دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح المجلس الرابع عشر من مجالس غيث الساري من هدايات البخاري.

اليوم لا نزال في كتاب الإيمان، ولكن في الباب الثامن عشر من الأبواب؛ قال الإمام البخاري رحمه الله: باب من قال إن الإيمان هو العمل، لقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72]، وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93]، عن قول: لا إله إلا الله، وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 61].

ثم قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد قال: حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور».

هذا الحديث -أو خلينا نقول هذا الباب مع الآيات التي ذكرها البخاري مع الحديث- الكلام على ذلك كله من وجوه. الوجه الأول فيما يتعلق بالمناسبة؛ الإمام البخاري بوب بقوله: باب من قال إن الإيمان هو العمل. وقوله: من قال إن الإيمان هو العمل، هل هذه الطريقة من البخاري طريقة نسبة قول إلى قائل بغض النظر عن موقفه الشخصي الذي يتبناه، أو هنا يتبنى هو هذا القول؟ يتبنى هذا القول، إذاً البخاري لو جاء بهذه الصيغة فلا تعني أنه لا يتبنى هذا القول، لا تستلزم أنه لا يتبنى هذا القول، بل قد تدل على أنه يتبنى هذا القول، فهنا: من قال إن الإيمان هو العمل، أي هو أيضاً يقول بهذا القول، فهذه الصيغة ليست للتبرؤ من القول أي لمجرد النسبة، وإنما أيضاً هو يتبنى هذا القول.

والعلاقة بين الآية وبين الباب ما هي؟ ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، العلاقة واضحة؛ من قال إن الإيمان هو العمل، ما العلاقة؟ بما كنتم تعملون، العلاقة هي أن الجنة لا تدخل بدون تصديق قلبي، والتصديق القلبي هو الإيمان، وهنا الله سبحانه وتعالى سمى سبب دخول الجنة عملاً: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وبالتالي العمل يشمل التصديق كما يشمل أعمال الجوارح، يعني أنهم لن يدخلوا الجنة إلا بأيمان، وأن هذا الإيمان أوغز وصفه في الآية فسمي عملاً.

وكذلك التفسير الذي أتى به: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ما هو العمل هنا؟ قول اللسان؛ يريد البخاري أن يقول لك إن الإيمان تصديق وقول وعمل، تصديق وقول وعمل كما هو مذهب أهل السنة. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون، سماه الله عملاً، وإذا به عند جماعة من أهل العلم في تفسير هذا العمل الوارد في الآية: قول، فصار القول عملاً، قال القول عملاً: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قال عدة من أهل العلم، من أشهر من نقل عنه هذا القول الصحابي الجليل ابن عمر ومجاهد، أنتم تعلمون أن مجاهد من أصحاب ابن عباس كما مر معنا.

لا نزال في الوجه الأول، الفائدة الثانية في الوجه الأول: لا يزال محمد بن مسلم بن عبيد الله، يا جماعة! محمد بن مسلم بن عبيد الله، وين الشباب حاضرين هنا؟ الزهري، الزهري اسمه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، لا يزال يتكرر ذكره في أحاديث صحيح البخاري، نحن الآن في الحديث السادس والزهري يأتينا دائماً تقريباً حديث وراء حديث، أو حديثة أحاديث متكررة يأتي الزهري رحمه الله تعالى، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن الزهري، مرة يقال ابن شهاب ومرة يقال الزهري.

لو تذكرون قبل يومين تقريباً في الدرس من حديث إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزهري، لما قلت إنه إبراهيم بن سعد وصالح بن كيسان أقران، وأنه من أمانة إبراهيم بن سعد أنه روى عن صالح صديقي ولم يدلس، الآن إبراهيم بن سعد يروي مباشرة عن الزهري في هذا، ومن تلاميذ الزهري فاتنا هنا قال: حدثنا ابن شهاب سمعته.

