دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة يا رب العالمين.

نستعين بالله ونستفتح المجلس السادس عشر من مجالس ضيف الثاني من هدايات البخاري. قال الإامام البخاري رحمه الله: باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، و﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9]، سماهم المؤمنين.

قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن واصل، عن المعرور، قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفموهم فأعينوهم».

الكلام على الباب والحديث؛ حديث أبي ذر من وجوه. الوجه الأول: تسمية البخاري الحقبة الزمنية التي قبل النبي صلى الله عليه وسلم بالجاهلية. وهذه التسمية ليست خاصة بالبخاري، فقد كانت على وقت النبي صلى الله عليه وسلم وقيلت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال قائل الصحابة: أنا كنا في جاهلية وكذا شر، وكانوا يقولون الصحابة كنا نتحدث في أمر الجاهلية. وكانت الحقبة الزمنية التي قبل النبي صلى الله عليه وسلم تلقب بالجاهلية في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وزمنه، وعنونت الحقبة تلك بالجاهلية، هي عنونة معيارية، يعني عنونة مبنية على وجود معيار معين يقيم تلك المرحلة بأنها جاهلية، وإلا فقد كان في تلك المرحلة أمور مما يضاد الجهل؛ كان فيها كرم العرب وشجاعتهم، وكان فيها مكارم الأخلاق بشكل عام التي كانت موجودة عند العرب. ومن يقول إن العرب لم تكن لديهم مكارم الأخلاق ومعالي الأمور في الجاهلية فهو لا يعرف سير العرب؛ كانت هناك كثير من خصال الخير والكرم ومكارم الأخلاق عند العرب قبل الإسلام.

ومع ذلك لقبت واختصرت تلك المرحلة في عنوان الجاهلية، وذلك أن معيار التقييم كان في مقابل الإسلام، يعني كان الصحابة ينطلقون من قاعدة الإسلام للنظر إلى الحقبة السابقة، ومقارنة بالإسلام تلك حقبة جاهلية، ولا ينزع عنها هذا الوصف أنه كانت تتخللها بعض الصفات، بعض كرائم الصفات. وذلك أن القضية هي أهم موضوع يمكن أن ينظر إليه هو قضية الإسلام الكبرى، التي هي عبادة الله وحده لا شريك له. ونحن اليوم ابتلينا بعكس ذلك؛ أنه كثير من الناس صاروا يقيمون الإسلام بناء على الجاهلية، ولا أقصد بالجاهلية هنا تلك الحقبة التي كانت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أقصد بالجاهلية الجاهلية التي لدى الغرب الذي رفع لواء العلمانية والإلحاد وتفوق من الناحية المادية، فصار البعض يتعامى عن تغييبهم لمقصود العبودية الغاية من الوجود، وصار ينظر إلى المعاني الجزئية التي لم يخلق الإنسان لأجلها، ثم حكم على هذه الحقبة من جهة الغرب، حكم عليها أو اختصرها في عناوين جذابة وبراقة، والتفت إلى خلفه إلى الإسلام قاسه على المعيار المادي الدنيوي، فتلقب الإسلام أو المسلمين بالتخلف والرجعية وما إلى ذلك في مقابل تلقيبه الواقع الغربي بالتقدم وإلى آخره.

فالقضية هي قضية ما المعيار الذي يقيم عليه الإنسان الأشياء؛ فإذا كان العرب على كل ما كان لديهم من الصفات التي شهد النبي صلى الله عليه وسلم لشيء منها، أو أشار إلى شيء منها بقوله مثلا: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام»، معنى ذلك أنه كان هناك خيار في الجاهلية، فمع ذلك اختصرت ولقبت بالجاهلية. فقدان المعيار يجعل الإنسان يختل في نظره وتقييمه اختلالا كبيرا. هذا فقط إشارة إلى تبويب الإامام البخاري أو إلى فقط كلمة الجاهلية التي بوب فيها الإامام البخاري رحمه الله تعالى.

ثم الفائدة الثانية فيما يتعلق، احنا قلنا الوجه الأول في الكلام على صنيع البخاري والصنعة الحديثية، وذكرت الفائدة المتعلقة بالجاهلية. الفائدة الثانية فيما يتعلق بالإسناد تحديدا؛ شيخ الإامام البخاري هنا هو سليمان بن حرب، وسليمان بن حرب لابد أن نقف عنده قليلا، طبعا هو تلميذ شعبة كما يظهر لأنه في الإسناد قال حدثنا شعبة. سليمان بن حرب هذا من أفاضل المسلمين، الإامام الذهبي في سير أعلام النبلاء سماه شيخ الإسلام، شيخ الإسلام. أبو حاتم الرازي هذا أبو حاتم الرازي أحد كبار أئمة الحديث وكبار أئمة الجرح والتعديل، أبو حاتم الرازي كان شحيحا في الألفاظ في ألفاظ التعديل والتقوية، صحيحا يعني من الصعب جدا أنه هو يعطي لقب ثقة إلا بعد ما تجد أن النقاد بعد الاختبار وكذا يقولون ثقة، وهو يحجم فيقول صدوق، لا بأس به، فإذا قال أبو حاتم الرازي عن شخص أنه ثقة فالله أكبر ما شاء الله، يعني هذا ممتاز الشخص الذي يقول عنه أبو حاتم الرازي ثقة، لكن هنا أبو حاتم الرازي قال عن سليمان بن حرب إمام من الأئمة، لم يقل ثقة فقط، إمام من الأئمة، كان لا يدلس، لا يزال الكلام لأبي حاتم الرازي ويتكلم في الرجال وقرأ الفقه، وقد ظهر حديثه نحوا من عشرة آلاف حديث، ما رأيت في يده كتابا قط.

عشرة آلاف حديث، طبعا تعرفون كلمة حديث عند المتقدمين ماذا تعني؟ ثم يقول له عشرة آلاف حديث، إيش المقصود بعشرة آلاف حديث؟ طريق جيد صحيح صحيح، له عشرة آلاف حديث أي عشرة آلاف رواية، هذه الرواية لا يعني بالضرورة أنها عشرة آلاف متن، لا يعني بالضرورة بل قطعا لا تعني هنا في هذه الرواية قطعا لا تعني عشرة آلاف متن، وإنما المقصود أنه له عشرة آلاف رواية؛ هذه الرواية قد يكون منها مثلا عشر روايات تعود إلى حديث واحد إلى متن واحد، وثم ثلاث تعود إلى متن آخر، ثم سبعة تعود إلى متن ثالث، كل واحدة عن طريق شيخ غير الشيخ، يعني مثلا أحيانا يأتي راوي يسمع الحديث الواحد، يسمع المتن الواحد يعني كلام النبي صلى الله عليه وسلم الواحد، يسمعه من عشرين طريق، يسمعه من عشرين طريق، وأحيانا العشرين طريق كلها تعود إلى طريق واحد.

يعني مثلا حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ممكن يجي واحد في طبقة البخاري يسمع هذا الحديث عشر مرات، مع أن هذا الحديث ما له إلا إسناد واحد، كيف يسمع عشر مرات طيب ومختلفة؟ أيوه، هو احنا قلنا مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري لو تذكرون، وسمعه عن يحيى بن سعيد الأنصاري عدد كبير، ومن العدد الكبير سمعه عدد كبير، ثم يأتي واحد في طبقة البخاري يسمع من فلان عن فلان عن يحيى بن سعيد، ثم يرحل إلى بلد آخر فيسمع من فلان عن فلان عن يحيى بن سعيد، وهكذا وهكذا. وهذي القضية في غاية الأهمية؛ لأن فيها إجابة عن بعض الإشكالات التي تثار على الأحاديث النبوية من مثل قوله العبارات المشهورة للإامام البخاري لما قال اخترت أو انتقيت هذا الحديث هذا الكتاب اللي هو صحيح البخاري من ست مئة ألف حديث.

فتعرفوا بعض الناس أثاروا إشكالات كثيرة في الموضوع أنه يعني من ست مئة ألف حديث ما صفى لكم إلا هذا أربعة آلاف حديث؟ هذا على قول بعضهم أنه بغير المكرر أربعة آلاف، عن ابن حجر يقول ألفان وخمس مئة وثلاثة عشر تقريبا، اللي حديث البخاري غير المكرر ألفان وخمس مئة وثلاثة عشر تقريبا، هو لا يقول تقريبا أنا أناقول تقريبا بحسب ما أتذكر مما قال. فأين ست مئة ألف حديث هذي اللي يختار منها البخاري ولماذا كلها بهذا القدر إلى آخره؟ لو الكلام هذا كلام من لا يفهم معنى كلمة حديث أصلا عند المحدثين، أصلا الأحاديث الضعيفة والموضوعة والصحيحة والحسنة وكل أحاديث الموجودة في الدنيا إذا صففتها أمام بعضها لا تصل ست مئة ألف حديث، ولا تصل إلى نصف هذا العدد. كل المتون الواردة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أجمع أحاديث الكذابين والوضاعين والمتروكين والهلكة إلى آخره، مع أحاديث الضعفاء مع أحاديث المتوسطين مع أحاديث الثقات، ما تجي ست مئة ألف حديث، ليس المقصود ست مئة ألف حديث يعني ست مئة ألف متن، المقصود ست مئة ألف حديث مما يصدق عليه حديث عند المتقدمين ولو كانت رواية من ضمن مئة رواية لمتن واحد.

طيب، إذا أبو حاتم الرازي عفوا سليمان بن حرب رحمه الله من الأئمة الأفاضل الكرام الكبار، شيوخ من شيوخ الإامام البخاري، والبخاري مكثر عنه، وهو مكثر من الرواية لأنه روى عشرة آلاف رواية، وكان فاضلا، كان قاضيا بمكة وأصله بصري، سليمان بن حرب أصله بصري من البصرة، لذلك تجدون أحاديثه عن البصريين. سليمان بن حرب هو هذي القضية يمكن ما يدركها إلا من له دراية نوعا ما عميقة بالحديث أو بالأسانيد، أنه هذي قضية المدن، سليمان بن حرب أغلب الشيوخ، قلب في الشيوخ أو كثير من الشيوخ الذين يروي عنهم هم بصريون، تجدهم بصريون، فكيف بصريون وهو في مكة؟ المفترض إذا كان في مكة أكثر شيوخه وأكثر شيوخي يكونون مكين، أو لنقل من أشهر شيوخه البصريين، فلماذا لم يكونوا مكين أو لماذا هم بصريون؟ قالوا هو أصلا بصري، هو بصري ولكن انتقل بعد ذلك إلى مكة، وكان قاضي مكة، ومن العجيب أنه كان أيضا مغسل الموتى، كان مغسلا للموتى. النسائي رحمه الله تعالى يقول عنه: ثقة المأمون. يحيى بن أكثم يقول عنه: عاقل في نهاية الستر والصيانة. فهذه ألفاظ وجمل قالها الكبار والحفاظ في الإامام سليمان بن حرب شيخ الإامام البخاري وتلميذ الإامام شعبة، ولابد أنه حين يأتي العظماء وحين يأتي الكبار أن نعرف لهم مكانتهم وحقهم ونعرف من هم، حتى إذا مروا علينا في إسناد نعرف من نتحدث عمن ونسمع ممن.

إذا هذه الفائدة الثانية فيما يتعلق بالوجه الأول. أما شيخ سليمان بن حرب شعبة فقد أكثرت الكلام عنه، وهو أحد المحاور الأساسية في الحديث والرواية سبق الكلام عنه كثيرا. الوجه الثاني من الكلام على الباب والحديث هو في بيان شيء من الغريب وما قد يشكل؛ أولا عندنا الربذة هي موضع من المواضع اللي تعتبر في فلك المدينة وإن كانت ليست قريبة من المدينة، ليست قريبة من المدينة، تقريبا ثلاثة أيام تحتاج طريق إلى من المدينة في السير السابق يعني في وقتهم، وكانت من الاماكن التي اعتزل فيها بعض الصحابة، منهم أبو ذر ومنهم سلمة بن الأكوع كذلك اعتزل في الربذة.

والجملة الأخرى أو الكلمة الأخرى حلة، الحلة تقال أو هي وصف للثوبين، وصف لثوبين، لا تكون الحلة من قطعة واحدة، وإنما تكون من قطعتين، وقد سبق البيان إيش معنى ثوب، أن الثوب هو مثل الإحرام، فإذا كان على المرء ثوبان فإن هذين الثوبين يلقبان أو يوصفان بأنهما حلة، ووصفات كذلك بأنها تكون من جنس واحد، أن تكون يكون الثوبان من جنس واحد فيسمى حلة. طبعا هذا هذه الأشياء مهمة، لأنها تأتي في الأحاديث كثيرة؛ رأيته عليه حلة، رأيته عليه ثوب وعليه قميص وعليه بردة وعليه، فالإنسان لما يتخيل إيش هي هذي الحلة بالضبط أو إيش البردة أو إيش كذا، جيد لأنه يتصور الصورة بشكل جيد.

الكلمة الثالثة اللي هي عيرته، والمقصود يعني معنى أظنه معروف يعني قريب من ساببته، نسبته إلى العار، والمقصود أنه ذكر شيئا من العيب في أمه. جاءت بعض الروايات تقول إنه قال يا ابن السوداء، وبعضها قال إنه يعني عيره بأن أمه أعجمية، أو قيل إنه قيل في ذلك في طريقة تعيره. الكلمة الرابعة، إخوانكم خولكم، والخول هنا الخدم، الخدم إخوانكم خولكم أي خدمكم، المقصود بهم العبيد، العبيد الذين يكونون تحت أسياد معينين، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده إلى آخره.

الوجه الثالث من الكلام على الباب والحديث هو في الفوائد التي يمكن أن تستنبط من الناحية التربوية والإيمانية، من ناحية السيرة النبوية كذلك بل بالأساس؛ هذا الحديث عظيم جدا مما يمكن أن يستخرج منه من الفوائد، حديث عظيم مما يمكن أن يستخرج منه من الفوائد والمعاني والدروس والعبر. الفائدة الأولى؛ الفائدة الأولى هي أن الإنسان وإن كان فاضلا، وإن كان متقدما في الفضل، ومتقدما في الديانة، ومتقدما في العلم، لا يمنع تقدمه ولا فضله من أن يوصف بوصف فيه نقص، بسبب عمل من الأعمال التي عملها، إذا كان ذلك العمل مما يؤثر تأثيرا كبيرا في الحكم على صاحبه. هنا أبو ذر.

لا أظن أننا نحتاج إلى تعريف بأبي ذر سوى أن نقول إنه أبو ذر؛ أبو ذر وانتهينا. ما يحتاج نتكلم عن صفات أبي ذر وفضله في الإسلام وسبقه من السابقين إلى آخره. ومع ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم يقول له هنا: إنك امرؤ فيك جاهلية. إنك امرؤ فيك جاهلية.

وتعلمون أنه أبو ذر قال في الرواية الأخرى: قال يا رسول الله؛ على ساعة هذه من كبر السن؟ يعني أنا يا رسول الله في جاهلية؟ الآن الآن بعد ما صرت كبير في السن وكذا؟ الآن يعني معقول أنه الآن في جاهلية؟ يعني كأنه يسأل سؤالاً؛ سؤالاً تلفه الاندهاشة الفجعة، أنه يا رسول الله أنا في جاهلية؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: نعم، فيك جاهلية. في سياق الكلام أقصد.

فأبو ذر مع أنه أبو ذر، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بأن فيه جاهلية، بسبب ذلك الموقف الذي عير فيه رجلاً بأمه. وهذا التعيير صدر من أبي ذر مرة، ولم يكن خلقاً له، ولم يكن عادة له؛ يعني بين قوسين: لم يكن بالاعتبار المعاصر اليوم عنصرياً دقيقاً يتكلم دائماً في الناس؛ يعني ليست هذه شغلة أبي ذر وعمل أبي ذر، وإنما ما حصل بينه وبين شخص خلاف، نتيجة هذا خلاف اتكأ أبو ذر رضي الله تعالى عنه على قضية؛ على ما يتعلق بصفة أم الرجل، فعيره بأمه.

النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول إن هذا العمل عمل سيء جداً، وعمل يمكن أن يصبغ صاحبه بلقب؛ وشر الأعمال ما صبغ صاحبه بلقب. فهذا العمل يمكن أن يصبغ صاحبه بلقب أو أن يجعل منه جزءاً أو قبساً من هذا اللقب؛ وهو عمل نستدل بهذا الحديث على أن هذا العمل قبيح جداً. نستدل بهذا الحديث على أن هذا العمل قبيح جداً. وإذا لم يبرئ أبا ذر كبير عمله الصالح من أن يقال له: فيك جاهلية بسبب هذا العمل، فغيره من باب أولى؛ غيره من باب أولى.

الفائدة الثانية وهي عظمة الصحابة واستجابتهم وتأثرهم بكلام النبي صلى الله عليه وسلم. فأبو ذر رضي الله تعالى عنه لم يجعل ذلك الموقف سبباً؛ يعني ازدياده في الضلال، يعني في الغي. طبعا أبو ذر ليس ضالاً، لكن أقصد في هذا العمل لم يجعل إنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليه؛ تعرفون أنه صعب أن واحد مثل أبي ذر، أنتوا تخيلوا واقعنا الآن يعني واحد يكون له سابقة وخير وكذا، ثم يأتي من يقول له؛ حتى لو كان أكبر منه وأجل علماً وكذا فيقول له: أنت فيك جاهلية، أو نحو هذه العبارات.

فممكن أنه يعني ممكن يصر على هذا العمل، ممكن أحياناً تصل في البعض إلى أنه يترك العمل الدعوي أقل شيء يعني، يترك طريق الدعوة والخير وهذا؛ لأنه قال فيه رفقاء الدرب كلمة من الكلمات. لكن هذا الكلام كان بحق؛ كلام النبي صلى الله عليه وسلم كان بحق، وهو فعل فعلاً من أفعال الجاهلية، أنه يعيره بأمه هذا من أفعال الجاهلية. فأبو ذر اخذ هذه الكلمة وجعلها كأنه علقها أمامه لتكون درساً، ليفعل أو ليستفيد من هذا الدرس بقية حياته. هذا الكلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بزمن. بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بزمن استفاد أبو ذر من تلك الكلمة، وصار يجعل تعامله مع عبيده ومواليه تعاملاً استثنائياً خاصاً فيه إكرام زائد عن القدر العادي، مع أن الذي أكرمه أبو ذر لم يكن هو الذي أهانه، لم يكن هو الذي عيره بأمه، وإنما صار يكرم كل من يكون أقل منه من حيث الطبقة، من حيث النسب، من حيث طبقة السيادة والعبودية.

هذا الرجل الذي هو المعرور، لما جاء ورأى أن غلام أبي ذر يلبس كأبي ذر، ما في فرق بينهم. طبعا احنا ما نتصور ايش معنى غلام وسيد، أو ايش معنى عبد وسيد في تلك المرحلة؟ احنا نتصورها فقط من الكتب، لكن ما نتصور القضية كيف كانت من حيث؛ من حيث حتى إنه الغلام أو العبد أو المولى يعرف مباشرة من طريقة لبسه وما إلى ذلك. أنا لا أتكلم عن الإهانة، وإنما هناك فرق؛ كما تفرق بين الفقير جداً اليوم المعدم وبين الغني جداً، التفريق سهل، فكذلك التفريق بين العبد والسيد؛ كان لأولئك ما يدل عليهم، ولأولئك ما يدل عليهم. لما جاء المعرور إلى أبي ذر رأى أن ما يلبسه أبو ذر من الحلة يلبس مثلها غلامه، فاستغرب وتعجب من هذا. فأرجع أبو ذر هذا الإكرام إلى تلك الكلمة الشديدة التي قالها له النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف.

ومن هنا ندرك قيمة الصحابة، ندرك عظمة الصحابة، ندرك فرادة الصحابة، ندرك كيف تؤثر فيهم الكلمة، كيف تغيرهم إلى الأفضل، كيف تحسن منهم، كيف ترقي فيهم؛ ولا تكون بالعكس الذي يحدث في كثير من الطبقات الأخرى من الناس، أن الكلمة مثل هذه يمكن أن تهوي بهم وترجع بهم عن الطريق وعن الدرب. فهذا حقيقة موقف يستحق أن يذكر من الجهتين؛ من جهة أن سابقة الرجل لا تمنع عنه أن يوصف بأن فيه خصلة من خصال الشر أو من خصال الجاهلية بسبب عمل معين، والجهة الأخرى أن الكلمة يمكن أن تغير من الإنسان وترفع به؛ فإذا كان فاضلاً استفاد من تلك الكلمة ومن ذلك الموقف الخاطئ.

الفائدة الثالثة هي الدقة في الألفاظ في تقييم الأشخاص. النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لأبي ذر: أنت جاهلي، أو أنت من أهل الجاهلية، وإنما استعمل النبي صلى الله عليه وسلم لفظاً يدل على التجزئة ويدل على التبعيض، فقال: فيك جاهلية؛ أي أن فيك خصلة من خصال الجاهلية، خصلة من خصال الجاهليين. إنك امرؤ فيك جاهلية. لم يقل: إنك امرؤ جاهلي، أو ما إلى ذلك من العبارات، وإنما قال: فيك جاهلية.

ولذلك نحن يجب أن نتعود كذلك في تقييمنا للأشخاص، أنه لو قيل في شخص صفة ما أو لقباً ما بسبب عمل ما، فليكن هذا اللقب مصاغاً بالصياغة المناسبة لهذا العمل؛ إذا طبعا كان يسوغ اطلاقه، طبعا ما يخفاكم أن هذا بشروطه. فهذي من الدقة للتقييم: أنك امرؤ فيك جاهلية، ولم يقل: إنك امرؤ جاهلي. وهكذا لنتعود على أن تكون ألفاظنا وتقييماتنا مناسبة ودقيقة وموافقة ومطابقة للحال، ونجتنب قضية المبالغة والتعميم الخاطئ.

الفائدة الرابعة من الحديث هي بأن الإنسان وإن وجدت منه زلة، وإن وجدت منه كبوة، وإن وجد منه خطأ ولو كان كبيراً مثل خطأ أبي ذر، إلا أنه يجب أن ينظر إلى الرجل بمجموع حاله ومجموع صفاته. النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال لأبي ذر هنا: فيك جاهلية، هو الذي أثنى على أبي ذر في المواطن الأخرى؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر» أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الفضائل المعروفة عن أبي ذر عند الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعند الصحابة.

والحكم العام على أبي ذر رضي الله تعالى عنه عند كل المسلمين من أهل السنة لم يكن باعتبار الخطأ والزلل الذي وقع فيه؛ فإنه رجع عنه وتاب، وإنما كان بمجموع حال أبي ذر رضي الله تعالى عنه. فأبو ذر هو أبو ذر السابق إلى الإسلام، الذي هو من سادات الصحابة ومن أفاضلهم وإلى آخره. هذا أيضاً من الفوائد التي نستفيدها من الحديث: أن الإنسان وإن أخطأ فإنه لا يظل يعير بخطئه.

الفائدة الخامسة وهي فائدة جليلة، القاعدة الخامسة وهي فائدة جليلة، وهي من فضائل أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قبل أن أذكرها أريد أن أسألكم: من يمكن أن يستخرجها غير ما ذكرت في فضل أبي ذر غير ما ذكرته من الحديث فقط؟ يا سلام؛ اعترافه وحكايته للقصة. يا سلام؛ جميل جداً، جميل. هذا حقيقي شيء عظيم، أنه نحن كيف عرفنا الموقف الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية؟

نحن كيف عرفنا هذا؟ الرافد الأساسي في معرفتنا لهذا الخبر هو كلام أبي ذر نفسه، كلام أبي ذر نفسه، وكأنه يقول: أنا أخطأت، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لي كذا. ومع أنه كلام شديد، إلا أنني أستحقه لأنني فعلت هذا. ثم منَّ الله علي واستفدت من هذه الكلمة، وعدلت من خطأي وصار الحال ما ترى من إكرام هؤلاء وإلباسهم وإلى آخره. هذا فضل يضاف إلى فضائل أبي ذر؛ أنه هو الذي من طريقه عرفنا قصة: إنك امرؤ فيك جاهلية.

الفائدة السادسة في قضية لا أستطيع أن أتناولها إلا من جهة واحدة، وهي قضية ما أكرم الإسلام به العبيـد وما غير من أحوالهم، ما أكرم الإسلام به الموالي أو الغلمان أو العبيد وحسن من أحوالهم. هذه طبعا قضية كبيرة، وهي من القضايا المشكلة في وقتنا بشكل كبير، وإن لم تكن مشكلة في التراث الإسلامي؛ من حيث قضية الرق والحرية. وتناولها من هذه الجهة ليس هذا موضعه لأنه سيطول جداً، لكن نحن نتناول من الجهة الآن؛ نتناول من جهة واحدة فقط وهي أن الإسلام كما جاء بمكارم الأخلاق العامة، إلا أنه خص هؤلاء، هذه الطبقة؛ خص هذه الطبقة التي جعلها الله سبحانه وتعالى طبقة أو التي جعل الله سبحانه وتعالى بعض الطبقات أعلى منها، كما في كتاب الله العزيز في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32]. من التسخير.

وهنا تحت أيديكم هناك رفع بعضكم فوق بعض الدرجات، بصرف النظر عن الكلام على أصل المسألة الآن؛ الكلام على طبيعة أو على جزء أو شيء من الإكرام الذي أكرم به الإسلام هذه الطبقة. الإسلام لم يأتي ليقول إن هذه الطبقة هي طبقة منزوعة الإنسانية، ويجب أن يتعامل معها على أنها آلات عمل؛ هذا هذه الفكرة، هذه الصورة هي التي كانت سائدة قبل الإسلام، أنه هؤلاء وإن كانت أشكالهم أشكال البشر، إلا أنهم آلات عمل وانتهينا. الإسلام جاء ليقول: لا، هؤلاء بشر ولهم حقوق. وعليك أيها السيد يا من جعل الله تحت يديك بعض هؤلاء؛ قد تدخل النار بسببهم إن لم تكرمهم، إن ظلمتهم، وقد تدخل الجنة بسبب إكرامك لهم.

وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه» ليس فقط يطعمه؛ «يطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفموهم فأعينوهم». طبعا هذا الكلام الآن لا يناله بعض العمال الذين هم في التعريف الشخصي أحرار، ولكنهم في واقع الأمر يرزحون تحت أثار الرق المعاصر؛ يرزحون تحت أثار أو أثقال الرق المعاصر. وهذا موجود كثيراً، ولا حاجة لذكر صوره المعاصرة.

لكن الفكرة هنا أنه الإسلام أتى وجعل هؤلاء لهؤلاء منزلة، ليس لمجرد أو ليست بمجرد أنه يعني اطعموهم، لا؛ وإنما مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون. ولا يغلبك قضية السيادة فتجعله خلاص لا يفعل شيء إلا العمل وفي كل؛ لا، لا تكلفه ما لا يطيق، ما يغلبه. فإذا كلفته فأعنه، أنت اشتغل معه، أنت اعمل معه. هذا منطق لمن يدرك الحالة الإنسانية جيداً؛ يدرك ما فيه من ردم الفجوة ومن إشعار الموالي بالقرب، أنه يلبس مثل سيده، يأكل من نفس طعام سيده، وأنه سيده ترى ممكن يشتغل معه، ممكن يشتغل معه. وهناك أحاديث أخرى كثيرة لا يحتملها المقام.

من الفائدة الرابعة أظن أو الثالثة -نسيت أنا متى قلت: فيك جاهلية- أخذ الإام البخاري الباب: مقال باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابه إلا بالشرك. يأتي الكلام أكثر إن شاء الله في الحديث القادم. هذا والله تعالى أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.