الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
نستعين بالله ونستفتح المجلس الثامن عشر من مجالس غيث الساري من هدايات البخاري، ولا نزال في كتاب الإيمان. واليوم الحديث بوب عليه الإام البخاري بقوله: باب ظلم دون ظلم.
قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة. وحدثني بشر، قال: حدثنا محمد، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلۡبِسُوۡاْ إِيمَانَهُم بِظُلۡمٍ﴾ [الأنعام: 82]. قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينا لم يظلم؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول هو الكلام على الصنعة الحديثية والإسنادية. هذا الحديث يمكن أن نتكلم فيه كلاما كثيرا من جهة الإسناد، لأن هناك بعض الرواة المهمين فيه؛ عدد من الرواة حقيقة مهمين فيه. واليوم الحديث يصدر من الكوفة؛ لأن عبد الله بن مسعود هنا... أنتم ترون أن عبد الله لم يبين -أنه- عبد الله من... ولكن هو عبد الله بن مسعود. كيف نعرف أنه عبد الله بن مسعود؟ نعرف ذلك بطرق، منها: من الذي روى عنه؟ الذي روى عنه هنا علقمة، وعلقمة إذا روى عن عبد الله فهو ابن مسعود، إذا أطلق هكذا.
وعبد الله بن مسعود كان شيخا، كان شيخ الكوفة رضي الله تعالى عنه؛ يعني كان أقام بالكوفة وكان قد أحيا مدرسة القرآن في الكوفة. عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه اعتنى بجماعة من نجباء طلاب الكوفة، وهم التفوا حوله وتلقوا عنه الفقه وتلقوا عنه القرآن. ولذلك علقمة هذا كان من الفقهاء الكبار الذين كانوا يشبهون بعبد الله بن مسعود؛ يعني حتى قال بعضهم: لم نر أحدا أقرب سمتا وهديا إلى عبد الله بن مسعود من علقمة. وعلقمة هذا تابعي كبير؛ يعني حتى وفاته كانت مبكرة، يعني هو علقمة هذا توفي قبل بعض الصحابة، وكان قديما وشهد صفين مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، شهد معركة صفين مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
تلميذ علقمة هو أحد المراكز الكبرى في روايات عبد الله بن مسعود، بل لو قلت إن أهم راوي يأتيك في أحاديث عبد الله بن مسعود هو إبراهيم. إبراهيم لم يلق عبد الله بن مسعود، ولكنه لقي أصحابه وتلاميذه، وأخذ عن علقمة وعن مثلا الأسود وغيرهم من أصحاب عبد الله بن مسعود، فاجتمع علم عبد الله بن مسعود إلى إبراهيم النخعي وإن كان لم يدركه. دائما لما تقرأون في كتب التفسير أو كتب الفقه أو غيرها: قال النخعي، قال النخعي، قال النخعي؛ هو هذا إبراهيم، هو هذا إبراهيم وهو أشهر من علقمة، وإن كان علقمة كما وصفه أيضا بعض غيره أنه أشبه بعبد الله بن مسعود؛ أشبه شخص بعبد الله بن مسعود، أنه من الربانيين، من الفقهاء، من القراء، إلى آخره. لكن إبراهيم النخعي أشهر منه فقها وأشهر منه رواية، وهو مكثر جدا من الرواية.
أنا ما أنجزت رقم الفوائد في الإسناد، آتي بها متتالية: من الذي روى عن إبراهيم هنا؟ سليمان. من سليمان؟ سليمان هذا الأعمش. الأعمش من هو؟ الأعمش من هو من حيث الاسم؟ سليمان بن مهران. من هو من حيث المكانة في الحديث؟ هو أحد الرواة الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث الصحيح، أحد الرواة الستة في الحديث الصحيح؛ يعني علي بن المديني كررت عليكم عبارته أنه يقول إن الأحاديث الصحيحة تدور على ستة رواة، واحد منهم الأعمش. وهو من شيوخ الكوفة. إذا، الآن نحن نتكلم عن مجموعة من الرواة المهمين إذا أرادنا أن نتصور الكوفة قبل أبي حنيفة، فلنتصور إبراهيم وعلقمة وهذه المدرسة؛ مدرسة عبد الله بن مسعود. ثم الأعمش، الأعمش طبعا ولد في سنة مقتل الحسين رضي الله تعالى عنه ورحمه؛ يعني عام واحد وستين للهجرة، هذه ولادة الأعمش، يعني كان معاصرا لأبي حنيفة تقريبا؛ من كان أقدم من أبي حنيفة. رحم الله الجميع.
هذا الحديث إذا إسناده كوفي، ولكن ليس كل الإسناد كوفيا، فننتقل إلى نقطة أخرى في الأسانيد، وهي: من الذي روى عن شعبة هذا الحديث؟ أبو الوليد. طيب أبو الوليد هذا الطيالسي. يعني عندنا راويان رويا عن شعبة هذا الحديث. قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، ثم توقف. ثم قال: وحدثني بشر، قال: حدثنا محمد، عن شعبة. صار للبخاري طريقان إلى شعبة؛ الحديث يلتقي عند شعبة، ثم شعبة يروي عن الأعمش. تمام؟
من محمد هذا الذي يروي عن شعبة؟ هذا محمد بن جعفر الملقب بغندر. قال عنه... هناك عبارة مشهورة جدا للإمام أحمد المديني في ذهن لكن سبحان الله نسيت الاسم الآن، مشهورة جدا؛ يعني قال: إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حكم فيما بينهم. إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حكم فيما بينهم. شعبة واسع الرواية، وهو أحد المدارات الكبرى كما سبق الحديث عنه، يروي عنه جماعة كبار؛ منهم عبد الله بن المبارك الإمام، ويروي عنه وكيع الإمام المعروف، ويروي عنه يحيى القطان شيخ الإمام أحمد المعروف، ويروي عنه عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد أيضا المعروف. محمد بن جعفر وإن كان دون هؤلاء حفظا، إلا أنه في شعبة تحديدا من اضبط الناس؛ في شعبة تحديدا من أضبط الناس، وهذا من دقة المحدثين، لا يعطون حكما عاما أنه هذا الراوي هو الحافظ في كل شيء؛ لا، محمد بن جعفر لم يكن حافظا بشكل عام ولكن في شعبة -طبعا هو جيد ثقة، صدوق- لكن في شعبة تحديدا ضابط متقن، من أشد الضبط والاتقان. وشعبة زوج أم غندر. نكتفي بهذا القدر الآن؛ ما يكفي هو من حيث الكلام الإسنادي، لكن نكتفي بهذا القدر.
ننتقل إلى الوجه الثاني من الكلام على الحديث. الحديث واضح من جهة الألفاظ، ربما لا يحتاج شيء منه إلى تعليق، وإنما ننتقل مباشرة إذا للوجه الثالث، وهو: ماذا يمكن أن نستفيد من فوائد منهجية أو تربوية أو في السيرة النبوية أو في هذا الفلك بشكل عام؟ حقيقة، هذا الحديث على أنه قصير جدا، إلا أن فيه فوائد متعددة، ويمكن أن نستخلص منه دروسا.
أول فائدة يمكن أن نخرج منها أو نخرج بها، هي فائدة أصولية؛ يعني فائدة في منهجية الاستدلال. الآن النبي صلى الله عليه وسلم فسر آية بآية، وكشف عن ما أشكل على فهم الصحابة حول آية بآية أخرى، مما يؤسس لمنهجية الجمع بين النصوص، بيان مجمل النصوص بنصوص أخرى. وهذا كما أنه في القرآن وفعله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، فهو في السنة كذلك، بمعنى أنه لابد لطالب العلم أن يفهم جيدا أن الشريعة لا تفهم بالاجتزاءات ولا بفهم النص الواحد، وإنما تفهم الشريعة بضم النصوص إلى بعضها.
فهنا لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلۡبِسُوۡاْ إِيمَانَهُم بِظُلۡمٍ﴾؛ ظلم هنا نكرة، فهم منها الصحابة جميع أنواع الظلم. ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾؛ لهم الأمن، ماذا تفيد؟ هل تفيد الاختصاص أو الحصر؟ لأولئك لهم الأمن، لهم وحدهم. الصحابة لما سمعوا هذا النص قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ يعني إذا كان الذين اختصوا بالأمن هم من لم يخالطوا أو يلبسوا أو يخلطوا إيمانهم بأي نوع من أنواع الظلم، إذا لم ينج أحد منا، لأنه ما من أحد منا إلا وخلط إيمانه بشيء من الظلم، كل المعاصي تعتبر من الظلم.
هذا الآن فهم الصحابة لهذا النص بألفاظه. هل هو صحيح من جهة الألفاظ أو ليس صحيحا؟ صحيح، صحيح من جهة الألفاظ. طيب هل هو صحيح من جهة مطابقة مراد الله سبحانه وتعالى أو ليس صحيحا؟ ليس صحيحا. إذا ليس كل تفسير للنص يوافق ألفاظه يكون صحيحا؛ ليس كل تفسير لنص شرعي يوافق معنى الألفاظ يكون صحيحا.
فما بالك لو كان التفسير أصلا غير موافق للألفاظ؟ يعمي الآن نحن من جملة التحريف للشريعة الموجودة اليوم عند كثير من -يعني سواء مثقفين أو حداثيين أو إلى آخره- أنه هو أصلا يفسر النص بألفاظ غير صحيحة أصلا. لكن دعونا من هذا المقام؛ الآن واحد يفسر النص بتفسير صحيح مطابق للفظ، هذا ليس كافيا لإثبات صحة التفسير. وهنا الصحابة، الصحابة لم يكن ينقصهم العلم باللغة العربية حتى يكون فهمهم لهذه الآية خاطئا من جهة معاني الألفاظ؛ الصحابة يفهمون إيش معنى النكرة هنا: بظلم، تشمل أنواع الظلم. ومع ذلك، صرف هذا النص عن معناه، عن ما يظهر في لفظه من معنى تعميم أنواع الظلم، فسر وحصر بنص آخر نزل في... يعني أو في سورة أخرى تماما، تبين المراد بهذا الظلم: ﴿إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٌ﴾. إذا الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أي لم يلبسوا إيمانهم بشرك، فالمراد في هذه الآية هو نوع من أنواع الشرك الظلم، وليس جميع أنواع الظلم، مع أن اللفظ يفيد جميع أنواع الظلم، إلا أنه حصر أو خص بنص آخر من القرآن.
هذا الآن، هذه منهجية مهمة جدا جدا في فهم نصوص الشريعة. طبعا هذه قاعدة من حيث الأصل معروفة، كلنا نعلم أنه لابد من الجمع بين النصوص، لكن لو قال لك قائل: أين دليلك على هذا؟ يعني لماذا تقولون لابد أن نجمع النصوص؟ قلنا: انظر هذا مثال، الصحابة فهموا من النص شيئا واستشكلوه وجاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم رفع لهم الإشكال أو رفع عنهم الإشكال بتقييد النص بنص آخر، فهذه قضية منهجية في غاية الأهمية.
حسنا، سؤال آخر: هل توجد قرينة أخرى تحمل الظلم هنا على الشرك غير آية سورة لقمان؟ هذه فائدة جليلة استفدتها من أحد العلماء الكرام، أشار هو إلى هذا المعنى، لم أتم به من عندي؛ يعني ليس استنباطا من عندي، وإنما استفدته من أحد العلماء في هذا الباب. يقول: اقرأ الآية التي قبلها، سبحان الله تكشف المراد. الآية التي قبلها يقول فيها إبراهيم عليه السلام: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾. الآية تتكلم هنا عن الأمن؛ أنه أنتم يا مشركون تريدون مني أن أخاف آلهتكم بينما أنتم من المفترض أن تخافوا، لأنكم أنتم الذين أشركتم، فأي الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بظلم﴾، أي بشرك، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُونَ﴾. حين تقرأ الآية وحدها تشكل عليك من جهة لفظها، وإذا قرأت بالسياق واستوعبت السياق بأطرافه، فيمكن للإنسان أن يفهم أو يدرك هذا المعنى. لكن هل هذا العالم أدرك هذا المعنى قبل تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم له؟ يعني قبل أن يقف على تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الظلم هنا هو الشرك؟ لا أظن ذلك، يعني النبي صلى الله عليه وسلم نبه إلى هذا المعنى ثم الإنسان يرجع ينتبه للسياق يستبين له. هذه كلها الآن الفائدة المنهجية الأولى.
الفائدة الثانية: هذه الآية تتحدث عن سبب من أسباب الهداية. الله سبحانه وتعالى إذا كان قد أنزل القرآن لنهتدي به، فانه قد ذكر القرآن علامات الاهتداء وطرق الاهتداء والأعمال الموصلة إلى الاهتداء. وهذه الآية واحدة من الآيات الدالة على طريق الاهتداء أو الهداية. ما هو العمل المذكور في هذه الآية الذي يقود إلى الهداية أو يقود إلى الاهتداء؟ هذا العمل هو تحقيق التوحيد لله سبحانه وتعالى، وتصفية الإيمان من أن يخالط صاحبه شرك؛ يعني كلما حقق الإنسان الإخلاص، وكلما جاهد نفسه ليصرف عنه دواعي الشرك والرياء وما إلى ذلك، كان أدعى لأن يقاد إلى الهداية. الإخلاص طريق إلى الهداية، الإخلاص طريق إلى الهداية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
الأمر الثالث والفائدة الثالثة هي: أن السؤال عما يشكل من النصوص الصحيحة ليس محرما ولا ممنوعا، ولكن يكون له صيغة، أو يكون ملبسا بما يدل على الاحترام والتقدير. الصحابة هنا سألوا عن هذه الآية سؤالا، استشكلوا معناها، استشكلوا ما يتعلق بها من معنى، ومع ذلك لم يزجرهم النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقل لهم مثلا: آه، قال الله ذلك وخلاص، يعني لا؛ الله سبحانه وتعالى قال ذلك، وهم يعلمون أن الله قال ذلك سبحانه وتعالى، ويعلمون أن هذا النص صحيح، ولكنهم استشكلوا المعنى، فسألوا عن المعنى الذي استشكلوه حول الآية، ولكن أسلوبهم في السؤال كان أسلوبا لا يدل على شيء من عدم التعظيم. أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم دون تأنيف، دون زجر، دون... إلى آخره. وهذا كان يغرس في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم معاني عظيمة جدا، وهو أن الإنسان إذا سأل واستشكل، فمن المهم أن يجاب على قدر سؤاله وعلى قدر استشكاله، ما لم يكن سؤاله تعنتا وما لم يكن سؤاله محظورا.
فهذا من الفوائد التي يمكن أن تستفاد من هذا الحديث. الفائدة الأخيرة هي أن القرآن الكريم يلفت الانتباه إلى أشياء مهمة قد لا تخطر ببال الإنسان من جهة مراتب الذنوب. الآن إذا قلت لأي شخص: ما هو الظلم؟ أعطني صورة من صور الظلم، سيقول لك مثلاً: التسلط على الضعفاء. يقول لك مثلاً منع الرواتب عن العمال، سيقول لك إلى آخره من صور الظلم المعروفة.
لكن أن يكون الشرك ولو لم يتسلط صاحبه على شخص آخر، ليس فقط ظلماً عادياً، بل يكون ظلماً عظيماً، فهذا مما أشارت إليه وأرشدت إليه الشريعة. وهذا من تصحيح المفاهيم وتوسيع الأفق والنظر، أنه الإنسان لا ينحصر في قوالب جامدة في تفسير المعاني والألفاظ. الشريعة تقول لك: ليس الظلم منحصراً في أن تتسلط على شخص أو أن تظلم شخصاً، وإنما أعظم الظلم أن تجعل لله شريكاً، لأنك وضعت العبادة في غير موضعها.
وهذا من الأمور المهمة التي تحتاج إلى تأكيد وتحتاج إلى تنبيه وتحتاج إلى لفت انتباه، وخاصة في هذا الزمن. تعرفون مثلاً من الحوادث المتأخرة التي حصل حولها جدل أنه والله فلانة ملحدة وشاذة وما أدري ايش وكذا، ولكن ليش أنتم زعلانين؟ خلونا ندعي لها بالرحمة. ندعي لها بالرحمة. طيب، بعيداً عن أنه هي لا تعترف بالرحمة الإلهية، لا تعترف أنه في جنة، لا تعترف أنه في، وممكن تقول: أنتم من جدكم تدعوا لي بالرحمة؟ طب أنا ما أعترف أنه في خالق، ليش تدعوا لي بالرحمة من الخالق اللي أنا ما أعترف بوجوده؟ بعيداً عن هذا.
الآن، ما المعيار؟ ما المعيار الذي قيمتم لأجله فعل هذه المرأة أنها تستحق الإكرام، وخطأتم من حكم عليها بأنها لا تستحق الرحمة الإلهية؟ ما المعيار؟ يعني بناء على ماذا؟ دعونا نسأل السؤال بطريقة أخرى: هل كل من مات تتعاملون معه بهذه الطريقة؟ هل من تصفونهم بالغلو والتشدد يتعاملون معهم بنفس الطريقة حين يموتون؟ ولا يكتبون منشورات مباشرة فيها فرحة بهلاك الرجعيين المتنطعين اللي كانوا مانعين البسمة من العالم، وكانوا قد صبغوا الدنيا بسواد حالك، وما أحد صار يقدر يضحك ولا يقدر ينبسط ولا يقدر شيئاً إلا من يخلصه؟
الآن صارت القضية أنه هو إنسان ومات، واللي صار القضية أنه عندك معيار تقيم عليه الواقع، لا أنه هو عنده معيار تقيم عليه. هو في ناس لمن يموتون يسعد أنهم ماتوا، وهناك أناس حين يموتون فإنه مباشرة يتكلم عن الرحمة والإنسانية وإلى آخره. طب ماشي، خلينا نحنا نشوف المعيار، ما المعيار، ما الأرضية التي تنطلق منها؟ ما المرجعية التي تستند إليها في هذا التقييم؟
أما نحن فنستند إلى مرجعية واضحة، وهي الوحي الذي ثبتت عندنا صحته بالبراهين والأدلة الكثيرة جداً، وأصوله واضحة؛ الكون له خالق أمر بأوامر، هذه الأوامر عدل، وهي تكلم بها وامر بها من لا أحسن منه حكماً إلى آخره. وبقدر ما يلتزم الإنسان بهذه الأوامر يكون مكرماً، وبقدر ما يبتعد عنها يكون مهاناً. القضية واضحة تماماً، أصولها واضحة ومرجعيتها واضحة، تمشي على الجميع.
أنت ما مرجعيتك؟ ما الأصول التي أنت قيمت عليها؟ ما المعيار الذي تصدر به الأحكام؟ والله مثلاً ما استحسنته أنا. تمام؟ أنت استحسنت شيئاً، أنا استحسنست ضده. ما الذي يجعل استحسانك أولى من استحساني؟ ما الذي يجعل استحسانك أولى من استحساني؟ لك ثلاث عيون مثلاً؟ لك قرون زائدة؟ ايش اللي يجعل استحسانك ورأيك أولى من استحساني ورأيي إذا كانت القضية هي مجرد آراء واستحسانات؟
حسناً، إذا لم تكن القضية مجرد آراء واستحسانات، فأخبرني ما المعيار؟ أخبرني ما المعيار وما المرجعية التي تولد منها الأحكام وتقيم عليها الأشياء؟ فإذا قال: ما يستحسنه الناس، فهذا ليس صحيحاً، لأن استحسان الناس مختلف، وأنت ترى أن الناس لا يتفقون على شيء. فإن قلت: ما يستحسنه العقل، قلنا لك: والعقول كذلك مختلفة في استحساناتها. وهناك أشياء تتفق عليها العقول وهناك أشياء لا تتفق عليها العقول. فما اتفقت عليه العقول مثل استحسان مبدأ العدل كشكل عام فهذا جيد، ولكن يبقى: محددات العدل ما هي؟
ونحن نرى ونعتقد أن جحود الخالق سبحانه وتعالى هو اعظم الظلم، وهو تنكر تام للعدل إلى آخره من الكلام. على أي حال، الفكرة والقصد هي أن الناس يختلفون في معاييرهم، ونحن نستمد معاييرنا من المرجعية العظمى، وهي الوحي الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم.
هنا الله سبحانه وتعالى يقول، كما استدل به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «إن الشرك لظلم عظيم». إذا كنتم تكرهون الظلم، فنحن أكره منكم للظلم، ولكننا لا نحصر الظلم فيما تحصرونه أنتم، بل معنى الظلم عندنا واسع، ومن أهم ما يدخل فيه هو الشرك. هذا والله تعالى أعلم، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد