظوا لنا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وبلغوه وبينوه.
ورحم الله اهل العلم في كل زمان ومكان، الذين يمسكون بالكتاب ويدعون الى الله تبارك وتعالى ويبينون الهدى، الذين احتسبوا اعمارهم لنصر الله ورسوله وكتابه، فاللهم اجزهم عنا خير الجزاء.
نحمد الله تبارك وتعالى على هذه النعمة العظيمة ان نكون مشتغلين بكتاب الله تبارك وتعالى وببيان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان ذلك اصل الهدى وهو دين الحق، وما تضمنه هو العلم النافع والعمل الصالح.
والله تبارك وتعالى قال: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. فمن امن بالله ورسله واتبع الهدى فهو من خير البرية.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في البخاري من حديث ابي سعيد الخدري: ان اهل الجنة يتراءون اهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الافق من المشرق او المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الانبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال امنوا بالله وصدقوا المرسلين.
كما ان من كذب رسل الله تبارك وتعالى فانه من اهل النار. والله سبحانه وتعالى قال: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
فرسل الله عليهم السلام وما معهم من الوحي هم رحمة الله تبارك وتعالى بعباده وحجته على عباده، والله سبحانه وتعالى قال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا. وقال عز وجل: وَإِن مِّن أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ.
والله تبارك وتعالى حينما هبط ادم وعدوه ابليس الى الارض، بين انه لن يصلح او لن ينصلح امره في هذه الحياة الدنيا الا بالهدى المنزل من الله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى.
فلذلك الايمان بالله تبارك وتعالى واليوم الاخر هو غاية، والايمان بالرسل واتباعهم والعمل الصالح هو الوسيلة ان تعيش على بينة من ربك تدين دين الحق. لذلك الله سبحانه وتعالى انما امر بالجهاد ليدين الناس دين الحق. قال الله عز وجل: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرََّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
فهؤلاء لا امنوا بالله ولا باليوم الاخر ولا دانوا دين الحق. ومحمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، ودينه هو الدين الحق، ولن يهتدي احد الا بقدر ايمانه بذلك النبي الكريم وبالكتاب الذي انزل معه.
والله سبحانه وتعالى ارسله للناس كافة بشيرا ونذيرا، وامر بالايمان به وبطاعته وحبه واتباعه وتوقيره ونصره. قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ.
واحب هنا قبل ان نشرع في كتاب البخاري ان نستنير بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يصدر به خطبه وتعليمه للناس كثيرا، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فان خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل بدعه ضلالة.
فاصدق العلم واححسن الكلام هو القران، واحسن العمل والهدي والخلق هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو بيان لهذا القران بقوله وفعله، فكان خلقه القران، يعني كان تخلقه بالقران، وليس المراد بالخلق فقط هو ما يسمى بالادب، وانما الخلق هو العمل.
وقول الله عز وجل: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، يصف كل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فقط ما سمي مؤخرا بالادب، فالخلق هو العمل.
كل انسان له قصد وعمل، له غاية يطلبها ووسيلة الى هذه الغاية. فمن قصد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به اهتدى، ومن لم يقصده او لم يعمل به ضل.
وكثير من الناس في هذه الحياة الدنيا، وان كانوا منسوبين الى انهم يعني من اهل الدين او من اهل العلم، لم يشتغلوا بكتاب الله او سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل احدثوا بدعا وصاروا يبحثون لها عن حجج وادله وصاروا يروجونها وصاروا لها جندا محضرين يعني ينافحون عنها.
ولو انهم صرفوا جهدهم وسعيهم في تعلم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل بها ونشرها بين الناس ودعوة الناس اليها لكان خيرا لهم واشد تثبيتا. اعظم ما يمكن ان يشتغل به انسان هو القران وبيانه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا العلم هو اعلى العلوم واشرف العلوم وانفعها، وهو دليلك لكل علم نافع.
هذا هو النور الذي تحسن به التصور لاي مسألة دينية وتحسن به التصرف في اي مسألة دينية. قال الله تبارك وتعالى: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثْلُهُ فِي الظَّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
الله تبارك وتعالى بين ان القران هو الذي تحيا به، فهذا اول معنى، انت بدون القران وبيانه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعمى لن تبصر الا بقدر علمك وعملك بهذا القران، فالله جعله حياة وجعله نورا بينا وهدى وبصيرة تمشي به في الناس تتحرك تتصرف.
فالله سبحانه وتعالى بين في هذا القران سبيل المؤمنين وبين سبيل المجرمين في العلم والعمل. فطريق الفقه في الدين ايها الشباب الكرام ايمانا وخلقا وعلما، هو طريق له اول وليس له اخر، يعني يبقى الانسان طول عمره يطلب العلم ويلتمس ويطلب الفقه في الدين، يطلب العلم بدينه ويسعى ان يلقى ربه تبارك وتعالى على ذلك وان يستقيم عليه.
والاستقامة على ذلك هي صبغة الله، الله سبحانه وتعالى اراد منك ان تكون مصبوغا، يعني ان يظهر عليك اثر الاسلام في تصورك وتصرفك، يعني في كل موقف من حياتك لابد ان يكون للاسلام صبغة عليك، لابد ان يظهر ذلك في قولك وفعلك في طريقة نومك واكلك وخروجك ومع جيرانك ومع اهل بيتك ومع ولدك ومع والديك، يعني صبغة الاسلام هي الصورة التي اراد الله تبارك وتعالى منك ان تكون عليها.
فلذلك ايها الشباب الكرام، وهذه نصيحتي لكم، ان تعلموا ان خير ما اشرقت عليه شمس الدنيا هذه الثنائية المباركة، رسول من الله يتلو صحفا مطهره، رسول الله وما معه من الوحي، هذا خير ما يمكن ان تشتغل به وخير ما يمكن ان تمضي فيه وقتك وخير ما يمكن ان تعمل به وتهتدي.
قال الله تبارك وتعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وقول الله عز وجل: أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، يعني فيه دلالتين، الاولى ان غيرهم ليس مفلحا وان ظن انه مفلح، وان حصل له كل ما في الدنيا من المتاع وان حصل اعلى المناصب واعلى الشهادات وان كان مشهورا وان كان ذا جاه ومال، قيمته عند الله بقدر علمه وعمله برساله النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وكثير من الناس لا يقيم الله له يوم القيامة وزنا وهم اخسر الناس عملا في هذه الدنيا، الذي عاش في هذه الدنيا ولم يهتم ولم يشتغل باعلى ما في هذه الدنيا وهو هدى الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم.
لذلك احسن الناس عقلا واحسنهم عملا من طلب هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بيان كتاب الله، لذلك تجدون الله سبحانه وتعالى سمى ما في القران بينات، نورا، هدى، حججا، براهين، بصائر، علما، لماذا؟ لان الانسان بدون ذلك يكون في جهل وهوى، لا يخرج الانسان من جهله وهواه الا بقدر علمه بهذا القران واتباعه له.
احب ان ابين لكم ايها الشباب الكرام ان كل مسألة تخص دين الاسلام، او كل شبهة او كل ضلالة نشات ونسبت الى الدين، او كل اعتراض يعترض به على الدين، كل امر يخص دين الاسلام، فلا بد ان تجد في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السبيل او الدليل على سبيل الهدى فيه، هذا امر يقيني من كبار المسائل لصغار المسائل.
المسائل التأسيسية التي يتكلم عنها الناس مبدأ الخلق والخالق سبحانه وتعالى واسماؤه وحكمته ورسله ووحيه وشرعه وقدره واليوم الاخر والشرع والاحكام والعبادة والتزكية وتفاصيل كل ذلك جاء بيانها اتم بيان واحسن بيان في كتاب الله تبارك وتعالى.
واصول المقالات الباطلة مذكورة في كتاب الله، سواء في جحد الخالق الذين انكروا الله، او انكروا حكمته، او انكروا رسالته ووحيه، او اتخذوا شريكا معه، او نسبوا اليه الولد او الزوجة، او احتجوا بالقدر على ترك شرع الله، او شرعوا ما لم ياذن به الله، او انكروا الدار الاخرة، او ابتدعوا في الدين، كل باطل جاء بيانه وتفصيله ونقضه في كتاب الله اتم بيان واحسن بيان.
وكل من اراد تعلم الحق او بيان الحق او معرفة بينات الحق او رد الباطل او كشف شبهات الباطل او رد الاعتراضات عن دين الاسلام، فلن يجد خيرا من كتاب الله تبارك وتعالى، قال الله عز وجل: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثْلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا.
وكل من طلب الهدى من غير كتاب الله، سواء في البينات او الهدى او الفرقان او المناظرات او غير ذلك، فانه يضل بقدر تركه لحظة من كتاب الله تبارك وتعالى، لذلك قال الله عز وجل مبينا هذه الكفاية: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ.
وهذا من معنى قول الله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. وكل من ابتدع مسألة منسوبة للدين ولا اصل لها في القران فهو محدث في الدين، سواء في العلم او الفقه او التعبد او الحكم.
وانا احب ان لفت نظركم لهذه الفكرة يا شباب، الدين له سلطان على حياة المسلم، لكن بعض الناس اراد ان ينتزع شيئا من حق الدين فيخرج سلطان الدين عن هذا.
الامر بعض العباد فعلوا ذلك، فابتدعوا عبادات، وظنوا أو زعموا أن عبادتهم لله هي بطريق الاختراع، أو التجربة، أو الوجد، أو الذوق، ولم يهتدوا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تطور هذا الأمر، وقالوا بعد ذلك: كل شيخ له طريقه؛ يعني ظنوا أن التعبد لا يلزم أن ترجع فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء أخذوا قطعة من الدين، وغيرهم في الفقه أخذوا قطعة في الرأي المحدث، أحدثوا آراء مخالفة للنصوص، أما استحساناً، أو رأياً محدثاً، أو زعموا أن هذا هو الأليق. ومسائل أسماء الله ومحامده والقدر وغير ذلك، اخترعوا علم الكلام، وجعلوه هو الهدى، وجعلوه الأصل في هذه المسائل، حتى كلمة المتكلم معناها هو القادر على الاحتجاج على مسائل العقيدة بالعقل أو بالأدلة العقلية.
فهؤلاء جعلوا سلطان الدين ليس ممتداً على هذه المساحة، وهي الاحتجاج، أو النظر، أو البحث، أو حتى المناظرة. وكذلك في باب الحكم، الحكام والملوك والأمراء، زعموا أن هناك سياسة وهناك شرع، فلذلك صنف بعد ذلك بعض العلماء السياسة الشرعية ليبينوا أن سلطان الدين تدخل تحته كل هذه المساحات التي اجتهد هؤلاء في إخراجها من سلطان الدين.
فلذلك كل من ابتدع بدعة وليست في دين الاسلام فهو محدث، ولا بد أن تعلم أن القرآن هو كاف في المسائل، وفي البينات، والهدى، والحجج، وفي رد كل باطل. وقد أحدث أقوام في دين الله تبارك وتعالى بدعاً في الكلام المحدث، أو الرأي المحدث، أو التعبد المحدث، أو السياسة المحدثة، وأراد كل فريق منهم أن ينزع سلطة الوحي عن تصرفه في هذا الباب.
