دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نححمد الله سبحانه وتعالى ونثني عليه، ونستفتح المجلس الحادي والعشرين من مجالس غيث الساري من هدايات البخاري. ولا زلنا في كتاب الإيمان، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب الصلاة من الإيمان.

قال حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا زهير قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون وقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك.

قال زهير حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندري ما نقول فيهم، فانزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143].

الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول في ذكر شيء من الصنعة الحديثية والإسنادية، لدينا في هذا الإسناد أبو إسحاق السبيعي، لدينا أبو إسحاق السبيعي اللي هو عمرو بن عبد الله. أبو إسحاق السبيعي هذا أحد الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث كما سبق الحديث عنهم، قلنا إن علي بن المديني رحمه الله يقول: أسانيد الحديث الصحيحة تدور على ستة؛ الزهري في المدينة، وعمرو بن دينار في مكة، وأبو إسحاق السبيعي والأعمش في الكوفة، وقتادة ويحيى بن أبي كثير في البصرة. أبو إسحاق السبيعي تقريبا أكبر هؤلاء الستة من حيث التقدم، يعني أنه من حيث الإدراك هو يروي عن البراء رضي الله تعالى عنه كثيرا، ومن المهم كذلك معرفة أصحابه من أصحاب أبي إسحاق الذين أكثروا عنه ورووا عنه، هناك طبعا عدد من الأصحاب؛ منهم إسرائيل حفيده إسرائيل، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج.

الوجه الثاني من الكلام على الحديث في بيان الغريب أو المشكل في هذا الحديث، بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على أجداده أو أخواله من الأنصار، والمقصود بذلك يعني ليس الأخوال القريبون، يعني ليس أخواله اللي هم إخوان أمه، ولا الأجداد اللي هم أبو الاب أو أبو الأم، لا؛ وإنما المقصود من الأخوال من أخوال الأجداد وخال الجد يقال له خال، يعني يقال مثلا هذا نزل عند أخوال، يعني النبي صلى الله عليه وسلم الآن نزل عند أخواله، والمقصود إخوان جده، فهذي المقصود باجداده أو أخواله. وباقي الحديث واضح من حيث الألفاظ أو من حيث الدلالات، ننتقل للوجه الثالث وهو الفوائد المنهجية والتربوية وما يتعلق بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ما يمكن أن يستخرج من هذا الحديث.

أولا نتكلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه كما في الحديث أن تكون قبلته قبل البيت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع ربه سبحانه وتعالى بالأدب والحياء، ولذلك الله سبحانه وتعالى وصف طريقة طلب النبي صلى الله عليه وسلم لتحويل القبلة في القرآن في سورة البقرة بأنه كان يقلب وجهه في السماء، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144]، وكان يطلب من ربه بهذا التقليب لوجهه في السماء وكأنه يستجدي ربه سبحانه وتعالى.

الفائدة الثانية وهي أيضا متعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهي كرامة النبي صلى الله عليه وسلم على ربه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144]، وهذا في غاية الإكرام للنبي صلى الله عليه وسلم.

الفائدة الثالثة التي يمكن أن تستخرج من الحديث، هي اعتبار أخبار الآحاد، وذلك أن الصحابة كانوا يصلون إلى بيت المقدس بيقين أم بظن؟ الصحابة كانوا يصلون إلى بيت المقدس بيقين. اليقين؛ ما هو اليقين؟ أنهم كانوا يرون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس، فهم يصلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما كان يصلي، هذا يقين الآن، وتحولوا عن هذا اليقين بخبر واحد حين جاءهم الرجل وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت.

الفائدة الرابعة، سرعة استجابة الصحابة وامتثالهم لامر الله وامر رسوله صلى الله عليه وسلم، كانت روحهم سريعة الاستجابة وكان إيمانهم عاليا، يعني ما أن أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم تحول في القبلة إلى الكعبة، حتى داروا كما هم وهم في الصلاة، يعني ما انتظروا حتى لنهاية الصلاة، في نفس الصلاة سمعوا الصحابي يتكلم فداروا كما هم وتوجهوا إلى الكعبة، فهذي الفائدة الرابعة في سرعة استجابة الصحابة وفضلهم وامتثالهم لامر الله وامر رسوله صلى الله عليه وسلم.

الفائدة الخامسة وهي أيضا متعلقة بالصحابة، حرص الصحابة على إخوانهم، الآن الصحابة حملوا هم إخوانهم الذين ماتوا قبل أن تحول القبلة، وقال مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندري ما نقول فيهم، يعني كانوا يحملون هم إخوانهم وأصحابهم الذين ماتوا قبل تحويل القبلة؛ يا ربي ما حالهم؟ فانزل الله سبحانه وتعالى جبرا لخواطرهم وبيانا لحقيقة العمل، قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143].

ومن هنا ننتقل للفائدة السادسة، وهي الفائدة المتعلقة بالباب أصلا، أن الله سبحانه وتعالى سمى الصلاة إيمانا، ومعنى ذلك أن العمل من الإيمان لأن الصلاة عمل، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، هنا صلاتكم، أي صلاتكم.

والفائدة الأخيرة منهجية، يعني لكن ذكرتها كثيرا، متعلقة بقضية حجية السنة، وأن في هذه الأحاديث مع الآيات دلالة على حجية السنة النبوية، وعلى أن الوحي ليس مقتصرا على النص القرآني، وذلك أن استقبال بيت المقدس كان وحيا، ولكن هذا الوحي ليس موجودا في كتاب الله سبحانه وتعالى.

ننتقل إلى الحديث التالي: قال الإمام البخاري: باب حسن إسلام المرء. أخبرني زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره أن أبا سعيد الخدري أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها». وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها».

الكلام على هذين الحديثين من وجوه: الوجه الأول في الصنعة الحديثية والإسنادية، الحديث الأول الإمام البخاري أخرجه بصيغة التعليق أو أخرجه على هيئة التعليق أو معلقا، وقال قال مالك، وقد تقدم معنا مرارا أن البخاري رحمه الله لم يدرك الإمام مالك، البخاري يروي عن من ليصل إلى مالك؟ عبد الله بن يوسف التنيسي، أبو عبد الله بن مسلمة القعنبي، ما ذكرنا قتيبة؟ إنا لا نقول إنه لا يروي عنه لكن ماذا كان؟ أظن لم نذكرهم، احنا ذكرنا عبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد الله بن يوسف التنيسي، وعادة يأتي معنا كثيرا إسماعيل بن أبي أويس، وإن لم يكن من أصحاب مالك المتقدمين جدا لكن يخرج له البخاري كثيرا عن مالك.

هنا قال البخاري: قال مالك، يعني أن الإمام البخاري رحمه الله لم يخرج هذا الحديث مسندا، فإذا روي هذا الحديث في البخاري يقال رواه أو أخرجه معلقا، لكن الحديث التالي هو حديث بنفس المعنى أو قريب منه، وبالتالي يكتفى بالحديث الثاني يجبر ما في الأول على أن الأول موصول، على أن الأول موصول أيضا ولكن ليس في البخاري. في الإسناد الثاني عندنا عبد الرزاق، وهو صاحب المصنف، تجدون في الكتب أخرجه عبد الرزاق، رواه عبد الرزاق؛ هذا عبد الرزاق صاحب كتاب المصنف الكبير، وعبد الرزاق شيخ الإمام أحمد، الإمام أحمد في المسند دائما يقول: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الرزاق. هذا عبد الرزاق كان صنعاني من صنعاء، وشيخه معمر أيضا من صنعاء، فعبد الرزاق ومعمر من اليمن، والامام أحمد رحل هو ويحيى بن معين إلى اليمن من بغداد إلى اليمن لاجل السماع من عبد الرزاق. لك أن تتخيل الطريق يعني من بغداد إلى اليمن مشيا، يعني راح إلى، أظن حتى كان في الرواية أن الإمام أحمد ذهب مشيا، فلكم أن تتخيلوا ذلك، رحل إلى اليمن حتى يسمع من عبد الرزاق، هذا معناه أن عبد الرزاق لديه من العلم ومن الأحاديث ما يستحق أن يرحل له مثل الإمام أحمد، والامام أحمد لم يحصل علمه من قليل، حصله بهذه الرحلة وبهذا التعب وبهذا الجلد وبهذا النصب. على أية حال عبد الرزاق، أشهر شيوخ عبد الرزاق على الإطلاق هو معمر، معمر من طلاب الزهري، إذا نسجل هنا عندنا شيخ آخر لمعمر وهو همام، وهو همام بن منبه، تمر معنا أصلا هذا الإسناد، هذي اسمها نسخة، هذي تمر معانا كثير في البخاري؛ عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة. على أية حال ما نبغى نطيل أكثر من ذلك.

الوجه الثاني من الكلام عن الحديثين هو في بيان الغريب وتوضيح المشكل، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: حسن إسلامه، ما معنى حسن إسلامه؟ إذا أسلم العبد تحسن إسلامه، هنا العلماء حاولوا أن يفسروا حسن الإسلام، فأتوا مثلا بحديث جبريل الذي فيه منزلة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقالوا: هذا من إحسان الإسلام، وأيضا قال بعضهم: إحسان الإسلام هو الالتزام بالفرائض واجتناب المحرمات، فهذا هذان معنيان في حسن الإسلام. النقطة الأخرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم: زلفها، والمقصود زلفها أي أسلفها قدمها.

هذا من حيث الوجه الثاني. الوجه الثالث في الفوائد المستنبطة من هذين الحديثين، وهذان حديثان جليلان يؤخذ منهما كثير من العلم، الفائدة الأولى أن إسلام الناس يتفاوت، وأن الأجور تتفاوت وتتضاعف بقدر حسن إسلام المرء، بمعنى أن الإنسان يعطى أجره الذي عمله مضاعفا على اجر صاحبه الذي عمل مثل عمله، وإن كان قد عمل نفس العمل وأخلص نفس الإخلاص، لكن أحدهما يجازى بأضعاف كثيرة على الآخر لأن إسلامه حسن، هذا معنى مهم جدا. الإنسان أول ما يكتسب إذا أحسن إسلامه أن حسناته تضاعف، فالقضية ليست مجرد أن الإنسان يعمل عمل وينتهي ويصنف منه وانتهينا، لا، وإنما هل مسيرته بشكل عام حسنة؟ هل هو ملتزم بالإسلام بشكل عام؟ إذا كان ملتزما بالإسلام بشكل عام فهنيئا له مضاعفة الحسنات ومضاعفة الأجور والثواب، هذه النقطة الفائدة الأولى.

الفائدة الثانية في تكفير السيئات بالإسلام، وقد اختلف العلماء هل الإسلام يكفر السيئات حتى التي أصر عليها المرء بعد إسلامه؟ نفترض أنه كافر كان يشرب الخمر ثم أسلم، ومن أول يوم أسلم ما ترك الخمر، فهل يكفر الإسلام خطاياه كلها حتى التي أصر عليها بعد إسلامه؟ هذا فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من رجح يقول نعم تكفر كل خطاياه السابقة لحديث في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام يهدم ما كان قبله»، ومنهم من قال بل إن هدم الإسلام لما كان قبله هو فيما أقلع عنه، فبمجرد إسلامه وانتقاله إلى الدين الجديد والتزامه به فكل السيئات تمحى.

الفائدة الثالثة هي أن مضاعفة الحسنات ليست على درجة واحدة، الحسنات قد تضاعف إلى عشر أمثالها وقد تضاعف إلى سبعمائة ضعف، وكما قلنا هذا كله بحسب حسن إسلام المرء وبحسب ما يقع في قلبه من الأمور والأعمال. ننتقل بعد ذلك للحديث التالي، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى، طبعا أنا اختصرت الفوائد في الحديث هذا حقيقة، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب أحب الدين إلى الله أدومه.

قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، فقال: «من هذه؟». قالت: فلانة، تذكر من صلاتها. فقال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُّوا». وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه.

الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول الكلام على الصنعة الإسنادية والحديثية. هذا الإناد جميل جداً، محمد بن المثنى شيخ الإام البخاري هنا هو شيخ للامام مسلم أيضاً، وشيخ لأبي داود، وللتزمذي، وللنسائي، ولابن ماجة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً، وهو من الثقات، وهو من أصحاب يحيى، ممن يروي عن يحيى القطان كثيراً.

ويحيى القطان سبق أننا تكلمنا عنه، وقلنا هو الذي خرج الإمام أحمد ويحيى وعلي بن المديني، هو شيخهم الثلاثة. هشام هنا هو هشام بن عروة من شيوخ مالك، خذوا قاعدة: في هشام بن عروة، أثبت من روى عن هشام بن عروة على الإطلاق مالك، إذا جاءك الحديث من طريق مالك عن هشام بن عروة فهو أثبت ما يمكن أن يكون عن هشام. هشام روى عنه كثير، روى عنه الكوفيون العراقيون بشكل عام والمدنيون وغيرهم، وأثبتهم على الإطلاق مالك. وهنا يحيى القطان أيضاً من الأثبات في هشام بن عروة، هشام له أصحاب كثر، أبو أسامة مثلاً، حماد بن زيد، مجموعة كبيرة، لكن الآن نكتفي بيحيى القطان، ومالك أثبتهم.

هشام بن عروة سبق التعريف به، وعروة سبق التعريف به، اللي قلنا هو الذي أخذ علم عائشة رضي الله تعالى عنها، وقال: لو ماتت عائشة ما ندمت على علم عندها لم أخذه، وكان من الفقهاء ومن الأئمة والمهتمين بالسيرة، لذلك كثير من أحاديث السيرة تأتي من طريق عروة، وعروة خالته عائشة، وبالتالي لا يستغرب منه أن يروي السيرة.

ولذلك تنبهوا لهذه النقطة منهجية الحديث والأسانيد: عروة يروي الأسانيد أو يروي السيرة كثيراً من أحيان مرسلة، فيقول: ذهب رسول الله، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم. البعض يتعامل بحرفية مع مراسيل عروة فيقول لك: هذا مرسل منقطع، نعم مرسل منقطع، ولكن مراسيل عروة ليست مثل مراسيل غيره في السيرة خاصة، أو في السيرة من باب أولى، فلا يجب أن تعامل على أنها منقطعة وانتهينا، وإنما يراعى فيها أنه عروة بن الزبير الذي كان متخصصاً في هذا الشأن والذي ينقل كثيراً من علمه عن عائشة رضي الله تعالى عنها.

الوجه الثاني في الكلام على الحديث، في توضيح الغريب، أو في بيان الغريب وتوضيح المشكل. مما قد يشكل هنا قول ما ورد في الحديث: لا يمل الله حتى. ومن المعلوم أن الملل في أصله ليس من صفات الكمال، ولكن هنا القصد أو يعني هذا التعبير بهذا اللفظ المراد به أن الله سبحانه يعني استعمال اللفظ من باب المقابلة، أن الله سبحانه وتعالى لا يقطع عنكم هذا الثواب الذي يمكن والذي يترتب على أعمالكم حتى تملوا أنتم.

ننتقل إلى الوجه الثالث، وهو الكلام على الفوائد المنهجية والتربوية والنبوية من هذا الحديث. الفائدة الأولى، وهي متفقة مع الموضوع اللي أمس اللي تكلمنا عنه، اللي هو القصد القصد تبلغ، سددوا وقاربوا وأبشروا، وهو أن معيار القبول أو معيار التفاضل ليس هو الكثرة، ليس هو كثرة التعبد، وإنما موافقة السنة.

وهناك وجوه أخرى من تفضيل التعبد على أو وجوه التعبد على بعضها، من أهمها ما ورد في هذا الحديث الذي هو أمران: ما هو الذي ورد في هذا الحديث من معايير التفضيل؟ واحد، أن يكون في طاقة الإنسان. اثنين، المداومة يا سلام! الطاقة والمداومة، إذا أحب العمل إلى الله سبحانه وتعالى ما كان في طاقة صاحبه وداوم عليه، طبعا إذا كان في طاقته بدون أن يداوم عليه لا، لابد أن يداوم.

لذلك إذا قلت: هل أكثر من الصلاة في الليل في بعض الأيام وأترك أحياناً، أم أصلي بقدر معين ولو لم يكن بالكثرة البالغة ولكني ألتزم به دائماً؟ يقول لك: ألتزم بقدر معين دائماً، إذا أردت أن تزيد عليه فزد ولكن لا تنقص، أما الانقطاع فيذكرنا بحديث عبد الله بن عمرو في البخاري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل». هذا يعني يدل على أو هذا الانقطاع يدل على قلة الرغبة، على قلة العزيمة، على كثرة الملل وكثرة الفتور إلى آخره.

إذاً، الفائدة الأولى هي أن معيار الأفضلية في التعبد ليس هو الكثرة، وإنما ما كان موافقاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن جملة ذلك أن يكون ضمن الطاقة وأن يكون مداوماً عليه.

الوجه الثاني في الكلام على الحديث هو في مشروعية أو في أهمية تصحيح المفاهيم، وخاصة فيما يتعلق أو في المفاهيم التي قد تلتبس على بعض الصالحين وعلى بعض طلاب العلم. النبي صلى الله عليه وسلم صحح المفهوم هنا لمن؟ لعائشة الفقيهة؛ عائشة كانت تشعر بالحماس وهي تحدث النبي صلى الله عليه وسلم بعبادة تلك المرأة، النبي صلى الله عليه وسلم صحح المفهوم لديها ولم يقل مثلاً يعني عبارة لا وعبارة أقصد من جهة الثناء، وإنما قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى».

إذاً، مشروعية وأهمية إزالة المفاهيم الملتبسة على الصالحين، على الفقهاء، على طلاب العلم، يؤخذ هذا من تصحيح النبي صلى الله عليه وسلم المفهوم لعائشة رضي الله تعالى عنها.

الفائدة الثالثة: أن الله سبحانه وتعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه، على قدر ما تعمل يعطيك الله سبحانه وتعالى وخزائنه لا تنفد، ماذا تتخيل من الثواب؟ الله أعظم، ماذا تتخيل من كثرة الأجر؟ الله أكثر، يعطيه أكثر، يعطي أعظم، يعطي أكبر. فأنظن أن الله سبحانه وتعالى يعني يقطع الثواب، أو أن الله سبحانه وتعالى يمكن أن ينفد ما في يديه؟ لا، عليك بما تطيق استمر، وعلى قدر ما تستمر على قدر ما الله يعطيك، على قدر ما تستمر الله سبحانه وتعالى يعطيك: «لا يمل الله حتى تملوا».

الفائدة الرابعة هي في مركزية المداومة على الأعمال الصالحة. حسناً، ما السر في أن الأعمال المداومة محبوبة عند الله، بل هي أحب الدين؟ طيب دعونا ندعونا ننظر في الحالة الأخرى حتى نفهم لماذا هذه الحالة متميزة. الحالة الأخرى كيف؟ الحالة الأخرى: إنسان مؤمن، موعظة عن قيام الليل مثلاً، راح فرش السجادة عنده في الغرفة وصلى ثلاث ساعات، واليوم الثاني لا تزال فيه حرارة الموعظة فصلى ساعة ونصف، واليوم الثالث بقي شيء منها فصلى ثلاث ركعات في عشر دقائق، اليوم الرابع صلى ركعة، والخامس صلى ركعة، والسادس ترك وجلس نايم ست شهور ناسي شي اسمه قيام ليل أو صلاة وتر أو شيء، بعدين جاءت موعظة أخرى وهو قال: والله صحيح، والله قيام الليل له لذة جميلة، خلينا نرجع لقيام الليل، ويرجع أسبوع ويقطع.

هذه حالة ليست سوية أبدا من جهة التعبد. طب هل يؤجر عليها ولا ما يؤجر؟ طبعا يؤجر، هو يتعبد لله سبحانه وتعالى، لكن هذه لا تدل على عزيمة نفس صاحبها ولا تدل على كمال همته أبدا، الذي يأتي وينقطع ويأتي وينقطع ويأتي وينقطع، هذا معناه متقلب الهمة، متقلب العزيمة. لكن الذي يلتزم دائماً هذا معناه منضبط، كمال همته عزيمته وفور عقله أيضاً وقدرته على ضبط نفسه.

ليس صعباً أن تتعبد في يوم أو في يومين عبادة كثيرة، ليس صعباً، هو إنما الصعب أن تلتزم بقدر معين طول عمرك سنوات طويلة، هذا هو القدر الصعب، هذا القدر الذي يحتاج دائماً مجاهدة وترويض للنفس، طبعا هي تحتاج في البداية، في البداية يعني مو بداية يعني أول يومين، بداية أحياناً تمتد لسنوات، نحتاج في البداية إلى ترويض مجاهدة، ترويض مجاهدة، ترويض مجاهدة، ما تدري إلا وقد صارت هذه العبادة جزءاً من حياتك لا تستطيع أن تعيش بدونها، وهذه من فوائد المداومة على العمل.

إذاً، المداومة على العمل لماذا كانت أحب الدين إلى الله؟ لأسباب متعددة، من أهمها أنها تدل على كمال همة وعزيمة صاحبها، وقدرته على مجاهدة نفسه وعلى ضبطها وعلى مخالفة هواه، وأنها كذلك تؤدي إلى تعود العبادة والتربية عليها وحب العبادة والترقي في المقامات، الترقي في المقامات التعبدية.

هذا والله تعالى أعلم، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.