الفائدة الثالثة: أن سعيد بن المسيب الذي هو أحد أئمة المسلمين، أحد أئمة المسلمين على الإطلاق وليس أئمة الحديث أو أئمة الفقه، لا، ومن أئمة المسلمين على الإطلاق، هذا أحد أبرز وأهم شيوخ الإمام الزهري، فلو قيل من أين اخذ الزهري علمه؟ نقيل: واحد من أهم روافد علم الزهري هو سعيد بن المسيب، سعيد بن المسيب ولذلك لا يستغرب عن الزهري أنه كان أحد مدارات الأسانيد الكبرى، إذا كان شيوخهم أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وسالم بن عبدالله بن عمر وعباد الله بن عبدالله بن عتبة وعروة بن الزبير والأعرج، لا يستغرب إذاً أن يكون الزهري أحد مدارات الأسانيد الكبرى طالما أن هؤلاء هم شيوخ الذين تلقى عنهم العلم.

عروة يصب على الزهري من نهر عائشة، وسعيد بن المسيب يصب على الزهري من نهر أبي هريرة، وسالم يصب على الزهري من نهر ابن عمر، وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة يصب على الزهري من نهر ابن عباس، واضح؟ فلا غرو أن يكون الزهري بعد ذلك أحد مدارات الأسانيد الكبرى طالما أن هؤلاء هم شيوخ الذين اخذ عنهم العلم. إذاً هذه ثلاث فوائد من الوجه الأول المتعلق بالأسانيد والصنعة الحديثية المتعلقة برواية البخاري وما إلى ذلك.

الوجه الثاني: في بيان شيء من الغريب أو المشكل، أو أما بيان الغريب أو توضيح المشكل مما قد يشكل على قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحد منكم الجنة عمله»، وهنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول إنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، فما وجه الآية والحديث؟ وكيف الجمع بينهما؟ طريقة الأعمال، طريقة العمل تمام، إلا أن يتغمدكم الله برحمة، لكن الفكرة العمل كيف يكون في الآية أن الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون وفي الحديث من يدخل أو لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله؟

هو حل الاشكال في حرف الباء، حلوا الاشكال في حرف الباء هل الباء هنا سببية أو من معناها يدل على المقابلة، يعني هذا الكتاب بخمسمئة، هذا الكتاب يساوي خمسمئة، الباب هنا الباء هنا ايش؟ مقابلة، العمل في الآية ليس الباء في الآية ليست مقابلة وإنما سبب، هذه الجنة ادخلتموها أو اورثتموها بسبب أعمالكم، وإن لم تكن مكافئة لمقدار الجنة، يعني وإن لم تكن وحدها موجبة إيجاب استحقاق، واضح الفكرة؟ وتكون الباء التي في الحديث ايش؟ إذا لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، أي بالعمل الذي يكفي لان يكون وحده هو سبب دخوله الجنة، وإن كان لم ينفي عن هذا العمل أن يكون سببا في دخول الجنة، هذا التوضيح الأول ما قد يشكل في الباب.

الأمر الآخر الذي قد يشكل -الحديث ليس فيه شيء من بيانه الغريب واضح جداً- لكن قد يشكل الأمر الثاني، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا حين سئل عن أي العمل أفضل؟ قال ماذا؟ إيمان بالله ورسوله، ثم الأمر الثاني: الجهاد في سبيل الله. وفي حديث آخر البخاري أيضاً سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ وقال: الصلاة على وقتها. قيل ثم أي؟ قال ايش؟ بر الوالدين. قال ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله. وهكذا مر معنا: أي الإسلام خير؟ وهناك أحاديث متعددة في اختلاف الإجابات عن سؤال واحد، وهو: أي الإسلام أفضل؟ أو أي العمل أفضل؟ أو أي العمل خير؟ أو أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ ومن هنا اشكل على طوائف، أو تعامل العلماء باتجاهات متعددة وبمسالك متعددة مع هذا الاختلاف.

ومن أشهر الإجابات المرضية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجيب باعتبار الأفضلية المطلقة في ذات العمل، وإنما كان يجيب باعتبار أحوال السائلين المخاطبين، أنه ما كان يجيب اعتبار أحوال السائلين والمخاطبين، وهناك مسالك أخرى يكون لها مقام آخر إن شاء الله، لأنه مثل هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل أكثر من من ذلك، لكن هذا من أشهر الإجابات. إن شاء الله في مقام آخر سيأتي التفصيل ما هو أوسع من ذلك.

إذاً هذا فيما يتعلق بالوجه الثاني. الوجه الثالث في الكلام عن هذا الحديث هو في فوائد التربوية والمنهجية والسلوكية:

الأولى تكررت معنا ولا بأس من إعادة المعلومات للترسيخ، أسئلة الصحابة لم تكن أسئلة معلومات مجردة، وإنما كان من أهم أسئلتهم التي يطرحونها على النبي صلى الله عليه وسلم سؤال القربى، السؤال المتمحور على موضوع القربى، أنه يا رسول الله، ما الأمر الذي يقربنا إلى الله أكثر؟ أن لا يشتغل المرء بالإجابة عن هذا السؤال بدعوى أنه مشتغل بتحصيل العلوم التي يقصد بها معلومات الشرعية، وهذا انحراف وهذه حيدة عن منهج الصحابة وطريقة الصحابة الذين كانوا يهتمون في مختلف الجوانب ومن أهمها أين الطريق الأفضل إلى الله سبحانه وتعالى، واضح؟

الفائدة الثانية: إثبات وهذه أيضاً مكررة، إثبات التفاضل بين الأعمال، أن من المهم إدراك هذا التفاضل وهذا التفاوت، ومن ثم تعظيم الأعمال بناء على قيمتها ومركزيتها وأفضليتها في الشريعة.

الفائدة الثالثة وهي فائدة مهمة جداً أرجو الانتباه لها، الآن: الإيمان بالله ورسوله فرض أو ليس فرضا؟ فقط فرض ولا ولا يسمى المرء أصلاً مسلماً إلا به، طيب، الصلاة على وقتها فرض أو ليست فرضا؟ وهي الركن الثاني من أركان الإسلام. الفائدة هي أنه يجب على الانسان أن لا يغفل وهو يؤدي الفرائض التي هي من كبريات فرائض الإسلام، أن لا يغيب عن ذهنه استحضار فضلها، يعني لا يكن المسيطر على المرء هو مجرد إبراء الذمة وأداء الفرض وإسقاط الواجب، واضح؟

وإنما هنا النبي صلى الله عليه وسلم يجيب عن سؤال الأفضل، أحياناً لما تسألي إنه ايش أفضل شي ممكن أعمله حتى أتقرب إلى الله؟ يجي ببالك الأعمال التطوعية صح، إنه مثلاً قيام الليل أو شي من هذا، الرسول صلى الله عليه وسلم يلفت الانتباه هنا لأنه الأفضل هو الأكثر فرضية، الإيمان بالله وبرسوله ما في ماء لا يوجد أفترض، لا يوجد أكثر وجوباً على الإنسان من أن يؤمن بالله ورسوله، ومع ذلك هو أفضل عمل وهو رأس المال.

وهذا يدعو الإنسان أن لا يحتقر من إيماننا وشهادته أن لا إله إلا الله، لأنها أفضل العمل، أنها أفضل العمل، فهذه فائدة مهمة جداً يجب أن لا تغيب عن الإنسان في أو أثناء عباداته وأدائه للعبادات، ولذلك أنت تجد أن كثيراً من النصوص الشرعية تعظم من كلمة لا إله إلا الله: من قال لا فإن الله قد حرم على النار، من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، الأحاديث الكثيرة. هل كانت تلك الأحاديث لترغيب الكفار في الإسلام، أو كانت مخاطب بها المسلمون؟ به المسلمون.

طيب، هل يوجد مسلم لا يقول لا إله إلا الله؟ لا يسمى مسلما إذا لم يقل لا. الحكمة هذا التنبيه والتأكيد من النبي صلى الله عليه وسلم على قيمة لا إله إلا الله، أهمية لا إله إلا الله، بفضل لا إله إلا الله، على أنها فرض، يكون كافرا إن لم تؤده، يؤيد المعنى الوارد في البخاري في حديث القدسي: أن الله سبحانه وتعالى قال: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، كل النوافل لا تساوي في الفضل، لا تقارن في الفضل أمام الفرائض.

وهذا يعيد تقييم الفرائض بالنسبة إلينا، أنه أنا لا أؤدي الفرائض باعتباري إنه هذا واجب علي، إذا لم أده ساكون آثماً، وإذا أديته برئت ذمتي أسقطت الواجب، إذا كان هذا ما يستحضره المرء فقط فهو لم يفقه الشريعة فقهاً حسناً، إذا كان لا، وانه يستحضر مع ذلك أنه هذا العمل على كونه أفترض الفرائض إلا أنه أفضل الأعمال، وهذا يجعل للعبادة طعماً آخر وقيمة أخرى في النفس، واضح؟

ننتقل إلى الباب التالي والحديث التالي، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]، وإذا كان على الحقيقة وهو على قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19].

ثم قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً وسعد جالس، وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، وقال: أو مسلما فسكت قليلاً، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي.

وقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً. قال: أو مسلما؟ فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكبه الله في النار.

ورواه يونس وصالح ومعمر وابن أخ الزهري عن الزهري. الكلام على هذا الحديث من وجوه.

الوجه الأول في بيان الصنعة الحديثية والإسنادية: هذا الحديث مداره على الزهري، من رواه عن الزهري؟ شعيب، وابن أخ الزهري، ويونس، وصالح، ومعمر؛ كل هؤلاء رووه عن الزهري. إذاً، هذا الحديث رواه جماعة من أصحاب الزهري عن الزهري. ذكر الإسناد إلى من منهم؟ إلى شعيب والبقية. لم يذكرها بالإسناد، وإنما ذكرها متابعة، كأنه يقول: تابعه، زي مثل حديث، كأنه يقول: تابعه مين؟ يونس وصالح ومعمر وابن أخ الزهري. من الجديد عليكم اسمه هنا؟ ابن أخ الزهري.

ننتقل لفائدة ثانية مهمة جداً في الصنعة الحديثية: ابن أخ الزهري ليس بذاك من جهة الحفظ، فكيف يكون من رجال البخاري؟ هذا من فئة من يسميهم العلماء: أخرج له البخاري مقروناً، أي أنه لم يخرج له حديثاً منفرداً لم يعضده أحد معه. هناك طائفة من رواة لم لأن يصح أن نقول هم من رجال البخاري؟ تعرفون رجال البخاري، الأصل أنهم هذا الآن موجود في البخاري، لا، هو لم يوجد مفرداً، وإنما وجد مقروناً مع شعيب وصالح ويونس، فكأن هل روايته زادت ولا نقصت؟ هي في بحر شعيب ويونس وصالح وبقية، جيد.

وهذا مثل قولهم: أخرج له مسلم في المتابعات، أو في الشواهد. أحياناً يقولون: مسلم يعمل نفس الطريقة، لكن مو المقرون هذه؛ يخرج الحديث من طريق واحد، يرضى، ثم يذكر أسانيد أخرى للحديث، فيقول: حدثنا فلان قال حدثنا فلان. واحد من الأسانيد اللي تحت الحديث هذا قد يكون فيها راوي ضعيف. السؤال: حين يكون الراوي ضعيفاً، هل معنى تضعيف المحدثين إياه أنه لا يصيب؟ ايش معنى تضعيف المحدثين إياه؟ أنه بلغ الخطأ في رواياته القدر الذي لا يجعلنا نعتمد على رواياته، صح؟ فإذا وافق غيره من الثقات، يكون قد أصاب ما أخطأ عصام، فما المانع أن أروي الحديث الذي أصاب فيه بموافقة والثقات؟ وبالتالي لا يصح أن يقال مسلم أخرج للضعفاء، لا، مسلم روى في الشواهد والمتابعات للحديث الذي رواه الثقة ووافقه عليه الضعيف. واضح الفكرة؟ وأخرج البخاري لابن أخ الزهري مقروناً لحديث رواه شعيب ومعمر ويونس وصالح، واضح الفكرة، جيد.

ما يحتاج أنبه للفائدة الثانية لأنه الزهري، الزهري صاحبنا من بداية البخاري، من بداية القراءة في البخاري والزهري يأتي وهنا رافد جديد من الروافد التي تصب في علمي الزهري، وهو من نهر من أنهار هو الرافد. بسم الله النهر سعد. يحتاج تقول شيئاً عن سعد؟ تحتاج تعرف بسعد بن أبي وقاص؟ سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة. فسعد بن أبي وقاص نهر، نهر تصب إحدى روافده أيضاً إلى الزهري عن طريق عامر بن سعد.

وللمرة الثانية هذا اليوم لا تستغربوا أن يكون الزهري أحد أركان السنة إذا كانت روايات الصحابة أنهار، إذا كانت أنهار الصحابة تصل إليه عن طريق هذه الروافد. والعجيب أن هؤلاء الروافد ليسوا مجرد ثقات عاديين؛ سعيد بن المسيب من أئمة المسلمين الكبار، عروة بن الزبير من أئمة المسلمين الكبار، سالم بن عبد الله بن عمر من أئمة المسلمين الكبار أحد الفقهاء السبعة وغيره أيضاً، أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أحد الفقهاء الكبار. وهكذا قل ما شئت من هذه الروافد.

الوجه الثاني من الكلام عن هذا الحديث: في بيان ما قد يشكل، أو في بيان ما قد يكون غريباً وتوضيح ما قد يشكل. أما الغريب، يعني ربما تكون كلمة رهط فقط وليست بتلك الغرابة، رهط يعني الرجال ما بين الثلاثة إلى العشرة، طيب.

لكن هناك ما قد يشكل، هناك ما قد يشكل فيحتاج إلى بيان. الذي قد يشكل هو الكلام في الإيمان والإسلام، أنه قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا. فما المراد بأسلمنا هنا؟ هل قيل لهم ذلك لأنهم كانوا منافقين؟ فقال لهم الله سبحانه وتعالى: قولوا أسلمنا لأن إسلامكم لم يكن أصلاً حقيقياً، وإنما كان كما بوب البخاري، إيش بوب البخاري؟ ها، إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام والخوف من القتل.

الآن إذا جاء واحد منافق وعند النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يعصم دمه أو لا يعصم؟ يعصم دمه، ولو كان في الظاهر كافراً منافقاً في الباطن عذراً، ولو كان في الباطن كافراً بسبب نفاقه. فهل هؤلاء الأعراب الذين قال الله فيهم أو قال الله لهم: لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، هل هذا بسبب أنهم كانوا منافقين لأن إسلامهم كان من قبيل الاستسلام لأجل الخوف من القتل، أو لأنهم حققوا درجة في الدين حقيقية وصحيحة وصادقة ولكنها لم تصل إلى حد الإيمان؟ في خلاف بين العلماء المتقدمين.

البخاري من خلال هذا الاستشهاد ما الذي يتبناه برأيكم؟ إنه يتبنى إيش؟ أنه ما كانوا مسلمين حقاً، صح؟ طيب، وبالتالي البخاري لا يتبنى أن هناك فرقا بين الإسلام والإيمان، وإنما هما شيء واحد. من يتبنى أن الإسلام شيء والإيمان شيء، تشكل عليه الآية؟ لا، تتلى عليه الآية، سيقول: إن الله قال لهم قولوا أسلمنا لأن الإسلام دون الإيمان، والإيمان يعني معنى آخر، وبالتالي هم حققوا شيئاً ولم يحققوا ما هو أعلى منه.

أما من يقول إن الإيمان والاسلام شيء واحد، تشكل عليه الآية، اليس كذلك؟ لأن الآية فرقت بينهما، وهو يحتاج أن يجيب عن هذا التفريق، أليس كذلك؟ يجيب عن هذا التفريق، وبالتالي يأتي القول بأنه لا، قولوا أسلمنا أي ظاهراً، أي أنكم أسلمتم استسلاماً بس لأجل أن تعصم دماؤكم ولأنما لم تسلموا على الحقيقة. أيوه، لما يدخل الإيمان في قلوبك، قال هنا: وإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، فقد يطلق الإسلام ويراد به هنا لا، الصحيح يراد به الإيمان، بس أقصد هنا في الآيتين أنه قد يطلق الإسلام ويراد به ما يتقى به العقوبة من الشهادة الظاهرة وإن لم يكن هناك إسلام حقيقي. وقد يطلق الإسلام ويراد به الإسلام الحقيقي، الآية الإطلاق الثاني توافقه آية إن الدين عند الإسلام، والاطلاق الأول توافقه آية: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14].

الارجح والله تعالى أعلم هو أن هناك فرقاً بين الإيمان والإسلام، ولكن يشكل على من يقول بهذا التفريق، أو على بعض من يقول بهذا التفريق، أن الإسلام أحيانا يأتي يعني من يقول بالتفريق، ماذا يقول؟ إن الإسلام هو ماذا والإيمان هو ماذا؟ إن الإسلام هو الأعمال الظاهرة والإيمان هو التصديق القلبي أو الأعمال الباطنة. وهذا الذي يوافق حديث جبريل، لما سأله عن الإيمان قال إيش؟ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. هذا أعمال ظاهرة ولا تصديق قلبي؟ تصديق قلبي، وقال للإسلام: ها، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة. تمام.

لكن هناك أحاديث أو آيات وأحاديث أخرى فيها ما يدل على إطلاق مثلاً الإيمان، وواضح أنه السياق يتكلم عن العمل الظاهر، أو الإسلام والسياق يتكلم عن تصديق. ومن هنا جاءت القاعدة الشرعية أو العلمية المعروفة عند العلماء وهي من القواعد الجليلة وهي قاعدة صحيحة: أن الإيمان والإسلام إذا افترقا أجتمعا، وإذا أجتمعا افترقا؛ إذا أجتمعا في الذكر افترقا في المعنى، وإذا افترقا في الذكر أجتمعا في المعنى. فإذا أطلق الإيمان وحده ولم يذكر معه الإسلام فيراد به الإيمان والاسلام بالاعتبار التفريقي، وإذا ذكرا سوياً كان للإسلام معنى وللإيمان.

أيهما أعلى بهذا الاعتبار؟ الإيمان. والإيمان هنا لا يراد به مطلق التصديق، معنى مطلق مطلق لا، فين ذكرته سابقا في دروس البخاري؟ فرق بين مطلق وفك مطلق. ذكرت في دروس البخاري؟ أنا ذكرته في واحد من الدروس خلال قبل أسبوعين يمكن، ثلاثة أسابيع، بس ما أدري فين ذكرت بأي دروس. ايش الفرق بين المطلق والمطلق؟ ها؟ مطلق أدنى ما يصدق على الشيء. يقول لك مطلق الإيمان أدنى ما يصدق عليه الإيمان، الإيمان المطلق ايش معناه؟ الإيمان الكامل. واضح.

واضح الفكرة؟ طيب. المدارج ربما، طيب. فالإيمان لما نقول إن الإيمان المراد به العمل الباطن، وهل المراد به مطلق العمل الباطن أو المراد به درجة أعلى؟ درجة أعلى، واضح، وليس المراد به مطلق التصديق. لماذا؟ ها؟ لأن الإسلام لا يصح أن يكون إسلاماً إلا بوجود مطلق التصديق، واضح.

الإسلام الذي له معنى خاص لا يصح أن يسمى إسلاماً إذا كان عملاً بدون تصديق كذلك، وبالتالي حين تقول الإيمان هو عمل تصديقي باطن والإسلام هو عمل ظاهر، فلا يراد بالإيمان مطلق التصديق، أي أدنى ما يصدق عليه التصديق، وإنما يراد به درجة عالية تقتضي تقتضي إيش؟ درجة أعلى في العمل، تقتضي وتستلزم درجة أعلى العمل.

ومما يدل على ذلك نفس آيات سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 14-15]. هؤلاء الصادقون إذا قالوا آمنا فذكر من لوازم إيمانهم، أو ذكر أولاً أنه آمن بالله ورسوله، هذا تصديق، ثم لم يرتابوا، لم يشكوا، كان إيماناً يقينياً جازماً، استلزم هذا أنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.

طيب، نكتفي بهذا في بيان المشكل، أو في شيء يحتاج إلى توضيح أيضاً الحديث، وقد يشكل معنا لا أعجبهم إلي المقصود بها، أكملهم نعم، أكملهم أفضلهم. طيب، هو في شيء أيضاً قد يشكل من قراءة الحديث لكني أتجاوزه فقط لأجل الوقت، لن أذكره لأني لن أذكر الجواب عنه، سأتجاوز لأجل الوقت حقيقة.

فدعوني أنتقل إلى الوجه الثالث، وهو الفوائد التي يمكن تستنبط من الحديث. الفائدة الأولى، الفائدة الأولى هي وإن كانت ليست الجزء الأول من الحديث، في آخر جزء، ولكنها في الذكر هي الأولى، أن تثبيت الإيمان لبعض ضعاف النفوس أو ضعاف الإيمان بالشيء الدنيوي هو أمر مشروع، بل مستحب، بل سنة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألف أقواماً في دخول ليدخلوا في الإيمان، أو ليثبت الإيمان في قلوبهم، في أشياء دنيوية، نظراً لأن فيهم من الضعف وفيهم من قلة الإيمان ما يحتاجون معه إلى جبر دنيوي، لأن المعيار الدنيوي عندهم مرتفع، فيدخل إليهم من المعيار المرتفع الذي هو الدنيا، ليرفع المعيار الآخر الذي هو الآخرة.

ودخولهم ودخول النبي صلى الله عليه وسلم عليهم من المعيار الدنيوي، دخول ينتمي إلى دائرة الأخروي، يعني أقصد هو أتاه هذا اللفظ الدنيوي بسبب الإسلام، واضح، بسبب النبي صلى الله عليه وسلم، أو بسبب الزكاة، أو بسبب في حب الإسلام، لما فيه من الخير الذي جاءه، وإن كان خيراً دنيوياً، فيزداد حبّاً للإسلام وفي، ويصدق فيه قول من قال: كنت أكره النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يعطيني حتى صار أحب الناس إلي.

وهنا النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي بعض الناس خشية أن يكبهم الله. وهذه قضية، طبعا هذه القضية أول شيء القرآنية، الله سبحانه وتعالى جعل من مصارف الزكاة، مصارف الزكاة المفروضة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 60]. فهذه في القرآن، أنه الإنسان قد يؤلف قلبه، والمؤلفة قلوبهم على قسمين؛ قد يكون كافراً يطمع في إسلامه، أو مسلماً مهزوزاً هذا، وخاصة لو كان يعني من رؤساء القبائل والعشائر ممن يرجى ويطمع في إسلامه، في في تثبيت الإيمان لديهم.

القضية المهمة هنا أنه الإنسان يكون فقيهاً في الدعوة إلى الله بحسب أحوال المخاطبين، بحسب درجات من أمامهم، لا يتعامل مع الناس بدرجة واحدة، وأنت حين تخاطب الناس يجب أن تدرك أن هؤلاء الناس مثلاً ترى المعيار الدنيوي عندهم مرتفع، وهؤلاء المعيار الأخروي مرتفع. قال: إني الرسول صلى الله عليه وسلم: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، يعني يا سعد، لا تظن أن ما أعطيه من الدنيا هو المعيار التفضيلي هو، ولاجل أن هذا ناقص عنده نقص، أنا أجبره بهذا الشيء الدنيوي، لكن أنا تركت الكامل اتكاء على كمال.

ولذلك في البخاري أيضاً من حديث آخر، من حديث عمرو بن تغلب قال رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأعطي الرجل، أو إني لأعطي أقواماً وغيرهم أحب إلي منهم، أو أو أوكل أقواماً، أو أوكل أقواماً إلى إيمانهم أو إلى ما جعل الله في قلوبهم من الإيمان والخير منهم. عمرو بن تغلب، واضح.

الداعية يجب أن يكون بهذا الوعي، وأن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ما ينظر بالمنطق الجامد الذي يقول أنه: آه، هذه دنيا، أنت تعودهم على الدنيا تعطيهم فلوس، إيش الفائدة أنه لا، قد يعطى، قد يستعمل الدنيا لضعاف النفوس رحمة بهم، وطمعاً في إسلامهم وفي نجاتهم من النار، لأنه النبي صلى الله عليه وسلم يقول هنا.

إنما دفعه لإعطاء هذا المال هو خوفاً عليه من أن يكب في النار؛ لأنه يعلم أنه إن أعطاه المال سيحب الإسلام أكثر، واضح؟

هذه قضية في غاية الأهمية، وتعلمون قصة حنين لما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم، تكلمنا عنها في حديث الأنصار. هذه قضية في غاية الأهمية في المنهج الدعوي وفي الفقه الدعوي.

الفائدة الثانية هي أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا يربي أصحابه بالتربية اللطيفة والإقناعية. هنا رأى شيئاً، ما هو؟ رأى فعلاً مشكلة، أليس كذلك؟ أن سعداً هو فكر بالطريقة التالية: هذا انسان مؤمن وهذا انسان أقل إيماناً، الرسول صلى الله عليه وسلم معه مال، يعطي الأقل إيماناً ويترك الأحسن إيماناً. طيب، المفترض في رأي سعد أنه هو يعطى الأحسن إيماناً لأنه أفضل.

النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لسعد: لا تتدخل فيما لا يعنيك. لم يقل لسعد مثلاً: لماذا تسأل أسئلة لا علاقة لك بها؟ لم يقل لسعد: أنا النبي الذي يوحى إليّ ولا تعترض. لم يقل ولم يقل ولم يقل.

وإنما أولاً لفت انتباهه إلى قضية مهمة وهي قضية التزكية؛ أنه لا تزكيه، ترى أنت ما تعلم الباطن. فإنه قال: أو مسلما؟ إني لأراه مؤمناً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مسلما؟ يعني مسلم يعني يعمل الأعمال معه أصل الإسلام، معه الأعمال الإسلامية الظاهرة، ولكن ليس بالضرورة أن يكون يعني تام الإيمان أو قوي الإيمان من داخله.

هذه اللفتة الأولى. اللفتة الثانية: أنه شرح له المعنى وبأسلوب حسن لطيف، وهو: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه» إلى آخر الحديث.

هذا يؤخذ منه الهدي النبوي مع الصحابة، وأيضاً يؤخذ منه أنه قد تخفى مثل هذه المسائل على كبار الصحابة؛ فسعد من السابقين للإسلام ومن الكبار، وخفيت عليه هذه المسألة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معه رفيقاً في تعليمه وإن كان سابقا للإسلام ومن كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن الفوائد التي تستخرج من الحديث أيضاً أن الإنسان ينتبه لقضية التزكية، ينتبه لقضية التزكية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه نبهه إلى هذا المعنى لما قال له: أو مسلما؟ يعني وما يدريك يا سعد؟

ومن هنا أثير إشكال عند بعض أهل العلم، أثاروه وأجابوا عنه، وقالوا: قوله مؤمن، ألا يساوي قوله عدلاً لمن يأتي بالشهادة والشهود؟ أنه تعرف شاهد عدل يعدل فلان أو... وقالوا: لا، هذا لم يكن من باب الشهادة، وإنما كان من باب الثناء، ولو كان من باب الشهادة لقبل منه، جيد.

على أي حال، هذا الحديث من الأحاديث التي فيها منهج دعوي يستنبط ويؤخذ ويراعى فيه أحوال الناس وأحوال المخاطبين، وكذلك أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في تصحيح المفاهيم لدى أصحابه بالرفق واللين وإن كان سؤالهم قد أشكل، أو أن كانت مسألتهم في مسائل مشكلة على فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو لن يكون خطأ.

هذا والله تعالى أعلم، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.