واسعد الناس حظاً من القرآن من تمسك به وتمسك بهدي، فبينا القرآن تجمع بين الحجة، والبرهان، والبينه، وبين الموعظة، والتذكير، والإنذار. القرآن يخاطب كل شيء في المسلم ليبيت الحق وليعمل به، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ. هي موعظة، وهي شفاء لما في الصدور؛ كل ما في الصدور من أهواء، أو شبهات، أو شهوات، أو ريب، أو شك، فإن شفاءه في كتاب الله تبارك وتعالى.
فخلاصة ما تقدم يا شباب في هذه الفكرة المركزية التي أرید أن تصطحبها معك في كل دروس العلم: أولاً، الأمر بالتمسك بالقرآن واتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمور الدين، هذه الفكرة الأولى. الفكرة الثانية: بيان تمام الدين وكماله، وكفاية القرآن والسنة في بيان الهدى وحججه والفرقان بين الحق والباطل. ثالثاً: أن الله أمرنا بالاجتماع على الكتاب وإقامة الدين ونهانا عن التفرق والاختلاف، ولا يكون التفرق والاختلاف إلا بترك الوحي أو بنسيان حظ من الوحي.
الفكرة الرابعة، نعم أو الخامسة: أن سلطان الوحي وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لكل أمور الدين؛ الإيمان وأبوابه، والفقه والأحكام، والتعبد والتزكية والأخلاق، والحكم بين الناس وسياسة الناس. والامر الخامس أو السادس على حسب الترتيب: بيان حسن عاقبة من اتبع الوحي، فهو خير ممن اتبع الهوى، وممن اتبع الظن، وممن اخذ باباً يرجع فيه إلى الدين من غير كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخيراً: من ظن أنه بحاجة إلى غير هدى الله، أو أحدث في الدين أمراً من يعني أحدث في الدين أمراً، فإما لجهله أو هواه، أو لظنه أن ذلك الباب لا يدخل تحت الشريعه فيحدث برأيه، أو يظن أنه يسعه الخروج عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم. من هذا المنطلق يا شباب كانت فكرة هذه الدورة التي أحببت أن أتعاون فيها وأتدارسها مع إخواني وأخواتي من طلبة العلم الكرام ومحبي دين الاسلام ومحب التفقه في الدين.
أردت أن نعتني بكتب الأئمة التي أركزت على بيان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مختلف أبواب الشريعة. من هنا كانت العناية بكتاب الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه للإمام البخاري عليه رحمه الله. لماذا يا شباب؟ لأنه من أعظم ما جمع فيه سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه في أمور الدين، فهو بيان للهدى، وحجج الهدى، وفضائل الهدى، وفقه العمل بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه من جهة.
الجهة الأخرى أن كتاب البخاري، وهذا ربما لا يعلمه كثير ممن يقرؤون هذا الكتاب، أن هذا الكتاب كما أنه تضمن بيان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه وفقه ذلك وتممه ببعض الآثار وبعض الفقه وتبويب ذلك، لكنه من جهة أخرى هو بيان لأصول البدع والمحدثات في كل أمور الدين. فبمعرفة السنن وفقهها تتبين المحدثات، وبالعلم بالمحكمات تنكشف الشبهات، وخير طريق لبيان المنكر الأمر بالمعروف، وخير طريق لرد المحدثات بيان السنن ونشرها بين الناس، وسياتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
وأنت إذا نظرت في عنوان الكتاب سيكشف لك مقاصد هذا الكتاب، فكل لفظ في عنوان الكتاب هو كشاف لمضمون هذا الكتاب. وأنا في رأيي أن اشتهار لفظ صحيح البخاري يعني كأنهم استبدلوا كلمة صحيح البخاري بالاسم الصحيح أو الواسع للكتاب. وطبعا الباء في كلمة استبدل تدخل على الشيء المتروك، فهم تركوا العنوان الأصلي للكتاب ربما اختصاراً، لكني أحب أن تعلم هذا العنوان وتعلم دلالات هذا العنوان وسياتي بيانه بالتفصيل.
ولكني أذكر هنا فقط يعني بعض المعالم لتعرف لماذا اخترت هذا الكتاب، ولماذا اخترت أن نجتمع عليه، ولماذا اخترت أن يكون منطلقاً كطالب علم تقراه وتتدارسه، تقرأ شروحه وتديم النظر فيه وتكرر النظر فيه. فهذه الكتب يا شباب لا تقرا فقط، هذه الكتب تصطحبها معك حياتك من أولها إلى آخرها، هذه ليست كتب تقرأ وينتهي الأمر، لا، هذه كتب تعيش معها، كلما ازددت علماً ثم عاودت القراءة كلما ازددت نوراً.
فالجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، هذا العنوان خير ما يكشف به كتاب البخاري، كل لفظ فيه مبين لمقصد البخاري. كلمة الجامع يا شباب، الجامع الأئمة الذين جمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرادوا أن يخرجوه أن يصنفوه، وهذا هو كلمة الإخراج يا شباب، أن يخرج أن تخرج الأحاديث من كتابه أو صدره لتكون موجودة بين يدي الناس يعني لتكون منتشرة، هذا هو التخريج.
فالعلماء الذين جمعوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرادوا أن يصنفوها، يعني أن يجعلوها في كتب، كان لهم مقاصد سنتكلم عن ذلك إن شاء الله، لكن البخاري رحمه الله أراد أن يكون كتابه جامعا. وكلمة الجامع يعني أنه ضمن كتابه كل باب من الابواب التي تخص دين الإسلام، ليس هناك باب في دين الاسلام ليس موجوداً في صحيح البخاري.
كتاب الإمام البخاري كان جامعاً للإيمان، والأحكام، والجهاد، والسير، والتفسير، والفضائل، والآداب، والأخبار عن بدء الوحي، والقصص، وغير ذلك. وتحت كل باب يصنف، وتحت كل كتاب لأنه قسم كتابه كتباً جعلها أبواباً، وتحت كل باب يأتي بشواهده وحججه وينتخب أحسن ما عنده، ثم يوظف الآثار وما جاء عن التابعين، وكذلك يوظف فقهه في بيان حسن العمل بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله.
ثم لفظ المسند؛ الجامع عرفنا معناه، المسند المسند له دلالات، ومن أخص المعاني أنه المتصل المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا أصل كتابه فاختص بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال الصحيح، بيان أن ما أسنده البخاري رحمه الله هي صحيحه بل هي أصح ما عنده. ثم لفظ المختصر، طبعا سيأتِي شرح ذلك مفصلاً، ولكنه مدخل فقط لتتصور لماذا ينبغي لك أن تديم النظر في هذا الكتاب.
والله يا شباب هذا الكتاب يعني أنا أرى أن من أخص أسباب نقص طلبة العلم عموماً هو ترك يعني كتب الأئمة الكبار التي هي أساس، ومنطلق، ومرد، وكل العلوم تأسست على هذه الكتب، لأن العلم يا شباب إما أن يكون رواية، أو استنباطاً من الرواية، أو تفسيراً للرواية. فعلم الرواية هو ما جمع لنا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وما قاله الصحابة والتابعون، فهذا هو الأثر، يستنبط من ذلك كل أبواب الدين.
فلذلك الكتب من أول كتاب مالك إلى كتاب ابن ماجه هذه عصب الكتب؛ الموطأ ومصنف ابن أبي شيبة، مصنف عبد الرزاق، مسند الدارمي، وصحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه. هذه الكتب يا شباب، أو ما كان تحديدا في هذه الفترة، وطبعا مسند الإمام أحمد، هذه الكتب يا شباب ينبغي أن تدمن النظر فيها، وأن تكثر النظر فيها، وأن تتدارسها مع إخوانك ومع، وكلما وجدت درساً في هذه الكتب لا تشبع من هذه الكتب.
فلفظ الصحيح يبين أن البخاري رحمه الله انتخب تحت كل كتاب أصح ما جاء فيه مما بلغه، وسنبين أنه بعد ذلك نوقش في بعض ما ذكره في الكتاب، وسنبين هذه المسالة في موضوع إن شاء الله. لفظ المختصر شباب، لفظ المختصر هو الجامع الجامع المسند الصحيح المختصر، مختصر لأنه انتخبه مما عنده من الروايات. كيف هذا يا شباب؟ أنا أريد منك أن تتصور، أريد منك أن تتصور البخاري رحمه الله أو أي عالم من علماء الحديث الذين قصدوا جمع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يعيش هذا العالم؟
كان مثلاً في بخارى أو نيسابور أو البصره أو الكوفة أو مصر أو الشام، تمام، أو اليمن، فسمع من أهل بلده، ثم رحل إلى البلدان فجمع ما فيها من السنن والآثار، وأقصد بالآثار شباب ما جاء عن الصحابة والتابعين. فلما يجمع هذه ويكون عنده يعني أجزاء حديثية فيها هذه الأحاديث والآثار، يبدأ في تصنيفها. كل واحد من هؤلاء أراد أن يخدم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريقة رأى أن الواقع يحتاجها؛ كل واحد منهم الذي ألف في الجوامع، المسانيد، السنن، المستخرج، المستدرك، وغير ذلك من أبواب تصنيف العلم.
فالبخاري رحمه الله وأي واحد من هؤلاء كان واسع التلقي، كان واسع التلقي يتلقى من مختلف البلدان والأمصار، ثم بعد ذلك يصنف ذلك أبواباً؛ هذه الأحاديث المرفوعة، وهذه الأحاديث الموقوفة، وهذه الأحاديث المقطوعة يعني الآثار عن التابعين، وهذا وهذه فتاوى الفقهاء، وهذه روايات التفسير، وهذه مثلاً روايات عن بني إسرائيل، وهذه أقوال عن أئمة العلم في باب الإيمان أو العلم أو غير ذلك، فقد صنفها صنوفاً.
ثم بعد ذلك يبدأ يصنفها من باب آخر من جهة الصحة، فيصنف الصحيح، ويصنف الضعيف، ثم بعد ذلك ينتخب أصح الصحيح. فجاءت كتب هؤلاء يا شباب خلاصة بحثهم وزبدة رحلتهم في طلب العلم، لذلك حينما تجد كتاباً المنتخب أو المختصر إنما يعني يدلك على أن هذا الكتاب خلفه علم أوسع من ذلك بكثير.
فكتاب البخاري رحمه الله يا شباب من خير الكتب التي جمعت، وانتخبت، ورتبت، وصنفت، وبينت، وذكرت الحكم مدعوماً بما يبينه، وسياتي بيان ذلك إن شاء الله تبارك وتعالى، ونبين أن ما أخذ يعني من كان قبل البخاري لم يكن يعني يعتني بأن يخرج أصح ما في الباب بل بعضهم كان يخرج الضعيف، البخاري اعتنى ألا يخرج إلا الصحيح بل أصح الصحيح.
طيب، عندنا كذلك من نفس هذا الباب أن هو قال الصحيح، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. هذه القطعة يا شباب من المقدمة فيها دلالة بليغة تبين أن البخاري ذكر كل ما يخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام فترة بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترة البعثة التي امتدت لـ 23 عاماً، هذه الفترة هي الموضوع كتاب البخاري.
لذلك البخاري قد يذكر آثاراً تتمم هذه الفترة ويسندها؛ آثار عن الصحابة الكرام من أقوالهم وأفعالهم، ويعتبر ذلك سنة، لماذا؟ لأنه بيان للسنة. ما كان عليه الخلفاء الراشدون وما أجمع عليه الصحابة هو سنة رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أراد ثم دعم ذلك أيضاً بما أثر عن الأئمة والفقهاء، ووسع دلالة السنة لتشمل الآيات والأحاديث والآثار.
وهذا شباب في رأيي من أجمل من أجمل ما هدي له الإمام البخاري رحمه الله، لأن كلمة السنة يا شباب من الخطأ أن نحصرها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. السنة هي العمل، ومن أجمل ما تنبه له البخاري رحمه الله أن أدخل في أبواب العلم قبل الحديث القرآن الكريم، لأن هذه هي السنة يا شباب؛ سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي العلم والعمل، وأول العلم هو الكتاب.
فلذلك حصر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجرد الحديث النبوي تقصير، وأنا أحب كثيراً أن أستعمل القرآن والحديث ولا أقول القرآن والسنة، لأن سنة هي كل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قال: من رغب عن سنتي فليس مني. المهم أن هذا الامر مهم جداً في أن تعلمه أن صحيح البخاري رحمه الله كان قد اهتم بهذه الفترة.
من الأمور المهمة التي تحتاج أن تنتبه لها وأنت تدرس صحيح البخاري أو وأنت تتدارس، أن تعلم أن البخاري في أبواب الدين وفي كتب الاسلام، لأنه قسم الكتاب كتباً، بدأ بمقدمة عن كيف كان بدء الوحي، ثم الإيمان، ثم كتاب، ثم كتاب الإيمان، ثم كتاب العلم، ثم الوضوء، إلى غير ذلك من الأبواب الكتب والأبواب البخاري تحت كل
كتاب كان على علم بالمقالات المحدثة، والفرق التي خالفت هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام، فجعل كتابه بيانا للسنن وفقهها. وبيانا للسنن وكذلك في فقه السنن وفي فضل هذه السنن وثمرات هذه السنن. من جهة الجهة الأخرى كان نقضا لأصول هذه البدع. ومن نظر في أبواب البخاري في أبواب كتبه؛ وليكن مثلا كتاب الإيمان وكتاب التوحيد، هو بيان سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأبواب في أسماء الله ومحامده وأفعاله. وكذلك في أبواب تزكية النفس، وفي العبادة، وفي الفقه، رد على المقالات والفرق؛ رد على القدرية والجهمية والمرجئة والوعيد والخوارج والمعتزلة والمعطلة والمشبه والرافضة والنواصب ومتعصبة المذاهب، والذين تكلفوا الرأي والقياس وتركوا السنن الثابتة، ومبتدعة العباد.
نريد أن تركز في هذه الفكرة يا شباب، أعيدها مرة أخرى: احنا اتفقنا على قاعدة مهمة، حتى في مع نفسك أو مع الناس أو مع أبنائك، خير طريق وأحكم طريق لنقض البدع هو بيان سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا هو الطريق المحكم، أن يتعلم الناس السنن وبها يميزون البدع. وقد تحتاج أن تنبه على البدعة بعينها، ولكن إذا أنت نبهت على كل البدع والمحدثات دون أن تبين السنن فقد قصرت تقصيرا عظيما وكأنك لم تصنع شيئا؛ لأن المراد هو بيان الحق وبينات الحق والفرقان بين الحق والباطل، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ. فخير طريق لنقض أصول البدع هو بيان السنن في كل باب من الأبواب.
فالبخاري رحمه الله حينما يكتب كتابا، كتاب الإيمان مثلا، فهو على علم وعلى خبرة، قرأ في المقالات والفرق، وكان على خبرة دقيقة بالمقالات وأصول المقالات وحجج المقالات والشبهات التي احتجوا بها، وكان يلاحظ رحمه الله تحت كل كتاب ويفرع الأبواب التي تتضمن بيانا للسنن من جهة، وردا للبدع من جهة أخرى. فالمقالة، أشهر المقالات، المقالة يا شباب هي الفكرة، هي الأصل، هي المعنى؛ واضح؟ مثلا مقالة القدرية، هذه مقالة الذين يزعمون أن الإنسان يخلق أفعاله وأن الله لا يخلق أفعال العباد ولا يشاء أفعال العباد. والقدرية المتقدمون الذين أنكروا علم الله وكتابته للمقادير، ولكن المعتزلة ومن تبعهم يعني أنكروا مشيئة الله وخلقه لأفعال العباد، فهذه مقالة، مقالة القدر يا شباب هذه مقالة وليست فرقة، هذه المقالة قال بها المعتزلة وقال بها حتى بعض رواة البصرة الثقات أخطأوا في ذلك، فهذه مقالة.
ورد على الجهمية كما قال مثلا يراد بها تعطيل معاني أسماء الله تبارك وتعالى وأفعاله، والارجاء الذي هو إخراج العمل عن الإيمان، والوعيد الذي يتضمن تكفير مرتكب الكبيرة أو تكفير من لم يكفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يدخل في ذلك المعتزلة والخوارج. فرد على المقالات بأصنافها، رد على مقالة الرفض الذين رفضوا خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ورد على النواصب الذين نصبوا لآل البيت العداء، ورد كذلك على المعطله والمشبه، ورد على متعصبة المذاهب الذين قدموا أقوال فقهائهم على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد على طريقة بعض الفقهاء في تكلف الرأي والقياس وترك السنن الثابتة، ورد على مبتدعة العباد الذين اخترعوا طريقا لولاية الله مخالفا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد عليهم كما في كتاب الرقاق وفي غير ذلك، ورد كذلك من أنكروا العمل بخبر الآحاد أو اشترطوا شروطا باطلة لم يكن عليها سلف الأمة في العمل بالخبر، رد على كل هؤلاء.
جاء كتاب كتاب، وهذا يا شباب باب في رأي أهم كتب صحيح البخاري هي الكتب التي فيها قضايا الإسلام الكبرى، المسائل التأسيسية في دين الإسلام التي بني عليها الإسلام. وأهم الكتب التي سنعنى بها إن شاء الله تبارك وتعالى: كتاب الإيمان، وكتاب التوحيد، طبعا بدء الوحي، وكتاب الفضائل والمناقب، والفتن، والاعتصام بالسنة، وأخبار الآحاد. فهذه يا شباب هي الكتب التأسيسية؛ لأنها تتكلم في من أين ناخذ ديننا، وكيف نفقه ديننا، وترد على أصول المقالات الباطلة؛ لأن المقالات الباطلة دي يا شباب عرض لمرض، ما هو المرض؟ هو طريقة التلقي.
فمثلا احنا عندنا المنتسبون للإسلام أو بشكل عام يا شباب، بشكل عام أي انسان يتكلم يعني يريد أن يأخذ دينه أو يريد أن يأخذ ما يؤمن به أو ما يعتقده، فله مصادر، المصادر أربعة: إما عن طريق الوحي وعن طريق الرسول الذي يبين الوحي، فهذا هو الطريق الحق؛ لأن الناس لا يمكن أن يهتدوا إلى ذلك من غير كتاب الله ومن غير رسول من عند الله، هذا لا يمكن. الله سبحانه وتعالى الذي خلق هو الذي هدى، الذي قدر فهدى، فأحسن الناس عقلا من سلموا قلوبهم للوحي وللرسول الذي بين الوحي، هؤلاء أعلو على صورة لأجل العقل أن يسلم للوحي، فهؤلاء خير من يهتدي، قد يضل أحدهم بعد ذلك أو يخطئ، المهم أن المصدر الذي انطلق منه هو الوحي.
طيب، المصدر أو المذهب الثاني في -طبعا أنا هنا لا أطرح فرقا أتكلم عن أصول- المصدر الثاني هو الذين أحدثوا بدعة الكلام، وهو خليط من مذهب أرسطو أو مما اخذوه عن فلسفة أرسطو في المنطق والفلسفة والخطابة وغير ذلك من الكتب التي ترجمت، اللي هو باختصار علم الكلام. وهؤلاء جعلوا الكلام مقدما على الوحي، وما سموه الأدلة العقلية مقدمة على الوحي، وحاولوا أن يجمعوا بين الوحي وبين هذا الذي سموه عقلا، ولأجل ذلك حرفوا الوحي؛ لأنهم جعلوا عقلهم هو الأصل، وجعلوا الوحي مجرد يعني مساند أو مجرد شاهد، وما خالفه إما أن يردوه وإما أن يحرفوه الذي سموه تأويلا. فهذه المدرسة هي مدرسة المتكلمين الذين أحدثوا أصولا في من أين نأخذ ديننا، وكيف نفقه هذا الدين خصوصا في المسائل الكبرى، وأحدثوا بقى يعني مقالات متشعبه في هذا الباب تخص القرآن وتفسير القرآن وتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، وتقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد واشترطوا شروطا لقبول الخبر لم يكن عليها سلف الأمة بل انتقدها أئمة الأمة كالشافعي وأحمد وعثمان بن سعيد الدارمي وغير ذلك، وطبعا البخاري طبعا من أخص من أنكرها كما سيأتي ذلك إن شاء الله. وهؤلاء هم الذين اعتنى ابن تيمية أن يرد عليهم كما في كتابه درء تعارض العقل والنقل، فهذه المدرسة.
طب هناك مدرسة ثالثة، وهي المدرسة التي جعلت طريق الهدى أو طريق الحق في الوجد والكشف أن إيه قلبي، يعني يقولون نحن ناخذ ديننا عن قلوبنا، طريق الكشف والوجد والذوق. وهؤلاء يجمعهم أصل وهو ترك الاهتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، بعضهم يجعل ذلك عاما وبعضهم يخص في أبواب العبادة أو تزكية النفس. ويمثل ويمثل هؤلاء يعني الصوفية وإن كانوا هم درجات في هذا الباب، بعضهم قريب جدا من أهل السنة وعليه بعض الماخذ وبعضهم بعيد جدا، وهم درجات في هذا الباب.
المدرسة الرابعة هم الذين جعلوا فلسفة أرسطو هي الأصل، وهؤلاء ما من يعني يسمون بالفلاسفة، وصار يعني يرى المذهب الإشراقي أو أو هذا الذي الوجد والذوق وغير ذلك. هذه المذاهب الأربعة يا شباب لا يخرج عنها أحد في هذه الدنيا، يعني أي إنسان يريد أن يصل إلى مسألة في الدين فإما أن يكون مرجعه إلى الوحي وإلى رسول جاءه بهذا الوحي فيقتدي به ويهتدي ويجعله المنطلق والأصل والمرد والحكم والفصل عند النزاع. وإما أن يرجع إلى ما سموه بعلم الكلام أو العقليات وهي ليست كذلك، أو يرجع إلى ما يسمى بالوجد أو الكشف إن هو يأخذ عن قلبه.
وكل واحد من هؤلاء شباب اخترع حجة لتفلت من سلطان الوحي، فالمتكلمون اخترعوا فكرة تعارض العقل والنقل، يعني القانون الكلي، وحتى كان قبل الرازي لم يكن الرازي أول من تكلم بهذا القانون الذي فيه أن العقل إذا خالف، أن الوحي إذا خالف -طبعا هو يسميه النقل؛ لأنه عنده مجرد نقل أو رواية، ويسمي شوف يعني يسمي ما في عقله عقلا ثم يسمي الآخر نقلا يعني رواية، وهذا ليس صحيحا، لا يسمى نقلا، اسمه الوحي، القرآن، الذكر، الكتاب المبين هو الهدى- فاخترعوا قانون تعارض العقل والنقل، يعني ببساطة إذا أنت وصلت بعقلك إلى معنى ثم جاء في كتاب الله أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالفه، الحديث اشترطوا له شروطا ليبطلوا الاستدلال به، والقران اخترعوا فكرة الحقيقة والمجاز وصرف دلالات القرآن عن معانيها بحجه القرينة وهي استحالة أن يتصف الله تبارك وتعالى بهذه الصفات أو غير ذلك من الأمور.
إذا يا شباب لابد أن تعرف أصول، هناك أصول ومنطلقات عند هذه الفرق، ثم هناك مقالات لهذه الفرق. من الخطا البالغ أن تناقشهم في المقالة أو المسالة أو الجزئية دون أن تعرف المنطلق الذي بدأوا منه. وكان من أجمل من أجمل ما فعله أئمة الإسلام، الشافعي وأحمد، ثم بعد ذلك وعثمان بن سعيد الدارمي في رده على بشر المريسي وبعد ذلك أئمة الإسلام حتى ابن خزيمة، ثم بعد ذلك ابن تيمية رحمه الله، من أخص ما فعله هؤلاء أنهم حاولوا نقض المقولات التأسيسية لهؤلاء، ولم يكثروا من الكلام في التفريعات والجزئيات؛ لأنك إذا لم تبصر الأصل ولم تهدم الأصل فانت لم تصنع شيئا، يعني انت لم تصنع شيئا، فلذلك شباب هذه المدارس الأربعة لا يخرج عنها طريقة في الكلام عن الدين.
مدرسة الوحي وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لو الإنسان أخطأ فيه أنت لست مطالبا لست مأمورا أن تصل إلى الحق، أنت مأمور أن تجتهد في طلب الحق من سبيله يعني عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه فكرة مهمة جدا يا شباب. يعني هل معنى ذلك أن كل من يقتدي بالقران والسنه لابد أن يصل الى الحق؟ لا، لا يلزم، لكنه يسير على الطريق الصحيح.
ففرق، أنا أريد منك أن تصور شخصا أول ما تعرض له مسألة في أسماء الله أو أفعاله أو القدر أو الملائكة أو اليوم الآخر أو الجن أو مسألة في العبادة أو في الدين أو في الحكم، أول ما يخطر بباله أن يرجع إلى الوحي، إلى القرآن وأسباب النزول وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وعملا وكلام الصحابة وفقه الصحابة لهذا الحكم. هل يستوي هذا بشخص لا يخطر بباله أساسا هذه مصادر، يرجع إلى هوى نفسه أو إلى فلسفة أرسطو، والفلاسفة الإسلاميون بعضهم كان يزعم أن أرسطو هو أفضل نعمة لله على عباده، ويجعلون ما وصل إليه من النتائج هو المحكم والمرد، وحاولوا أن يطوعوا الشريعة أن يعقدوا مصالحة بين فلسفة أرسطو وبين شريعة الإسلام، ويا ليتهم جعلوا شريعة الإسلام هي المحكم وأخذوا من فلسفة أرسطو مثلا خير ما فيها، لا ده جعلوا الفلسفة هي الأصل وسموها علوم الاوائل ومدحوها وحاولوا أن يقربوها وتعبوا فيها جدا جدا، وغاية ما فعلوه هي مجرد تصورات أكثرها باطلة، وكان عندهم في الوحي الكفاية والهدى والنور بأحسن بيان وأتم حجة لو كانوا يعقلون.
لذلك شباب هؤلاء لم يخالفوا فقط الوحي، وإنما خالفوا كل ميزان، خالفوا الفطره، خالفوا العقل، كل ميزان صحيح خالفوه. لو أن يظن هؤلاء أنهم يمكن أن يهتدوا في هذه الدنيا بغير كتاب الله المنزل وبغير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا وحده ضلال، هذا أصل الضلال يا شباب.
فلذلك أنت حينما، ركز بقى هذا لك أنت، أنت حينما تريد أن تتفقه في دينك لا تبدأ من الجزئيات، لا تبدأ من المسائل، لا تبدأ من الأبواب، لا تبدأ من الفرق، من المقالات، من المذاهب المعاصرة، من النحل، من الملل، لا، ابدا من الأصل. وأصل هذا الدين يا شباب هو الرواية، أصل هذا الدين هو الأخبار التي نقلت لنا في كتاب الله وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. كل من كانت، كل من كان تأسيسه وأصله في وتكوينه في طلب العلم مبنيا على هذه القاعده المتينة هو الذي باذن الله يكون مؤهلا للدخول في كل الأبواب إن شاء الله. لماذا؟ لأن كل الأبواب تتفرع من هنا.
فمن هنا يا شباب جاءت هذه الدورات التي هي يعني تعاون بيننا في هذا المنطلق: أن تكون عنايتنا بكتاب الله وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء عن الصحابة الكرام الذين رضي الله عنهم وأرضاهم. فأنا اردت منكم أن تنتبهوا إلى هذه الفكرة، وإن شاء الله سيظهر لنا من خلال هذا الكتاب كيف أن الإمام البخاري رحمه الله -والامام البخاري يا شباب أنا حينما يخطر ببالي والله لا تدرون ما هي المعاني التي تكون في قلبي، والله إني أحبه حبا يعني أنا لم أحب أحدا من بعض الصحابة مثل هذا الرجل- هذا الرجل أرى أنه نصر دين الإسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم من اعظم الوجوه رحمه الله رحمة واسعة.
وستسترون أنه في هذا الكتاب اجتهد ليس فقط في بيان الحق وإنما اجتهد في تتميمه وتكميله، وعلمك كيف تفقه العمل بهذه السنن، وكيف تتمسك بهذه السنن، وكيف تحسن التفاعل معها. ومن وجه آخر رد على كل المقالات التي كانت موجودة قبل البخاري، قد رد عليها البخاري ضمنا في هذا الكتاب، وكان من ذكائه الكبير أنه لم يصرح إلا في مواضع قليلة جدا بهذه الفرق؛ لماذا؟ لأن المراد يا شباب ليس هو الرد على فرقة، لا، المراد إبطال هذه المقالة أيا كان القائل بها.
فكرة مركزية يا شباب، أنت حينما مثلا تكلم الناس عن الشيعة أو الرافضة، تبقى تذم لهم في الرافضة مئة سنة، الناس لا يعرفون ما هو الرفض. لذلك الله سبحانه وتعالى لم ينكر سبيل المجرمين فقط، لا، بين لنا سبيل المجرمين، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. لابد أن تستبين، الإنسان قد يكون على بدعة وهو لا يشعر.
كم من مسلم الآن يشارك في قنوات على يوتيوب وقنوات على تيليجرام وغيره تبث الإلحاد والكفر وهو لا يشعر، تبث البدعة والضلال وهو لا يشعر، صار جندياً ينافح عن المبتدعة وعن كبار المبتدعة وهو يظن أنه على خير، وتأتيه الآية والحديث بينه كالشمس يرفض اتباعها! لماذا؟ لأنه لم ينبت لحمه من الوحي، لم يتأسس على هذا الأساس المتين، فلذلك كان بنيانه إيمانه رخوها هشاً.
فهذا لذلك شباب، أنا اردت منكم أن تتطعم من الوحي يعني أشرب كده وارتوي من هذا الوحي من القرآن ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة وفقهًا وعملاً. كلما بلغتك سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتبها واعمل بها، وهذا والله خير ما في العلم، لن يبقى لك من العلم إلا هذا المعنى.
أنت إذا نظرت مثلاً إلى كتب البخاري رحمه الله أنا ذكرت لكم أن كل مقالة وكل فرقة كانت قبل البخاري رأيت أنه رد عليها، بل بعضهم رد عليهم في كتاب خاص كما في خلق أفعال العباد رحمه الله، فكان البخاري -طبعاً البخاري درس المقالات ودرس الفرق- هذا واضح جداً، بل إنه رحمه الله درس كتب أهل الراي، واضح جداً أنه درس فقه الكوفة وغير ذلك؛ لأنه في كتبه يعني يتضمن مناقشات لهؤلاء سواء في التراجم أو فيما يعلق به أو ما ينقضه به.
أنت مثلاً إذا نظرت في كتاب الإيمان والتوحيد والفضائل والمناقب والفتن والاعتصام بالسنة وأخبار الآحاد، كتاب الإيمان هو بيان لسنن النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان، وفي المقابل رد على المرجئة. والوعيد، المرجئة، المرجئة هؤلاء طوائف، المرجئة منهم الجهمية اتباع الجهم بن صفوان، والكرامية اتباع الصالحي، وكذلك الأشاعرة والماتريدية، ومرجئة الفقهاء الذين كانوا على مذهب حماد بن أبي سليمان واتبعه أبو حنيفة رحمه الله. رد على هؤلاء، ورد كذلك على الوعيد الخوارج والمعتزلة.
وفي كتاب فضائل الصحابة والمناقب رد على الشيعة والروافض والنواصب والخوارج، فأورد فيه مناقب الثلاثة الخلفاء وعائשה ومعاوية رضي الله عنهم جميعاً، فرد على الرافضه، وذكر فضل علي وفاطمة والحسن والحسين، ورد على الخوارج الذين أنكروا -طبعاً هو رد بفضائل أهل البيت على النواصب- ورد على الخوارج الذين أنكروا التحكيم وتبرأوا من علي وقاتلوه، ورد على النواصب الذين يعني نصبوا العداء لأهل البيت.
وفي كتاب القدر رد على القدرية، وليسوا فقط المعتزلة بالمناسبة، ولكن المعتزلة ومن قال بقولهم الذين أنكروا خلق الله ومشيئته لأفعال العباد. طيب، وفي كتاب أخبار الآحاد رد على من ينكرها من المعتزلة أو من يشترط فيها شروطاً بأن يكون لابد أن توافق عمل الفقهاء أو أنها لابد أن لا تخالف القياس أو نحو ذلك.
وفي كتاب الاعتصام بالسنة بين التمسك بالسنة وتقديم، شوف شوف شوف الباب، شوف كيف يقول في الباب، والله أنا احنا سنذكر ذلك إن شاء الله يعني من خلال الكتاب، ولكن أنا هنا فقط أذكر توطئة لتعرف قيمة هذا الكتاب يا شباب؛ لأن كثيراً من طلاب العلم يقرؤوا هذه الكتب لا من باب البركة أو من باب أن أنا قرأت البخاري فآكر أن هذه الكتب مجرد روايات، لا يا شباب، هذه الكتب هي أصول دينك، هذه الكتب هي المنطلقات لهذه، هذه الكتب لم تؤلف لتقرأ، هذه كتبت لتدرس، والدراسة هي ممارسة وبحث وتحاور ونقاش ومذاكرة ومراجعه حتى تلين معك هذه الكتب.
هذه الكتب لا تقرأ يعني مرة واثنين وثلاثة، هذه الكتب تكون ورداً كما لك ورد في كتاب الله تبارك وتعالى، في كتاب مثلاً شوف العنوان الجميل: التمسك بالسنة وتقديمها والرد إليها عند التنازع والرد على غلاة أهل الراي والقياس. شوف هذا مضامين العناوين والأبواب التي كان يبوب بها.
كذلك مثلاً باب ما جاء في ذم الراي وتكلف القياس، فهو لم ينكر -شوف الدقة- لم ينكر أصل القياس بالعكس، وإنما أنكر التكلف فيه. وفي كتاب التوحيد رد على الجهمية المعطلة ومن تبعهم من المعتزلة والأشاعرة وغير هؤلاء.
طبعاً الأشاعرة ما كانوا في هذا الوقت، أنا أقصيد أن هو رد على المقالة فبالتالي كل من قال بهذه المقالة يرد عليه، هو طبعاً الأشاعرة لم يكونوا موجودين في هذا الوقت، وإنما أنا قصدت أنه رد على أصول المقالات التي يدخل تحتها هؤلاء، يعني أن كل البدع التي حدثت بعد ذلك ستجد أصول ردها في هذه الكتب.
طيب، في كتاب الزهد والرقائق رد على جهلة العباد الذين عبدوا الله جهلاً أو الذين ابتدعوا ديناً لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو بالغوا في الخوف أو بالغوا في تحريم الطيبات على أنفسهم أو المبالغة في العبادة والغلو في العبادة، ونبه على القصد والمداومة والجمع بين الرجاء والخوف.
والله هذا الكتاب فخر الإسلام، نسأل الله أن يرحم عبده محمد بن إسماعيل رحمة واسعة. فمن هنا يا شباب -ركزوا بقى- فمن هذه المقدمة التشويقية أردت أن تعرف قيمة أن تقرا الكتاب وقيمه أن نجتمع على الكتاب نتدارس ونتعلم ونحاول نخطئ ونصيب، المهم أننا نحاول، المهم أننا مسكنا الطريق الصواب.
هذا مهم جداً يا شباب أنك تحاول تبدأ صح، فلذلك أدعو الله تبارك وتعالى: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. اللهم اجعلنا ممن قبل الهدى وانفعته بهذا الهدى فعلم وعلم.
وأدعو بالخير لكم أيها الشباب الكرام، أسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك فيكم وأن يحفظكم وأن يسددكم، وأنتم والله والله من خير الناس، كل من أحب الله ورسوله وكتابه وجعل وقتاً من يومه للتفقه في دين الله فهو من خير البرية. لابد أن تعرف ذلك، ولابد أن تحمد الله عز وجل، ولابد أن تفتخر بأن الله صرفك إلى هذا الباب وفي هذه الأوقات.
كثير من أبناء المسلمين ترك الدين ودخل في الإلحاد أو يعيش على مشاهدة المحرمات أو يعني يمضي وقته في أشياء تافهة وكانه خلق ليلعب ويتسلى، أنت مكرم خلقت لمعالي الأمور، لابد أن تكون حقيقاً بها، لا ترضى لنفسك بمثل السوء، لابد أن تطلب معالي الأمور، قيمة الإنسان ليست فقط ما يحسنه، وإنما قيمة الإنسان فيما يطلب.
قيمتك أن تطلب كتاب الله، خير ما في هذه الدنيا كتاب الله وتطلب بيانه من هدي نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فأي الناس اعظم نصيباً منك؟ يعني شوف الله سبحانه وتعالى -وأنا أريد منك أن تتدبر هذا المعنى الذي اكتفى به البخاري في بيان فضل العلم- والله من أبلغ ما اكتفى به: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا.
الله تبارك وتعالى الذي رضي لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الدنيا بحجرات، يعني سبحان الله ذكر في الأثر أن بعض التابعين لما أراد أن يوسع بعض الخلفاء المسجد النبوي وصارت هذه الحجرات لا يراها الجيل هدم فيها بعض الأشياء، فكان الناس يعني قبل ذلك يرون حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، فأثر أن بعض التابعين بكى، فقيل له لما تبكي؟ شوفوا يا شباب كلما تذكرت هذا الأثر سبحان الله.
قال: وددت أن تبقى هذه الحجرات ينشا ناشئ المدينة وياتي الآتي من الأمصار فينظر إلى بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا رضي الله له من الدنيا وهو خير الناس وهو سيد ولد آدم؟ لتعرف قيمة الأشياء يا شباب.
الله سبحانه وتعالى الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ، هو الذي قال له: رَبِّ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. فكل إنسان يطلب زيادة هذا العلم فهو من خير الناس، إذا نوى أن يتفقه في دين الله وأن يعمل به فهو من خير البرية، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ.
فكيف إذا كان طالباً لهذا الهدى؟ فلا بد أن تشعر بذلك أولاً، ولابد أن تعرف أنه نعمة ثانياً، ولابد أن تشكره بالعمل ثالثاً. فهذا الباب يا شباب لن يستمر لك إلا بتقوى الله. الله سبحانه وتعالى يمتحنك، الله سبحانه وتعالى فتح لك باباً من أبواب الهدى لينظر كيف تعملون، هذه الأشياء يا شباب ابتلاءات اختبارات، فإذا الإنسان اتقى ربه الله سبحانه وتعالى يسدده.
فلذلك شباب أنا أحب أن نكون أهلًا لحمل هذه الأمانة، كما أن من سبقو صبروا على هذا الدين وتمسكوا به واحتسبوا أعمارهم وكل ما لديهم من خبرات ورحلوا في طلب العلم وكانت ظروفهم صعبة جداً، الآن نحن كل شيء متاح إلينا، يعني كل شيء متاح إلينا، يعني كل يوم يصدر تقريب وتيسير أكثر من يعني أنا كانه أكثر من أكثر من المفروض، يعني الآن برامج تدوس على اسم الراوي يطلع لك قصه حياته كل كلام العلماء فيه، وتدوس على رقم الحديث يخرج لك كل الروايات الموجودة.
قبل ذلك ما ما كان موجوداً أي شيء من هذا، الله سبحانه وتعالى خفف عنا وعلم أن بنا ضعفاً فيسر لنا، لكن ليس مع كثره هذه الوسائل كثير من الناس لا يقدر هذه النعمه.
فلذلك شباب أنا يعني أشد على أيديكم، ويعني أريد أن تعرف قيمة نفسك وتعرف أنك يمكن أن تبلغ مع ألا الدرجات عند الله تبارك وتعالى، لا ترضى لنفسك بغير ذلك، لا، ربيع الراي وهو فقيه كبير شيخ الإمام مالك قال: حق على من كان عنده شيء من العلم ألا يضيع نفسه.
إياك أن تضيع نفسك، تضيع نفسك بالشهوات، تضيع نفسك بإدمان الهاتف والجدال الفارغ، لا تضيع نفسك، صن نفسك، صن نفسك بالعلم الصالح بالعلم النافع والعمل الصالح وتقوى الله.
نريد يا شباب أن نكسر الحواجز بين الناس وبين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتاب الله، نريد أن نقرب لهم هذا العلم، نريد أن نعلمهم ديننا، نريد أن نبين ضلال المبتدعة الذين يخالفون سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويروجون ذلك وتدعمهم الحكومات ولهم يعني كثير من الدعم، نريد ذلك، نريد أن يكون لنا نصيب في نصر الله تبارك وتعالى.
أنتم يا شباب بركة هذه الأمة وأنتم نورها، وعلى أيديكم إن شاء الله تبارك وتعالى ينتشر الخير، لابد أن تعلم أن أريد أن اقول لك ماذا، الذين تنبهر بهم أنت، مثلاً بتنبهر ببعض طلبة العلم أو ببعض من يبينون الحق أو يدرسون أو ألفوا كتباً أو يناظرون المبتدعة، والله يمكنك خير من ذلك إن شاء الله.
هؤلاء لم يتميزوا عنك بأي شيء إلا بوضوح الهدف والعزم والاستعانة بالله، استعن بالله، انزل من مقاعد المتفرجين إلى ميدان السباق، طريق كرامتك متاح أمامك لا يحول بينك وبينه شيء، استعن بالله وابدا ولا تنتظر أن تكتمل معك الأدوات، ابدأ بالمتاح لديك والله سبحانه وتعالى يزيد الذين اهتدوا هدى.
أول نصيحة أنصحكم بها شباب قبل أن نبدأ في المقدمات التي توطئة الكتاب إن شاء الله هي نصيحة نية الخير، شوفوا يا شباب، إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، هذا حديث جعله الأبواب في جعله العلماء عمدة من عمد الدين يبين أن العمل دافع العمل بنية لابد أن يكون لك قصد.
والأمر الثاني أنك ليس لك من عملك إلا ما نويت، يا سلام، يعني ربما اثنان يحضران الدرس يحضران نفس الدروس ويكون بينهما فرق ما بين السماء والارض بالنيه.
الله سبحانه وتعالى قال: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ. وقال الله عز وجل: قُل لِّمَن في أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ إلى آخر ذلك. القلب، إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَجْسَامِكُمْ وَلَاكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ.
لذلك شباب أريد أن تسعى في تنقية قلبك، ليس عندك وقت للحسد والتربص واصطياد الأخطاء، املك نفسك عن شهوات قلبك، يعني كلما يجول في قلبك خاطرة لفعل السوء أو الشهوات، لا تظنن أنها مجرد سيئة وتعدي، لا يا شباب، المعصية فيها أمر آخر، وهي كما أنها إثم فهي صارفة لك عن الخير.
وهذا معنى يا شباب: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا، دساها يعني وضع رأسه في التراب، يعني كأنك كان المفروض أن ترفع نفسك إلى أعلى الدرجات فانت وضعتها في التراب، فكل من اشتغل بشهوة أو معصية فقد اشتغل عن الخير، عن الحق، عن النور، عن الهدى.
افهم هذا جيدا؛ لأن بعض الشباب يقول والله هي ايه المشكلة يعني هي معصية وبتوب منها، لا، هي مش المشكلة في أنها معصية وتتوب منها، لا، المشكلة أن هذه المعصية سجن يكبل ويحبس ما عندك من القدرات والمواهب.
املُك نفسك واستعن بالله واصبر وجاهد، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ. تمسك بالله، استعن بالله، اكتب جدول أعمال واضح وابدأ فيه، وتوضأ أكثر من الوضوء والصلاة، وعب رياضة ونظم يومك، أبعد نفسك عن الجدل الفارغ الذي لا.
يفيد شيئاً، قلل وجودك على الإنترنت إلا فيما فيه خير. ابدأ خطة الشرف، والله يا شباب أنت يعني عمر الإنسان الذي هو يعني يصنع فيه لنفسه شيئاً من ١٨ سنة إلى ٤٠ سنة، هذه الفترة يعني أنا أقول يا شباب من فاته هذه الفترة ولم يكون نفسه فيها يصعب عليه جداً أن يصنع لنفسه شيئاً محترماً في أي باب من أبواب الخير، قد يستطيع لكني أستبعد ذلك. يا شباب هذه جوهرة، هذه زهرة شبابك إياك أن تفرط فيها، كل وقت عندك يمكن أن تعمره بالعمل الصالح والعلم النافع، لابد أن تفهم أنك لست مخلداً، احرص على ما كان يحرص عليه رسول الله وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك يا شباب هذه هي المقدمة الأولى وهذا هو القول الذي ذكرته لكم، وصية ابن تيمية رحمه الله بعدما وصى بعض من استوصى واستنصر، بأن وصاه ابن تيمية بأن يكثر النظر في صحيح البخاري وقال إنه يعني أجلّ ما أُلف في هذه الكتب.
ثم نبهه فقال: فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك يعني من الكتب والمعلومات، ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالة. يبقى هذا يبين يا شباب أن طيب المعدن، ركز معي يا طيب المعدن، يجعل القدر الذي يبلغك تنتفع به، هذه مهمة جداً، وكلما بلغك شيء عملت به، دي فكرة مهمة، يبقى كلما وقفت على معلومة أو حديث فهمته، وكلما بلغك شيء عملت به، وهذا هو الذي يتبقى لنا من العلم. أذكر موضوعات يا شباب لهذه المقدمة إجمالاً، وأنا أعرف أن كثيراً من الشباب عنده عجلة يريد أن ندخل بسرعة في الكتاب، وهذا في رأيي من أخص مشكلات الشباب؛ يريد أن يدخل في الكتاب وبسرعة، يريد أن ينهي الكتاب وبسرعة، يريد أن يدخل في كتاب آخر وبسرعة، ينتقل إلى دورة أخرى وبسرعة. لا يا شباب، لابد أن تعرف أن العلم يؤخذ باباً باباً، وهذا العلم له مقدمات، والنبي صلى الله عليه وسلم لما أسس أصحابه على الإيمان لما نزل القرآن زادهم إيماناً ونوراً وهدى، فلابد أن تفهم أن هناك تأهباً للكتاب، هذا التأهب يا شباب هو الذي يبصرك بالكتاب ويجعلك تقرأ الكتاب بعين مختلفة. يعني أحياناً مثلاً أنت تقرأ كتاباً تقول سبحان الله والله طيب أنا قرأت هذا الكتاب ولم أقف على هذه المعاني، لماذا؟ لأنك أساساً لا تعرف كيف تدخل على الكتاب. الكتاب يا شباب له جو، له كما يقال طقس أو مناخ، فهذا مهم أو مناخ يعني زي ما بيقولوا الذي هو يعني جو، فأنا هنا يا شباب أدلك على بعض المفاتيح التي تعرف بها كيف سنقرأ هذا الكتاب ونتدارس، إن شاء الله تبارك وتعالى.
أنا أحب من هنا أن يتكفل بعض الشباب ببعض المهام لأن خلاص نحن صرنا أسرة واحدة إن شاء الله، فيعني بعضكم سيقرأ وبعضكم سآكله بتكاليف؛ منها مثلاً بعضكم سيجمع أسماء الفقهاء الذين يذكرهم البخاري، وبعضكم سيتكفل بذكر أسماء الصحابة ومحاولة حصر أهم الرواة المكثرين الذين تدور عليهم الأسانيد، وبعضكم مثلاً سيهتم بالأحاديث المنتقدة على البخاري وكيف أجيب عنها أو كيف حاول البخاري أن يحمي هذه الأحاديث، وبعضكم سيهتم بالرواة المتكلم فيهم في صحيح البخاري، وبعضكم يهتم بالمعلقات، يعني سنحاول أن نعمل على مبدأ التخصص والتكامل، عندنا هيكل لدراسة هذا الكتاب ثم يكون كل فرد منكم مشاركاً ومتفاعلاً، الله تبارك وتعالى. وأنا أحب أن يكون الطالب منتجاً وليس مجرد مستهلك، وأنت عندك قدرات كثيرة جداً، لا أحب منك أن تتعود على البلادة أن تأخذ المعلومة جاهزة، فلو أن واحداً منكم يا شباب يتكفل بعمل فهرس لهذه الدروس، مثلاً أنا تكلمت عن فكرة معينة في الدقيقة الفلانية، تكلمت مثلاً عن قيمة كتاب البخاري، أو مثلاً تكلمت عن موضوع الدورة أو مقدمات الدورة، أو تكلمت عن شرف طلب علم الحديث، أو تكلمت عن نشأة علوم الحديث، فهو يكتب العنوان ويكتب بجواره الدقيقة أو الوقت الذي كان فيه.
بداية يا شباب أنا أحب أذكر، لأن في بعض الشباب أنا كنت متأكد أن هذه الدورة سيكون عدد الملتحقين فيها أكثر بكثير من الدورات السابقة، إما لأنهم استعدوا بالدورات السابقة أو لأنهم يتشوقون لقراءة هذا الكتاب الذي هو في رأيي أشرف ما صُنف في الإسلام، وأكثر ما يحتاجه الطالب، طبعاً لا يكتفي به بلا شك والكتب جسد واحد، ولكن هذا الكتاب كتاب تأسيسي، فلأجل أن بعض الطلاب التحقوا بنا مؤخراً، أريد أن أنبه لأني طبعاً في أثناء الكتاب سأذكر فوائد كثيرة خاصة بعلوم الحديث وبمسائل الإيمان وغير ذلك، فلابد أن يعلم الطلاب أن هذا الكتاب ليس ما نبدأ به؛ هناك دورات انتهت بحمد لله كثيرة في دورات سابقة في دراسة كتب الأئمة، وكذلك في علوم الحديث وفي غيرها من كتب ابن تيمية وكتب الإيمان. أذكر الآن يا شباب بأهم المقدمات التي أحاول أن أستوعبها اليوم إن شاء الله، أشوف يمكن نأخذ محاضرة أخرى إن شاء الله أيضاً؛ لأن إحنا الآن ساعة وربع فبقي لنا ٤٥ دقيقة، إذا استطعنا أن ننهي هذه المقدمات سنبدأ إن شاء الله في المحاضرة القادمة من قراءة البخاري، وإن شاء الله نحاول أن ننهي هذه المقدمات.
المقدمات يا شباب عندنا: وصف الدورة، وقيمة الدورة، وأهداف الدورة، وطريقتنا في الدورة، وعندنا مقدمة موجزة يحتاجها الطالب إذا أراد أن يقرأ في كتب السنن والآثار ليتعرف على هذه الكتب وكيف يقرأ هذه الكتب، وعندنا كلام مختصر جداً عن أهمية دراسة علوم الحديث، وعلوم الحديث أو نشأة علوم الحديث إلى عصر البخاري، هذا مهم جداً لتعرف كيف بنى البخاري كتابه، وكلام عن مصنفات تدوين السنة؛ لأن البخاري يا شباب ما هو إلا حلقة في سلسلة شريفة عملت على جمع السنن وانتخاب أحسن ما فيها وتصنيفها. وكذلك لابد أن تعرف الدواعي التي صنف لها البخاري؛ لأن بمعرفة الدواعي والمقاصد ستعرف دلالات تبويبات البخاري رحمه الله، ثم يكون الكلام عن صحيح البخاري، كنت أرى أن نقرأ مع بعض ترجمة البخاري من سير أعلام النبلاء لنعلم كيف تقرأ التراجم وتنتزع منها الفوائد، ولكن ربما نجعل هذا واجباً أو تكليفاً للطلاب ونكلمهم بأن يكتبوه ويذكروا أهم الفوائد التي أخذوها. ثم بعد ذلك سنتكلم عن اسم الكتاب وعن أهدافه وعن ماذا أضاف هذا الكتاب لما سبقه، ونتكلم عن أهم الدراسات حوله؛ لأن الطالب الذي يريد أن يدرس هذه الكتب يحتاج أن يعرف الدراسات حوله لتكون معينة له، ثم نتكلم عن كيف سنقرأ هذا الكتاب وما هو دفتر الفوائد الذي ينبغي أن يكون معك، لأنه لازم لما تقرأ الكتب يا شباب يكون معك دفتر تجمع فيه الفوائد وتصنفها.
بداية يا شباب، أول عنصر عندنا هو التذكير بالدورات المنتهية؛ نحن ولله الحمد مر معنا دورات سواء في تهيئة الطالب مثل مثلاً رفع كفاءة طالب العلم ومفاتيح النجاح، وعندنا دورة كانت الآيات الجامعة في كتاب الله، ودورة تهيئة المسلم بعنوان تهيئة المسلم للفقه في الدين، ودورة دي تعتبر حاولت أن أذكر فيها خلاصات يحتاجها أمثالكم ممن يدرسون عن بعد، هي نصائح وتوجيهات للدارسين عن بعد، هذه الدورة ١٦ محاضرة بعنوان نصائح وتوجيهات للدارسين عن بعد، وعندنا سلسلة مصنفات ابن تيمية التي قرأنا فيها ٦٠ رسالة لابن تيمية رحمه الله في أبواب تزكية النفس والإيمان واتباع النبي صلى الله عليه وسلم والأخلاق وغير ذلك، وسيكون عندنا إن شاء الله تتميم لهذه السلسلة سنبدأ الكتاب رقم ٦١ وهو في هذه السلسلة كتاب الاستقامة. عندنا كذلك أخذنا كتاب الرسالة للإمام الشافعي في حوالي ٣٣ درساً، وأخذنا كتاب النهج المبتكر في علوم الحديث شرح نخبة الفكر ولغة المحدث للشيخ طارق عوض الله، وكتاب تحرير علوم الحديث، وأخذنا مقدمة مسلم، أخذنا طبعاً الدورة التي فاتت كانت عن الكتب التأسيسية في علوم الشريعة وكيف نقرأ هذه الكتب ولماذا ينبغي للطالب أن يكون له عناية بهذه الكتب وكيف ننتفع منها.
دورة البخاري، السؤال يا شباب ما قيمة هذه الدورة؟ يعني ما قيمة هذه الدورة التي يمكن أن تضيفها هذه الدورة لك في بنيانك كطالب علم؟ كتاب البخاري يا شباب في رأيي إن صح أن يسمى كتاب بعمدة الأحكام فهو كتاب البخاري، وهذا الكتاب يا شباب مدخل، يعني الكتاب بدأ بمدخل عن بدء الوحي والإيمان والعلم، ثم بدأ في بيان سنن النبي صلى الله عليه وسلم في كل أبواب الدين وحجج هذه السنن وفقه هذه السنن وآثار هذه السنن وفضائل هذه السنن وأحكام هذه السنن، ثم رد على البدع والشبهات والمحدثات والمقالات في الإيمان والفقه والخلق والتزكية والعبادة، يبدأ بالمحكمات والكليات ثم يفرع، وهذا الكتاب يكفي ثناء الأئمة عليه. أبو عبد الرحمن النسائي أحد أكابر أهل العلم في جمع السنن ونقدها ومن أكابر علماء الجرح والتعديل، الإمام النسائي رحمه الله قال: ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل. والثناء عليه كثير، حتى ابن تيمية لما أراد أن يلخص لصديقه الذي أو للرجل الذي سأله عن العلم فقال: وأما وصف الكتب والمصنفين فقد سمع منا في أثناء المذاكرة ما ييسره الله سبحانه، وما في الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من صحيح محمد بن إسماعيل البخاري، لكن هو وحده لا يقوم بأصول العلم، طبعاً بين أنه يتممه غيره.
فكتاب البخاري يا شباب هو نواة، هذا مهم جداً، كتاب البخاري نواة من أعظم ما يتأسس به الطالب ومن أحسن ما يتبصر به الطالب ليعرف كتب العلم ويعرف مسائل العلم وأبواب العلم ويعرف من هم الفقهاء ومن هم المعتبرون، ليس مجرد أحاديث وآثار، ولا هذا كتاب جامع تتعرف به على فقه الشريعة وعلى حتى علوم الحديث وأصناف من المهارات، وكلما ازددت علماً بالحديث وعلومه والفقه والعربية والتفسير ستبصر الصناعة والإبداع في هذا الكتاب. هذا الكتاب صرح واسع شامخ عظيم متين رحمه الله رحمة واسعة، جمع أعلى ما يتصف به مصنف، جمع الهمة على هذا الباب وانتخب أحسن ما فيه ويسره وسهله ودفع عنه الإشكالات وحماه ووظف الآثار وأثبتها، وكان عنده جرأة في بيان الحق وفي رد ما يخالفه، وكان حكيماً في الترتيب والبيان والعرض، وتظهر تقوى الله تبارك وتعالى في هذا الكتاب، الحرص على ما ينفع والنصيحة للمسلمين والحكمة في اختيار أصح ما يحتاجه المسلمون والصبر على التحصيل والاجتهاد والرحلة في طلب العلم والتثبت والتقصي وطول النفس في معالجة المسائل وإسناد الفوائد إلى أصحابها والاهتداء بسنن النبي صلى الله عليه وسلم والمذاكرة والمراجعة والانتفاع ممن سبقه والتصحيح والرجوع عن الخطأ، هذا الكتاب يا شباب هو زبدة زبدة رحلة الإمام البخاري في هذه الحياة، فرحمه الله ورضي الله تبارك وتعالى عنه وجزاه الله عنا خير الجزاء.
أهداف هذه الدورة مهمة يا شباب، ما هي أهداف الدورة؟ تكلمنا عن قيمتها أو شيء من قيمتها، أهداف هذه الدورة أولاً لماذا هذه الأهداف لتعرف كيف سنتدارس هذا الكتاب؟ نحن يا شباب مدارسنا لهذا الكتاب لها أغراض لابد أن تفهمها وتصحبها؛ أولاً: الاجتماع على التفقه في الدين والحث على قراءة الكتب، هذا ثانياً، ثالثاً: شرف القراءة في كتب السنن وخصوصاً التي جمعت أصح ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف أبواب الدين واهتمت بالعهد النبوي وما يتممه، كذلك رابعاً: وهذا مما أحب أن تذكروا أنفسكم به حتى تكتب ورقة أمامك الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يعني بركة القراءة في السنن في أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، خامساً: العلم بجهود رواة الحديث ونقاده والمصنفين في تبليغ السنن والآثار وبيانها، الإنسان يا شباب المسلم قد يكون الدافع الكبير له أن يرى تجارب هؤلاء العلماء في نصر الإسلام وفي الاجتهاد في بيان السنن والعلم وجمع الحديث وبثه بين الناس، هذا يا شباب باب من الهدى، أنك تتعرف على جهود هؤلاء من جهة المجهود ومن جهة الفن حتى تنتفع أنت منهم، يعني كيف ييسروا لنا هذه السنن وبلغوها.
سادساً: التماس فقه البخاري وطرائقه في الجمع والتصنيف وعلل الحديث، يعني تأليف البخاري كيف ألف هذا الكتاب؟ سابعاً: معرفة من هم الأئمة، من هم الفقهاء، من هم الذين تؤخذ عنهم الفتوى، سواء من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى القرن الثالث الهجري، وهؤلاء أهم طبقات العلماء في كل علم في الرواية والتفسير والعلل والحديث والرجال والتاريخ، فأنت بقراءتك ستجمع عدداً كبيراً جداً من أسماء هؤلاء. ثامناً: مراجعة، وده مهم جداً يا شباب، هذا الكتاب مراجعة تطبيقية لعلوم الحديث، نحن أخذنا أبواباً في الحديث، علم مصطلح الحديث والرجال والعلل ومصنفات السنن والعلم بالرواة ومراتبهم ومن الرواة الذين تدور عليهم الأسانيد ومعرفة أصحابهم ومنازلهم، وسيثبت عندك قدر كبير من هذا يا شباب، بكثرة قراءتك للأسماء سيتكرر معك الاسم كثيراً جداً، فسيثبت معك الاسم وستعرف من هم الرواة المكثرون من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ومن هم مشايخ البخاري، وستعرف الصنعة الحديثية، لماذا مثلاً يأتي في بعض الروايات فيعضدها بشواهد أو متابعات أو نحو ذلك، من كثرة القراءة سيثبت عندك ذلك إن شاء الله. تاسعاً: وهو من أهم المقاصد التركيز على.
الأبواب التي فيها الكلام عن إخلاص الدين والإيمان والاعتصام بالكتاب والسنة وتزكية النفس والتوحيد ونحو ذلك، وهذه الكتب ستكون مراجعة لنا على المسائل التي درسناها.
عاشراً: تنبيه أبناء الجيل على هذا الكتاب العظيم. هذا يا شباب لو لم يكن في قراءتنا لهذا الكتاب إلا أن أنبهك فقط على قيمة الكتاب، وأن تفتح الكتاب، وأن يكون لك ورد فيه، لكان باباً عظيماً من الخير. لابد أن تستصحب هذا الكتاب، وأن يكون لكم ورد ثابت في هذا الكتاب. شباب، الذي يعتمد على مختصر البخاري قد ضيع أجمل ما في البخاري؛ المختصر جميل فيه تيسير، لكن الذي يريد أن يعرف الكتاب لا يمكن أن يأخذه من المختصر. المختصر يا شباب ماذا فعل؟ جاء إلى رواية واحدة فانتزع هذه الرواية من كتابها وبابها، ثم رتبها ترتيباً معيناً. البخاري قد يذكر الرواية عشرين مرة في كل موضع يستنبط منها جمالاً ومعاني مهمة، فلذلك أنا كثيراً ما أبين أن هذه المختصرات مجرد مقدمة وليست نهاية، فهذا مهم جداً يا شباب.
أكثر أبناء جيلنا وإن كانوا يحبون البخاري ويحبون السنن، إنما حبهم موروث أو عن طريق العاطفة والتقليد، يعني يقول لك: وإحنا هنغلط في البخاري؟ لكنه لا يعرف هذا الكتاب ويقبل التشكيك فيه. لذلك الشباب الذين يسعون في الصد عن سبيل الله من أخص مشاريعهم الطعن في رواة السنن وفي كتب السنن، وما ذلك إلا طعن في السنة ليردوا الاحتجاج بها، ومع القرآن يحرفونه ببعض المناهج الباطلة في قراءته، مثل التاريخية والأنسنة والتأويل وغير ذلك مما يقرؤون به القرآن ويحرفون به معانيه.
لذلك يا شباب لن يكشف هؤلاء ولن يرد عليهم إلا بجيل من أمثالكم، جيل يعرف دين الإسلام كيف وصل إلينا، ويعرف صناعة هؤلاء العلماء ليدافع عنهم بعلم وليس بمجرد عاطفة. الواجب أن تعتني فئة من الشباب بهذه الأمور، يعني أنا لا أفرض على كل الشباب أن يفعلوا ذلك، وأعلم أن أكثر الشباب يعني أصلاً لا يفكر في هذا الطريق، ولكن لابد أن يكون من الشباب من يهتم بذلك. هذا والله يا شباب من أعظم ما ينصر به دين الإسلام، إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. فلا بد أن تعرف شرف طلب الحديث أو شرف دراسة علوم الحديث.
يا شباب، طلب العلم عموماً له شرف تماماً، مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. وعلم الحديث هو الاشتغال بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وصفة وإقراراً وآثار الصحابة؛ يعني هذا باب عظيم من الفقه في الدين، وخير ما يفهم به كتاب الله تبارك وتعالى. أنا هنا يعني كتبت قولاً للبخاري تقريباً قبل يمكن سبعة عشر عاماً؛ كنت أقرأ في ترجمة البخاري وأستخلص منها الفوائد، أقسم بالله أن هذا القول الذي قرأته للبخاري كان دفعة من الله تبارك وتعالى جعلتني أشتعل نشاطاً في طلب العلم. والله بعد قراءة هذا، قبل يعني قبل قراءة هذا الأثر كنت يعني على شيء وبعده كنت على شيء؛ كلمات بسيطة لكن بارك الله فيها ونفعني الله بها.
البخاري أملى حديثاً كثيراً على تلميذه الفربري، اللي هو روى لنا هذا الكتاب، وسياتي معنا في الكتاب بعض ذكر الله، قال الفربري: والفرايد مع البخاري ويرى صلاته وعبادته، وكان يحكي في ذلك كثيراً. فقال الفربري: أملى علي البخاري يوماً حديثاً كثيراً، يعني أكثر، البخاري كان همته كالجبال رحمه الله وكان سنه كبيراً، وتلميذه كان شاباً وتلميذه يقول: ما استيقظت في أي وقت إلا وجدته قائماً يصلي لله. الفربري يقول: لما البخاري أملى علي حديثاً كثيراً خشي ملالي، حاسس أن أنا مللت زهقت يعني، سئمت، فقال، شوف الكلام يا شباب، شوف لما يكون الإنسان يستشعر قيمة ما يفعل يهون عليه ما يبذل، فقال البخاري له: طب نفساً، يعني خليك مبسوط أفرح، فإن أهل الملاهي في ملاه، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجارتهم، وأنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
يا سلام! والله لو لم يكن في قراءة السنن سوى أنك تنتقل من هذه الحياة إلى أن تعيش في هذا العهد النبوي، تعيش مع أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وتصرفاته ومشاهده، وتعيش مع الصحابة الكرام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والله لو لم يكن في ذلك إلا هذا المعنى لكفى لتهتم بهذا الباب. أيضاً من الأمور المهمة يا شباب أن تتعلم السنن؛ لأنك كلما قرأت تعلمت حكماً فقهياً، تعلمت سنة، تعلمت فضلاً من فضائل الأعمال، قيده واكتبها. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً، بعضهم يضبطها نظر، نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ. لابد أن تنوي أن تبلغ هذه السنن.
أذكرك هنا ببعض الأمور: صلاح النية، أن تنوي أن تعلم الناس وأن تنشر ما تتعلم، والتحلي بالأخلاق الحسنة. أبو عاصم النبيل، وهو من أكبر شيوخ البخاري، قال: من طلب الحديث فقد طلب معالي الأمور فيجب أن يكون خير الناس. والخطيب البغدادي ينبهك على معنى جميل، يقول: الواجب على طلبة الحديث أن يكونوا أكمل الناس أدباً، وأشد الخلق تواضعاً، وأعظمهم نزاهة وتديناً، وأقلهم طيشاً وغضباً، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين وآثار الماضين، فيأخذ بأجمل وأحسنها ويصدف عن أرذل وأدناها.
في معنى جميل يا شباب لازم تنتبه له، أنت تعرف أن الإنسان بيتأثر سلوكه وخلقه بما يعيش عليه، يعني مثلاً كما يقال، إن الله سبحانه وتعالى قال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا. فيا شباب، أمر مهم دقيق لازم تفهم أن من تخالطه لابد أن تتأثر به بخلقه، بقوله، بلسانه، لازم ستتأثر به. فأنا أريد منك أن تتصور شخصاً جعل جزءاً من يومه كل يوم يقرأ في أقوال وأفعال ومشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام؛ ألا يؤثر ذلك فيه؟ والله لو حسنت نيته لتتغير حياته كلها. أقسم بالله حديث واحد يمكن أن تسمعه يفتح لك باباً من الهدى كان مغلقاً عليك، وربما يكون هذا الحديث يعني يقرؤه غيرك ولكن يفتح الله عليك به.
لذلك يا شباب، فكرة مهمة جداً يلفت نظرك إليها الخطيب البغدادي رحمه الله، وهو من علماء الحديث الكبار صاحب تاريخ بغداد وكتاب الجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع؛ يقول لك: أنت تعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، ترى أدبه وخلقه وتصرفاته وأفعاله، وترى كيف كان الصحابة الكرام، فلا بد أن يؤثر ذلك فيك. فإن لم يؤثر فيك، فهذا أمر لابد أن تقف معه، لأنك يعني مجرد انتسابك لعلم الحديث لا يغني عنك شيئاً إن لم تكن حقيقاً به، مَن بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ.
أهمية دراسة الحديث يا شباب مهمة؛ كثير من الناس يحتاج أن يعرف لماذا ندرس الحديث؟ يقول: طيب ما إحنا خلاص الأحاديث موجودة في الكتب، ومثلاً المشايخ فلان وفلان حقق الأحاديث وبين الأحاديث الصحيحة من الضعيفة. لازم تفهم يا شباب أن حتى لو هذا موجود، وهذا ليس صحيح -يعني العلم ما يزال يحتاج إلى بيان ونشر- لكن أنا أريد أن أبين لك معنى مهماً: ألا تريد أن تكون حلقة في هذه السلسلة الشريفة؟ يعني أنت بتقول طيب هم خلاص كفوا ووفوا، جميل، طيب ألا ينبغي أن ننقل نحن هذا العلم إلى أبناء جيلنا ومن جاء بعدهم؟ هذا، هذه فكرة. أنت تقول لا خلاص إحنا انتهينا من هذا الأمر وأنا لماذا أدرس؟ طيب ما الأحاديث موجودة؟ طيب اسأل أحداً يقول لي صحيح. وأين الاجتهاد؟ أين مرتبة أن تجتهد في الدين، وأن تبذل، وأن تتسابق، وأن تتعلم؟ لا، تعرف طريق العلم يحجز عليك كثيراً من الشر، والشيطان والنفس الأمارة بالسوء يعملان في مساحات الفراغ من نفسك، فلذلك الشيطان يصدك عن العلم بأشياء كثيرة، بشهوتك، بمعاصيك، بالجدل، بالهاتف، بإضاعة الوقت، باللعب، بالألعاب؛ بقى أشوف شاب يحرق زهرة شبابه، يقعد يلعب على الإنترنت والألعاب، مش عارف لعبة إيه، والله حاجة يعني كيف يفكر هؤلاء؟ أنت تحرق زهرة شبابك! طلب العلم والفقه في الدين من أحسن ما يتقرب به إلى الله لمن حسنت نيته.
علم الحديث يا شباب قيمته أن تعرف أن كل العلوم ترجع إلى أمرين: الرواية والتفسير؛ كل العلوم ترجع إلى ماذا؟ إلى ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وإلى فقه ذلك الذي أثر، سواء في القرآن أو في الأحكام أو غيره. علم الحديث بقى يمثل هذا الجانب، يمثل هذا الجانب اللي هو نقد الروايات، العلم بالروايات، أنك تعرف مصادر تدوين السنة، وأن تعرف شروط أصحابها، وأن تعرف كيف رتبوا كتبهم، وأن تعرف كيف تنتفع منها وترجع إليها وتجمع طرقها، وأن تعرف كيف تترجم للراوي، وتعرف الحكم على الحديث، وتعرف كتب الرجال، وتعرف كتب العلل، كل هذا يا شباب أمر عظيم، وتعرف السنن، فهذا مهم جداً.
كذلك التمكن من نشر السنن الصحيحة؛ أنت حينما تتكلم في دين الله، كما قال الشافعي: من تعلم الحديث قويت حجته، وهذا من أحسن ما لخص به الشافعي قيمة علوم الحديث، قويت حجته. علوم الحديث لا تقويك فقط بإذن الله من باب أنك عندك علم بالأحاديث، لا، يعطيك ملكة نقدية؛ لأن أشرف منهج اتبع في النقد على وجه الأرض هو منهج المحدثين، منهج بديع، يبحث عن قواعد نقد الراوي، ويزن الرواية بغيرها، ويفرق بين الحكم العام على الراوي والحكم الخاص على الرواية المعينة، حكم دقيق جداً. فمن كثرة قراءتك لطرائق النقاد تتربى فيك ملكة نقدية ليس فقط في علوم الحديث، ولكن في عامة أمور حياتك إن شاء الله. لذلك الإمام أحمد رحمه الله بين هذا، وطبعاً من المعاني الجميلة أيضاً التحذير من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة التي انتشرت بين أيدي الناس، وأن تدعو على الله على بصيرة.
الإمام أحمد رحمه الله قال، كما في كتاب الآداب الشرعية لابن مفلح، قال: ما أعلم الناس اليوم في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان، فقيل له لما؟ قال: ظهرت البدع، فمن لم يكن عنده حديث وقع فيها. يا سلام! شوف الإمام بيتكلم عن إيه؟ الإمام بيتكلم عن العصر الذي سمي بالعصر الذهبي لعلوم الإسلام وللسنن خصوصاً، فهو يتكلم عن هذا العصر، فيقول إن العصر هذا لابد أن ينشر بين الناس الأحاديث الصحيحة، فقالوا لماذا؟ قال: لأن البدع انتشرت. فهو كأنه يقول: خير طريق لدمغ البدع وتمسح هذه البدع تعلم السنن وفقه السنن ونشر السنن. وكذلك الحاكم رحمه الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري في كتابه معرفة علوم الحديث، قال: لما رأيت البدع في زماننا كثرت ومعرفة الناس بأصول السنن، قلت: ما أعانهم في كتابه الأخبار في كتابه الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال والأخف، يعني يجمعون فقط الأحاديث دون نقد، قال: دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علم الحديث مما يحتاج إليه طلبة الأخبار المواظب على كتابة الآثار.
لذلك يا شباب هؤلاء الأئمة تنبهوا إلى هذا الأمر، ينبغي أن تكون علوم الحديث يشتغل بها فئة من المسلمين، وأنا في رأيي يا شباب أن كل من استغل شبابه في العلوم التأسيسية وأخص علوم الحديث، هذا يكون قد وفق؛ لأن علم الحديث علم يحتاج مجهود متشعب، كتبه كثيرة، فلذلك كلما قدمت وبكرت به كان أفضل.
أنا أحب أن نقف هنا في هذه المقدمة، ويعني أخذنا ساعة وأربعين دقيقة، لا أريد أن أطيل عليكم، وغداً إن شاء الله سيكون عندنا المقدمة الثانية، سنتكلم فيها عن نشأة علوم الحديث والمصنفات وأصناف هذه المصنفات، وكيف استفاد منها البخاري رحمه الله، ثم كيف أسس كتابه ونظمه ورتبه، وما الذي أضافه البخاري رحمه الله إلى هذه الكتب، وكيف سنسير في هذه الكتب، نضع الخطة غداً إن شاء الله، يعني ما هي الأوراق التي تكون أمامك، وكيف تقيد الفوائد، وكيف توظف هذه الفوائد وتصنفها، وكيف تراجع الكتاب، إلى غير ذلك من المعاني.
أرجو أن أكون يعني شجعتك، وشحذت هممكم، وأنتم فيكم خير، وكثير من الناس يحتاج فقط يعني تنبيهاً أو إيقاظاً لهمته، وفيكم خير وبركة. أسأل الله أن يبارك فيكم، وأن يحفظكم، وأن يصرف عنكم الشر والسوء والأذى، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، وأن يكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعلنا من الراشدين. ونسأله علماً نافعاً وعملاً متقبلاً، ونسأله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وهذا الدعاء يا شباب أحب منكم يعني أن تدعوا لنا ولكم به، نسأل الله تبارك وتعالى ألا يحول بيننا وبين التفقه في الدين والعمل به شيء، وهذا من أكثر الأدعية التي أدعو بها، أرجو الله ألا يحول بيني وبين التفقه في الدين ونشر هذا العلم شيء، وأن يكون لنا نصيب في من نصروا الله ورسوله وكتابه وسنة نبيه. أشرف ما يمكن أن تلقى به ربك أن تكون جنداً من جنوده. يا سلام! شوف، شوف المعنى، أن تعيش مش بس إنسان منتمي للدين، لا تعيش ناصراً للدين، تشعر أنه هو دينك ده، ديني هو.
أنا محتاج حد يوصيني على ديني، هذا ديني. إياك أن تكون من الصنف الذي ينتظر من يشجعه، ومن يحفزه، ومن يثني عليه، ومن يكافئه. لا، لا؛ الدافع في داخلك. تريد أن تحيا ناصراً لدين الله، والحياة في سبيل الله لا تقل عن الموت في سبيل الله.
والحياة في سبيل الله أن يكون لك مطالب في هذه الدنيا، وأن تجمع قلبك على هذه المطالب، وأن تكسر الحواجز التي تحول بينك وبين هذه الشواغل؛ تقتلك وتضيع مواهبك. فاستعن بالله، وأكثر من دعائه، واشكر نعم الله تبارك وتعالى عليك بالعمل.
بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيراً، وأحسن الله إليكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق